wahat
08-01-2011, 06:20 PM
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
جامعة الأزهر
كلية الشريعة والقانون بطنطا
الدراسات العليا
قسم الفقه المقارن
****
حماية القاضى وضمانات نزاهته
دراسة مقارنة
" بيـن الفقه الإسلامى وقانون المرافعات المدنية "
رسالة لنيل درجة التخصص ( الماجستير )
فى الفقه المقارن
مقدمـة من
الباحث / عادل محمد جبر أحمد شريف
تحت إشـراف
المشرف الشرعى المشرف القانونى
أ.د / محمد عبد الفتاح البنهاوى د. / السعيـــــــد محمــــــــــد الأزمـــــــــــــازى
أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن أستاذ قانون المرافعات المساعد
وعميد كلية الشريعــة والقانون بكلية الشريعة والقانون بطنطا
بتفهنا الأشراف جامعـة الأزهر جامعة الأزهر
1423 هـ / 2003م
- ب -
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
********
{ السيرة الذاتية للباحث }
*******
• الاسـم / عادل محمد جبر أحمد شريف 0
• الوظيفة / مستشار مساعد بهيئة قضايا الدولة .
• الباحث حاصل على ليسانس الشريعة والقانون من كلية الشريعة والقانون بطنطا دور مايو 1995 قسم الشريعة والقانون بتقدير عام جيدا جيـدا 0
• الباحث حاصل على درجة التخصص ( الماجيستير ) فى الفقة المقارن بالقانون الوضعى من كلية الشريعة والقانون بطنطا بتقدير عام جيد جدا عام 2003 م ، وموضوعها(حماية القاضى وضمانات نزاهته دراسة مقارنة بين الفقة الإسلامى وقانون المرافعات المدنية ) .
• الباحث حاصل على درجة العالمية ( الدكتوراة ) فى الفقة المقارن بالقانون الوضعى بكلية الشريعة والقانون بطنطا مع مرتبة الشرف الثانية عام 2006م وموضوعها ( الإنقضاء الموضوعى للخصومة المدنية دراسة مقارنة بين الفقة الإسلامى والقانون الوضعى ) 0
• عنوان الباحث : المنصورة – مساكن الميناء خلف مضرب الشناوى شارع حافظ إبراهيم منزل المستشار عبد الشافى نصار - رقم 10 الدور الرابع – ت: 0121096715 .
• تاريخ ومحل الميلاد : 6/7/1971 دماص ميت غمر دقهلية
• الحالة الاجتماعية : متزوج ويعول ولدين
- جـ -
{ شكر وتقديــر }
*****
يتقدم الباحث بأسمــى آيات الحــب والاحــترام والتقدير والعرفان بالجميل إلى كل من ساهم وساعد فى هذا العمل المتواضع ، ويخص بالذكــر أستاذه الفاضــل الأستاذ الدكتور / محمد عبد الفتاح البنهاوى - أستاذ الفقه المقارن وعميد كلي’ الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف جامعة الزهر فله كل الحب والتحيه والعرفان بالجميل على ما قام به من توجيه ومساعدة الطالب وقبوله الأشراف والمراجعة وإخراج البحث فى صورته النهائية ، كما يتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور / السعيد محمد الأزمازى عبد الله أستاذ قانون المرافعات المساعد بكلية الشريعة والقانون بطنطا جامعة الأزهر ، فله كل التحية والتقدير وأسمى مشاعر الحب على ما قام به من توجيه الطالب ومساعدة وقبوله الإشراف ومراجعة الطالب فى مراحله النهائية فى مراحله النهائية حتى خرج البحث بالصورة المشرفة واللائقة ، كما يتقدم الباحث بأسمى آيات الحب والاحترام والتقدير إلى أستاذه الفاضل الأستاذ الدكتور / عبد الحكم أحمد شرف - أستاذ ورئيس قسم القانون الخاص وأستاذ قانون المرافعات بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة جامعة الأزهر لقبوله مناقشة هذه الرسالة وإمداد الباحث بالتوجيهات فله كل الحب والتحيه ، كما يتقدم الباحث بأسمــى آيات الحــب والاحترام والتقدير إلى أستاذه الفاضل الأستاذ الدكتور / عبد الفتاح عبد الله البرشومى - أستاذ الفقه المساعد بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة لقبوله مناقشة هذه الرسالة وإمداد الباحث بالتوجيهات بالإضافة إلى ما سبق إمداده به من توجيهات أثناء الدراسة التمهيدية فله كل التحية والتقدير وأسمى مشاعر الحب علىما قام به من توجيه الطالب ومساعدته وقبوله مناقشة تلك الرسالة ، كما يتقدم بأسمى آيات التقدير والاحترام إلى العاملين بمكتبات جامعة الأزهر حيث ساهموا بجهد وافر فى حصول الطالب على المراجع والمصادر العلمية التى إستعان بها فى إنجاز هذا العمل 0
