أبومنير
22-08-2008, 06:02 PM
خطبة الجمعة لهذا اليوم 22. 8. 2008 ف
حقوق العمال
الحمد لله الملك القدوس العزيز الديان ، هدانا للإيمان،وجعل دستورنا القرآن ، وأغدق علينا بفضله سعةً في الرزق وفي البلاد الأمان ، فله الشكر سبحانه على جُودِهِ والإحسان ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد المتقين نعيم الجنان ، وتوعد الكافرين والمعرضين عن سبيله بضنك النيران، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله ،المبعوث رحمةً للثقلين الإنس والجان ، صلى الله وسلم وبارك عليه ،وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي معكم بتقوى الله ، فإنكم غداً بين يدي ربكم موقفون، وعن أعمالكم محاسبون، وعلى تفريطكم نادمون، وإن خير ما تُعِدُوهُ لذاك اليوم، هو التَّقوى، أخبر بذلكم ربكم إذ يقول :{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
معاشر المسلمين: أَمَرَنَا رَبُنَا أن لاَّ نُدْخِلَ في بطوننا إلا الحلال، وأن لا نأكل أموال الناس بالباطل ،ومن يفعل ذلك إنما يأكل سُحْتاً،وَأَكَلَةُ السُّحْت، يطول تِعْدَادُهُم في خطبةٍ واحدة، فمن يأكل الربا من أكلة السحت، ومن يعمل بالربا من أكلةِ السحت، ومن يأكل أموال اليتامى بالباطل من أكلة السحت، والذين يأكلون أموال الأوقاف الذي تحت أيديهم من أكلة السحت، والذين يأكلون رواتب وأموال زوجاتهم بغير رضاً منهن أكلةُ سحت، والقائمة تطول، ولعلنا نفرد لكل صِنْفٍ من هؤلاء، خُطْبَةٌ مُسْتَقِلَةٌ ، في المستقبل إنشاء الله تعالى ، لكني أود أن أركز اليوم ،على صِنْفٍ مِنْ أَكْلِ السُّحْت، قد يقع فيه بعض الناس ويرى أنه على الصواب، وهو قد وقع في خطرِ أَكْلِ السُّحت،هذا الصنف ، هو من يأكل حقوق العمال !وقد بتنا نسمع وتسمعون ،عن قصصٍ عجيبةٍ غريبة، أبطالُها أَكَلَةُ سُحْت ، فهذا رجل يتفق مع عمالٍ لبناء بيت له ،أو أي عمل من أعمال البناء أوغيره ، وما إن يأتي وقتُ السداد ، حتى تراه يتحججُ بحججٍ كثيرةٍ واهية ، ليأكل على هذا المسكينَ حقه ،وإذا ما ألح عليه في الطلب، افتعل له مشكلة، وقام بتهديده وطرده وربما ضربه، دون أن يدفع له شيئا، حتى أنه لا يستطيع أن يتقدم بشكوى لجهات الاختصاص لخوفه، ولأنه غريب، قد ينهر ويشدَّد له في القول ،ولا يصل إلى حقه ، وإن وصله، فبعد تأخير أو إنقاصِ جزءٍ منه ، مما يحدث له الضرر الكبير!! فنقول لمثل هؤلاء، إن هذا العامل، لم يترك بلاده وأولاده، من أجل النزهة، وإنما أخرجه الفقر والحاجة، فقد يكون خَلْفَهُ أَبْنَاءٌ في المدارس، بحاجة لهذا المال، ومتى ما تأخر عليهم، خرجوا من مدارسهم وضاعوا، وقد يكون خَلْفَهُ مريض، ولا يَمْلِكُ ثمن الدواء ، ينتظر ما يرسل له ، من دراهم معدودة، ليشتري بها الدواء ،فيتأخر عنه المال فيموت، وقد يكون خلفه والدٌ ووالدةٌ محتاجين ، أو أطفال جياع، يبيتون يبكون من الجوع ،وأنت تنام بَطِينٌ دهين، تتقلب على فراشك الوثير، ومعك أطفالك وزوجتك ، فمن بالله عليكم يتحمل إِثْمَ هؤلاء ؟ نقول لمن يفعل ذلك، ألم تسمع إلى قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حين يقول: « أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ». وزاد في رواية أخرى:« أعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ،وَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ وَهُوَ فِى عَمَلِهِ ». ولقد جاءني رجلٌ يبكي، والرجل حينما يبكي تهتز له الصخور الصَّماء، لأنه لا يبكي إلا من حرقةٍ وظُلْمٍ شديد، يقول لي منذ سنتين أو أكثر، وأنا أعمل ولم أستطع أن أوفر مبلغا من المال من جهدي وعرقي ، أبعثه إلى أهلي وزوجتي وأولادي ،وزوجتي وأبنائي يتصلون بي ،ويقولون اتق الله فينا وعد، فإنا بلا عائل منذ سنوات، يقول فلا أجد ما أذهب به إليهم ، ولو وجدت ثمن التذكرة لعدت إليهم، ولتركت مالي عندهم، ليوم لا يُظْلَمُ فيه أحد، ويقول كلما طلبت مالي الذي عندهم، وعدوا بعد أسبوع أو أسبوعين وهكذا .. لكن أيها الإخوة الكرام ،ألا أخبركم بما هو أدهى وأمر، أمام هذا التناقض العجيب ، الذي يقف الإنسان أمامه حائراً ، أَوَصَلَ الحال ،بأن يكون من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، من يختلط عليه فهم الدين ،إلى هذه الدرجة !! يقول لي وبمرارة، إن بعض أصحاب الأعمال الذين عملت عندهم ،شأنهم عجيب، فهم يصلون في المسجد، ويحرصون على الصلاة في جماعة، بل يقول ،إن منهم من يصلي الأوقات الخمسة في المسجد ، بل ويتصدق بالمال ، ويعمل الولائم وأعياد الميلاد، وينفق بسخاء على أهله وأصدقاءه ، وقد استخدمني في أعمالٍ له، ولم يعطني حقوقي !وهي أقل من هذا الذي يصرفه بكثير ، فهل رأيتم أيها الأحباب ،أعجب من ذلك؟ ألا يدعوا هذا للاستغرب كثيرا ، فهل الدِّين صلاة وصيام وزكاة وحج ، أم هو هذه ومعها المعاملة والصدق والأخلاق وأكل الحلال والبعد عن الحرام وعن أكل أموال الناس بالباطل ، ترى رجالا بلغوا من العلم والسن ما بلغوا، لكنهم على قدرٍ كبيرٍ من الجهل بدينهم، وأحكام شريعة ربهم، يحسنون الصلاة والصيام ، أي يحسنون العبادات فقط ، ولا يحسنون غيرها، ينتسبون للإسلام، وأفعالهم أفعال غير المسلمين .
أمة الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام: لقد ذكر لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قصة ذلك الرجل، الذي اتقى الله في أَجْرِ أَجِيرٍ استأجره، فحصد بذلك نجاةً من ضائقةٍ، كادت أن تودي بحياته، إنها في قصة الثلاثة ،الذين أطبق عليهم الغار ،حيث قال أحدهم : « اللَّهُمَّ إِنِّى اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِى لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ، حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ ، فَجَاءَنِى بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ،أَدِّ إِلَىَّ أَجْرِى . فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ ،مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ . فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئْ بِى . فَقُلْتُ إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ . فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ . فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ » .
أيها الأحبة في الله : نقول لِمَنْ يَمْنَعِ الأُجَرَاءَ حقوقهم ،أو يماطلهم فيها ،كيف تفعل يوم القيامة ، حينما يكون خصيمك، جبار السماوات والأرض، فقد قال صلى الله عليه وسلم :« ..قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا اسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ ». نقول له أما تخشى من دعوة مظلوم، يرفع يده للسماء يا رب يا رب، فيستجيب الله دعوته، ويرفعها فوق الغمام، ويقول وعزتي وجلالي ،لأنصرنك ولو بعد حين، فإن لم يتأثر ذاك بما سمع ،نقول له ،ماذا لو أخر عنك من بيده الرزق، رزقك لأيام ، كيف يكون حالك ،كيف لو أن مرتبك ،أو استحقاقٍ لك تأخر صرفه، كيف يكون حالك؟ إنك على خطر عظيم، إن لم تعاقب في الدنيا ،ففي الآخرة العقاب والعذاب أشد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ،ونفني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم .....
الخطبة الثانية
إن الحمد لله ،نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .أما بعد:فاتقوا الله عباد الله وأعطوا للأجراء أجورهم ، ولا تُنْقِصُوا منها شيئاً .
معاشر الأحباب: إنني حين أقول هذا الكلام، أعلم أن من الناس بارك الله فيهم ، وأحسن الله إليهم ، وهم كثيرون بحمد الله ،يرفضون هذه الأعمال ، ولا يرضون بأكل درهم واحد بالحرام، من حقوق العمال، بل إنهم يحرصون على إعطائهم أكثر من حقوقهم ، خوفا من ربهم، واستشعاراً لرقابةِ الله لهم . فلهم من الله حسن والثواب وخير الجزاء، أما الأخرون ،الذين يقعون في مثل هذه الأعمال ،وهم قلة بحمد الله ، ولكن السيئة تعم ، فإنَّي أقول لهم ، ابْكوا على ساعةٍ لا بد منها ، أماترون الموت قد أفنى الأمم الماضية ، وقتل القرون الخالية، وهدَّم القصور العالية ، عطَّل عِشَارَهُم ، وخرب ديارهم ، وهدَّ منازلهم ، وقطع آثارهم ، وقطف أعمارهم ، ولم ينفعهم ما جمعوا ، ولم يُحَصِّنَهُم ما بنوا وصنعوا، قد صاروا في القبور رميما ، وَلَقَوْا من الموت والأهوال أمرا عظيما ، فهذا دليل على أن الموت، لا يترك أحدا من المخلوقين ، حتى يتوفاهم ويَنْقُلَهُم إلى التراب أجمعين ، فخلص نفسك يا أخي ، خلص نفسك وارفع عمن ظلمت هذا الظلم ، وبادر بسداد ماعليك في الدنيا من حقوق ، واطلب ممن ظلمت العفو والصفح والمسامحة ، لعل الله أي يغفر لك ويتوب عليك ، وأخيرا أذكركم بقول الله جل وعلا، لتضعوه نصب أعينكم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ،مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ،لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } اللهم اجعلنا من الآمنين، من الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون ، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يخشاك ولا يرحمنا ، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين،
حقوق العمال
الحمد لله الملك القدوس العزيز الديان ، هدانا للإيمان،وجعل دستورنا القرآن ، وأغدق علينا بفضله سعةً في الرزق وفي البلاد الأمان ، فله الشكر سبحانه على جُودِهِ والإحسان ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد المتقين نعيم الجنان ، وتوعد الكافرين والمعرضين عن سبيله بضنك النيران، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله ،المبعوث رحمةً للثقلين الإنس والجان ، صلى الله وسلم وبارك عليه ،وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي معكم بتقوى الله ، فإنكم غداً بين يدي ربكم موقفون، وعن أعمالكم محاسبون، وعلى تفريطكم نادمون، وإن خير ما تُعِدُوهُ لذاك اليوم، هو التَّقوى، أخبر بذلكم ربكم إذ يقول :{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
معاشر المسلمين: أَمَرَنَا رَبُنَا أن لاَّ نُدْخِلَ في بطوننا إلا الحلال، وأن لا نأكل أموال الناس بالباطل ،ومن يفعل ذلك إنما يأكل سُحْتاً،وَأَكَلَةُ السُّحْت، يطول تِعْدَادُهُم في خطبةٍ واحدة، فمن يأكل الربا من أكلة السحت، ومن يعمل بالربا من أكلةِ السحت، ومن يأكل أموال اليتامى بالباطل من أكلة السحت، والذين يأكلون أموال الأوقاف الذي تحت أيديهم من أكلة السحت، والذين يأكلون رواتب وأموال زوجاتهم بغير رضاً منهن أكلةُ سحت، والقائمة تطول، ولعلنا نفرد لكل صِنْفٍ من هؤلاء، خُطْبَةٌ مُسْتَقِلَةٌ ، في المستقبل إنشاء الله تعالى ، لكني أود أن أركز اليوم ،على صِنْفٍ مِنْ أَكْلِ السُّحْت، قد يقع فيه بعض الناس ويرى أنه على الصواب، وهو قد وقع في خطرِ أَكْلِ السُّحت،هذا الصنف ، هو من يأكل حقوق العمال !وقد بتنا نسمع وتسمعون ،عن قصصٍ عجيبةٍ غريبة، أبطالُها أَكَلَةُ سُحْت ، فهذا رجل يتفق مع عمالٍ لبناء بيت له ،أو أي عمل من أعمال البناء أوغيره ، وما إن يأتي وقتُ السداد ، حتى تراه يتحججُ بحججٍ كثيرةٍ واهية ، ليأكل على هذا المسكينَ حقه ،وإذا ما ألح عليه في الطلب، افتعل له مشكلة، وقام بتهديده وطرده وربما ضربه، دون أن يدفع له شيئا، حتى أنه لا يستطيع أن يتقدم بشكوى لجهات الاختصاص لخوفه، ولأنه غريب، قد ينهر ويشدَّد له في القول ،ولا يصل إلى حقه ، وإن وصله، فبعد تأخير أو إنقاصِ جزءٍ منه ، مما يحدث له الضرر الكبير!! فنقول لمثل هؤلاء، إن هذا العامل، لم يترك بلاده وأولاده، من أجل النزهة، وإنما أخرجه الفقر والحاجة، فقد يكون خَلْفَهُ أَبْنَاءٌ في المدارس، بحاجة لهذا المال، ومتى ما تأخر عليهم، خرجوا من مدارسهم وضاعوا، وقد يكون خَلْفَهُ مريض، ولا يَمْلِكُ ثمن الدواء ، ينتظر ما يرسل له ، من دراهم معدودة، ليشتري بها الدواء ،فيتأخر عنه المال فيموت، وقد يكون خلفه والدٌ ووالدةٌ محتاجين ، أو أطفال جياع، يبيتون يبكون من الجوع ،وأنت تنام بَطِينٌ دهين، تتقلب على فراشك الوثير، ومعك أطفالك وزوجتك ، فمن بالله عليكم يتحمل إِثْمَ هؤلاء ؟ نقول لمن يفعل ذلك، ألم تسمع إلى قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حين يقول: « أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ». وزاد في رواية أخرى:« أعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ،وَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ وَهُوَ فِى عَمَلِهِ ». ولقد جاءني رجلٌ يبكي، والرجل حينما يبكي تهتز له الصخور الصَّماء، لأنه لا يبكي إلا من حرقةٍ وظُلْمٍ شديد، يقول لي منذ سنتين أو أكثر، وأنا أعمل ولم أستطع أن أوفر مبلغا من المال من جهدي وعرقي ، أبعثه إلى أهلي وزوجتي وأولادي ،وزوجتي وأبنائي يتصلون بي ،ويقولون اتق الله فينا وعد، فإنا بلا عائل منذ سنوات، يقول فلا أجد ما أذهب به إليهم ، ولو وجدت ثمن التذكرة لعدت إليهم، ولتركت مالي عندهم، ليوم لا يُظْلَمُ فيه أحد، ويقول كلما طلبت مالي الذي عندهم، وعدوا بعد أسبوع أو أسبوعين وهكذا .. لكن أيها الإخوة الكرام ،ألا أخبركم بما هو أدهى وأمر، أمام هذا التناقض العجيب ، الذي يقف الإنسان أمامه حائراً ، أَوَصَلَ الحال ،بأن يكون من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، من يختلط عليه فهم الدين ،إلى هذه الدرجة !! يقول لي وبمرارة، إن بعض أصحاب الأعمال الذين عملت عندهم ،شأنهم عجيب، فهم يصلون في المسجد، ويحرصون على الصلاة في جماعة، بل يقول ،إن منهم من يصلي الأوقات الخمسة في المسجد ، بل ويتصدق بالمال ، ويعمل الولائم وأعياد الميلاد، وينفق بسخاء على أهله وأصدقاءه ، وقد استخدمني في أعمالٍ له، ولم يعطني حقوقي !وهي أقل من هذا الذي يصرفه بكثير ، فهل رأيتم أيها الأحباب ،أعجب من ذلك؟ ألا يدعوا هذا للاستغرب كثيرا ، فهل الدِّين صلاة وصيام وزكاة وحج ، أم هو هذه ومعها المعاملة والصدق والأخلاق وأكل الحلال والبعد عن الحرام وعن أكل أموال الناس بالباطل ، ترى رجالا بلغوا من العلم والسن ما بلغوا، لكنهم على قدرٍ كبيرٍ من الجهل بدينهم، وأحكام شريعة ربهم، يحسنون الصلاة والصيام ، أي يحسنون العبادات فقط ، ولا يحسنون غيرها، ينتسبون للإسلام، وأفعالهم أفعال غير المسلمين .
