المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مستقبل الاقتصاد الليبي بعد الخطة الخمسية الجديدة


kamal_fouad
16-12-2008, 10:46 AM
رصدت الحكومة الليبية 35 مليار دولار أمريكي لخطتها الخمسية الجديدة 2001-2005 التي تهدف، وفق ما تم الإعلان عنه، إلى تصحيح مسار الاقتصاد والتعامل مع التطورات المحلية الإقليمية والدولية وإلى تنويع هياكل الاقتصاد الليبي، كما تهدف إلى هيكلة صادراتها من خلال تبني سياسات اقتصادية واجتماعية من شأنها خلق مناخ جاذب للمبادرات الخاصة الليبية والأجنبية بما يحسن المعيشة ويحقق نموا في الإنتاج المحلي لا يقل عن 5% سنويا.

ووفقا لما طرحه "مبارك الشامخ" أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس الوزراء) في المؤتمر الأول للاستثمار الخارجي الذي عقد في طرابلس في يونيو 2000، فإن 70% من إجمالي المبالغ التي تم رصدها سيتم تمويلها عن طريق ميزانية الدولة، وستوجه مشاريعها أساسا نحو البنية الأساسية مثل الموانئ والمطارات والطرق والمياه إضافة إلى التعليم والصحة، في حين سيترك المجال في القطاعات الأخرى للاستثمار الخاص الليبي والأجنبي وهو ما يقدر بحوالي 30% من إجمالي تمويل الخطة(1).

تقوم الخطة الجديدة على المرتكزات التالية:

1- تبني سياسات اقتصادية واجتماعية لخلق مناخ جاذب للمبادرة الخاصة الوطنية والأجنبية.

2- رفع كفاءة التشغيل من خلال الاستثمار المشترك.

3- تنويع هياكل الاقتصاد الوطني (الناتج المحلي، هيكل الصادرات).

4- المحافظة على الموارد الطبيعية من خلال توسيع مجال الاكتشاف وتطوير الحقول المنتجة.

5- الاهتمام بالتنمية السياحية وخدمات العبور(2).

الخطة الخمسية ومستقبل الأوضاع الاقتصادية

ما يلفت النظر في هذه الخطة أنها تأتي بعد انقطاع عن التخطيط الاقتصادي ولمدة خمسة عشر عاما وفي ظروف تواجه فيها البلاد أزمة اقتصادية، من أبرز مظاهرها تآكل احتياطات البلاد المالية، وتآكل البنية التحتية، وتدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وعجز القطاعات الإنتاجية والخدمية على أن تقدم عائدا مقابل ما أنفق عليها لصالح الميزانية العامة التي لا تزال تعتمد بشكل أساسي على النفط في تمويل مختلف أوجه الإنفاق بما في ذلك الإنفاق على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وكما هو ظاهر من خلال استعراض أهداف الخطة ومرتكزاتها يلحظ المتتبع لسير النشاط الاقتصادي الليبي أن واضع السياسة الاقتصادية الليبية، بعد مسيرة ثلاثة عقود، لا يزال يتحدث عن المنطلقات والأهداف ذاتها التي ارتكزت عليها مسيرة التنمية منذ أوائل عقد السبعينيات، فهي المنطلقات ذاتها التي تضمنتها خطط التنمية الاقتصادية 72-75، 76-80، 81-86، وهي المرتكزات ذاتها التي تناولها التحول الاشتراكي تقريبا، وهي السقف الذي يؤطر السياسات التي تتبناها اللجان الشعبية المتعاقبة التي تفتقر إلى المراجعة والنقد البناء لتحديد مكمن الخطأ وسبب الإخفاق(3).

وتبلغ المبالغ المرصودة للخطة والمقرر أن تمول من الخزانة العامة 24.5 مليار دولار، وهذا التقدير مبني على افتراض توفير 4.5 مليارات دولار من عوائد النفط سنويا لصالح برامج ومشاريع الخطة، وهو افتراض صحيح في حال تحقق عوائد سنوية من مبيعات النفط تزيد عن 12 مليار دولار(4).

من المعلوم أن تكلفة الإنتاج تربو على 25% من إجمالي العائد، كما أن نصيب النهر الصناعي ومخصصات الميزانية التسييرية تصل نسبتها إلى حوالي 60% من إجمالي الميزانية العامة، هذا بالإضافة إلى افتراض أن إيرادات النفط تخضع جميعها لصانع السياسة الاقتصادية الذي سيضمن منع الإنفاق خارج الميزانية العامة والخطط المقررة وهذا غير مسلم به، الأمر الذي يشكل أكبر التحديات التي واجهتها سياسة الإنفاق عبر العقود الماضية.

تذبذب أسعار النفط مخاطرة

من جهة أخرى، هناك إشكال يتعلق باعتماد هذه التقديرات على ثبات أسعار النفط عند مستوى 25 دولارا للبرميل، الأمر الذي لا يمكن الجزم به خاصة أمام التقلبات الحادة في أسعار النفط العالمية واحتمال بقاء الطلب العالمي على ما هو عليه خلال السنوات القادمة، فهناك عامل ازدياد ضغوط المنظمات العاملة في حقل حماية البيئة وإمكان ارتفاع حصة العراق من البترول المصدر(5).

