أبومنير
28-08-2008, 09:52 PM
إستقبال رمضان
الحمد لله ، سهل للعباد طرق العبادةِ ويسر، وأفاض عليهم من سحائب الجود وسوابغ الإنعام مالا يعد ولا يحصر، أحمده سبحانه وأشكره، شرع مواسم وهيأ مناسبات ينيب فيها العبد إلى ربه، ويغسل قلبه وجوارحه من دنس الذنوب ويتطهر، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، نبيٌ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، صل الله وسلم وبارك عليه ما اتصلت عين بنظر وأذن بخبر، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المحشر، أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرةِ ربكم ورضوانه وجناته، أيها المسلمون: ما هي إلا أيام قلائل حتى تكتمل دورة الفلك ،ويشرق على الدنيا هلال رمضانَ المبارك ،الذي تهفو إليه نفوس المؤمنين، وتتطلع شوقا لبلوغه، لتنتظم في مدرسته التي تفتح أبوابها في كل عام، لتستقبل أفواج الصائمين ،، مع ضجيج الحياة وزحام الدنيا، مع النزوات العابرة، والشهوات العارمة ،تأتي مدرسة رمضان لِتُعِيدَ للقلوب صَفَائَها، وللنفوس إشراقَهَا، وللضمائر نقائَهَا، يجول رمضان في أرجاء النفس، فيغرس بذور الخير والصلاح ،إننا في عصر ينشد المتاع من ألف وجه، فلنلو الزمام إلى الباقيات الصالحات ، قال تعالى { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } كنا نودع شهر رمضانَ الماضي، وكأن صفحاتِه قد طويت قبل أيام ،واليوم يستقبله المسلمون بعد مرور عام ،عامٌ مضى ذهبت لذته، وبقيت تبعته، نسيت أفراحه وأتراحه، وبقيت حسناته وسيئاته، نعم ستنقضي الدنيا بأفراحها وأحزانها، وتنتهي الأعمار على طولها وقِصرها، ويعود الناس إلى ربهم ، بعدما أمضوا فترة الامتحان على ظهر الأرض { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ،فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ } ثم تُصبح الدنيا ذكريات، وهنا من ينتظر رمضان على أمل ،ولا يدري فقد يباغته قبل ذلك الأجل ، قال تعالى { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } إن بلوغ شهرَ رمضانَ نعمةٌ عظيمة، ومنةٌ جسيمة، على من أقدره الله عليه ،فاللهم سلمنا إلى رمضان ،وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلا يا رحمن، نبشركم إخوة الإسلام بأشرف الشهور، الذي يأتي بعد طول غياب، ويفد بعد فراق، نبشركم كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم ،يبشر أصحابه فيقول « أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ ،فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ،لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ». كيف لا يُبَشَرُ المؤمنُ بشهرٍ يفتح الله فيه أبواب الجنة ،كيف لا يبشر المذنب بشهرٍ يُغْلِقُ اللهُ فيه أبواب النار، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل الله فيه الشياطين، شهر لا تُحْصَى فضائله، ولا يحاط بفوائده، لقد كان رمضان غرةً في جبين أمتنا كل عام، قد كان شهر الفتوحات ،فهناك غزوةُ بدر، وفتح مكة ،وفتح الأندلس ،وحطين وغيرها ! إلا أنه في زماننا من يَطْمِسُ نور رمضان، ويُزيل بهاءه ويفسد ثمرته، ويَنْقُضُ حكمه بأحوالٍ يرثى لها ،فمن الناس من يهرب في شهر القرآن من الجو الرمضاني، مبارزاً الله بالمعاصي والغواية، ومنهم من همه كيف يفرغ النهار للنوم ،والليل للسهر واللهو، ومنهم من يمتهن هذا الشهر بأخلاقياتٍ مشينة، فتعامله غلظةٌ وفظاظة ،وحديثُه غيبةٌ ونميمة، فربَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش !! إن أعظم مطلبٍ لهذا الشهر ،إصلاحُ القلوب ،فالقلب الذي ما زال مقيما على المعصية، يُفَوِّتُ خيراً عظيما، فرمضانُ هو شهر القرآن، والقلوبُ هي أوعية القرآن ومستقرُ الإيمان، فكيف بوعاء لُوِّثَ بالآثام ،كيف يتأثر بالقرآن، وهذا هو التفسير لحالنا ،وحال أناسٍ ينتظمون في الصلاة ،وسرعان ما يتسرب إليهم الملل، وتتملكهم السآمة ،وآيات الله التي لو نزلت على جبل، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله تطرق أسماعهم، ذلك أن القلوب القاسية، لم تُطَهَّر لاستقبال كلام الرحمن ،قال الحسنُ البصريُ رحمه الله { لو طَهُرَتْ قُلُوبُكُم ما شبعت من كلام ربكم} أخي المسلم :قدم بين يدي رمضانَ توبةً صادقة، تصلح القلب ،وتجلبُ الرحمات والخيرات، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً، عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ،يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ،يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ،إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إن شهر رمضانَ هو شهر المغفرة، والتجاوزَ عن الخطيئة، والشحناء والقطيعة من موانع المغفرة ، لذا يُستقبل رمضان ،بتهيئة النفوس وتصفيتها من الضغائن والأحقاد، التي قطعت الأرحام، وأنهكت القوى، ومزقت المسلمين شر ممزق ،فالذي يطل عليه رمضان عاقا لوالديه، قاطعا لأرحامه، هاجرا لإخوانه ،أفعاله قطيعة، دوره في المجتمع النميمة ،هيهات هيهات أن يستفيد من رمضان، قال تعالى { فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ، وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فهلا جعلنا هذا الشهر الكريم انطلاقا للسمو، والترفع عن سفاسف الأمور، والحذر من كل ضلالة وزور، معاشرالمسلمين: رمضان شهر الموالاة للمؤمنين، والمواساة للفقراء المساكين، مِنْ حِكَمِ رمضان، أن يتفاعل المسلم مع إخوانه في شتى البقاع ،ويتجاوب مع نداءات الفقراء والضعفاء ،متجاوزاً بمشاعره كل الفواصل، متسلقا بمبادئه كل الحواجز، يتألم لألآ مهم، يحزن لأحزانهم، يشعر بفقرائهم ،، مبتدءاً بالموالاة والمواساة من بيته وموطنه ،ولإخوانه من بني جلدته، وصحبه وأقاربه، يُسْتَقْبَلُ رمضان بنفس معطاءةٍ بالخيرِ فياضة ،ويَبْسُطُ يده بالصدقة والإنفاق، {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ، كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ،فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ، وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ، وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } إن شهر رمضانَ هو شهر النفحات، والرحمات والدعوات، والمال الحرام سبب البلاء في الدنيا ويومَ الجزاء، لا يستجاب معه الدعاء، ولا تفتح له أبوابَ السماء ،لذا يُستقبل رمضان بتطهير الأموال من الحرام، فما أفظعها من حسرةٍ وندامة ،أن تلهج الألسنَ بالدعاءِ ولا استجابة ، وربنا تبارك وتعالى يقول {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فانظر في نفسك، وأبحث في بيتك ،وأدخل يدك في جيبك، وتطهر من كل مال حرامٍ ليس من مالك، حتى تقف بين يدي الله بقلب خاشع، ومال طاهر، ودعاء صادق يصعد في الفضاء، وتفتح له أبواب السماء ، أخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ». إن الذين يستقبلون رمضان على أنه مدرسةٌ لتقوية الإيمان، وتهذيب الخلق ،وتقويةِ الإرادة، هم الذين يستفيدون منه، فيجدون في نهاره لذة الصابرين، ويجدون في مسائه وفي ليله، لذة المناجاةِ في ساعاتها الغالية ،هم الذين تفتح لهم أبوابُ الجنان في رمضان ،وتُغلق عنهم أبواب النيران، وتتلقاهم الملائكة ليلة القدر بالبشر والسلام، هؤلاء هم الذين ينسلخ عنهم رمضان مغفورا لهم ذنوبهم ،مكفرة عنهم سيئاتهم، مجلوةً قلوبهم ،مجددةً بقوة الإيمان عزائِمُهم، اللهم اجعلنا منهم ،ووفقنا لما تحبه وترضاه ،من صالح القول والعمل،إنك سميع مجيب ،أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي اختار للخيرات أوقاتا وأياما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب المغفرة لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله بعثه الله للناس إماما ،صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ما ذكره الذاكرون قعودا أو قياما، أما بعد فاتقوا الله عباد الله ،ثم اعلموا أنه قد جنى أسلافنا ثمار الصوم ،فكان نهارهم نشاطا وإنتاجا وإتقانا، وكان ليلهم تزاورا وتهجدا وقرآنا، وكان شهرهم كله تعلُّماً وتعبدا وإحسانا، ألسنتهم صائمة فلا تلغو برفث أو جهل، وعيونهم صائمة فلا تنظر إلى حرام أو فحش، وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة أو إثم ،وأيديهم صائمة فلا تمتد بسوء أو أذى ،أما المسلمون اليوم، فمنهم من اقتدى بأولئك السلف الصالح ،فاتخذوا رمضان موسم لطاعة الله ومضاعفة الخيرات ،صاموا نهاره فأحسنوا الصيام، وقاموا ليله فأحسنوا القيام ،ومنهم من لم ينتفع برمضان، ولم يستفد مما فيه من صيام وقيام ،جعله الله تعالى للقلب والروح ،فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله تعالى للحلم والصبر، فجعلوه للغضب والبطش ،جعله الله تعالى للسكينة والوقار، فجعلوه شهر السِّباب والشجار، جعله الله تعالى ليغيروا فيه من صفات أنفسهم، فما غيروا إلا مواعيد أكلهم وشربهم وشهواتهم، جعله الله تعالى تهذيبا للغني الطاعم ،ومواساة للبائس المحروم ،فجعلوه معرضا لفنون الأطعمة والأشربة، تزداد فيه تخمة الغني، بقدر ما تزداد حسرة الفقير، اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما، اللهم بلغنا رمضان، ووفقنا لصيامه وقيامه، واقبلنا فيه وتقبله منا يارب العالمين ، اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وأرضنا وارض عنا واجعلنا مجتمعين غير متفرقين مغفورا لنا إنا كنا مذنبين وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وكفر عنا سيئاتنا وأجزل حسناتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم...
الحمد لله ، سهل للعباد طرق العبادةِ ويسر، وأفاض عليهم من سحائب الجود وسوابغ الإنعام مالا يعد ولا يحصر، أحمده سبحانه وأشكره، شرع مواسم وهيأ مناسبات ينيب فيها العبد إلى ربه، ويغسل قلبه وجوارحه من دنس الذنوب ويتطهر، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، نبيٌ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، صل الله وسلم وبارك عليه ما اتصلت عين بنظر وأذن بخبر، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المحشر، أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرةِ ربكم ورضوانه وجناته، أيها المسلمون: ما هي إلا أيام قلائل حتى تكتمل دورة الفلك ،ويشرق على الدنيا هلال رمضانَ المبارك ،الذي تهفو إليه نفوس المؤمنين، وتتطلع شوقا لبلوغه، لتنتظم في مدرسته التي تفتح أبوابها في كل عام، لتستقبل أفواج الصائمين ،، مع ضجيج الحياة وزحام الدنيا، مع النزوات العابرة، والشهوات العارمة ،تأتي مدرسة رمضان لِتُعِيدَ للقلوب صَفَائَها، وللنفوس إشراقَهَا، وللضمائر نقائَهَا، يجول رمضان في أرجاء النفس، فيغرس بذور الخير والصلاح ،إننا في عصر ينشد المتاع من ألف وجه، فلنلو الزمام إلى الباقيات الصالحات ، قال تعالى { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } كنا نودع شهر رمضانَ الماضي، وكأن صفحاتِه قد طويت قبل أيام ،واليوم يستقبله المسلمون بعد مرور عام ،عامٌ مضى ذهبت لذته، وبقيت تبعته، نسيت أفراحه وأتراحه، وبقيت حسناته وسيئاته، نعم ستنقضي الدنيا بأفراحها وأحزانها، وتنتهي الأعمار على طولها وقِصرها، ويعود الناس إلى ربهم ، بعدما أمضوا فترة الامتحان على ظهر الأرض { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ،فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ } ثم تُصبح الدنيا ذكريات، وهنا من ينتظر رمضان على أمل ،ولا يدري فقد يباغته قبل ذلك الأجل ، قال تعالى { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } إن بلوغ شهرَ رمضانَ نعمةٌ عظيمة، ومنةٌ جسيمة، على من أقدره الله عليه ،فاللهم سلمنا إلى رمضان ،وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلا يا رحمن، نبشركم إخوة الإسلام بأشرف الشهور، الذي يأتي بعد طول غياب، ويفد بعد فراق، نبشركم كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم ،يبشر أصحابه فيقول « أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ ،فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ،لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ». كيف لا يُبَشَرُ المؤمنُ بشهرٍ يفتح الله فيه أبواب الجنة ،كيف لا يبشر المذنب بشهرٍ يُغْلِقُ اللهُ فيه أبواب النار، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل الله فيه الشياطين، شهر لا تُحْصَى فضائله، ولا يحاط بفوائده، لقد كان رمضان غرةً في جبين أمتنا كل عام، قد كان شهر الفتوحات ،فهناك غزوةُ بدر، وفتح مكة ،وفتح الأندلس ،وحطين وغيرها ! إلا أنه في زماننا من يَطْمِسُ نور رمضان، ويُزيل بهاءه ويفسد ثمرته، ويَنْقُضُ حكمه بأحوالٍ يرثى لها ،فمن الناس من يهرب في شهر القرآن من الجو الرمضاني، مبارزاً الله بالمعاصي والغواية، ومنهم من همه كيف يفرغ النهار للنوم ،والليل للسهر واللهو، ومنهم من يمتهن هذا الشهر بأخلاقياتٍ مشينة، فتعامله غلظةٌ وفظاظة ،وحديثُه غيبةٌ ونميمة، فربَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش !! إن أعظم مطلبٍ لهذا الشهر ،إصلاحُ القلوب ،فالقلب الذي ما زال مقيما على المعصية، يُفَوِّتُ خيراً عظيما، فرمضانُ هو شهر القرآن، والقلوبُ هي أوعية القرآن ومستقرُ الإيمان، فكيف بوعاء لُوِّثَ بالآثام ،كيف يتأثر بالقرآن، وهذا هو التفسير لحالنا ،وحال أناسٍ ينتظمون في الصلاة ،وسرعان ما يتسرب إليهم الملل، وتتملكهم السآمة ،وآيات الله التي لو نزلت على جبل، لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله تطرق أسماعهم، ذلك أن القلوب القاسية، لم تُطَهَّر لاستقبال كلام الرحمن ،قال الحسنُ البصريُ رحمه الله { لو طَهُرَتْ قُلُوبُكُم ما شبعت من كلام ربكم} أخي المسلم :قدم بين يدي رمضانَ توبةً صادقة، تصلح القلب ،وتجلبُ الرحمات والخيرات، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً، عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ،يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ،يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ،إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إن شهر رمضانَ هو شهر المغفرة، والتجاوزَ عن الخطيئة، والشحناء والقطيعة من موانع المغفرة ، لذا يُستقبل رمضان ،بتهيئة النفوس وتصفيتها من الضغائن والأحقاد، التي قطعت الأرحام، وأنهكت القوى، ومزقت المسلمين شر ممزق ،فالذي يطل عليه رمضان عاقا لوالديه، قاطعا لأرحامه، هاجرا لإخوانه ،أفعاله قطيعة، دوره في المجتمع النميمة ،هيهات هيهات أن يستفيد من رمضان، قال تعالى { فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ، وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فهلا جعلنا هذا الشهر الكريم انطلاقا للسمو، والترفع عن سفاسف الأمور، والحذر من كل ضلالة وزور، معاشرالمسلمين: رمضان شهر الموالاة للمؤمنين، والمواساة للفقراء المساكين، مِنْ حِكَمِ رمضان، أن يتفاعل المسلم مع إخوانه في شتى البقاع ،ويتجاوب مع نداءات الفقراء والضعفاء ،متجاوزاً بمشاعره كل الفواصل، متسلقا بمبادئه كل الحواجز، يتألم لألآ مهم، يحزن لأحزانهم، يشعر بفقرائهم ،، مبتدءاً بالموالاة والمواساة من بيته وموطنه ،ولإخوانه من بني جلدته، وصحبه وأقاربه، يُسْتَقْبَلُ رمضان بنفس معطاءةٍ بالخيرِ فياضة ،ويَبْسُطُ يده بالصدقة والإنفاق، {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ، كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ،فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ، وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ، وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } إن شهر رمضانَ هو شهر النفحات، والرحمات والدعوات، والمال الحرام سبب البلاء في الدنيا ويومَ الجزاء، لا يستجاب معه الدعاء، ولا تفتح له أبوابَ السماء ،لذا يُستقبل رمضان بتطهير الأموال من الحرام، فما أفظعها من حسرةٍ وندامة ،أن تلهج الألسنَ بالدعاءِ ولا استجابة ، وربنا تبارك وتعالى يقول {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فانظر في نفسك، وأبحث في بيتك ،وأدخل يدك في جيبك، وتطهر من كل مال حرامٍ ليس من مالك، حتى تقف بين يدي الله بقلب خاشع، ومال طاهر، ودعاء صادق يصعد في الفضاء، وتفتح له أبواب السماء ، أخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ». إن الذين يستقبلون رمضان على أنه مدرسةٌ لتقوية الإيمان، وتهذيب الخلق ،وتقويةِ الإرادة، هم الذين يستفيدون منه، فيجدون في نهاره لذة الصابرين، ويجدون في مسائه وفي ليله، لذة المناجاةِ في ساعاتها الغالية ،هم الذين تفتح لهم أبوابُ الجنان في رمضان ،وتُغلق عنهم أبواب النيران، وتتلقاهم الملائكة ليلة القدر بالبشر والسلام، هؤلاء هم الذين ينسلخ عنهم رمضان مغفورا لهم ذنوبهم ،مكفرة عنهم سيئاتهم، مجلوةً قلوبهم ،مجددةً بقوة الإيمان عزائِمُهم، اللهم اجعلنا منهم ،ووفقنا لما تحبه وترضاه ،من صالح القول والعمل،إنك سميع مجيب ،أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي اختار للخيرات أوقاتا وأياما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب المغفرة لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله بعثه الله للناس إماما ،صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ما ذكره الذاكرون قعودا أو قياما، أما بعد فاتقوا الله عباد الله ،ثم اعلموا أنه قد جنى أسلافنا ثمار الصوم ،فكان نهارهم نشاطا وإنتاجا وإتقانا، وكان ليلهم تزاورا وتهجدا وقرآنا، وكان شهرهم كله تعلُّماً وتعبدا وإحسانا، ألسنتهم صائمة فلا تلغو برفث أو جهل، وعيونهم صائمة فلا تنظر إلى حرام أو فحش، وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة أو إثم ،وأيديهم صائمة فلا تمتد بسوء أو أذى ،أما المسلمون اليوم، فمنهم من اقتدى بأولئك السلف الصالح ،فاتخذوا رمضان موسم لطاعة الله ومضاعفة الخيرات ،صاموا نهاره فأحسنوا الصيام، وقاموا ليله فأحسنوا القيام ،ومنهم من لم ينتفع برمضان، ولم يستفد مما فيه من صيام وقيام ،جعله الله تعالى للقلب والروح ،فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله تعالى للحلم والصبر، فجعلوه للغضب والبطش ،جعله الله تعالى للسكينة والوقار، فجعلوه شهر السِّباب والشجار، جعله الله تعالى ليغيروا فيه من صفات أنفسهم، فما غيروا إلا مواعيد أكلهم وشربهم وشهواتهم، جعله الله تعالى تهذيبا للغني الطاعم ،ومواساة للبائس المحروم ،فجعلوه معرضا لفنون الأطعمة والأشربة، تزداد فيه تخمة الغني، بقدر ما تزداد حسرة الفقير، اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما، اللهم بلغنا رمضان، ووفقنا لصيامه وقيامه، واقبلنا فيه وتقبله منا يارب العالمين ، اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وأرضنا وارض عنا واجعلنا مجتمعين غير متفرقين مغفورا لنا إنا كنا مذنبين وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وكفر عنا سيئاتنا وأجزل حسناتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم...