احمد عبد العزيز محمد
05-07-2008, 08:55 AM
المعاملات في الإسلام
( 1 / 9 )
يجب أن نعلم أن الإسلام يهتم بشئون العباد فى حياتهم وليس منهجا يقتصر على علاقة العباد بالله تعالى فقط ،بل نعلم أن الخطأ فى حق العباد أكثر واشد عقوبة عند الله من خطأ العبد فى حق الله ، لأن الله تعالى لا يتضرر بعصيان العبد له بل يعاقبه على الاستهانة بأحكامه وعدم الالتزام بها وبأوامره، ولكن كلما ضعف المظلوم كان عقاب الله للظالم أقسى ، فظلم الغنى لغنى حرام وظلمه للفقير أشد حرمة ، وظلمه للفقير اليتيم أو الأرملة العجوز يستحق العقاب الأقسى والأعنف من الله تعالى لأنهم أكثر تضررا وألما لاستغلال الأقوياء لضعفهم وقهرهم لهم .
ولنتتبع عددا من الأحاديث التى حاول بها الرسول ص أن يضبط العلاقة بين الناس إلى حد كبير ، ولكن يجب أن نعلم أن الحقوق قد تضيع بين العباد ولا يستطيع الشرع إعادة الحق إلى صاحبه لعدم وضوح الدليل وهنا يكون الضمير رادعا وخوف عذاب الله وفضيحة القيامة هى الرادع أمام العصاة وهى العزاء أمام المظلوم أن حقه الذي ضاع فى الدنيا لن يضيع يوم القيامة ، وكما قال الرسول ص ( إنكم تختصمون إلى وقد يكون بعضكم ألحن من بعض ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار )(1) ولهذا حاول الإسلام ضبط حقوق البشر بكتابتها واشهاد الشهود عليها وكانت آية المداينة "الدين" أطول آية فى القران .
من الشروط الأساسية للمعاملات فى الإسلام أن تكون النية خالصة لله ولا يقصد بها الإضرار بالآخرين وان يتوافق هذا العمل مع الشرع فلا يتعارض مع أحكامه من نصوص القران الصريحة أو أحاديث الرسول ص الصحيحة ولا يتناقض مع ما اتفق عليه علماء المسلمين ، أما ما حدث فيه الاختلاف بين العلماء فعلى الإنسان أن يتبع صاحب الدليل الأقوى وأن يكون أكثر رغبة فى تحرى الحلال والبعد عن الحرام وكما قال ص (استفت قلبك وان أفتاك الناس وأفتوك ) (2) وقال ص ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) (3) ونعلم أن الورع هو ترك بعض الحلال خوفا من الوقوع فى الحرام .
كم من الأعمال توافرت فيها النية الحسنة ولكنها تتعارض مع الشرع ويقع بسببها الناس فى الحرام فيتحمل صاحب العمل كفلا من أوزارهم بدلا من أن يشاركهم حسناتهم مثل بناء الأضرحة للأولياء بدعوى الإقتداء بهم وإذا بالناس يتجهون إليهم بالدعاء وينسون اللجوء إلى الله تعالى فنرى كيف كانت النية الحسنة سببا فى مظهر من مظاهر الشرك بالله تعالى ، ولعلنا نعلم أن الرسول نهى الصحابة عن سب وشتم آلهة الكفار لأنهم فى الأصل أناس صالحون فى فترات سابقة وبعد موتهم صنع أقوامهم تماثيل لهم رغبة فى التقرب إلى الله و أن يكونوا عبرة وقدوة لهم فى عمل الصالحات ، وتطور الأمر معهم فبدأوا فى التوجه إلى هذه التماثيل بالدعاء كوساطة بينهم وبين الله تعالى وزاد الأمر انحرافا بالتوجه إليهم فقط دون الاتجاه إلى الله وأصبح اعترافا صريحا منهم ( إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ) أى أنهم اعترفوا بعبادتهم وأنهم يظنون أنها وسيلة التقرب إلى الله تعالى .
ونذكر حديثا آخر لرسول الله ص هو ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأصاب بعضهم أعلاها فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ، فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا ) (4) وفى هذا الحديث يتضح لنا أمران : الأول : أنه قد يقع البعض فى الخطأ بدون عمد أو قصد مثل أهل السفينة الذين يتحدث عنهم الحديث وأرادوا ثقب السفينة من الداخل حتى لا يزعجوا من فوقهم من أهل السفينة بمرورهم المستمر عليهم ليملأوا أوعيتهم من البحر فتتساقط المياه منهم فى الجزء المخصص لرفاقهم ، وثانيا: أنه يجب على أفراد المجتمع منع أى ضرر قد يصيب المجتمع من بعض طوائفه ولو بالقوة إذا ترتب على هذا الضرر عواقب خطيرة على الفرد والمجتمع ، ولا يجوز فى هذه الحالة أن يدعى المخطىء أن هذا شأنه ولا يحق لأحد التدخل فى شئونه ، فإذا استمر أهل السفينة فى تجاهل أفعال هؤلاء لغرقت السفينة بمن عليها بسبب خطأ البعض وتخاذل الآخرين وتهاونهم . ونلاحظ أمثلة معاصرة لهذا الأمر وهو سكان إحدى العمارات الذين لاحظوا قيام أحد سكان الدور الأرضي بالتجديد فى شقته وأنه يرغب فى ازالة بعض الجدران والأعمدة لتوسعة الشقة وضم البلكونة للشقة ، ولكنهم سألوا أصحاب الخبرة فى هذا الأمر فأكدوا لهم الضرر والخطر البالغ على العمارة كاملة من هذه التجديدات ولابد من منعهم من القيام بها وهنا لا يجوز لصاحب هذه الشقة أن يقول أن هذا شأنه ولا يجوز لأي شخص التدخل فى شئونه وأنهم يغارون منه ويحقدون عليه ولا يرغبون فى رؤيته يطور من نفسه ، ويجب على أهل العمارة أن يحاولوا الوصول لحل بدون إفساد العلاقة بجارهم وان يتوصلوا لما يحقق هدفه دون الإضرار بنفسه وبهم وكما قال ص ( لا ضرر ولا ضرار ) "5"أى لا تتسبب فى الإضرار بنفسك أو الإضرار بغيرك ، وان أخذته العزة بالإثم وأصر على ما يريد رغم وضوح الخطر على الجميع فعليهم حينئذ منعه ولو بالقوة من هذا الإجراء .
ومن أمثلة هذا الضرر الذى يقوم به البعض فيما يخصهم من ممتلكات ولكن ضرره يلحق بمن يجاورهم سواء من الناحية الأخلاقية أو المادية إنشاء مقهى يتجمع فيه الأشقياء والضوال من الشباب ممن يتسببون فى الإضرار بأهل هذه المنطقة ، أو إقامة مستودع للغاز وسط المساكن مما قد يؤدى لحدوث كارثة لو لم يتم تدارك هذا الأمر. وفى كل الأحوال يجب على المتضرر العمل على منع الضرر وإزالته طالما أن لديه المبرر الحقيقي دون تحفز أو ادعاء كاذب ضد الآخرين .
( 2 / 9 )
ومن أمور المعاملات التى لا يجوز للمسلمين التغافل عنها أو التقليل من شأنها النصيحة بين المسلمين ، فقوام الدين على النصيحة فقال الرسول ص ( الدين النصيحة )(6) أي أن الدين يقوم على التناصح بين المسلمين فلو أخطأ شخص ما ووجد هذا ينصحه وآخر وآخر فلابد أن يشعر أن ما يقوم به من عمل لا يليق وانه لا يلقى قبول من حوله فيمتنع عن القيام به إرضاء لمن حوله وحرجا منهم وخوفا من كراهيتهم له أو نبذهم له . وكما قال تعالى عن بنى إسرائيل وسبب استحقاقهم اللعنة من الله وحتى يتخذ المسلمون منهم العظة والعبرة حتى لا يقعوا فى نفس الأخطاء فيستحقوا نفس العقاب الذى ناله بنو إسرائيل من قبل فقال تعالى ( لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) أى أنهم نالوا أللعنة من الله ومن أنبيائهم بسبب عصيانهم وعدم نهيهم لبعضهم البعض عن ارتكاب المعاصي والذنوب فنالوا جميعا العقاب سواء العاصي أو من رأى المعصية ترتكب ولم يحاول منعها والوقوف ضدها وكما سألت إحدى زوجات الرسول رسول الله ص : أنهلك وفينا الصالحون ؟ فقال ص ( نعم إذا كثر الخبث ) (7) أى انه إذا انتشرت المعاصي بين أفراد المجتمع وسكت البعض عن هذه المعاصي وتخاذل المجتمع عن مقاومتها فقد يهلكهم الله جميعا عقابا لهم .
وعلينا أن نعلم أن للنصيحة درجات يجب على الناصح الالتزام بها حتى لا يحدث من الضرر على المجتمع ما يفوق المعصية نفسها. وهذه الخطوات هى :
1/ النصيحة المجردة لكل مسلم بأنواع المعاصي ووجوب الامتناع عنها والابتعاد عن أسبابها حتى لا تزل قدمه فيسقط بها وكما وضح الرسول فى مثاله ( كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) أي أن المرء يحوم حول أسباب المعصية فإذا لم يبتعد عنها وقع فيها .
2/ اللوم والعتاب : وهى إظهار الحب للعاصي والرغبة الحقيقية فى مصلحته والبعد به عن أسباب الفساد والهلاك وأننا لم ننتظر من مثله فى أدبه ونشأته مثل هذه الأفعال التى لا تليق إلا بالفاسدين الجاهلين ولم نتخيل أن يشارك السفهاء الجهلاء فى أفعالهم وآرائهم ومنتدياتهم .