أمة الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام: لقد ذكر لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قصة ذلك الرجل، الذي اتقى الله في أَجْرِ أَجِيرٍ استأجره، فحصد بذلك نجاةً من ضائقةٍ، كادت أن تودي بحياته، إنها في قصة الثلاثة ،الذين أطبق عليهم الغار ،حيث قال أحدهم : « اللَّهُمَّ إِنِّى اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِى لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ، حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ ، فَجَاءَنِى بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ،أَدِّ إِلَىَّ أَجْرِى . فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ ،مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ . فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئْ بِى . فَقُلْتُ إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ . فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ . فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ » .
أيها الأحبة في الله : نقول لِمَنْ يَمْنَعِ الأُجَرَاءَ حقوقهم ،أو يماطلهم فيها ،كيف تفعل يوم القيامة ، حينما يكون خصيمك، جبار السماوات والأرض، فقد قال صلى الله عليه وسلم :« ..قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا اسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ ». نقول له أما تخشى من دعوة مظلوم، يرفع يده للسماء يا رب يا رب، فيستجيب الله دعوته، ويرفعها فوق الغمام، ويقول وعزتي وجلالي ،لأنصرنك ولو بعد حين، فإن لم يتأثر ذاك بما سمع ،نقول له ،ماذا لو أخر عنك من بيده الرزق، رزقك لأيام ، كيف يكون حالك ،كيف لو أن مرتبك ،أو استحقاقٍ لك تأخر صرفه، كيف يكون حالك؟ إنك على خطر عظيم، إن لم تعاقب في الدنيا ،ففي الآخرة العقاب والعذاب أشد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ،ونفني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم .....
الخطبة الثانية
إن الحمد لله ،نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .أما بعد:فاتقوا الله عباد الله وأعطوا للأجراء أجورهم ، ولا تُنْقِصُوا منها شيئاً .
معاشر الأحباب: إنني حين أقول هذا الكلام، أعلم أن من الناس بارك الله فيهم ، وأحسن الله إليهم ، وهم كثيرون بحمد الله ،يرفضون هذه الأعمال ، ولا يرضون بأكل درهم واحد بالحرام، من حقوق العمال، بل إنهم يحرصون على إعطائهم أكثر من حقوقهم ، خوفا من ربهم، واستشعاراً لرقابةِ الله لهم . فلهم من الله حسن والثواب وخير الجزاء، أما الأخرون ،الذين يقعون في مثل هذه الأعمال ،وهم قلة بحمد الله ، ولكن السيئة تعم ، فإنَّي أقول لهم ، ابْكوا على ساعةٍ لا بد منها ، أماترون الموت قد أفنى الأمم الماضية ، وقتل القرون الخالية، وهدَّم القصور العالية ، عطَّل عِشَارَهُم ، وخرب ديارهم ، وهدَّ منازلهم ، وقطع آثارهم ، وقطف أعمارهم ، ولم ينفعهم ما جمعوا ، ولم يُحَصِّنَهُم ما بنوا وصنعوا، قد صاروا في القبور رميما ، وَلَقَوْا من الموت والأهوال أمرا عظيما ، فهذا دليل على أن الموت، لا يترك أحدا من المخلوقين ، حتى يتوفاهم ويَنْقُلَهُم إلى التراب أجمعين ، فخلص نفسك يا أخي ، خلص نفسك وارفع عمن ظلمت هذا الظلم ، وبادر بسداد ماعليك في الدنيا من حقوق ، واطلب ممن ظلمت العفو والصفح والمسامحة ، لعل الله أي يغفر لك ويتوب عليك ، وأخيرا أذكركم بقول الله جل وعلا، لتضعوه نصب أعينكم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ،مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ،لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } اللهم اجعلنا من الآمنين، من الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون ، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يخشاك ولا يرحمنا ، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين،