المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكاء ابن الصحراء


mozzarti
27-12-2011, 02:09 PM
السلام عليكم ورحمة الله


خرجت يوما من " عينتاب " في بلاد الشام قاصدا بغداد عن طريق بطحاء الجزيرة , في قافلة لشيخ العرب محمود بن موسى تبلغ تسعين جملا .
امتطى الشيخ ذو اللحية حمارا ابيض كبيرا , كان يبالغ في بره واكرامه , وكانا يبيتان في خيمة متجاورين ليلا , وقلما يفترقان نهارا , وكان رجال القافلة التسعة من عامة ابناء البادية , وكانت اوامر شيخهم هي قانونهم ومن يديه ينالون ثوابهم وعقابهم .
كنت احمل ثمانين جنيها ذهبا في حقيبة من الجلد , احفظها معي في خيمتي اذا جن الليل وكنت احرص على ان ادس يدي في الحقيبة كل صباح لاتحقق من سلامتها , ولم يرعني في صباح اليوم التاسع الا ضياعها , باذرت الى ابن موسى وقلت : يا محمود بن موسى ثمانية ايام وانا ضيفك , فانا اعرب مخلصا عن شكري لك .
فضرب ابن موسى بيده على صدره وانحنى , ثم قال : احب شيء الى العرب اكرام الضيف , تابعت كلامي , يسوءني ان اجدني مضطرا الى ان اقول لك ان سحابة قد حجبت شمس ابتهاجي , ويجب على ان اخبرك بما حدث لانني ضيفك .
واخبرته خبر ضياع الحقيبة , فالقى علي بعض الاسئلة ثم قعد صامتا يمسح لحيته بيده , ثم قال : سنبقى اليوم في منزلنا , فبعض الحال محتاجة الى اصلاح , قبل غروب الشمس ستجد ذهبك بين يديك ان شاء الله , اذهب بسلام .
وبعد ساعو او بعض ساعة رايت شيخ القافلة يهيم وحده بعيدا عن منزلنا , وانتصف النهار قبل ان يعود , امر الا يزعجه احد , ثم دخل واسدل باب خيمته , وبعد ثلاث ساعات خرج الشيخ ودعا بالعشاء فلم ابرح حتى بدات ارتاب في الشيخ نفسه .
وحين فرغ القوم من طعامهم دلف الشيخ الكهل من خيمته مرتديا ابهى ثيابه , واعتلى كومة الاحمال المكدسة في وسط المنزل , فلما استوى على الذروة اوما الي ان اجلس قريبا منه , وبعد قليل نادى بصوت متجهم : اجمعوا الرجال جميعا , فلما اجتمعوا حول العرش , جعل الشيخ يصعد نظره ويصوبه بابلغ اناة في هذا الصف من الوجه العاتية , وكل عين منها قد تعلقت به , ودام ذلك خمس دقائق على الاقل حتى شعرت انه يجب علي ان افعل شيئا يفض هذا الصمت الرهيب , رايت الرجال قد اخذوا فلم تتحرك عضلة , ولم تطرف عين , ولما انتهى الشيخ من هذا الاستعراض الصامت انشا يقول في عبارات محكمة : اليوم اُلبست الخزي بين يدي هذا السائح , وبين يدي الله , ان السرقة جريمة منكرة يكرهها الله والناس , وان الرجل اذا سرق من ضيفه فهو ملعون سبع لعنات , لقد أمن الي هذا السائح فاذا هو يُسرق في بيتي , وما دام لم يطرقنا غريب , فالسارق هنا امامي !
وبعدئذ انفجر الشيخ عن لعناته , وصرح بانه ما من عقاب يراه صارما حقيق بهذا المجرم , وان الله لا ينظر الى جماعة يكون بينهم مجرم طريد كهذا المجرم , وان الله يامره ان يُهلك الجاني , وان يرد الذهب , وكان كلما اوغل ارتفع صوته , ثم سكت بغتة ثم استمر يقول بصوته الهادي: ان في خيمتي الان حماري الابيض الكريم , انه لا يستطيع ان ينطق بلغتنا , لان حلقه حلق حمار ولكن في روحه نفحة عالية , وسيخاطبنا بطريقته مشيرا الى السارق , فانا آمركم ان تدخلوا خيمتي واحدا بعد واحد , ومن دخل فليسدل سترها عليه , فلا يكون في الخيمة الا هو والحمار , ليجذب ذيل الحمار , فان اليد البرئية حين تمس ذيله يظل الحمار ساكنا , واما حين تقبض عليه يد السارق , فسينهق من فوره , وسيكون هذا رسالة الحمار لينا , لنقبض على السارق ونذبحه بغير رحمة .