3/ التأنيب والتوبيخ : وهذه المرحلة تكون بعد الفشل فى المرحلة السابقة فتزداد اللهجة قوة وشدة وتعنيف وان هذه الأفعال لا تليق إلا بذوي الأخلاق الفاسدة وان اشترك معهم فى المصاحبة والمشاركة فلا يستحق من أفراد المجتمع إلا الاحتقار والكراهية
4/ المقاطعة : فبعد المحاولات السابقة فى إصلاح الأصدقاء والأقارب والجيران ومن يهمنا شأنهم إذا فشلت هذه المحاولات فعلينا أن نقاطع أهل المعصية ولا نحاول توثيق الروابط معهم بل تقتصر المعاملات على المجاملات فقط مثل التهنئة فى الأفراح والتعزية وزيارته أثناء مرضه ، أما الزيارة على سبيل المودة والصداقة والمحبة فلا وكما يقول ص ( لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقى ) (8) فلا تصادق إلا من تأمن أخلاقه ولا تتطور علاقتك بشخص فتصل إلى دعوته على الطعام فى بيتك إلا إذا كان تقيا لأنك بدعوتك له أدخلته بيتك وقد يطلع على بعض الأسرار والأحوال التى قد تستغل ضدك بعد ذلك ، وقد اشتد الإسلام فى تحذيره من دخول الأفراد إلى البيوت ووصل التحذير إلى أقارب الزوج من أبناء عمومته وخالته وغيرهم ممن يتساهل المرء معهم فى الدخول إلى بيته والتعرف على أسراره بل والتدخل أحيانا فى شئونه الداخلية فقال الرسول ص محذرا ( الحمو الموت ) (9) أى أن التساهل مع أقارب الزوج فى دخول المنازل هو الموت كزيادة فى الترهيب والتحذير .
5 / المقاومة : وهى محاولة منع المعصية بالقوة لمن أصر على فعلها وارتكابها رغم المحاولات السابقة للإصلاح ، ولكن هذا الباب من أخطر أبواب النصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولهذا لا يجوز الاكتفاء بهذه المقالة فى باب تغيير المنكر باليد لكثرة أحكامه وخطورة نتائجه ، ولكن ما نقول به هو أنه إذا ارتكب الإنسان من المعاصي ما يضره فقط فعلينا نصحه مثل مشاهدة الأفلام الخليعة والصور الفاضحة ومتابعة مواقع الانترنت السيئة ،أما إذا ارتكب الإنسان من المعاصي ما ينتشر به الأذى والفساد مثل فتح نادى للفيديو أو مقهى تعرض به الأفلام الجنسية أو تعرض بعض الفاسدين للفتيات فى الشوارع بالمعاكسات والمضايقات فهذه الأفعال يجب على المجتمع أن يقف أمامها بحزم وشدة والا زاد ضررها بحيث لا يمكن تداركه بعد ذلك وهنا يستحق الجميع العقاب من الله تعالى الفاعل للمعصية والساكتون من الجبناء المتخاذلين . وتختلف المقاومة للمنكر ووفقا للأشخاص الذين نتعامل معهم فيجوز للأخ أن يضرب أخته المتبرجة أو إذا فعلت ما قد يجلب الفضائح لها لأسرتها ويجوز من الأب لأبنائه ولكن لا يجوز من الابن للأب إلا النصح والشدة فيه بمقدار بما لا يتعارض مع قوله تعالى ( وصاحبهما فى الدنيا معروفا ).
ونرى أحاديث الرسول ص واضحة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقيام الأفراد بأدوارهم فى هذا الأمر دون تراخى أو تخاذل ، فقال ص ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) (10) وهنا نلاحظ أمرين : أولا : أن الرسول أعطى جميع المسلمين الحق فى التدخل لمنع المعاصي والذنوب ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) . ثانيا : أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر درجات فقد يكون بالتوبيخ والفضح والتشهير ، أو باليد أى القوة فى التغيير وأشرنا إلى ضرورة القراءة المستفيضة فى هذا الأمر ، أو بالقلب وهى وسيلة الضعفاء والجبناء ممن لا يستطيعون الجهر بآرائهم ومعارضة غيرهم خوفا على أنفسهم أو أرزاقهم أو علاقتهم مع غيرهم ، وهم على استعداد للتهاون مع العصاة والمذنبين ولو على حساب دينهم .
( 3 / 9 )
ولقد حاول الإسلام ضمان أكبر قدر من التعاون والمحبة بين أبنائه وأفراد مجتمعاته فأمرهم بالتعاون والمحبة ونهاهم عن التباغض والكراهية من أن توجد بينهم فقال ص ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )(11) وقال ص ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ) (12) أى أضراره ومصائبه ، أى لن يصل هذا الشخص لدرجة الإيمان ولكنه مسلم فقط لا نشكك فى إسلامه ، وقال ص ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا ،المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا " ويشير إلى صدره ص " بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )(13) وفى هذا الحديث ظهرت العديد من القواعد الأخلاقية فى المعاملات بين المسلمين مثل عدم الحسد والبغضاء واحتقار الآخرين ، وعدم التقدم لشراء سلعة علمت أن أخا لي تقدم لشرائها وان انتظر حتى أرى نتيجة تقدم اخى للشراء فان تم أتمنى له البركة وان لم يتم أتقدم لشرائها بعده ، ومثل هذا الأمر نهى الإسلام عن التقدم إلى خطبة فتاة مع علمي أن غيري قد تقدم لها ، والأولى والأفضل أن انتظر حتى أرى نتيجة تقدم اخى المسلم لها وأتمنى من الله أن يقدر الخير لي ولهم و أن يتم الأمر بدون حدوث ما يقطع العلاقات بين المسلمين .
( 4 / 9 ) :
ووضح الحديث السابق أن حقوق المسلمين مصانة فى ظل الإسلام من دم ومال وعرض ، ولهذا نجد الحدود فى الإسلام رادعة حازمة وتتصف الحدود فى الإسلام بالسرعة والقسوة ، فنجد قطع اليد للسارق والجلد أو الرجم للزاني إن كان عازبا أو متزوجا والقتل للقاتل أو الدية إن قبل بها أهل القتيل والجروح قصاص فمن تسبب فى جرح مسلم يجرح بنفس الطريقة وعلى نفس القدر من الضرر ولو أحدث تشوها فى آخر يتم الحكم عليه بنفس الشكل من العاهة ، وبهذا نرى احترام الإسلام لحقوق المسلمين وعقابه الصارم للمخطئين ليكون رادعا أمام الناس وراحة لنفوس المظلومين من مسروق ماله أو مقتول ولده أو منتهك عرضه أو مجروح بدنه أو........
ولابد أن نعلم أن الحدود وقسوتها لا تعنى التسرع فى عقاب الأشخاص دون تحرى لصدق التهمة وكفاية الأدلة ..لا بل لابد من التيقن الكامل من التهم ومن الشخص المتهم واستحقاقه للعقاب ، وكما قال ص : ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) (14) اى لا تقيموا الحدود على شخص تشكون فى قيامه بالجريمة وانه الفاعل الحقبقى . ونعلم القاعدة الشرعية التى تقول : ( الخطأ فى العفو خير من الخطأ فى العقوبة ) اى انه من الأفضل العفو عن شخص لم تثبت عليه التهم مع علمنا انه من قام بالجريمة خير من نعاقبه ثم تظهر بعد ذلك براءته ، ومن الأمور المشابهة لذلك قيام شخص ما بأخذ حذاء من أحد المساجد وفوجئنا أن هذا الحذاء يخص اخر فننظر أولا هل يتشابه الحذاءان فعلا بحيث يمكن حدوث الخلط بينهما وهل المقاس واحد وهل القيمة المادية متشابهة أم لا ؟ فلا يعقل أن نتهم شخصا ما بالسرقة لحذاء أقل قيمة من حذائه .
وقال ص :( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ) (15) فلابد من الدليل عند من اتهم غيره وان يقسم المتهم انه بريء من هذه التهمة وان يتوافر الشهود العدول ، وألا تقام الحدود إلا فى مجتمع امن مستقر فلا يعاقب السارق إذا كان جائعا وسط مجتمع مانع للزكاة لا يكرم فقيرا ولا يرحم يتيما ولا يكفل أرملة فإذا قصر المجتمع والدولة فى حق ذوى الحاجات والأعذار فلا يجوز عقاب المخطىء المضطر كما فعل عمر بن الخطاب فى عام المجاعة التى أصابت المدينة فمنع إقامة حد السرقة لأن السارق لا يسرق طمعا بل عجزا عن توفير حاجة أولاده وأهله .
ونعلم أن تطبيق الأحكام الشرعية فى القصاص أفضل من القوانين الوضعية حيث ينال المخطىء عقابه سريعا قاسيا ثم يستكمل حياته الطبيعية مرة أخرى من رعاية لأسرة وأولاد وأب أو أم ، أما القوانين الوضعية فإنها تأمر بحبس المتهم فى السرقة أو القتل أو غيرها من التهم وبهذا تتحمل الدولة تكاليف السجون وحراسها والطعام الذي تتكفل به لأصحاب التهم وضياع الكثير من الأموال فى حراسة وطعام وضياع قدرات مهدرة من هؤلاء المتهمين فى مجالات أعمالهم ففى حبسهم لسنوات فقدان لطاقاتهم وحرمان للمجتمع من أشخاص يساهمون فى القيام بشئونه ، وأيضا فان الحبس يعتبر اعتداء على حقوق الآخرين مثل زوجة لها حقوقها المادية والعاطفية و لا ذنب لها فى عدم التمتع بها ، وأيضا الأبناء الذين يحرمون الأب الراعي الحاني المراقب لشئونهم وأحوالهم . ولهذا نقول أن الإسلام فى اتصافه بالسرعة والقسوة فى الحدود راعى الكثير من المبادىء من إرضاء للمتضرر والمصاب وعقاب للمتهم ثم عودته لمجتمعه ليساهم فى تحمل مسؤولية أسرته وعدم التعطل وتحمل الدولة لأعبائه أو أن ينتج عن حبسه أسرة مشردة قد تتهاوى فى هوة الإجرام أيضا ، وبهذا يتحول العقاب إلى عقاب جماعي وليس فرديا .
( 5 / 9 )
واستكمالا لقواعد المعاملات فى الإسلام نرى حرص الإسلام على ضبط قواعد التجارة بين الأفراد فحذر التجار من الجشع ووعد المحسنين منهم بالثواب العظيم فقال ص : ( التاجر الصادق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين )(16) وقال ص : ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) (17)" اقتضى : أى طالب بما له من أموال عند الناس " وأخبرنا الرسول ص أن الله تجاوز عن احد التجار يوم القيامة لأنه كان يتجاوز عن ديون المعسرين فى الدنيا ، بينما اشتد تحذير الإسلام للتجار من استغلال تجارتهم فى قهر الفقراء فقال ص : ( التجار فجار )"18" وقال ص : ( اليمين منفقة للسلعة ممحقة للبركة ) "19 " أى أن بعض التجار يعتمدون على اليمين وكثرة الحلف لبيع سلعتهم مع ما قد تتصف به من عيوب يخفونها على المشترى وقد يفلح هذا التاجر فى بيع سلعته ولكن يزيل الله تعالى البركة منها .
ومن الظواهر التجارية التى رفضها الإسلام الاحتكار ويقصد به أن يخفى التجار إحدى السلع الغذائية الضرورية للناس حتى إذا اختفت من الأسواق تم عرضها بسعر أعلى فيضطر الناس لشرائها لشدة حاجتهم لها وعدم قدرتهم على الاستغناء عنها مثل الدقيق والسكر والزيت . ولهذا قال الرسول ص (بئس العبد المحتكر إن سمع برخص ساءه وان سمع بغلاء فرح ) "20 " فهذا الشخص يتصف بالأنانية وحب الذات أكثر من التعاطف مع الآخرين ومراعاة ظروفهم، وقال ص ( الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ) "21" اى إن اشترى بضاعة ليبيعها سيرزقه الله منها رزقا حسنا ومن اشترى بضاعة ليحتكرها لعنه الله بسببها وقال ص : ( من دخل فى شىء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ) "22" ويشترك فى الإثم والوزر المحتكر لكمية قليلة أو كثيرة فكلاهما شارك فى التضييق على المسلمين واستغلال حاجتهم . وليس من الاحتكار أن يحتفظ الإنسان لنفسه ولأسرته بالطعام الذى يكفيهم فترة من الزمن مثلما فعل الرسول ص فكان يحتفظ لأسرته بطعام يكفيهم عاما كاملا
ومن الاحتكار المذموم احتكار الدواء بإخفائه أو تغيير الاسم أو تقليل المادة الفعالة فيه ليحتاج المريض لكمية أكبر أو رفع السعر تحت ادعاءات غير صادقة استغلالا لحاجة المرضى وعدم قدرتهم على الاستغناء عنه .
( 6 / 9 )
ومن القواعد التجارية التى وضعها الإسلام ( المؤمنون عند شروطهم )أى أن الشروط التى وضعها الشريكان يجب عليهما الالتزام بها طالما لا تتعارض مع نصوص شرعية أخرى . وقال ص ( أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) "23" فالعامل أو الصانع الذى أكمل لك العمل الذى كلفته به ملتزما بحديث الرسول ص " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "" 24" يجب عيك أيضا أن تمنحه حقه الذى اتفقتم عليه كاملا وفورا ، وحذر الرسول ص من مماطلة المرء فى أداء حقوق الناس فقال ص ( مطل الغنى ظلم ) " 25 " فى حالة مماطلة شخص فى رد دين عليه رغم قدرته أو مماطلته فى تقسيم ميراث أو منح أجير أجرته .
ومن الأحاديث التى تحسم الكثير من أسباب الخلاف بين المسلمين قوله ص ( من أتلف شيئا فعليه إصلاحه ) "26 " فإذا استعار شخص ما جهازا أو آلة ليستعملها وحدث بها عطل ما أو تلفت بسبب إهمال منه أو تقصير أو ضاعت منه فهو ملزم بإعادتها إلى صاحبها و إصلاحها أو شراء بديل لها وليس كما يدعى البعض بقولهم " أننا لا نقبل العوض " فهم بهذا يعطلون سنة من سنن الرسول ص وسوف يمتنع الناس عن إعارة بعضهم البعض بعد ذلك خوفا من حدوث التلف أو الضياع لممتلكاتهم ولكن إذا اطمأن الرجل أن الشىء الذى أعاره سوف يرد إليه وإذا حدث له مكروه فالمستعير ضامن له فى إصلاحه أو تعويضه عنه فلن يتردد المرء فى إعارة الأشياء لمن احتاجها وبهذا نضمن دوام مساعدة المسلمين لبعضهم وإزالة أسباب الخلاف بينهم .
وأيضا لا يرضى المسلم لغيره ما لا يرضاه لنفسه ، ونرى فى سورة المطففين حيث توعد الله تعالى وهدد من يخدعون الناس فى الوزن والمكيال وهم لا يقبلون لأنفسهم أن يخدعهم أ حد فقال عنهم ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين )
أى أنهم يخسرون الناس فلا يعطونهم حقوقهم كاملة وإذا انتقص أحد من حقوقهم غضبوا ولهذا يستحقون من الله العذاب يوم القيامة .
( 7 / 9 )
ومن المعاملات التى حرمها الإسلام " الربا " لما يتسبب فيه من قهر للمحتاج وإذلال له ولما يدل عليه من خسة ونذالة من المرابى الذى يستغل حاجات الآخرين وأزماتهم فيعطيهم من ماله مقابل الزيادة عند رد المال ، فكيف يقبل المسلم أن يستغل أخاه المسلم عند ضائقته ومصيبته ؟؟!!، ولا يجوز للمسلم أن يلجأ إلى الاقتراض بالربا والا تحمل العقوبة أمام الله يوم القيامة واستحق ما حذرت منه الأحاديث من عذاب أليم فى الدنيا والآخرة إلا إذا وقع فى مصيبة ولم يجد من يسانده ولا مفر إلا اللجوء إلى المرابين وهنا يتحمل المرابى هذا الوزر وأيضا أفراد المجتمع إذا كانت لهم القدرة على مساندة هذا المحتاج وخذلوه فى ضائقته . أما إذا كان القرض بالربا بدون سبب قوى فيستحق اللعنة من أخذ ومن أعطى مثل الاقتراض من أجل شراء سيارة أو زواج أو ممارسة عمل تجارى أو فتح مشروع استثمارى جديد مما لا يمثل ضرورة فورية حقيقية . ولهذا قال تعالى ( يمحق الله الربا ويربى الصدقات ) وقال ص ( لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية فى الخطيئة )" 27 " وقال ص : ( اجتنبوا السبع الموبقات " المهلكات " : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق و أكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات )"28 " وقال ص : ( لعن الله آكل الربا ومؤ كله وشاهديه وكاتبه )"29 "
( 8 / 9 )
ومن القواعد التى وضعها الإسلام للتجارة بين الأفراد قول الرسول ص : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) " 30" أى أن لكل منهما الحق فى إيقاف البيع وإلغاء الصفقة ما لم ينتهى المجلس ويفترقا حينئذ يكون الأمر قد انتهى إلا بموافقة الطرفين .
ونذكر حديثا آخر له ص :( لا تبع ما ليس عندك ) " 31 " فقد استدل العلماء بهذا الحديث على انه لا يجوز بيع السلعة إلا إذا كانت حاضرة أمام البائع والمشترى حتى لا يحدث تدليس أو خداع من أحدهما للآخر ، ولهذا نعرف القاعدة التى تقول ( إذا حزت فبع ) أي إذا امتلكت البضاعة وحزتها فلا ضير من تصرفك فيها بالبيع إذا كانت المواصفات ثابتة ومعروفة للجميع فهنا يجوز لك بيع البضاعة المملوكة لك ولو لم تأت إلى حوزتك ، فمثلا إذا اتفقت على شحنة من أجهزة التلفزيون ودفعت ثمنها فيجوز لى التصرف بالبيع فيها قبل أن تصل لأن المواصفات معروفة والسلعة فى حكم الموجودة .
ولكن من أنواع البيع ما تحيط به الريب والظنون مثل بيع المرابحة بأن يقوم التاجر ببيع السلعة بسعر أعلى من سعرها الأصلي مقابل تأجيل الدفع ، ورغم امتلاك التاجر لهذه السلعة إلا أنها تحاط بشبهة الربا . وهناك نوع أشد وضوحا وهو أن يذهب رجل ما إلى شخص من ذوى اليسار والغنى فيطلب منه أن يشترى له أجهزة منزلية قيمتها مثلا عشرة آلاف جنيه ويردها هو إليه بعد ذلك اثنا عشر ألف جنيه مقابل التأجيل . وهنا نلاحظ عدم امتلاك الشخص الآخر للسلعة وبالتالي يبيع ما ليس فى حوزته وانه رفع قدر المال مقابل التأجيل ، فما الفرق إذن بين ذلك وبين أن اقترض منه مالا وأرده بقيمة أعلى بعد فترة مما يعتبر ربا فاضحا ؟!!
( 9 / 9 )
ونتطرق إلى المعاملات الاجتماعية فعلى الأب أن يتولى أمر أسرته وألا يقصر تجاههم وان ينفق عليهم وفقا لقدرته المالية بدون تبذير أو تقتير " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله "
وعلى الابن أن يتولى أمر والديه عند الكبر والشيخوخة، ونتذكر قصة الابن الذى أتى إلى الرسول ص يشكو والده وكثرة ما يأخذ منه من مال فقال ص : ( أنت ومالك لأبيك )"32 " وبالطبع فى حدود المعقول والمقبول شرعا وعرفا . وعلى الزوجة أن تقوم بواجبها تجاه زوجها وأولادها دون إسراف فى الكماليات أو تشبه بأخريات .
ومن الطبيعي أن يبحث الفتى عند بلوغه عمن تشاركه حياته فتكون زوجة له وأما لأبنائه ، ولكن ما المقياس الذى يقيس به الإنسان قرينة المستقبل
الواقع يؤكد أن الكثيرين ينظرون أولا إلى جمال المنظر الذى يبهر البعض فيملك عليهم عقولهم وحواسهم فيخضعون له وسرعان ما يتحول هذا الجمال إلى أمر طبيعي ليس له نفس التأثير الأول . ولهذا حرص الإسلام على التفكير المنطقي الذي لا يندم صاحبه بعد ذلك عندما وضح الرسول ص أن الزواج يكون للمال أو الجمال أو الجاه والمكانة العائلية أو الدين فإذا ظفرت بذات الدين فقد فزت وربحت فإذا توافر المال والدين أو الجمال والدين أو العائلة والدين فهذا من فضل الله لكن لا استغناء عن شرط الدين وتوافره دون خداع للنفس فيتزوج الفتى فتاة متبرجة أو غير ملتزمة ويدعى أنها جيدة وانه سيحاول إصلاحها أو ضبط سلوكها . وللفتاة الحق الكامل فى الموافقة أو الرفض لهذا الزوج القادم إليها فتنظر إليه وقد يسمح بجلوسهما فى وجود محرم فقد تعترض عليه لأى سبب تراه وهنا يجب على الأسرة أن تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد حتى لا يتم الزواج قهرا للفتاة وإرغاما لها وبعد ذلك تتوالى المشاكل والأزمات بينهما لان الأسرة تهاونت فى حقوق الفتاة فى اختيار زوج المستقبل فالأفضل أن توافق الفتاة على الزوج من أن نتسرع فى هذا الزواج ثم نندم جميعا بعد وجود أولاد وحدوث خلافات وفضائح يتحدث بها الناس فى منتدياتهم ، وكما قال ص : ( البكر تستأذن وإذنها صماتها والثيب تستأمر ) " 33" أى أن الفتاة لها الحق أن يستأذنها والداها ويكون إذنها فى صمت يدل على الحياء والموافقة الضمنية ولا يخفى على الشخص العاقل إن كان صمت الفتاة يدل على فرحة بزوج وأسرة وحياة جديدة أم أنه صمت خوف وقهر وإرغام ، ويتم إيقاف الزواج فى حالة رفض الفتاة ولو بدون أسباب ، وهنا نوضح أن الإسلام عندما أعطى للفتاة هذا الحق لا يريد منها أن تستغل هذا الحق استغلالا خاطئا فتنظر فقط إلى المناصب والمال والوجاهة وان أفضل المقاييس التى ينبغى أن يقاس الأفراد بها هى الدين فقد قال ص ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير ) "34 " وعندما جاءت إحدى النساء إلى الرسول ص فقالت أنها لا تعيب على زوجها دينا ولا خلقا ولكنها لا تطيقه بغضا فحكم الرسول أن تطلق المراة وترد لزوجها كل ما أخذت منه خلال زواجهما من مجوهرات أو ممتلكات ، وهذا دليل على حق المرأة المحفوظ فى الإسلام ورغبة الإسلام فى استقرار الأسر بعد توافر الشروط الملائمة لها ومعرفة حقوق كلا الزوجين،
ووضحت السنة شروطا معينة لزوجة المستقبل مثل قوله ص : ( إياكم وخضراء الدمن . قالوا : وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال : المرأة الحسناء فى المنبت السوء ) " 35 " وقال ص ( تخيروا لنطفكم فان العرق دساس ) "36 " أى يجب على الإنسان أن يتخير الأسرة الملائمة له والمعروفة بالاحترام لان هؤلاء هم ذوو النسب الذى سأشترك معهم فى علاقات دائمة فى المستقبل ولا يجوز التنازل عن شرط السمعة الحسنة لهذه العائلة تحت أى ادعاء ورأينا كيف حذر الرسول ص من ذلك .
ويجب أن يتصف هذا الزواج بالاعتدال فى النفقات منذ إعداد بيت الزوجية فقال ص : ( أقلهن نفقة أكثرهن بركة )"37 " فهى قاعدة عامة قبل الزواج بإعداد البيت وتكاليف الشبكة وصالة الفرح والتصوير وبعد الزواج فى نفقات الأسرة ، فالمرأة المعتدلة فى نفقات بيتها هى بركة من الله للزوج فى حياته
وبعد أن يتخير الرجل زوجته على خلق ودين يجب عليه أن يقوم بواجبه تجاهها كما يأمر الإسلام فينفق على منزله وفقا لقدرته بلا تبذير أو تقتير ولا تحاول الزوجة تكليف زوجها فوق طاقته حتى لا يشعر بعجزه عن القيام بأعباء أسرته أو يشعر بطمع منها وعدم الرضا بحياتها معه وفى الحالتين لابد من أثر سيء على الأسرة . ولا يجوز للزوج أن يضيق على المرأة فى نفقات البيت حتى يجبرها على الإنفاق من مالها الخاص فهذا عمل لا يليق بالرجال الذين يتحملون أعباء أسرهم ويرفضون النظر إلى ممتلكات زوجاتهم وان كن أغنى منهم .
وبالطبع لا تخلو البيوت من الخلافات بين الزوجين ولكن يجب أن يكون التعامل مع هذه الخلافات بقدر من العقلانية والعدل من الاثنين دون تحامل أو تعسف أو تبرير غير معقول للأخطاء ، وإذا حدث الاختلاف بين الزوجين فى أمر من الأمور فالأولى هو الأخذ برأي الزوج فهو الأكثر عقلانية من المرأة ، وان أخطأ الزوج مرة فى الحكم فلن يخطىء كل مرة ، وعلى الزوجة أن تعامل زوجها على انه الرجل المسئول عن أسرته القادر على القيام بأعبائها وعدم الخلاف معه كثيرا فى شئون الحياة ، فلها حق الشورى وليس لها حق التحكم والإمارة على الزوج فى بيته ، مع الاعتراف أن رأى المرأة أحيانا يكون هو الأصح والأصوب ولكن إصرار كل منهما على رأيه قد يتسبب فى الكثير من المشاكل التى يمكن أن تنتهى بتحمل الزوج لمسئوليته عن منزله ونتائج هذه الواجبات . ويجب على الرجل أن يكون فى بيته عادلا حكيما رحيما ولا يتعجل فى توجيه الأذى لأهل بيته والتماس الأعذار لهم وتوجيه النصح أولا ثم التحذير ثم اللوم والعتاب ثم التوبيخ ثم الهجر فى الفراش مع القيام بواجبات البيت كاملة ثم تأتى المرحلة الأخيرة فى العقاب وهى الضرب الغير مبرح ، ونعلم أن الكثير من النساء لهن من صفات العناد وعدم الليونة والسلاسة فى التعامل مما يجبر الزوج على الضرب بعد نفاذ الصبر واستخدام وسائل النصح والردع كلها ، ولكن على الزوج ألا يتعجل ذلك وأن يتذكر قول الرسول ص ( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ) "38 " عوان : أسرى "
وقال ص ( ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ) وقال ص ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) "39 " . ومن الأزواج من يتصف بصفات تعجز المرأة عن التعايش معها ، فلا ينبغى لنا أن نتسرع ونتهم المرأة أو الرجل بتحمل المسئولية عن مشاكل الأسرة . وعلى الزوجين أن يحاولا حل الخلافات بعيدا عن تدخل الأهل حتى لا تنكشف عورات البيوت أمام الجميع وتحل المشكلة بعد ذلك ويكون الجميع قد علم بها ، ونعلم أن أهل الزوج يتعاطفون معه وأهل الزوجة يتعاطفون معها ، ولهذا فالأفضل أن يتم حل الخلافات الزوجية بين الزوجين بعقل وعدل ورحمة بلا تعسف أو تشدد أو تهاون وتساهل إذا كان الأمر هاما لا يقبل التهاون فيه . أما إذا كانت الخلافات كثيرة ولا تقبل الحل وتتزايد الهوة بين الزوجين فهنا يكون الحل الأخير بالطلاق الذي يضمن لكليهما حقوقهما دون إضرار بالآخر ، ولا نستطيع التعلل بوجود أبناء فأحيانا تكون حياة الأبناء بين آباء فى خلاف دائم وتوتر مستمر أكثر شقاء وألما من الحياة بين زوجين مطلقين. وبعد الطلاق لا يحاول أي من الزوجين إلصاق التهم بالآخر أو الإضرار به فى رؤية الأبناء أو الإنفاق عليهم أو أن يتزوج الآخر بمن يريد ، وأن يأخذ كل من الزوجين حقه المادى دون نقص حتى تنتهي العلاقة بأقل ضجة دون أن تثير القيل والقال بين الناس .
وفى تعامل الآباء مع أبنائهم يجب أن يتصف هذا التعامل بالعدل والمساواة والرحمة والحنان فالابن فى طفولته يحتاج للملاعبة وفى الصبا يحتاج للنصيحة والتوجيه وفى الشباب يحتاج للمشاورة وبعد ذلك يصبح رجلا يقوم بما غرسته فيه من أخلاق ومبادىء وقيم ، وهذا لا يمنع أن يبتلى الله بعض عباده فى أبنائهم مثلما حدث فى قصة الخضر مع الرجل الصالح الذى قتل ولده لأنه سيكون كافرا شقيا رغم كون الرجل صالحا ورأينا ابن نوح عليه السلام وكفره رغم نبوة أبيه .
ورأينا حرص الإسلام على الرحمة بالأطفال عندما جمع الرسول الأطفال من أقاربه وعقد بينهم مسابقة لمن يجرى فيصل أولا لأحضان الرسول ص . وأن الرسول أثناء خطبته وجد الحسن يقع بسبب ثيابه الطويلة فنزل وحمله ، وأنه ص كان يسير على يديه وقدميه ويركب أحفاده على ظهره . وعندما جاء أحد الصحابة إليه ليشهد ص على إهداء هذا الصحابي قطعة من ذهب لأحد أبنائه سأله ص " هل أعطيت كل أولادك مثل هذا ؟ " فأجاب الرجل بالنفي فألقاها ص عليه ولو أصابته لأوجعته كما يصف من رأى هذا الموقف من الصحابة وقال ص " ساووا بين أبنائكم ولو فى القبلة "ونفس الموقف مع النعمان بن بشير الذى وهبه أبوه هدية فرفض الرسول أن يشهد عليها لأنه لم يعط كل أبنائه مثل ذلك .
حاولنا فى الأوراق السابقة أن نذكر نماذج فقط من المعاملات التى حرص الإسلام على ضبطها بين المسلمين ، ويجب على المسلمين أن يحرصوا على فهم أحكام المعاملات والبحث عما يخصهم منها سواء فى الأحكام المادية أو الاجتماعية أو السياسية أو القانونية أو غيرهم من المعاملات لأن المسلم سوف يحاسب على الأخطاء التى ارتكبها ولو بدون علم إذا كانت وسيلة الحصول على الحكم متاحة ولكنه تكاسل فى البحث عنها . فعلينا أن نبحث فى أحكام الزكاة والمواريث والزواج والطلاق والرهن والقرض والضمان والشركات حتى لا نقع فى المحرمات والشبهات بدون علم ونحاسب بعد ذلك على ذنبنا وعلى إهمالنا فى البحث عن الحكم الشرعي فى تعاملاتنا .
الحديث ( 1/3/4/5/6/7/9/10/11/13/17/ 18 / 19 / 25 / 27 / 29 / 30 / 31 / 33 / 36 ) ........ صحيح
الحديث (2/8/12/14/15/ 16./ 20 / 21 / 24 ) ضعيف
الحديث ( 34 / 23 / 28 ) حسن .
( 1 / 9 )
يجب أن نعلم أن الإسلام يهتم بشئون العباد فى حياتهم وليس منهجا يقتصر على علاقة العباد بالله تعالى فقط ،بل نعلم أن الخطأ فى حق العباد أكثر واشد عقوبة عند الله من خطأ العبد فى حق الله ، لأن الله تعالى لا يتضرر بعصيان العبد له بل يعاقبه على الاستهانة بأحكامه وعدم الالتزام بها وبأوامره، ولكن كلما ضعف المظلوم كان عقاب الله للظالم أقسى ، فظلم الغنى لغنى حرام وظلمه للفقير أشد حرمة ، وظلمه للفقير اليتيم أو الأرملة العجوز يستحق العقاب الأقسى والأعنف من الله تعالى لأنهم أكثر تضررا وألما لاستغلال الأقوياء لضعفهم وقهرهم لهم .
ولنتتبع عددا من الأحاديث التى حاول بها الرسول ص أن يضبط العلاقة بين الناس إلى حد كبير ، ولكن يجب أن نعلم أن الحقوق قد تضيع بين العباد ولا يستطيع الشرع إعادة الحق إلى صاحبه لعدم وضوح الدليل وهنا يكون الضمير رادعا وخوف عذاب الله وفضيحة القيامة هى الرادع أمام العصاة وهى العزاء أمام المظلوم أن حقه الذي ضاع فى الدنيا لن يضيع يوم القيامة ، وكما قال الرسول ص ( إنكم تختصمون إلى وقد يكون بعضكم ألحن من بعض ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار )(1) ولهذا حاول الإسلام ضبط حقوق البشر بكتابتها واشهاد الشهود عليها وكانت آية المداينة "الدين" أطول آية فى القران .
من الشروط الأساسية للمعاملات فى الإسلام أن تكون النية خالصة لله ولا يقصد بها الإضرار بالآخرين وان يتوافق هذا العمل مع الشرع فلا يتعارض مع أحكامه من نصوص القران الصريحة أو أحاديث الرسول ص الصحيحة ولا يتناقض مع ما اتفق عليه علماء المسلمين ، أما ما حدث فيه الاختلاف بين العلماء فعلى الإنسان أن يتبع صاحب الدليل الأقوى وأن يكون أكثر رغبة فى تحرى الحلال والبعد عن الحرام وكما قال ص (استفت قلبك وان أفتاك الناس وأفتوك ) (2) وقال ص ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) (3) ونعلم أن الورع هو ترك بعض الحلال خوفا من الوقوع فى الحرام .
كم من الأعمال توافرت فيها النية الحسنة ولكنها تتعارض مع الشرع ويقع بسببها الناس فى الحرام فيتحمل صاحب العمل كفلا من أوزارهم بدلا من أن يشاركهم حسناتهم مثل بناء الأضرحة للأولياء بدعوى الإقتداء بهم وإذا بالناس يتجهون إليهم بالدعاء وينسون اللجوء إلى الله تعالى فنرى كيف كانت النية الحسنة سببا فى مظهر من مظاهر الشرك بالله تعالى ، ولعلنا نعلم أن الرسول نهى الصحابة عن سب وشتم آلهة الكفار لأنهم فى الأصل أناس صالحون فى فترات سابقة وبعد موتهم صنع أقوامهم تماثيل لهم رغبة فى التقرب إلى الله و أن يكونوا عبرة وقدوة لهم فى عمل الصالحات ، وتطور الأمر معهم فبدأوا فى التوجه إلى هذه التماثيل بالدعاء كوساطة بينهم وبين الله تعالى وزاد الأمر انحرافا بالتوجه إليهم فقط دون الاتجاه إلى الله وأصبح اعترافا صريحا منهم ( إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ) أى أنهم اعترفوا بعبادتهم وأنهم يظنون أنها وسيلة التقرب إلى الله تعالى .
ونذكر حديثا آخر لرسول الله ص هو ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأصاب بعضهم أعلاها فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ، فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا ) (4) وفى هذا الحديث يتضح لنا أمران : الأول : أنه قد يقع البعض فى الخطأ بدون عمد أو قصد مثل أهل السفينة الذين يتحدث عنهم الحديث وأرادوا ثقب السفينة من الداخل حتى لا يزعجوا من فوقهم من أهل السفينة بمرورهم المستمر عليهم ليملأوا أوعيتهم من البحر فتتساقط المياه منهم فى الجزء المخصص لرفاقهم ، وثانيا: أنه يجب على أفراد المجتمع منع أى ضرر قد يصيب المجتمع من بعض طوائفه ولو بالقوة إذا ترتب على هذا الضرر عواقب خطيرة على الفرد والمجتمع ، ولا يجوز فى هذه الحالة أن يدعى المخطىء أن هذا شأنه ولا يحق لأحد التدخل فى شئونه ، فإذا استمر أهل السفينة فى تجاهل أفعال هؤلاء لغرقت السفينة بمن عليها بسبب خطأ البعض وتخاذل الآخرين وتهاونهم . ونلاحظ أمثلة معاصرة لهذا الأمر وهو سكان إحدى العمارات الذين لاحظوا قيام أحد سكان الدور الأرضي بالتجديد فى شقته وأنه يرغب فى ازالة بعض الجدران والأعمدة لتوسعة الشقة وضم البلكونة للشقة ، ولكنهم سألوا أصحاب الخبرة فى هذا الأمر فأكدوا لهم الضرر والخطر البالغ على العمارة كاملة من هذه التجديدات ولابد من منعهم من القيام بها وهنا لا يجوز لصاحب هذه الشقة أن يقول أن هذا شأنه ولا يجوز لأي شخص التدخل فى شئونه وأنهم يغارون منه ويحقدون عليه ولا يرغبون فى رؤيته يطور من نفسه ، ويجب على أهل العمارة أن يحاولوا الوصول لحل بدون إفساد العلاقة بجارهم وان يتوصلوا لما يحقق هدفه دون الإضرار بنفسه وبهم وكما قال ص ( لا ضرر ولا ضرار ) "5"أى لا تتسبب فى الإضرار بنفسك أو الإضرار بغيرك ، وان أخذته العزة بالإثم وأصر على ما يريد رغم وضوح الخطر على الجميع فعليهم حينئذ منعه ولو بالقوة من هذا الإجراء .
ومن أمثلة هذا الضرر الذى يقوم به البعض فيما يخصهم من ممتلكات ولكن ضرره يلحق بمن يجاورهم سواء من الناحية الأخلاقية أو المادية إنشاء مقهى يتجمع فيه الأشقياء والضوال من الشباب ممن يتسببون فى الإضرار بأهل هذه المنطقة ، أو إقامة مستودع للغاز وسط المساكن مما قد يؤدى لحدوث كارثة لو لم يتم تدارك هذا الأمر. وفى كل الأحوال يجب على المتضرر العمل على منع الضرر وإزالته طالما أن لديه المبرر الحقيقي دون تحفز أو ادعاء كاذب ضد الآخرين .
( 2 / 9 )
ومن أمور المعاملات التى لا يجوز للمسلمين التغافل عنها أو التقليل من شأنها النصيحة بين المسلمين ، فقوام الدين على النصيحة فقال الرسول ص ( الدين النصيحة )(6) أي أن الدين يقوم على التناصح بين المسلمين فلو أخطأ شخص ما ووجد هذا ينصحه وآخر وآخر فلابد أن يشعر أن ما يقوم به من عمل لا يليق وانه لا يلقى قبول من حوله فيمتنع عن القيام به إرضاء لمن حوله وحرجا منهم وخوفا من كراهيتهم له أو نبذهم له . وكما قال تعالى عن بنى إسرائيل وسبب استحقاقهم اللعنة من الله وحتى يتخذ المسلمون منهم العظة والعبرة حتى لا يقعوا فى نفس الأخطاء فيستحقوا نفس العقاب الذى ناله بنو إسرائيل من قبل فقال تعالى ( لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) أى أنهم نالوا أللعنة من الله ومن أنبيائهم بسبب عصيانهم وعدم نهيهم لبعضهم البعض عن ارتكاب المعاصي والذنوب فنالوا جميعا العقاب سواء العاصي أو من رأى المعصية ترتكب ولم يحاول منعها والوقوف ضدها وكما سألت إحدى زوجات الرسول رسول الله ص : أنهلك وفينا الصالحون ؟ فقال ص ( نعم إذا كثر الخبث ) (7) أى انه إذا انتشرت المعاصي بين أفراد المجتمع وسكت البعض عن هذه المعاصي وتخاذل المجتمع عن مقاومتها فقد يهلكهم الله جميعا عقابا لهم .
وعلينا أن نعلم أن للنصيحة درجات يجب على الناصح الالتزام بها حتى لا يحدث من الضرر على المجتمع ما يفوق المعصية نفسها. وهذه الخطوات هى :
1/ النصيحة المجردة لكل مسلم بأنواع المعاصي ووجوب الامتناع عنها والابتعاد عن أسبابها حتى لا تزل قدمه فيسقط بها وكما وضح الرسول فى مثاله ( كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) أي أن المرء يحوم حول أسباب المعصية فإذا لم يبتعد عنها وقع فيها .
2/ اللوم والعتاب : وهى إظهار الحب للعاصي والرغبة الحقيقية فى مصلحته والبعد به عن أسباب الفساد والهلاك وأننا لم ننتظر من مثله فى أدبه ونشأته مثل هذه الأفعال التى لا تليق إلا بالفاسدين الجاهلين ولم نتخيل أن يشارك السفهاء الجهلاء فى أفعالهم وآرائهم ومنتدياتهم .
3/ التأنيب والتوبيخ : وهذه المرحلة تكون بعد الفشل فى المرحلة السابقة فتزداد اللهجة قوة وشدة وتعنيف وان هذه الأفعال لا تليق إلا بذوي الأخلاق الفاسدة وان اشترك معهم فى المصاحبة والمشاركة فلا يستحق من أفراد المجتمع إلا الاحتقار والكراهية
4/ المقاطعة : فبعد المحاولات السابقة فى إصلاح الأصدقاء والأقارب والجيران ومن يهمنا شأنهم إذا فشلت هذه المحاولات فعلينا أن نقاطع أهل المعصية ولا نحاول توثيق الروابط معهم بل تقتصر المعاملات على المجاملات فقط مثل التهنئة فى الأفراح والتعزية وزيارته أثناء مرضه ، أما الزيارة على سبيل المودة والصداقة والمحبة فلا وكما يقول ص ( لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقى ) (8) فلا تصادق إلا من تأمن أخلاقه ولا تتطور علاقتك بشخص فتصل إلى دعوته على الطعام فى بيتك إلا إذا كان تقيا لأنك بدعوتك له أدخلته بيتك وقد يطلع على بعض الأسرار والأحوال التى قد تستغل ضدك بعد ذلك ، وقد اشتد الإسلام فى تحذيره من دخول الأفراد إلى البيوت ووصل التحذير إلى أقارب الزوج من أبناء عمومته وخالته وغيرهم ممن يتساهل المرء معهم فى الدخول إلى بيته والتعرف على أسراره بل والتدخل أحيانا فى شئونه الداخلية فقال الرسول ص محذرا ( الحمو الموت ) (9) أى أن التساهل مع أقارب الزوج فى دخول المنازل هو الموت كزيادة فى الترهيب والتحذير .
5 / المقاومة : وهى محاولة منع المعصية بالقوة لمن أصر على فعلها وارتكابها رغم المحاولات السابقة للإصلاح ، ولكن هذا الباب من أخطر أبواب النصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولهذا لا يجوز الاكتفاء بهذه المقالة فى باب تغيير المنكر باليد لكثرة أحكامه وخطورة نتائجه ، ولكن ما نقول به هو أنه إذا ارتكب الإنسان من المعاصي ما يضره فقط فعلينا نصحه مثل مشاهدة الأفلام الخليعة والصور الفاضحة ومتابعة مواقع الانترنت السيئة ،أما إذا ارتكب الإنسان من المعاصي ما ينتشر به الأذى والفساد مثل فتح نادى للفيديو أو مقهى تعرض به الأفلام الجنسية أو تعرض بعض الفاسدين للفتيات فى الشوارع بالمعاكسات والمضايقات فهذه الأفعال يجب على المجتمع أن يقف أمامها بحزم وشدة والا زاد ضررها بحيث لا يمكن تداركه بعد ذلك وهنا يستحق الجميع العقاب من الله تعالى الفاعل للمعصية والساكتون من الجبناء المتخاذلين . وتختلف المقاومة للمنكر ووفقا للأشخاص الذين نتعامل معهم فيجوز للأخ أن يضرب أخته المتبرجة أو إذا فعلت ما قد يجلب الفضائح لها لأسرتها ويجوز من الأب لأبنائه ولكن لا يجوز من الابن للأب إلا النصح والشدة فيه بمقدار بما لا يتعارض مع قوله تعالى ( وصاحبهما فى الدنيا معروفا ).
ونرى أحاديث الرسول ص واضحة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقيام الأفراد بأدوارهم فى هذا الأمر دون تراخى أو تخاذل ، فقال ص ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) (10) وهنا نلاحظ أمرين : أولا : أن الرسول أعطى جميع المسلمين الحق فى التدخل لمنع المعاصي والذنوب ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) . ثانيا : أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر درجات فقد يكون بالتوبيخ والفضح والتشهير ، أو باليد أى القوة فى التغيير وأشرنا إلى ضرورة القراءة المستفيضة فى هذا الأمر ، أو بالقلب وهى وسيلة الضعفاء والجبناء ممن لا يستطيعون الجهر بآرائهم ومعارضة غيرهم خوفا على أنفسهم أو أرزاقهم أو علاقتهم مع غيرهم ، وهم على استعداد للتهاون مع العصاة والمذنبين ولو على حساب دينهم .
( 3 / 9 )
ولقد حاول الإسلام ضمان أكبر قدر من التعاون والمحبة بين أبنائه وأفراد مجتمعاته فأمرهم بالتعاون والمحبة ونهاهم عن التباغض والكراهية من أن توجد بينهم فقال ص ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )(11) وقال ص ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ) (12) أى أضراره ومصائبه ، أى لن يصل هذا الشخص لدرجة الإيمان ولكنه مسلم فقط لا نشكك فى إسلامه ، وقال ص ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا ،المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا " ويشير إلى صدره ص " بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )(13) وفى هذا الحديث ظهرت العديد من القواعد الأخلاقية فى المعاملات بين المسلمين مثل عدم الحسد والبغضاء واحتقار الآخرين ، وعدم التقدم لشراء سلعة علمت أن أخا لي تقدم لشرائها وان انتظر حتى أرى نتيجة تقدم اخى للشراء فان تم أتمنى له البركة وان لم يتم أتقدم لشرائها بعده ، ومثل هذا الأمر نهى الإسلام عن التقدم إلى خطبة فتاة مع علمي أن غيري قد تقدم لها ، والأولى والأفضل أن انتظر حتى أرى نتيجة تقدم اخى المسلم لها وأتمنى من الله أن يقدر الخير لي ولهم و أن يتم الأمر بدون حدوث ما يقطع العلاقات بين المسلمين .
( 4 / 9 ) :
ووضح الحديث السابق أن حقوق المسلمين مصانة فى ظل الإسلام من دم ومال وعرض ، ولهذا نجد الحدود فى الإسلام رادعة حازمة وتتصف الحدود فى الإسلام بالسرعة والقسوة ، فنجد قطع اليد للسارق والجلد أو الرجم للزاني إن كان عازبا أو متزوجا والقتل للقاتل أو الدية إن قبل بها أهل القتيل والجروح قصاص فمن تسبب فى جرح مسلم يجرح بنفس الطريقة وعلى نفس القدر من الضرر ولو أحدث تشوها فى آخر يتم الحكم عليه بنفس الشكل من العاهة ، وبهذا نرى احترام الإسلام لحقوق المسلمين وعقابه الصارم للمخطئين ليكون رادعا أمام الناس وراحة لنفوس المظلومين من مسروق ماله أو مقتول ولده أو منتهك عرضه أو مجروح بدنه أو........
ولابد أن نعلم أن الحدود وقسوتها لا تعنى التسرع فى عقاب الأشخاص دون تحرى لصدق التهمة وكفاية الأدلة ..لا بل لابد من التيقن الكامل من التهم ومن الشخص المتهم واستحقاقه للعقاب ، وكما قال ص : ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) (14) اى لا تقيموا الحدود على شخص تشكون فى قيامه بالجريمة وانه الفاعل الحقبقى . ونعلم القاعدة الشرعية التى تقول : ( الخطأ فى العفو خير من الخطأ فى العقوبة ) اى انه من الأفضل العفو عن شخص لم تثبت عليه التهم مع علمنا انه من قام بالجريمة خير من نعاقبه ثم تظهر بعد ذلك براءته ، ومن الأمور المشابهة لذلك قيام شخص ما بأخذ حذاء من أحد المساجد وفوجئنا أن هذا الحذاء يخص اخر فننظر أولا هل يتشابه الحذاءان فعلا بحيث يمكن حدوث الخلط بينهما وهل المقاس واحد وهل القيمة المادية متشابهة أم لا ؟ فلا يعقل أن نتهم شخصا ما بالسرقة لحذاء أقل قيمة من حذائه .
وقال ص :( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ) (15) فلابد من الدليل عند من اتهم غيره وان يقسم المتهم انه بريء من هذه التهمة وان يتوافر الشهود العدول ، وألا تقام الحدود إلا فى مجتمع امن مستقر فلا يعاقب السارق إذا كان جائعا وسط مجتمع مانع للزكاة لا يكرم فقيرا ولا يرحم يتيما ولا يكفل أرملة فإذا قصر المجتمع والدولة فى حق ذوى الحاجات والأعذار فلا يجوز عقاب المخطىء المضطر كما فعل عمر بن الخطاب فى عام المجاعة التى أصابت المدينة فمنع إقامة حد السرقة لأن السارق لا يسرق طمعا بل عجزا عن توفير حاجة أولاده وأهله .
ونعلم أن تطبيق الأحكام الشرعية فى القصاص أفضل من القوانين الوضعية حيث ينال المخطىء عقابه سريعا قاسيا ثم يستكمل حياته الطبيعية مرة أخرى من رعاية لأسرة وأولاد وأب أو أم ، أما القوانين الوضعية فإنها تأمر بحبس المتهم فى السرقة أو القتل أو غيرها من التهم وبهذا تتحمل الدولة تكاليف السجون وحراسها والطعام الذي تتكفل به لأصحاب التهم وضياع الكثير من الأموال فى حراسة وطعام وضياع قدرات مهدرة من هؤلاء المتهمين فى مجالات أعمالهم ففى حبسهم لسنوات فقدان لطاقاتهم وحرمان للمجتمع من أشخاص يساهمون فى القيام بشئونه ، وأيضا فان الحبس يعتبر اعتداء على حقوق الآخرين مثل زوجة لها حقوقها المادية والعاطفية و لا ذنب لها فى عدم التمتع بها ، وأيضا الأبناء الذين يحرمون الأب الراعي الحاني المراقب لشئونهم وأحوالهم . ولهذا نقول أن الإسلام فى اتصافه بالسرعة والقسوة فى الحدود راعى الكثير من المبادىء من إرضاء للمتضرر والمصاب وعقاب للمتهم ثم عودته لمجتمعه ليساهم فى تحمل مسؤولية أسرته وعدم التعطل وتحمل الدولة لأعبائه أو أن ينتج عن حبسه أسرة مشردة قد تتهاوى فى هوة الإجرام أيضا ، وبهذا يتحول العقاب إلى عقاب جماعي وليس فرديا .
( 5 / 9 )
واستكمالا لقواعد المعاملات فى الإسلام نرى حرص الإسلام على ضبط قواعد التجارة بين الأفراد فحذر التجار من الجشع ووعد المحسنين منهم بالثواب العظيم فقال ص : ( التاجر الصادق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين )(16) وقال ص : ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) (17)" اقتضى : أى طالب بما له من أموال عند الناس " وأخبرنا الرسول ص أن الله تجاوز عن احد التجار يوم القيامة لأنه كان يتجاوز عن ديون المعسرين فى الدنيا ، بينما اشتد تحذير الإسلام للتجار من استغلال تجارتهم فى قهر الفقراء فقال ص : ( التجار فجار )"18" وقال ص : ( اليمين منفقة للسلعة ممحقة للبركة ) "19 " أى أن بعض التجار يعتمدون على اليمين وكثرة الحلف لبيع سلعتهم مع ما قد تتصف به من عيوب يخفونها على المشترى وقد يفلح هذا التاجر فى بيع سلعته ولكن يزيل الله تعالى البركة منها .