أيضا فإن هذه التقديرات تقوم على خيار رفع حصة الإنفاق الاستثماري على حساب الإنفاق الجاري، وهذا التوجه ينبئ بفرض سياسة تقشفية في فترة تنفيذ الخطة وسيضاعف العبء على المواطن ويحول دون تحقق التعبئة العامة للخطة(6)، وهو ما ينذر بأداء متواضع واحتمال فشل الخطة وتأخر عن تحقيق أي نوع من التقدم على المسار الاقتصادي.

وستتجه المبالغ المقرر رصدها للإنفاق على مشروعات البنية الأساسية من موانئ ومطارات وطرق ومحطات كهرباء وشبكات الاتصال السلكي واللاسلكي... إلخ، بالإضافة إلى برامج تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

وبالرغم من الحيوية التي تكتسبها تلك المشروعات وأهميتها للنهوض بالاقتصاد الوطني من كبوته، فإنها مشروعات العائد غير المباشر والطويل الأمد؛ ولذا فإنه لا يتوقع لهذا النوع من الإنفاق الكبير أن يساهم بشكل مباشر وعاجل في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي وبالتالي التخفيف من الأزمة الاقتصادية والمعاناة الاجتماعية لشريحة كبيرة من المجتمع.

القطاع الخاص الوطني والدور المرتقب

من المفترض أن يسهم القطاع الأهلي، الوطني والأجنبي، بما يقدر بحوالي 9.5 مليارات دولار في تمويل برامج ومشاريع الخطة، ولا تتوفر بيانات مفصلة عن إمكانات وقدرات القطاع الخاص الوطني، ولكن ما يمكن التأكيد عليه أنه قطاع ناشئ يشهد عودة متعثرة منذ 1990 على إثر صدور قانون 9 للنشاط الاقتصادي، ويعمل في ظروف صعبة تسودها أجواء عدم الثقة في توجهات الدولة، وترددها في فتح المجال كلية أمام القطاع ليؤدي دوره في تنشيط الأداء الاقتصادي في البلاد.

وتتركز مجالات عمل القطاع الخاص في التجارة والخدمات والأنشطة الحرفية، وسبق ذلك تقدم في نشاط التصنيع الذي تمحور حول الصناعات البلاستيكية الخفيفة وصناعة مواد الزينة والتنظيف والمواد الغذائية.. إلا أن هذه الصناعات واجهت صعوبات، من أبرزها التعقيد في الإجراءات الإدارية، والتأخر في فتح الاعتمادات لجلب قطع الغيار والمواد الأولية باعتبار أنها صناعات تقوم على المواد الخام المستوردة من الخارج.

تجربة القطاع الخاص "التشاركي" في فترة الثمانينيات واجهت مشكلة عدم التوازن والتنسيق على مستوى النشاط الاقتصادي عموما، حيث افتقرت التجربة إلى تصور واضح يحدد للقطاع دورا في الساحة الاقتصادية التي يهيمن عليها القطاع العام كلية، ويعمل القطاع في ظروف سوق محلية مغلقة وصغيرة وفي أجواء تتدنى فيها القدرة الشرائية للمستهلكين الذين تصل نسبة ذوي الدخل المحدود منهم أكثر مـن 60%.

يوجد الآن ما يقرب من 2000 شركة مساهمة يراد لها أن تعمل في قطاع التجارة والتوزيع والإنشاء، القليل منها مارس نشاطه بفاعلية والعائق يكمن في عدم تسييل مخصصاتها وفق ما تقرر، وفي التأخير في فتح الاعتمادات وفي عدم وضوح النظم والسياسات التي تحكم عمل هذه الشركات.

ولم يفلح قرار الشركات والمؤسسات الأهلية في تحقيق نجاح يذكر، وربما ساهم في إضافة عبء آخر إلى كوم المشاكل والتعقيدات التي تحيط بالأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وكان ما تم خصخصته من مؤسسات خلال عقد التسعينيات قد التزم فيه بالفلسفة الاقتصادية التي تحكم النشاط الاقتصادي والتوجه نحو تمليك المنشآت التابعة للدولة للعاملين بها، إلا أن تعثر منشآت القطاع العام وما شكلته من عبء أثقل كاهل الخزانة العامة، كان الدافع الأساسي خلف التعجيل ببرامج للتخلص من المؤسسات والوحدات التي عانت صعوبات في إدارتها وتشغيلها، ولم تسفر برامج الخصخصة عن تحقيق أي عوائد لكلا القطاعين؛ نظرا للتوقيت الخاطئ ولغياب المعايير الصحيحة، ولأنها لم تكن ضمن خطة متكاملة ودراسة وافية لمشروع إصلاح اقتصادي؛ حيث ورث" المالكون" الجدد تركة من المشاكل التي تبدأ بالمنازعات مع الملاك الأصليين للعقار، مرورا بمشكلة تهالك الأصول ونقص قطع الغيار وشح التمويل، وصولا إلى ظروف السوق المحلية ومماطلة خزانة الدولة في سداد ما عليها من التزامات لصالح المؤسسات "المملكة" وغياب النظم والضوابط التي توفر مناخا مستقرا لتنشيط القطاع(7).

ولقد انحسرت المشروعات "المملكة" في الوحدات الإنتاجية الصغيرة كالورش ومحطات الوقود والمصانع والفنادق.

الجهاز المصرفي والائتمان وحجم السيولة

يقدر حجم السيولة لدى القطاع الشعبي بحوالي 2534.2 مليون دينار ليبي، وتقدر الودائع تحت الطلب بـ 4107.2 مليون دينار ليبي، وذلك حسب إحصاءات عام 1997(8)، ولم تحقق هذه الأصول أي عائد اقتصادي أو تسهم في تعجيل وتيرة الاستثمار في المجموع العام، ويرجع ذلك إلى إخفاق الدولة في إيجاد نظام مالي وسياسة استثمارية تجتذب تلك الأصول وتعيد ضخها في أوعية الاستثمار ومؤسسات القطاعات الاقتصادية المختلفة، إذ لم تفلح أجهزة الدولة المالية والاقتصادية في توفير مناخ استثماري مستقر ومتطور يعيد الثقة في سياساتها، ويسمح باتساع مجالات الاستثمار الذي سيسهم بدوره في توسيع السوق المحلية وتنشيط الحركة الاقتصادية.

ووفقا للوضع الراهن فإنه لا يتوقع أن يكون لمدخرات القطاع الأهلي مشاركة فعالة في الأمد القصير، وتعتمد مساهمتها في المدى الأبعد على مدى جدية الدولة في تصحيح الأوضاع، وإعادة الثقة في التوجهات والسياسات التي تتبناها من خلال سيادة النظام والقانون والتفريق ما بين النشاط الاقتصادي والتوجهات الأيديولوجية والممارسات السياسية وتقليص نفوذ مراكز القوى وأصحاب المصالح على الأنشطة الاقتصادية وتهيئة المناخ للاستثمار الناجح.

الجهاز المصرفي في ليبيا يتسم بالضعف ويعاني جملة من المصاعب كالتي تحكم النشاط الاقتصادي عموما، ويأخذ عليه ما يلي(9):

- سلبية المصرف المركزي وعدم قيامه بدوره في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي؛ إذ لم يحرك ساكنا طيلة الفترة التي تميزت بتنامي الإنفاق العام ومحدودية الإنتاج المحلي، وهو ما أدى إلى ظهور موجات تضخمية أدت إلى انخفاض القوة الشرائية للدينار، وهو ما أثر على المستوى المعيشي لذوي الدخول المحدودة والثابتة.

- عدم قيام المصارف التجارية بدورها، وذلك نتيجة لطبيعة ملكيتها (مملوكة للمصرف المركزي)، وبالتالي فهي تعمل كما لو كانت مصرفا واحدا يدفع مرتبات موظفي الدولة.

- عدم استقلالية المصرف المركزي عن (أمانة) الخزانة، وهو ما أدى إلى التداخل في الصلاحيات والقرارات حيث غالبا ما تسود القرارات السياسية بدل القرار الاقتصادي.

المراجع :

(1) ندوة الاستثمار الخارجي، المجلة الاقتصادية الليبية.

(2) نفس المصدر.

(3) سنتعرض لتجربة التنمية والتخطيط الاقتصادي في ليبيا ولمظاهر وأسباب الأزمة الاقتصادية الراهنة بشكل مفصل في مقالات لاحقة.

(4) حصة ليبيا وفق سقف منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط لا تتعدى 1.4 مليون برميل يوميا.

(5) خطط التنمية وإن كانت تعتمد في إعدادها على التنبؤ إلا أن مقاربة التوقعات إلى حقائق الواقع، ثم الاعتماد على الموضوعية، والدراسات العلمية -مسألة في غاية الأهمية. أعتقد أن الحالة الليبية افتقرت إليها كثيرا في تجاربها السابقة.

(6) تجارب التخطيط التنموي السابقة أهملت كثيرا التعبئة العامة، ونشر الوعي الخططي والتنموي، لضمان تفهم الشعب لمضمون وروح الخطط، وتحقيق الأهداف المقررة.

(7) لم تفتقر الحالة الليبية للتشريعات اللازمة والقوانين والقرارات التي تنظم النشاط الاقتصادي وتفتح المجال للقطاع الخاص للمشاركة في دورة الحياة الاقتصادية، في بعض الأحيان، والإشكال يكمن في التناقض بين ما يطرح من سياسات وما يتخذ من قوانين وقرارات وممارسات أجهزة الدولة المختلفة وغياب الإرادة الصادقة لتمكين هذه القرارات من أن تكون حقيقة على أرض الواقع.

(8) الكتيب الإحصائي 1999، الهيئة الوطنية للمعلومات والتوثيق.

(9) شامية عبد الله: ملامح الاقتصاد الليبي، مجلة البحوث الاقتصادية.