وقام آخر رجل في الصف حين امر ان يكون اول من يدخل , قام في وقار ودخل الخيمة , واسدل الستر ولبث بضع ثوان , ثم عاد الى مجلسه , فاوما الشيخ الى ثان وثالث , لقد كان من الصعب ان تعرف اينا كان اشد اضطرابا , انا او هؤلاء الرجال , اذ كنت مصغيا الى النهيق المنتظر , فزعا من الانتقام الذي ساشهده بعد .
ودخل الخيمة اثنا عشر رجلا , ولا صوت , الثالث عشر , الرابع عشر , الخامس عشر , السادس عشر , ولم يبق الا ثلاثة , زاد اضطرابي , هذا هو السابع عشر , الثامن عشر والآن كان الرجل الاخير في طريقه الى الخيمة , هذه هي الغاية , والا ذهب كل شيء , ودخل الرجل التاسع عشر , وخرج ولا صوت , لقد وكلنا قضيتنا الى حمار فخسرناها , ولكن الشيخ محمود بن موسى قال لي في سكون :
الزم الصمت كل شيء على ما يرام .
كان الرجال وقتئذ قعودا امامه على ترتيبهم الاول فصاح بهم : قفوا فلما وقفوا جميعا قال : ابسطوا ايديكم , وبسط كل واحد كفيه , ونزل ابن موسى عن منصته وقصد الى اول من دخل الخيمة في طرف الصف , وانحنى عليه ووضع وجهه في راحتيه الممدودتان , وبقى ما يقرب من خمس دقائق , واعاد ذلك مع الذي يليه .
دُهشت وتجاوزت دهشتي الحد , واقبل على الرجل الثاني عشر , ومال بوجهه على راحته , فلم يلبث ان ارتد عنه وسدد رمحه اليه , وقال : ايها اللص الكلب القذر ! هات الذهب من فورك , والا بقرت بطنك في موقفك هذا .
فأكب الرجل على قدميه يسأله الرحمة ثم ذهب قائما وانطلق الى ما وراء جماعة الجمال , ورفع حجرا مستويا ونبش بالتراب , وعاد ومعه حقيبتي , اعطيها للخواجة , وضعت الحقيبة بين يدي وقد وجدت الذهب لم يمس , بعد ذلك امر الشيخ رجلين من رجاله ان يجلدا السارق , وبعد بضع جلدات عنيفة , شفعت له في العفو عنه , فاطلق , وانقلب الشيخ الى خيمته , وانفض الجميع .
لقد كنت فرحا باسترداد مالي , ولكني ما زلت مشتاقا الى ان اعلم كيف عرف اللص , اذ لم استطع ان افرض فرضا يفسر ما حدث .
ولما رحلنا في اليوم التالي سألت الشيخ من فوري ان يبين كيف كان ذلك , فنظر الي ساخرا وقال : ولكن لا تحدث رجالي بما تسمعه , لقد غمست ذيل الحمار في محلول روح النعناع , ثم جففته وكلهم امسك ذيل الحمار الا السارق , ولذلك كانت يده وحدها التي لا رائحة للنعاع فيها .
فقلت وانا لا املك نفسي : ما شاء الله ... والله اكبر .

مجلة المختار .

نسمة
30-12-2011, 09:27 AM
[Only Registered Users Can See Links] _WmaWY-uJEeaaR-Yw7FKhQ39WNf
منورررررmozzarti ([Only Registered Users Can See Links])

mozzarti
31-12-2011, 09:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله


نسمة , انار الله طريقك , شكرا .