ومن الظواهر التجارية التى رفضها الإسلام الاحتكار ويقصد به أن يخفى التجار إحدى السلع الغذائية الضرورية للناس حتى إذا اختفت من الأسواق تم عرضها بسعر أعلى فيضطر الناس لشرائها لشدة حاجتهم لها وعدم قدرتهم على الاستغناء عنها مثل الدقيق والسكر والزيت . ولهذا قال الرسول ص (بئس العبد المحتكر إن سمع برخص ساءه وان سمع بغلاء فرح ) "20 " فهذا الشخص يتصف بالأنانية وحب الذات أكثر من التعاطف مع الآخرين ومراعاة ظروفهم، وقال ص ( الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ) "21" اى إن اشترى بضاعة ليبيعها سيرزقه الله منها رزقا حسنا ومن اشترى بضاعة ليحتكرها لعنه الله بسببها وقال ص : ( من دخل فى شىء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ) "22" ويشترك فى الإثم والوزر المحتكر لكمية قليلة أو كثيرة فكلاهما شارك فى التضييق على المسلمين واستغلال حاجتهم . وليس من الاحتكار أن يحتفظ الإنسان لنفسه ولأسرته بالطعام الذى يكفيهم فترة من الزمن مثلما فعل الرسول ص فكان يحتفظ لأسرته بطعام يكفيهم عاما كاملا
ومن الاحتكار المذموم احتكار الدواء بإخفائه أو تغيير الاسم أو تقليل المادة الفعالة فيه ليحتاج المريض لكمية أكبر أو رفع السعر تحت ادعاءات غير صادقة استغلالا لحاجة المرضى وعدم قدرتهم على الاستغناء عنه .
( 6 / 9 )
ومن القواعد التجارية التى وضعها الإسلام ( المؤمنون عند شروطهم )أى أن الشروط التى وضعها الشريكان يجب عليهما الالتزام بها طالما لا تتعارض مع نصوص شرعية أخرى . وقال ص ( أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) "23" فالعامل أو الصانع الذى أكمل لك العمل الذى كلفته به ملتزما بحديث الرسول ص " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "" 24" يجب عيك أيضا أن تمنحه حقه الذى اتفقتم عليه كاملا وفورا ، وحذر الرسول ص من مماطلة المرء فى أداء حقوق الناس فقال ص ( مطل الغنى ظلم ) " 25 " فى حالة مماطلة شخص فى رد دين عليه رغم قدرته أو مماطلته فى تقسيم ميراث أو منح أجير أجرته .
ومن الأحاديث التى تحسم الكثير من أسباب الخلاف بين المسلمين قوله ص ( من أتلف شيئا فعليه إصلاحه ) "26 " فإذا استعار شخص ما جهازا أو آلة ليستعملها وحدث بها عطل ما أو تلفت بسبب إهمال منه أو تقصير أو ضاعت منه فهو ملزم بإعادتها إلى صاحبها و إصلاحها أو شراء بديل لها وليس كما يدعى البعض بقولهم " أننا لا نقبل العوض " فهم بهذا يعطلون سنة من سنن الرسول ص وسوف يمتنع الناس عن إعارة بعضهم البعض بعد ذلك خوفا من حدوث التلف أو الضياع لممتلكاتهم ولكن إذا اطمأن الرجل أن الشىء الذى أعاره سوف يرد إليه وإذا حدث له مكروه فالمستعير ضامن له فى إصلاحه أو تعويضه عنه فلن يتردد المرء فى إعارة الأشياء لمن احتاجها وبهذا نضمن دوام مساعدة المسلمين لبعضهم وإزالة أسباب الخلاف بينهم .
وأيضا لا يرضى المسلم لغيره ما لا يرضاه لنفسه ، ونرى فى سورة المطففين حيث توعد الله تعالى وهدد من يخدعون الناس فى الوزن والمكيال وهم لا يقبلون لأنفسهم أن يخدعهم أ حد فقال عنهم ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين )
أى أنهم يخسرون الناس فلا يعطونهم حقوقهم كاملة وإذا انتقص أحد من حقوقهم غضبوا ولهذا يستحقون من الله العذاب يوم القيامة .
( 7 / 9 )
ومن المعاملات التى حرمها الإسلام " الربا " لما يتسبب فيه من قهر للمحتاج وإذلال له ولما يدل عليه من خسة ونذالة من المرابى الذى يستغل حاجات الآخرين وأزماتهم فيعطيهم من ماله مقابل الزيادة عند رد المال ، فكيف يقبل المسلم أن يستغل أخاه المسلم عند ضائقته ومصيبته ؟؟!!، ولا يجوز للمسلم أن يلجأ إلى الاقتراض بالربا والا تحمل العقوبة أمام الله يوم القيامة واستحق ما حذرت منه الأحاديث من عذاب أليم فى الدنيا والآخرة إلا إذا وقع فى مصيبة ولم يجد من يسانده ولا مفر إلا اللجوء إلى المرابين وهنا يتحمل المرابى هذا الوزر وأيضا أفراد المجتمع إذا كانت لهم القدرة على مساندة هذا المحتاج وخذلوه فى ضائقته . أما إذا كان القرض بالربا بدون سبب قوى فيستحق اللعنة من أخذ ومن أعطى مثل الاقتراض من أجل شراء سيارة أو زواج أو ممارسة عمل تجارى أو فتح مشروع استثمارى جديد مما لا يمثل ضرورة فورية حقيقية . ولهذا قال تعالى ( يمحق الله الربا ويربى الصدقات ) وقال ص ( لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية فى الخطيئة )" 27 " وقال ص : ( اجتنبوا السبع الموبقات " المهلكات " : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق و أكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات )"28 " وقال ص : ( لعن الله آكل الربا ومؤ كله وشاهديه وكاتبه )"29 "
( 8 / 9 )
ومن القواعد التى وضعها الإسلام للتجارة بين الأفراد قول الرسول ص : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) " 30" أى أن لكل منهما الحق فى إيقاف البيع وإلغاء الصفقة ما لم ينتهى المجلس ويفترقا حينئذ يكون الأمر قد انتهى إلا بموافقة الطرفين .
ونذكر حديثا آخر له ص :( لا تبع ما ليس عندك ) " 31 " فقد استدل العلماء بهذا الحديث على انه لا يجوز بيع السلعة إلا إذا كانت حاضرة أمام البائع والمشترى حتى لا يحدث تدليس أو خداع من أحدهما للآخر ، ولهذا نعرف القاعدة التى تقول ( إذا حزت فبع ) أي إذا امتلكت البضاعة وحزتها فلا ضير من تصرفك فيها بالبيع إذا كانت المواصفات ثابتة ومعروفة للجميع فهنا يجوز لك بيع البضاعة المملوكة لك ولو لم تأت إلى حوزتك ، فمثلا إذا اتفقت على شحنة من أجهزة التلفزيون ودفعت ثمنها فيجوز لى التصرف بالبيع فيها قبل أن تصل لأن المواصفات معروفة والسلعة فى حكم الموجودة .
ولكن من أنواع البيع ما تحيط به الريب والظنون مثل بيع المرابحة بأن يقوم التاجر ببيع السلعة بسعر أعلى من سعرها الأصلي مقابل تأجيل الدفع ، ورغم امتلاك التاجر لهذه السلعة إلا أنها تحاط بشبهة الربا . وهناك نوع أشد وضوحا وهو أن يذهب رجل ما إلى شخص من ذوى اليسار والغنى فيطلب منه أن يشترى له أجهزة منزلية قيمتها مثلا عشرة آلاف جنيه ويردها هو إليه بعد ذلك اثنا عشر ألف جنيه مقابل التأجيل . وهنا نلاحظ عدم امتلاك الشخص الآخر للسلعة وبالتالي يبيع ما ليس فى حوزته وانه رفع قدر المال مقابل التأجيل ، فما الفرق إذن بين ذلك وبين أن اقترض منه مالا وأرده بقيمة أعلى بعد فترة مما يعتبر ربا فاضحا ؟!!
( 9 / 9 )
ونتطرق إلى المعاملات الاجتماعية فعلى الأب أن يتولى أمر أسرته وألا يقصر تجاههم وان ينفق عليهم وفقا لقدرته المالية بدون تبذير أو تقتير " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله "
وعلى الابن أن يتولى أمر والديه عند الكبر والشيخوخة، ونتذكر قصة الابن الذى أتى إلى الرسول ص يشكو والده وكثرة ما يأخذ منه من مال فقال ص : ( أنت ومالك لأبيك )"32 " وبالطبع فى حدود المعقول والمقبول شرعا وعرفا . وعلى الزوجة أن تقوم بواجبها تجاه زوجها وأولادها دون إسراف فى الكماليات أو تشبه بأخريات .
ومن الطبيعي أن يبحث الفتى عند بلوغه عمن تشاركه حياته فتكون زوجة له وأما لأبنائه ، ولكن ما المقياس الذى يقيس به الإنسان قرينة المستقبل
الواقع يؤكد أن الكثيرين ينظرون أولا إلى جمال المنظر الذى يبهر البعض فيملك عليهم عقولهم وحواسهم فيخضعون له وسرعان ما يتحول هذا الجمال إلى أمر طبيعي ليس له نفس التأثير الأول . ولهذا حرص الإسلام على التفكير المنطقي الذي لا يندم صاحبه بعد ذلك عندما وضح الرسول ص أن الزواج يكون للمال أو الجمال أو الجاه والمكانة العائلية أو الدين فإذا ظفرت بذات الدين فقد فزت وربحت فإذا توافر المال والدين أو الجمال والدين أو العائلة والدين فهذا من فضل الله لكن لا استغناء عن شرط الدين وتوافره دون خداع للنفس فيتزوج الفتى فتاة متبرجة أو غير ملتزمة ويدعى أنها جيدة وانه سيحاول إصلاحها أو ضبط سلوكها . وللفتاة الحق الكامل فى الموافقة أو الرفض لهذا الزوج القادم إليها فتنظر إليه وقد يسمح بجلوسهما فى وجود محرم فقد تعترض عليه لأى سبب تراه وهنا يجب على الأسرة أن تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد حتى لا يتم الزواج قهرا للفتاة وإرغاما لها وبعد ذلك تتوالى المشاكل والأزمات بينهما لان الأسرة تهاونت فى حقوق الفتاة فى اختيار زوج المستقبل فالأفضل أن توافق الفتاة على الزوج من أن نتسرع فى هذا الزواج ثم نندم جميعا بعد وجود أولاد وحدوث خلافات وفضائح يتحدث بها الناس فى منتدياتهم ، وكما قال ص : ( البكر تستأذن وإذنها صماتها والثيب تستأمر ) " 33" أى أن الفتاة لها الحق أن يستأذنها والداها ويكون إذنها فى صمت يدل على الحياء والموافقة الضمنية ولا يخفى على الشخص العاقل إن كان صمت الفتاة يدل على فرحة بزوج وأسرة وحياة جديدة أم أنه صمت خوف وقهر وإرغام ، ويتم إيقاف الزواج فى حالة رفض الفتاة ولو بدون أسباب ، وهنا نوضح أن الإسلام عندما أعطى للفتاة هذا الحق لا يريد منها أن تستغل هذا الحق استغلالا خاطئا فتنظر فقط إلى المناصب والمال والوجاهة وان أفضل المقاييس التى ينبغى أن يقاس الأفراد بها هى الدين فقد قال ص ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير ) "34 " وعندما جاءت إحدى النساء إلى الرسول ص فقالت أنها لا تعيب على زوجها دينا ولا خلقا ولكنها لا تطيقه بغضا فحكم الرسول أن تطلق المراة وترد لزوجها كل ما أخذت منه خلال زواجهما من مجوهرات أو ممتلكات ، وهذا دليل على حق المرأة المحفوظ فى الإسلام ورغبة الإسلام فى استقرار الأسر بعد توافر الشروط الملائمة لها ومعرفة حقوق كلا الزوجين،
ووضحت السنة شروطا معينة لزوجة المستقبل مثل قوله ص : ( إياكم وخضراء الدمن . قالوا : وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال : المرأة الحسناء فى المنبت السوء ) " 35 " وقال ص ( تخيروا لنطفكم فان العرق دساس ) "36 " أى يجب على الإنسان أن يتخير الأسرة الملائمة له والمعروفة بالاحترام لان هؤلاء هم ذوو النسب الذى سأشترك معهم فى علاقات دائمة فى المستقبل ولا يجوز التنازل عن شرط السمعة الحسنة لهذه العائلة تحت أى ادعاء ورأينا كيف حذر الرسول ص من ذلك .
ويجب أن يتصف هذا الزواج بالاعتدال فى النفقات منذ إعداد بيت الزوجية فقال ص : ( أقلهن نفقة أكثرهن بركة )"37 " فهى قاعدة عامة قبل الزواج بإعداد البيت وتكاليف الشبكة وصالة الفرح والتصوير وبعد الزواج فى نفقات الأسرة ، فالمرأة المعتدلة فى نفقات بيتها هى بركة من الله للزوج فى حياته
وبعد أن يتخير الرجل زوجته على خلق ودين يجب عليه أن يقوم بواجبه تجاهها كما يأمر الإسلام فينفق على منزله وفقا لقدرته بلا تبذير أو تقتير ولا تحاول الزوجة تكليف زوجها فوق طاقته حتى لا يشعر بعجزه عن القيام بأعباء أسرته أو يشعر بطمع منها وعدم الرضا بحياتها معه وفى الحالتين لابد من أثر سيء على الأسرة . ولا يجوز للزوج أن يضيق على المرأة فى نفقات البيت حتى يجبرها على الإنفاق من مالها الخاص فهذا عمل لا يليق بالرجال الذين يتحملون أعباء أسرهم ويرفضون النظر إلى ممتلكات زوجاتهم وان كن أغنى منهم .
وبالطبع لا تخلو البيوت من الخلافات بين الزوجين ولكن يجب أن يكون التعامل مع هذه الخلافات بقدر من العقلانية والعدل من الاثنين دون تحامل أو تعسف أو تبرير غير معقول للأخطاء ، وإذا حدث الاختلاف بين الزوجين فى أمر من الأمور فالأولى هو الأخذ برأي الزوج فهو الأكثر عقلانية من المرأة ، وان أخطأ الزوج مرة فى الحكم فلن يخطىء كل مرة ، وعلى الزوجة أن تعامل زوجها على انه الرجل المسئول عن أسرته القادر على القيام بأعبائها وعدم الخلاف معه كثيرا فى شئون الحياة ، فلها حق الشورى وليس لها حق التحكم والإمارة على الزوج فى بيته ، مع الاعتراف أن رأى المرأة أحيانا يكون هو الأصح والأصوب ولكن إصرار كل منهما على رأيه قد يتسبب فى الكثير من المشاكل التى يمكن أن تنتهى بتحمل الزوج لمسئوليته عن منزله ونتائج هذه الواجبات . ويجب على الرجل أن يكون فى بيته عادلا حكيما رحيما ولا يتعجل فى توجيه الأذى لأهل بيته والتماس الأعذار لهم وتوجيه النصح أولا ثم التحذير ثم اللوم والعتاب ثم التوبيخ ثم الهجر فى الفراش مع القيام بواجبات البيت كاملة ثم تأتى المرحلة الأخيرة فى العقاب وهى الضرب الغير مبرح ، ونعلم أن الكثير من النساء لهن من صفات العناد وعدم الليونة والسلاسة فى التعامل مما يجبر الزوج على الضرب بعد نفاذ الصبر واستخدام وسائل النصح والردع كلها ، ولكن على الزوج ألا يتعجل ذلك وأن يتذكر قول الرسول ص ( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ) "38 " عوان : أسرى "
وقال ص ( ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ) وقال ص ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) "39 " . ومن الأزواج من يتصف بصفات تعجز المرأة عن التعايش معها ، فلا ينبغى لنا أن نتسرع ونتهم المرأة أو الرجل بتحمل المسئولية عن مشاكل الأسرة . وعلى الزوجين أن يحاولا حل الخلافات بعيدا عن تدخل الأهل حتى لا تنكشف عورات البيوت أمام الجميع وتحل المشكلة بعد ذلك ويكون الجميع قد علم بها ، ونعلم أن أهل الزوج يتعاطفون معه وأهل الزوجة يتعاطفون معها ، ولهذا فالأفضل أن يتم حل الخلافات الزوجية بين الزوجين بعقل وعدل ورحمة بلا تعسف أو تشدد أو تهاون وتساهل إذا كان الأمر هاما لا يقبل التهاون فيه . أما إذا كانت الخلافات كثيرة ولا تقبل الحل وتتزايد الهوة بين الزوجين فهنا يكون الحل الأخير بالطلاق الذي يضمن لكليهما حقوقهما دون إضرار بالآخر ، ولا نستطيع التعلل بوجود أبناء فأحيانا تكون حياة الأبناء بين آباء فى خلاف دائم وتوتر مستمر أكثر شقاء وألما من الحياة بين زوجين مطلقين. وبعد الطلاق لا يحاول أي من الزوجين إلصاق التهم بالآخر أو الإضرار به فى رؤية الأبناء أو الإنفاق عليهم أو أن يتزوج الآخر بمن يريد ، وأن يأخذ كل من الزوجين حقه المادى دون نقص حتى تنتهي العلاقة بأقل ضجة دون أن تثير القيل والقال بين الناس .
وفى تعامل الآباء مع أبنائهم يجب أن يتصف هذا التعامل بالعدل والمساواة والرحمة والحنان فالابن فى طفولته يحتاج للملاعبة وفى الصبا يحتاج للنصيحة والتوجيه وفى الشباب يحتاج للمشاورة وبعد ذلك يصبح رجلا يقوم بما غرسته فيه من أخلاق ومبادىء وقيم ، وهذا لا يمنع أن يبتلى الله بعض عباده فى أبنائهم مثلما حدث فى قصة الخضر مع الرجل الصالح الذى قتل ولده لأنه سيكون كافرا شقيا رغم كون الرجل صالحا ورأينا ابن نوح عليه السلام وكفره رغم نبوة أبيه .
ورأينا حرص الإسلام على الرحمة بالأطفال عندما جمع الرسول الأطفال من أقاربه وعقد بينهم مسابقة لمن يجرى فيصل أولا لأحضان الرسول ص . وأن الرسول أثناء خطبته وجد الحسن يقع بسبب ثيابه الطويلة فنزل وحمله ، وأنه ص كان يسير على يديه وقدميه ويركب أحفاده على ظهره . وعندما جاء أحد الصحابة إليه ليشهد ص على إهداء هذا الصحابي قطعة من ذهب لأحد أبنائه سأله ص " هل أعطيت كل أولادك مثل هذا ؟ " فأجاب الرجل بالنفي فألقاها ص عليه ولو أصابته لأوجعته كما يصف من رأى هذا الموقف من الصحابة وقال ص " ساووا بين أبنائكم ولو فى القبلة "ونفس الموقف مع النعمان بن بشير الذى وهبه أبوه هدية فرفض الرسول أن يشهد عليها لأنه لم يعط كل أبنائه مثل ذلك .
حاولنا فى الأوراق السابقة أن نذكر نماذج فقط من المعاملات التى حرص الإسلام على ضبطها بين المسلمين ، ويجب على المسلمين أن يحرصوا على فهم أحكام المعاملات والبحث عما يخصهم منها سواء فى الأحكام المادية أو الاجتماعية أو السياسية أو القانونية أو غيرهم من المعاملات لأن المسلم سوف يحاسب على الأخطاء التى ارتكبها ولو بدون علم إذا كانت وسيلة الحصول على الحكم متاحة ولكنه تكاسل فى البحث عنها . فعلينا أن نبحث فى أحكام الزكاة والمواريث والزواج والطلاق والرهن والقرض والضمان والشركات حتى لا نقع فى المحرمات والشبهات بدون علم ونحاسب بعد ذلك على ذنبنا وعلى إهمالنا فى البحث عن الحكم الشرعي فى تعاملاتنا .
الحديث ( 1/3/4/5/6/7/9/10/11/13/17/ 18 / 19 / 25 / 27 / 29 / 30 / 31 / 33 / 36 ) ........ صحيح
الحديث (2/8/12/14/15/ 16./ 20 / 21 / 24 ) ضعيف
الحديث ( 34 / 23 / 28 ) حسن .