أبومنير
29-12-2008, 12:49 PM
الغفلة
الحمد لله المتفرد بالعزة والجبروت والبقاء، أذَّل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء، أحمده سبحانه جعل الموت مُخَلِّصًا للأتقياء، وسوء منقلب للأشقياء، إذا ذكر الموت فإذا قلوبهم نافرة، وأشكره وأثني عليه فله الإنعام بالنعم المتظاهرة، وله الانتقام بالنقم القاهرة، وأشهد ألا إله إلا الله وحدة لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله لإنفاذ أمره، وإنهاء عذره، وتقديم نذره، فأيده بالحجج الباهرة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فإنها وصيةٌ لي ولكم جامعة، وموعظةٌ لأولي الألبابِ موقظةٌ نافعة، وأَحُثُكُم على اغتنامها، فإن الأوقاتَ سيوفٌ قاطعة، والمنايا سهامٌ في كل آنٍ واقعة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
أيها الإخوة الكرام : ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه ، وقدر وقته ، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة ، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل ، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، ففي الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ فمن خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طَالَ أَمَلُهَ ضَعُفَ عمله، وكل ما هو آت قريب .
لاَ تَأْمَنَنَ وَإِنْ أَمْسَيْتَ فِي حَرَمِ
إِنَ الْمَنَايَا تُفَاجِئُ كُلَّ إِنْسَانِ
وَاسْلُكْ طَرِيقَكَ وَاثْبُتْ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ
حَتَى تُلاَقِي الْجَزَا مِنْ عِنْدِ رَحْمَانِ
فَكُلُّ خِلٍ وَإِنْ أَشْفَقْتَ تَتْرُكَهُ
وَكُلُّ مَالٍ وَإِنْ أَكْثَرْتَهُ فـَــانِ
وَالْخَيْرَ وَالشَّرَ مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ
بِكُلِّ ذَلِكَ يَأْتِيكَ الْجَدِيـــدَانِ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلىَ اللهُ عَلَيْهَ وَسَلَّمَ- فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : « أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ». قَالَ فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : « أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ، ذَهَبُواْ بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ »..
معاشر المسلمين : حضرنا يوما جنازة شاب، مات أحسن ما كانت له الدنيا، فرأيت ذمَّ الناس للدنيا، وعيب من سكن إليها، والتقبيح للغافلين عن الاستعداد لهذا المصرع ، فتأثر الناس أيما تأثر، وبدأوا ينصحون بعضهم البعض، أن هذا هو المصير ، كيف يأكل الحرام من هذا مصيره ؟ بل كيف يغتاب الناس ويذكرهم بسوء ؟ وكيف يقطع ذويه ومحارمه وأقاربه ومصيره الموت ؟ قاموا يُذَكِّرُونَ بعضهم البعض بهذه المواعظ ، من هول هذا المشهد وهذا المصرع ، وماهي إلا لحظات ، حتى غلب على الناس نشوة الحياة، وغفلة المعاش، ويبدأو يتمازحون ويضحكون، بل ويقهقهون أحيانا ، ويعقدون الصفقات وهم في المقابر ، يعزون الناس وهم يضحكون ، وكأنهم باقون مُخَلِّدُونَ في هذه الدنيا ولن يموتوا أبد ، أو عندهم ضمانٌ من خالقهم أن أعمارهم طويلة ، أليس هذا هو حال أكثرنا في المقابر أيها الإخوة ، أليس هذا هو حال الأكثرية إلا من رحم الله ،
عَجِبْتُ لِمَنْ يَتِمُّ لَهُ السُّرُورُ بِدَارٍ كُلُّ مَافِيهَا غُرُورُ
وَكَيْفَ يُلَذُّ سَاكِنُهَا بِعَيْشٍ وَيَعْلَمَ أَنَ مَسْكَنَهُ الْقُبُورُ
{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ }. فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدا، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غدا، فالأجل مستور، والأمل خادع . تمر الجنائز بالناس ،يجهزونها ويصلون عليها، ويسيرون خلفها، يشيعونها محمولة إلى مثواها الأخير. فتراهم يلقون عليها نظرات عابرة، وربما طاف بهم طائف من الحزن يسير، أو أظلهم ظلال من الكآبة خفيف، ثم سرعان ما يزول ويختفي .
أيها الإخوة: أهل الغفلة أعمارهم عليهم حجة، وأيامهم تقودهم إلى شقوة. كيف ترجى الآخرة بغير عمل ؟ أم كيف ترجى التوبة مع الغفلة والتقصير وطول الأمل؟؟.
ويل لأهل الغفلة: إن أعطوا لم يشبعوا، وان منعوا لم يقنعوا، يأمرون بما لا يفعلون، ينهون وهم لا ينتهون، هم للناس لوامون ولأنفسهم مداهنون.
يا أهل الغفلة: هذه الدنيا كم من واثق فيها فجعته؟؟؟ وكم من مطمئن إليها صرعته؟؟ وكم من محتال فيها خدعته؟؟ وكم من مختال أصبح حقيرا؟؟ وذي نخوة أردته ذليلا؟؟ سلطانها دول ، وحلوها مر، وعذبها أجاج، وعزيزها مغلوب، العمر فيها قصير، والعظيم فيها يسير، وجودها إلى عدم، وسرورها إلى حزن، وكثرتها إلى قلة، وعافيتها إلى سقم، وغناها إلى فقر. دارها مكارة، وأيامها غرارة، ولأصحابها بالسوء أمارة. الأحوال فيها إما نعم زائلة وإما بلايا نازلة وإما منايا قاضية. عمارتها خراب، واجتماعها فراق، وكل ما فوق التراب تراب.
أهل الغفلة لا يشبعون مهما جمعوا، ولا يدركون كل ما أملوا. ولا يحسنون الزاد لما عليه قد أقدموا، يجمعون ولا ينتفعون، ويبنون ما لا يسكنون. ويأملون ما لا يدركون: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }
طويل الأمل: يبني ويهدم، وينقض ويبرم، ويقدر فيخطئ التقدير. يقول ويفعل، ويخطط ويدبر، وتأتي الأمور مخالفة للتدبير. يسيء في الاكتساب ويسوف في المتاب ثم هاهو قد تم أجله وانقطع عمله وأسلمه أهله وانقطعت عنه المعاذير: أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } .
معاشر المسلمين : ومن غفلتنا في هذه الأيام ،أن الناس قد يجدون حادث سير أمامهم، وما أكثرها هذه الأيام ،حوادث مأساوية تحصد الأرواح بالجملة، فنتأثر ونتوجع ونتأسف ، ونكثر في تلك اللحظات من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ونلوم سائق السيارة على سرعته العالية، أو على استعماله النقال أثناء القيادة ، وما أن نغادر مكان الحادث، حتى ننسى تماما ما مر بنا ، ونعاود السرعة ونستخدم النقال ،وكأن شيئا لم يكن . ودون مراعاة لآداب الطرقات وحقوقها ، وسرعان ما ننسى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ،حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ }.
فيا أهل الغفلة أيها المسلمون: وأيمْ الله ليوشكن الباقي منا ومنكم أن يبلى، والحي منا ومنكم أن يموت ،وأن تأكل الأرض منا كما أكلنا منها، فتأكل لحومنا وتشرب دماءنا، كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمرها وشربنا من مائها ثم تكون كما قال الله جل وعلا { وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
لقد وقف نبيكم محمد على شفير قبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا،
أيها المسلمون: اذكروا الموت والسكرات، وحشرجة الروح والزفرات، اذكروا هول المطَّلعَ. من أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت ابتلي بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة.كفى بالموت للقلوب مقطعا، وللعيون مبكيا، وللذات هادما. وللجماعات مفرقا. وللأماني قاطعا.استبدل الأموات بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، جاءوها حفاة عراة فرادا.اللحود مساكنهم، والتراب أكفانهم، والرفات جيرانهم لا يجيبون داعيا، ولا يسمعون مناديا. كانوا أطول أعمارا وأكثر آثارا، فما أغناهم ذلك من شيء لما جاء أمر ربك، فأصبحت بيوتهم قبورا، وما جمعوا بورا، وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين. حلَّ بهم ريب المنون، وجاءهم ما كانوا يوعدون: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ }ألا فاتقوا الله رحمكم الله واحفظوا الله ما إستحفظكم وكونوا أمناء على ما استودعكم، فإنكم عند ربكم موقفون، وعلى أعمالكم مجزيون وعلى تفريطكم نادمون.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } أقول قولي هذا وأستغفر الله
الخطبة الثانية
الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا ميؤس من مغفرته، أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ومصطفاه من رسله، وخيرته من بريته. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن سار على نهجه واستمسك بسنته وحافظ على شريعته وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها المسلمون: توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، ((بادروا بالأعمال قبل أن تشغلوا، فهل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشرٌّ غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمرُّ)) لا تكونوا – رحمكم الله – ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة لطول الأمل. وقد علمتم أن الموت يأتي بغتة.
أكثروا من زيارة القبور فإنها تذكر الآخرة. اعتبروا بمن صار تحت التراب وانقطع عن أهله والأحباب، جاءه الموت في وقت لم يَحْتَسِبُهُ، وهولٍ لم يرتقبه.وليتأمل الزائر حال من مضى من أقرانه، أكثَروا الآمال وجمعوا الأموال انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم، محا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أشلاؤهم، وترملت من بعدهم نساؤهم وقسمت أموالهم ومساكنهم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ }
اتقوا الله رحمكم الله وارجوا الدار الآخرة فتلك دار لا يموت سكانها، ولا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبابها، ولا يبلى نعيمها، ولا يتغير حسنها وإحسانها وحِسانُها، يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين: دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } اللهم لك الملك كله ، ولك الحمد كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، علانيته وسره ، لك الحمد ، إنك على كل شيء قدير ، أغفر لنا ما مضى من ذنوبنا ، واعصمنا في ما بقي من أعمارنا ، وارزقنا أعمالا ترضى بها عنا .اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لمن أعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مبعد لما قربت . اللهم حبب إلينا الإيمان ، وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق العصيان ، واجعلنا من الراشدين . اللهم أحينا مسلمين ، وتوفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، غير خزايا ، ولا مفتونين . اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين .
الحمد لله المتفرد بالعزة والجبروت والبقاء، أذَّل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء، أحمده سبحانه جعل الموت مُخَلِّصًا للأتقياء، وسوء منقلب للأشقياء، إذا ذكر الموت فإذا قلوبهم نافرة، وأشكره وأثني عليه فله الإنعام بالنعم المتظاهرة، وله الانتقام بالنقم القاهرة، وأشهد ألا إله إلا الله وحدة لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله لإنفاذ أمره، وإنهاء عذره، وتقديم نذره، فأيده بالحجج الباهرة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فإنها وصيةٌ لي ولكم جامعة، وموعظةٌ لأولي الألبابِ موقظةٌ نافعة، وأَحُثُكُم على اغتنامها، فإن الأوقاتَ سيوفٌ قاطعة، والمنايا سهامٌ في كل آنٍ واقعة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
أيها الإخوة الكرام : ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه ، وقدر وقته ، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة ، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل ، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، ففي الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ فمن خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طَالَ أَمَلُهَ ضَعُفَ عمله، وكل ما هو آت قريب .
لاَ تَأْمَنَنَ وَإِنْ أَمْسَيْتَ فِي حَرَمِ
إِنَ الْمَنَايَا تُفَاجِئُ كُلَّ إِنْسَانِ
وَاسْلُكْ طَرِيقَكَ وَاثْبُتْ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ
حَتَى تُلاَقِي الْجَزَا مِنْ عِنْدِ رَحْمَانِ
فَكُلُّ خِلٍ وَإِنْ أَشْفَقْتَ تَتْرُكَهُ
وَكُلُّ مَالٍ وَإِنْ أَكْثَرْتَهُ فـَــانِ
وَالْخَيْرَ وَالشَّرَ مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ
بِكُلِّ ذَلِكَ يَأْتِيكَ الْجَدِيـــدَانِ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلىَ اللهُ عَلَيْهَ وَسَلَّمَ- فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ : « أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ». قَالَ فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ : « أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ، ذَهَبُواْ بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ »..
معاشر المسلمين : حضرنا يوما جنازة شاب، مات أحسن ما كانت له الدنيا، فرأيت ذمَّ الناس للدنيا، وعيب من سكن إليها، والتقبيح للغافلين عن الاستعداد لهذا المصرع ، فتأثر الناس أيما تأثر، وبدأوا ينصحون بعضهم البعض، أن هذا هو المصير ، كيف يأكل الحرام من هذا مصيره ؟ بل كيف يغتاب الناس ويذكرهم بسوء ؟ وكيف يقطع ذويه ومحارمه وأقاربه ومصيره الموت ؟ قاموا يُذَكِّرُونَ بعضهم البعض بهذه المواعظ ، من هول هذا المشهد وهذا المصرع ، وماهي إلا لحظات ، حتى غلب على الناس نشوة الحياة، وغفلة المعاش، ويبدأو يتمازحون ويضحكون، بل ويقهقهون أحيانا ، ويعقدون الصفقات وهم في المقابر ، يعزون الناس وهم يضحكون ، وكأنهم باقون مُخَلِّدُونَ في هذه الدنيا ولن يموتوا أبد ، أو عندهم ضمانٌ من خالقهم أن أعمارهم طويلة ، أليس هذا هو حال أكثرنا في المقابر أيها الإخوة ، أليس هذا هو حال الأكثرية إلا من رحم الله ،
عَجِبْتُ لِمَنْ يَتِمُّ لَهُ السُّرُورُ بِدَارٍ كُلُّ مَافِيهَا غُرُورُ
وَكَيْفَ يُلَذُّ سَاكِنُهَا بِعَيْشٍ وَيَعْلَمَ أَنَ مَسْكَنَهُ الْقُبُورُ
{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ }. فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدا، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غدا، فالأجل مستور، والأمل خادع . تمر الجنائز بالناس ،يجهزونها ويصلون عليها، ويسيرون خلفها، يشيعونها محمولة إلى مثواها الأخير. فتراهم يلقون عليها نظرات عابرة، وربما طاف بهم طائف من الحزن يسير، أو أظلهم ظلال من الكآبة خفيف، ثم سرعان ما يزول ويختفي .
أيها الإخوة: أهل الغفلة أعمارهم عليهم حجة، وأيامهم تقودهم إلى شقوة. كيف ترجى الآخرة بغير عمل ؟ أم كيف ترجى التوبة مع الغفلة والتقصير وطول الأمل؟؟.
ويل لأهل الغفلة: إن أعطوا لم يشبعوا، وان منعوا لم يقنعوا، يأمرون بما لا يفعلون، ينهون وهم لا ينتهون، هم للناس لوامون ولأنفسهم مداهنون.
يا أهل الغفلة: هذه الدنيا كم من واثق فيها فجعته؟؟؟ وكم من مطمئن إليها صرعته؟؟ وكم من محتال فيها خدعته؟؟ وكم من مختال أصبح حقيرا؟؟ وذي نخوة أردته ذليلا؟؟ سلطانها دول ، وحلوها مر، وعذبها أجاج، وعزيزها مغلوب، العمر فيها قصير، والعظيم فيها يسير، وجودها إلى عدم، وسرورها إلى حزن، وكثرتها إلى قلة، وعافيتها إلى سقم، وغناها إلى فقر. دارها مكارة، وأيامها غرارة، ولأصحابها بالسوء أمارة. الأحوال فيها إما نعم زائلة وإما بلايا نازلة وإما منايا قاضية. عمارتها خراب، واجتماعها فراق، وكل ما فوق التراب تراب.
أهل الغفلة لا يشبعون مهما جمعوا، ولا يدركون كل ما أملوا. ولا يحسنون الزاد لما عليه قد أقدموا، يجمعون ولا ينتفعون، ويبنون ما لا يسكنون. ويأملون ما لا يدركون: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }
طويل الأمل: يبني ويهدم، وينقض ويبرم، ويقدر فيخطئ التقدير. يقول ويفعل، ويخطط ويدبر، وتأتي الأمور مخالفة للتدبير. يسيء في الاكتساب ويسوف في المتاب ثم هاهو قد تم أجله وانقطع عمله وأسلمه أهله وانقطعت عنه المعاذير: أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } .
معاشر المسلمين : ومن غفلتنا في هذه الأيام ،أن الناس قد يجدون حادث سير أمامهم، وما أكثرها هذه الأيام ،حوادث مأساوية تحصد الأرواح بالجملة، فنتأثر ونتوجع ونتأسف ، ونكثر في تلك اللحظات من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ونلوم سائق السيارة على سرعته العالية، أو على استعماله النقال أثناء القيادة ، وما أن نغادر مكان الحادث، حتى ننسى تماما ما مر بنا ، ونعاود السرعة ونستخدم النقال ،وكأن شيئا لم يكن . ودون مراعاة لآداب الطرقات وحقوقها ، وسرعان ما ننسى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ،حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ }.
فيا أهل الغفلة أيها المسلمون: وأيمْ الله ليوشكن الباقي منا ومنكم أن يبلى، والحي منا ومنكم أن يموت ،وأن تأكل الأرض منا كما أكلنا منها، فتأكل لحومنا وتشرب دماءنا، كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمرها وشربنا من مائها ثم تكون كما قال الله جل وعلا { وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
لقد وقف نبيكم محمد على شفير قبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا،
أيها المسلمون: اذكروا الموت والسكرات، وحشرجة الروح والزفرات، اذكروا هول المطَّلعَ. من أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت ابتلي بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة.كفى بالموت للقلوب مقطعا، وللعيون مبكيا، وللذات هادما. وللجماعات مفرقا. وللأماني قاطعا.استبدل الأموات بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، جاءوها حفاة عراة فرادا.اللحود مساكنهم، والتراب أكفانهم، والرفات جيرانهم لا يجيبون داعيا، ولا يسمعون مناديا. كانوا أطول أعمارا وأكثر آثارا، فما أغناهم ذلك من شيء لما جاء أمر ربك، فأصبحت بيوتهم قبورا، وما جمعوا بورا، وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين. حلَّ بهم ريب المنون، وجاءهم ما كانوا يوعدون: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ }ألا فاتقوا الله رحمكم الله واحفظوا الله ما إستحفظكم وكونوا أمناء على ما استودعكم، فإنكم عند ربكم موقفون، وعلى أعمالكم مجزيون وعلى تفريطكم نادمون.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } أقول قولي هذا وأستغفر الله
الخطبة الثانية
الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا ميؤس من مغفرته، أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ومصطفاه من رسله، وخيرته من بريته. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن سار على نهجه واستمسك بسنته وحافظ على شريعته وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها المسلمون: توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، ((بادروا بالأعمال قبل أن تشغلوا، فهل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشرٌّ غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمرُّ)) لا تكونوا – رحمكم الله – ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة لطول الأمل. وقد علمتم أن الموت يأتي بغتة.
أكثروا من زيارة القبور فإنها تذكر الآخرة. اعتبروا بمن صار تحت التراب وانقطع عن أهله والأحباب، جاءه الموت في وقت لم يَحْتَسِبُهُ، وهولٍ لم يرتقبه.وليتأمل الزائر حال من مضى من أقرانه، أكثَروا الآمال وجمعوا الأموال انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم، محا التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أشلاؤهم، وترملت من بعدهم نساؤهم وقسمت أموالهم ومساكنهم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ }
اتقوا الله رحمكم الله وارجوا الدار الآخرة فتلك دار لا يموت سكانها، ولا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبابها، ولا يبلى نعيمها، ولا يتغير حسنها وإحسانها وحِسانُها، يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين: دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } اللهم لك الملك كله ، ولك الحمد كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، علانيته وسره ، لك الحمد ، إنك على كل شيء قدير ، أغفر لنا ما مضى من ذنوبنا ، واعصمنا في ما بقي من أعمارنا ، وارزقنا أعمالا ترضى بها عنا .اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لمن أعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مبعد لما قربت . اللهم حبب إلينا الإيمان ، وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق العصيان ، واجعلنا من الراشدين . اللهم أحينا مسلمين ، وتوفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، غير خزايا ، ولا مفتونين . اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين .