أبومنير
19-02-2009, 09:30 AM
سلامة القلوب 2
إن الحمد لله ،نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ،فإنها عروةٌ ليس لها انفصام، وَجِذْوَةٌ تُضِيءُ الْقُلُوبَ والأَفْهَام، وهي خيرُ زادٍ يُبَلِّغ إلى دار السلام، من تحلى بها بلغ أشرف المراتب، وَتَحَقَقَ له أعلى المطالب، وحصل على مأمون العواقب، وكُفي من شرور النوائب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ،وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }
معاشر المسلمين : تحدثنا في الجمعة الماضية عن سلامة وصفاء وطهارة القلوب، ونقاء السريرة وسلامة الصدور ، ووعدنا بأن نتحدث في هذه الجمعة، عن أسباب فساد القلوب ،والأسباب المساعدة على سلامتها . ووسائل العلاج .
عباد الله: إن أول أسباب فساد القلوب، ووجود الغلِّ والشَّحْنَاءِ فيها، تحريش الشَّيطان بين المؤمنين، يقول سبحانه وتعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} وقال صلى الله عليه وسلم « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَكِنْ فِى التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ».. ومن الأسباب سوء الظن، وعدم إيجاد المعاذير لإخوانك المؤمنين ،عن كلمة قيلت، أو فعلٍ مضى، فإن بئسَ سريرةِ الرجل سوء الظن ، يقول سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }. ويقول عليه الصلاة والسلام « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ . » . ومنها سرعة الغضب، يقول سبحانه وتعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} .. وما زالت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم تتكرر « لاَ تَغْضَبْ » .وصدق من قال:
لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلُو بِهِ الرُّتَـبُ
وَلاَ يَنالُ العُلا مَن طَبعُـهُ الغَضَـبُ
ومنها الحسد :وكثرة التلفت إلى نعم الله في الآخرين، وتمني زوالها، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا ،لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وقال جل شأنه : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} . وخيرٌ من ذلك أن تتجه إلى المنعم سبحانه وتعالى وسؤالِه ودعائِه.
ومن الأسباب، التنافس على طعام الدنيا، وقد قال صلى الله عليه وسلم « إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَىُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ ». قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- « أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ ». . ومن الأسباب النجوى بين اثنين دون ثالث، وقد أخبر المولى سبحانه وتعالى بقوله : {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} وكذلك الإسراف في المزاح وكثرة اللغو ، هو الآخر سبببٌ من أسباب فساد القلوب.
وأما السبب الرئيسي أيها الإخوة لكل هذه الآفات، هو البعد عن التقوى، وهذا يقودنا إلى علاج هذه الظاهرة، فأول العلاج ،تقوى المولى سبحانه وتعالى ، وإخلاص العمل له وابتغاء مرضاته، وطلب ثوابه والسلامة من عقابه، فمن أخلص للمولى ،وفقه الله لكل خير، وحفظه من هذه الصغائر من الغل والشحناء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: « ثَلاَثٌ لاَ يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ ، إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ،وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلُزُومِ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ».
ومما يساعد على سلامة القلوب، الاهتمام بأمرها، ومحاسبة النفس عليها، وتفقدها كل حين، ومما يُعِينُ أيضاً ملازمة الدعاء ،وسؤال المولى سبحانه وتعالى بسلامة القلب وطهارته، يقول الله سبحانه وتعالى ،مبيناً حال المؤمنين ،بهذا الدعاء لإخوانهم ولأنفسهم {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ،يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ،وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
وجاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم « وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِى » أي أخرج الغل والحسد والحقد، ونحوها مما يَسْكُنُ في القلب من مساوئ الأخلاق . ومن العلاج كثرة النوافل ،من صلاة وصيام وصدقة، وكذلك إفشاء السلام، والسؤال عن حال الأخوان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: « لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ ». وكذلك الهدية لها دورها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ ». وقال في الحديث الآخر صلى الله عليه وسلم :« تَهَادَوْا تَحَابُّوا ». فالهدية تعبرُ عما في النفوس، ولو كانت رمزية .. ومن العلاج حُسْنُ الكلام، قال عليه الصلاة والسلام: « الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ » . وقال سبحانه وتعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} . ومن العلاج طلاقةُ الوجه والابتسامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم « لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ». ومن العلاج عباد الله، إشاعة العفو والتسامح، فالنفوس الكبيرة ،وحدها القادرة على تجاوز الإساءة، بل ومقابلتها بالإحسان، واستمعوا إلى قول المولى سبحانه وتعالى {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ،فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم} . وهذا نبي الله يُوسُفَ عليه السلام يقول لإخوانه، بعد أن الْقَوْهُ في غيابة الجب وأبعدوه عن أبيه عشرات السنين، يقول لهم { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ،الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }..فما أحوجنا أخي المسلم ،إلى تصفية قلوبنا ، وتنقيتها من كل ما يشينها ويفسدها ، والسير بها للتسامح والصفح والعفو، والبعد بها عن كل ما يجلب الحقد والبغضاء بين الإخوان والأصحاب، والأهل والأقارب والأحباب ، وأن نكون صادقين ساعين بكل جد ،في إصلاح قلوبنا وسلامتها، فإنه من صدق في إصلاحها أوصلها إلى السلامة ، ثم يا أخي المسلم اسمع وأنصت وانتبه معي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم- هو يقول « لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِى الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِثْمِ ». وزَادَ أَحْمَدُ « وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ ». فاتقوا الله عباد الله ،وأبعدوا أنفسكم عن هذا الهجر ،الذي يُوقع في الإثم وسخط المولى جل وعلا . وفقني الله وإياكم إلى كل خير وهدى ، وأبعدنا وإياكم عن كل قطيعة وإثم ، إنه سميع قريب مجيب ،، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوةً بعضهم أولياء بعض ، والله ذو فضلٍ على المؤمنين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ،جعله الله أسوة للمؤمنين ، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنه قد كثرت في هذه الأيام، الشحناء بين الناس، وكثرت الأحقاد في القلوب ، وقد صرنا نجد تقطع العلاقات لسنوات طويلة ، وَحَمَلَ الناس في قلوب بعضهم على بعض، مع أن هذه الشريعة ،قد جاءت فيما جاءت به، تصفية القلوب والنفوس ،ومراعاة المشاعر. فعلينا جميعا أن نحرص على روابط الإخاء الإسلامي بيننا، وأن نغذي وشائج الصدق والمحبة في مجتمعاتنا، واعلموا أنه لا علاج لداء الفرقة والخلاف والتفكك الاجتماعي، إلا بتتبع أسبابه وأعراضه، والجدَّ في القضاء عليه، يصحب ذلك نية صالحة، وعزيمة صادقة، ورغبة وقناعة في إصلاح ذات البين ، من أجل ابتغاء مرضاة الله واحتساب ماعنده من الأجر والثواب ،يقول سبحانه وتعالى { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ،إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .. فليكن كل واحد منكم -أيها المسلمون- جاداً في علاج هذا الداء العضال، بأن يكون مفتاحاً للخير والفضيلة، مغلاقاً للشر والفتنة والقطيعة والرذيلة. إن حقاً على كل متشاحنين ،لاسيما من القرابة والأرحام، والإِخْوَةُ في الله أن يصطلحوا، وأن يُجْمِعُوا قلوبهم، وأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يستعيذوا بالله من نزغات الشيطان الرجيم. لذلك فإني من هذا المنبر ،أناشد الكل دون استثناء، فكلكم تعلمون وأنا معكم ، أنه لا يكاد يخلوا أحد منا ، من شحناء أو خصام، أو شقاق أو سوء تفاهم، أو غيرها من أمراض القلوب ، لذلك فإني أناشد كل صديق مع صديقه، وكل ولد مع أبيه، أو أخ مع أخيه أو أخته ، أو زوج مع زوجته، أو قريب مع قريبه، أو جار مع جاره ، أناشدهم جميعا أن يصطلحوا فيما بينهم، وأن يبعدوا الشقاق والخصام عن نفوسهم ، فإن متاع الدنيا قليل. وأذكرهم بالموت ، فإن الأعمار مهما طالت فهي قصيرة ، والموت ينتظركم جميعا
فيا أيها المتشاحنون ويا أيها المتخاصمون! يامن تسمعون كلامي ، حافظوا على صفاء وسلامة قلوبكم ، وعلى الإخاء، والمحبة والوئام، أريحوا المحاكم ومراكز الشرطة، عن الرفع بالخصومات والمشكلات، وعاهدوا ربكم أن تكونوا إخوةً متحابين كما أراد الله لكم، وكما كان سلفكم الصالح رحمهم الله، حققوا الخير لأنفسكم ومجتمعاتكم. وإياكم وهذا الحقد بينكم ،فإن عاقبته وخيمة وأثاره مدمرة ، فهو سببٌ لسوء الخاتمة والعياذ بالله ، اسمع يا أخي المسلم للمصطفى عليه الصلاة والسلام وهو يقول « لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ ». نسأل الله السلامة والعافية ، وأن يرزقنا جميعا حسن الخاتمة، كما نسأله سبحانه وتعالى، أن يجعل قلوبنا سليمة لإخواننا المسلمين، اللهم طهر قلوبنا من كل غلٍ وحقدٍ وحسدٍ وغش، اللهم اجعل قلوبنا تقية نقية، واجعلها سليمة يا رب العالمين، واجعلنا ممن يأتيك يوم القيامة بقلبٍ سليم، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنك رءوف رحيم.
إن الحمد لله ،نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ،فإنها عروةٌ ليس لها انفصام، وَجِذْوَةٌ تُضِيءُ الْقُلُوبَ والأَفْهَام، وهي خيرُ زادٍ يُبَلِّغ إلى دار السلام، من تحلى بها بلغ أشرف المراتب، وَتَحَقَقَ له أعلى المطالب، وحصل على مأمون العواقب، وكُفي من شرور النوائب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ،وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }
معاشر المسلمين : تحدثنا في الجمعة الماضية عن سلامة وصفاء وطهارة القلوب، ونقاء السريرة وسلامة الصدور ، ووعدنا بأن نتحدث في هذه الجمعة، عن أسباب فساد القلوب ،والأسباب المساعدة على سلامتها . ووسائل العلاج .
عباد الله: إن أول أسباب فساد القلوب، ووجود الغلِّ والشَّحْنَاءِ فيها، تحريش الشَّيطان بين المؤمنين، يقول سبحانه وتعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} وقال صلى الله عليه وسلم « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَكِنْ فِى التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ».. ومن الأسباب سوء الظن، وعدم إيجاد المعاذير لإخوانك المؤمنين ،عن كلمة قيلت، أو فعلٍ مضى، فإن بئسَ سريرةِ الرجل سوء الظن ، يقول سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }. ويقول عليه الصلاة والسلام « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ . » . ومنها سرعة الغضب، يقول سبحانه وتعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} .. وما زالت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم تتكرر « لاَ تَغْضَبْ » .وصدق من قال:
لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلُو بِهِ الرُّتَـبُ
وَلاَ يَنالُ العُلا مَن طَبعُـهُ الغَضَـبُ
ومنها الحسد :وكثرة التلفت إلى نعم الله في الآخرين، وتمني زوالها، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا ،لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وقال جل شأنه : {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} . وخيرٌ من ذلك أن تتجه إلى المنعم سبحانه وتعالى وسؤالِه ودعائِه.
ومن الأسباب، التنافس على طعام الدنيا، وقد قال صلى الله عليه وسلم « إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَىُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ ». قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- « أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ ». . ومن الأسباب النجوى بين اثنين دون ثالث، وقد أخبر المولى سبحانه وتعالى بقوله : {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} وكذلك الإسراف في المزاح وكثرة اللغو ، هو الآخر سبببٌ من أسباب فساد القلوب.
وأما السبب الرئيسي أيها الإخوة لكل هذه الآفات، هو البعد عن التقوى، وهذا يقودنا إلى علاج هذه الظاهرة، فأول العلاج ،تقوى المولى سبحانه وتعالى ، وإخلاص العمل له وابتغاء مرضاته، وطلب ثوابه والسلامة من عقابه، فمن أخلص للمولى ،وفقه الله لكل خير، وحفظه من هذه الصغائر من الغل والشحناء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: « ثَلاَثٌ لاَ يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ ، إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ،وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلُزُومِ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ».
ومما يساعد على سلامة القلوب، الاهتمام بأمرها، ومحاسبة النفس عليها، وتفقدها كل حين، ومما يُعِينُ أيضاً ملازمة الدعاء ،وسؤال المولى سبحانه وتعالى بسلامة القلب وطهارته، يقول الله سبحانه وتعالى ،مبيناً حال المؤمنين ،بهذا الدعاء لإخوانهم ولأنفسهم {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ،يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ،وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
وجاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم « وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِى » أي أخرج الغل والحسد والحقد، ونحوها مما يَسْكُنُ في القلب من مساوئ الأخلاق . ومن العلاج كثرة النوافل ،من صلاة وصيام وصدقة، وكذلك إفشاء السلام، والسؤال عن حال الأخوان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: « لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ ». وكذلك الهدية لها دورها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ ». وقال في الحديث الآخر صلى الله عليه وسلم :« تَهَادَوْا تَحَابُّوا ». فالهدية تعبرُ عما في النفوس، ولو كانت رمزية .. ومن العلاج حُسْنُ الكلام، قال عليه الصلاة والسلام: « الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ » . وقال سبحانه وتعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} . ومن العلاج طلاقةُ الوجه والابتسامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم « لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ». ومن العلاج عباد الله، إشاعة العفو والتسامح، فالنفوس الكبيرة ،وحدها القادرة على تجاوز الإساءة، بل ومقابلتها بالإحسان، واستمعوا إلى قول المولى سبحانه وتعالى {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ،فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم} . وهذا نبي الله يُوسُفَ عليه السلام يقول لإخوانه، بعد أن الْقَوْهُ في غيابة الجب وأبعدوه عن أبيه عشرات السنين، يقول لهم { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ،الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }..فما أحوجنا أخي المسلم ،إلى تصفية قلوبنا ، وتنقيتها من كل ما يشينها ويفسدها ، والسير بها للتسامح والصفح والعفو، والبعد بها عن كل ما يجلب الحقد والبغضاء بين الإخوان والأصحاب، والأهل والأقارب والأحباب ، وأن نكون صادقين ساعين بكل جد ،في إصلاح قلوبنا وسلامتها، فإنه من صدق في إصلاحها أوصلها إلى السلامة ، ثم يا أخي المسلم اسمع وأنصت وانتبه معي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم- هو يقول « لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِى الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِثْمِ ». وزَادَ أَحْمَدُ « وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ ». فاتقوا الله عباد الله ،وأبعدوا أنفسكم عن هذا الهجر ،الذي يُوقع في الإثم وسخط المولى جل وعلا . وفقني الله وإياكم إلى كل خير وهدى ، وأبعدنا وإياكم عن كل قطيعة وإثم ، إنه سميع قريب مجيب ،، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوةً بعضهم أولياء بعض ، والله ذو فضلٍ على المؤمنين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ،جعله الله أسوة للمؤمنين ، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنه قد كثرت في هذه الأيام، الشحناء بين الناس، وكثرت الأحقاد في القلوب ، وقد صرنا نجد تقطع العلاقات لسنوات طويلة ، وَحَمَلَ الناس في قلوب بعضهم على بعض، مع أن هذه الشريعة ،قد جاءت فيما جاءت به، تصفية القلوب والنفوس ،ومراعاة المشاعر. فعلينا جميعا أن نحرص على روابط الإخاء الإسلامي بيننا، وأن نغذي وشائج الصدق والمحبة في مجتمعاتنا، واعلموا أنه لا علاج لداء الفرقة والخلاف والتفكك الاجتماعي، إلا بتتبع أسبابه وأعراضه، والجدَّ في القضاء عليه، يصحب ذلك نية صالحة، وعزيمة صادقة، ورغبة وقناعة في إصلاح ذات البين ، من أجل ابتغاء مرضاة الله واحتساب ماعنده من الأجر والثواب ،يقول سبحانه وتعالى { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ،إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .. فليكن كل واحد منكم -أيها المسلمون- جاداً في علاج هذا الداء العضال، بأن يكون مفتاحاً للخير والفضيلة، مغلاقاً للشر والفتنة والقطيعة والرذيلة. إن حقاً على كل متشاحنين ،لاسيما من القرابة والأرحام، والإِخْوَةُ في الله أن يصطلحوا، وأن يُجْمِعُوا قلوبهم، وأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يستعيذوا بالله من نزغات الشيطان الرجيم. لذلك فإني من هذا المنبر ،أناشد الكل دون استثناء، فكلكم تعلمون وأنا معكم ، أنه لا يكاد يخلوا أحد منا ، من شحناء أو خصام، أو شقاق أو سوء تفاهم، أو غيرها من أمراض القلوب ، لذلك فإني أناشد كل صديق مع صديقه، وكل ولد مع أبيه، أو أخ مع أخيه أو أخته ، أو زوج مع زوجته، أو قريب مع قريبه، أو جار مع جاره ، أناشدهم جميعا أن يصطلحوا فيما بينهم، وأن يبعدوا الشقاق والخصام عن نفوسهم ، فإن متاع الدنيا قليل. وأذكرهم بالموت ، فإن الأعمار مهما طالت فهي قصيرة ، والموت ينتظركم جميعا
فيا أيها المتشاحنون ويا أيها المتخاصمون! يامن تسمعون كلامي ، حافظوا على صفاء وسلامة قلوبكم ، وعلى الإخاء، والمحبة والوئام، أريحوا المحاكم ومراكز الشرطة، عن الرفع بالخصومات والمشكلات، وعاهدوا ربكم أن تكونوا إخوةً متحابين كما أراد الله لكم، وكما كان سلفكم الصالح رحمهم الله، حققوا الخير لأنفسكم ومجتمعاتكم. وإياكم وهذا الحقد بينكم ،فإن عاقبته وخيمة وأثاره مدمرة ، فهو سببٌ لسوء الخاتمة والعياذ بالله ، اسمع يا أخي المسلم للمصطفى عليه الصلاة والسلام وهو يقول « لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ ». نسأل الله السلامة والعافية ، وأن يرزقنا جميعا حسن الخاتمة، كما نسأله سبحانه وتعالى، أن يجعل قلوبنا سليمة لإخواننا المسلمين، اللهم طهر قلوبنا من كل غلٍ وحقدٍ وحسدٍ وغش، اللهم اجعل قلوبنا تقية نقية، واجعلها سليمة يا رب العالمين، واجعلنا ممن يأتيك يوم القيامة بقلبٍ سليم، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا إنك رءوف رحيم.