فللجميع أسمى آيات الحب والتقدير والاحترام وجزى الله كل من ساهم وساعد فى إخراج هذا العمل البسيط 0
مع تحيات الباحث
عادل محمد جبر أحمد شريف
- د -
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
*******
{ المقدمــــة }
****
الحمد لله ، الحاكم العادل ، القاضى بالقسط يوم الفصل ، نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد الشاهد والمبشر والنذير ، المنزل عليه قوله تعالى " فَلاَ وَرَبُكَ لاَ يُؤمِنوُنَ حَتٌى يُحَكِموُكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمٌ لاَ َيجِدُوا فِى أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمٌا قَضَيتَ وَيسَلِموُا تَسلِيمًا " (1) 0
وبعـد :
فإن الشريعة الإسلامية وسائر الشرائع السماوية قد جاءت لتحقيق مصالح الناس ، ولا شك فى أن وجود القضاء فى المجتمع الإنسانى هو إحدى الوسائل المحققة لهذه المصالح ، فيه تحمى الحقوق وتصان عن الانتهاك ، فالقضاء منصب هام لتحقيق العدل ومنع الظلم ، وإرساء الحق ، ولمكانته السامية الجليلة تولاه الرسل فحكموا بين الناس وولوه غيرهم ، قال تعالى ( يَا دَاوُدُ إِنًا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فىِ الأَرضِ فَأحكُم بَينََ اَلُنًاسِ بِاُلحَقِ ) (2) 0
ولذلك قال الإمام السرخسى ( إعلم بأن القضاء بالحق أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات وبه أمر كل بنى مرسل حتى خاتم الأنبياء (3) 0
والقضاة هم أهم العناصر البشرية التى تظهر فى العملية القضائية ، وهم مصابيح مضاءة تنير طريق الحق ، ودروعا متينة ، تمنع الظلم وتكبته ، فيجب أن تتوافر لهم الضمانات التى تكفل حمايتهم ، وتحقق استقلالهم وتضمن حيدتهم فى إصدار أحكامهم حتى يكونوا آمنين فى حاضرهم مطمئنين على مستقبلهم 0
ونظرا لأهمية توافر الحماية بالنسبة للقاضى وأتصافه بالنزاهة والحيدة ، فهذا سبب اختيارى لموضوع هذا البحث ، وعنونته بعنوان : " حماية القاضى وضمانات نزاهته - دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامى وقانون المرافعات المدنية " 0
وهاهى خطة البحث :
________________
(1) سورة النساء الآية رقم (65) 0
(2) سورة ( ص ) الآية رقم ( 26 ) 0
(3) المبسوط - محمد بن أحمد أبى بكر شمس الأئمة السرخسى ، الطبعة الثانية سنة 1313 هـ - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت جـ 16 ص 59 0
- هـ -
{ خطـة البحث }
بعون الله - تعالى - وتوفيقه أتناول هذا الموضوع فى فصل تمهيدى وبابيين وخاتمـه 0
أما الفصل التمهيدى فهو بعنوان : التعريف بالقضاء وأهميته العملية وحكم تولية 0
ويشتمل على ثلاثة مباحث هـى :
المبحث الأول : فى تعريف القضاء لغـة واصطلاحا فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وتمييزه عما يشابهه من الولايات الأخرى 0
المبحث الثانى : فى مشروعية القضاء وأهميته العملية باعتباره سلطة داخل المجتمع 0
المبحث الثالث : فى حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة والأفراد 0
وأما البابين فيشتملان على ما يأتـى :
الباب الأول
بعنوان :
حماية القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
ويشتمل على ثلاثة فصول هـى :
• الفصل الأول : فى حماية القاضى من السلطات فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وفيه أربعة مباحث هـى :
المبحث الأول : فى كيفية اختيار القاضى وشروط تعيينه فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثانى : فى مبدأ استقلال القضاء فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثالث : تأمين القاضى على مقومات حياته فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الرابع : فى حجية الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثانى : حماية القاضى من الخصوم فىالفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامى 0
ويشتمل على ثلاثة مطالب هـى :
- و -
المطلب الأول : حق القاضى فى تأديبه الخصوم 0
المطلب الثانى : عدم جواز مخاصمة القاضى 0
المطلب الثالث : عدم مسئولية القاضى عن خطئه غير المتعمد 0
المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى القانون الوضعى " نظام مخاصمة القاضـــى " 0
ويشتمل على خمسة مطالب هى :
المطلب الأول : مفهوم وطبيعة دعــوى المخاصمــة 0
المطلب الثانى : التطور التاريخى لدعوى المخاصمـة 0
المطلب الثالث : نطاق دعوى المخاصمــة 0
المطلب الرابع : حالات دعوى المخاصمة 0
المطلب الخامس : إجراءات دعوى المخاصمة والمحكمة المختصة بنظرها 0
• الفصل الثالث : حماية القاضى من نفسه فىالفقه الإسلامىوالقانون الوضعى 0
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى 0
وفيه مطلبان :
المطلب الأول : عدم صلاحية القاضى لنظر بعض القضايا 0
المطلب الثانى : وجــوب اعتدال حالة القاضى النفسية والظروف المحيطة به أثناء نظر
الدعوى 0
المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى القانون الوضعى 0
ويشتمل على ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : حالات عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظـــر الدعــوى 0
المطلب الثانى : حالات عدم صلاحية القاضى النسبية لنظــــر الدعوى 0
المطلب الثالث : حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى 0
- ز -
الباب الثانى
ضمانات نزاهة القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
ويشتمل على ثلاثة فصول :
• الفصل الأول : المبادىء التى تقوم عليها نزاهة القاضــى فـــى الفقـــه الإسلامى
والقانون الوضعى 0
وفيه خمسة مباحث :
المبحث الأول : مبدأ علنية الجلسات فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثانى : مبدأ حصـــول الإجـراءات فى مواجهة الخصوم فى الفقه الإسـلامى والقانون
الوضعـــى 0
المبحث الثالث : مبدأ حرية الدفاع فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الرابع : مبدأ مجانية القضاء فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الخامس : مبدأ المساواة بين المتقاضين فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثانى : كيفية تحقق ضمانات نزاهة القاضى 0
ويشتمبل على ثلاثة مباحث هـى :
المبحث الأول : قطع ما يؤدى إلى المحاباة فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : عــدم قبـــول القاضــى للرشوة ، وموقف الفقــه الإسلامى والقانون
الوضعــى 0
المطلب الثانى : عــدم قبـــول القاضـــى للهدايا من الخصوم وموقف الفقه الإسلامى
والقانون الوضعى 0
المطلب الثالث : عـدم حضور القاضى للولائم وقبول الدعوات الخاصة وموقف الفقه
الإسلامى والقانون الوضعى 0
- ح -
المبحث الثانى : عــدم مباشــرة القاضــى للبيع والشراء بنفســــه لنفسه ولغيره وموقف الفقه
الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثالث : عـدم قضــاء القاضى بعلمـه الشخصى الذى أكتسبه من خارج مجلس القضاء
وموقف الفقه الإسلامى والقانون الوضعى من ذلك 0
• الفصل الثالث : الآداب والواجبات التى يجب أن يتحلى بها القاضى 0
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : الآداب والواجبات التى يجب أن يتحلى بها القاضـــى فى الفقه الإسلامى 0
المبحث الثانى : الآداب والواجبات التى يجب أن يتحلى بها القاضى فى القانون الوضعى 0
وقد ذكرت آراء الفقهاء وأدلتهم فيما تعرضنا لــه مـن مسائل ، ودليل كل رأى ، ثم بينت ما ظهر لى رجحانه - من وجهة نظرى - دون تعصب لرأى أو مذهب ، وذلك بأسلوب سهل وبعبارة واضحة حتى يسهل الفهم والوصول للمراد ، ويتحقق الهدف المنشود 0
وأما الخاتمـة : فتشتمل على أهم نتائج البحث والتوصيات 0
والله أسال أن يجنبنى الزلل ، وأن يرزقنى الصواب فى القول والعمل إنه سميع مجيب 0
************************
************
***
- 1 -
الفصل التمهيدى
فى
التعريف بالقضاء وأهميته العملية وحكم توليه
تمهيد
مما لاشك فيه أن ولاية القضاء من أهم الولايات شأنا وأعظمها أثرا وأعلاها مرتبة فى المجتمع الإسلامى وذلك لأن القاضى بعمله النبيل ورسالته المقدسة يهىء للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل إنسان على نفسه وماله وعرضه فيجب أن يكون القاضى بمنأى عن كل تأثير أو تدخل يؤدى إلى ميل ميزان العدالة فى يده أو انحرافه فى إمساكه بحياد ونزاهـة 0
وبادىء ذى بدء أشير إلى تعريف القضاء وأهميته العملية وحكم توليه فى فصل تمهيدى وذلك قبل الحديث عن موضوع البحث وهو حماية القاضى وضمانات نزاهته وذلك من خلال المباحث الآتية :
المبحث الأول : فى تعريف القضاء لغة واصطلاحا وتمييزه عما يشابهه من الولايات الأخرى 0
المبحث الثانى : فى مشروعية القضاء وأهميته العملية باعتباره سلطة داخل المجتمع 0
المبحث الثالث : حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة والأفراد 0
- 2 -
المبحث الأول
تعريف القضاء لغة واصطلاحا وتمييزه عما
يشابهه من الولايات الأخرى
وفيه مطلبـان :
المطلب الأول : تعريف القضاء لغـة واصطلاحـا فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المطلب الثانى : تمييز القضاء عما يشابهه من الولايات الأخـرى 0
المطلب الأول
تعريف القضاء لغـة واصطلاحا
فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
وفيه فرعـان :
الفرع الأول
تعريف القضاء لغة واصطلاحا فى الفقه الإسلامى
أولا : تعريف القضاء لغـة :
جاء لفظ القضاء فى اللغة بعدة معان تتقارب فى جملتها ومرجعها (1) 0
1- جاء القضاء فى اللغة بمعنى إحكام الشىء وامضائه والفراغ منه : قال تعالى (ثم اقضوا إلى ولا تنظرون (2) 0
أى افرغوا من أمركم وأمضوا ما فى أنفسكم 0
2- وورد القضاء فىاللغة بمعنى حكم وأمر :قال تعالى(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه )(3).
3- وأتى بمعنى الفعل : كقوله تعالى ( فاقض ما أنت قاض ) (4) 0
__________________
(1) لسان العرب - لمحمد بن بكر بن منظور المصرى - المتوفى سنة 711 هـ دار بيروت للطباعة والنشر سنة 1375 هـ 1956 جـ 2 ص 47 ، 48 ، مختار الصحاح للإمام محمد بن أبى بكر الرازى طبعة دار الحديث سنة 1421 هـ 2000م ص 294 0
(2) سورة يونس الآية رقم (71) 0
(3) سورة الإسراء الآية رقم (23) 0
(4) سورة طـه الآية رقم (72) 0
- 3 -
4- وجاء بمعنى الأداء والإنهاء : كقوله قضى فلان دينه أى أداه وأنهاه 0
وكقوله تعالى ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ) (1) وقوله ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض ) (2) 0
أى فرغتم من أدائها 0
وقوله ( فإذا قضيتم مناسككم ) (3) أى أديتم مناسككم 0
5- وورد بمعنى الإلزام:كقوله تعالى ( فلما قضينا عليه الموت ) (4) أى حكمناه وألزمناه 0
6- وأتى بمعنى الصنع والتقدير : قال تعالى ( فقضاهن سبع سموات فى يومين ) (5) أى صنعهن وقدرهن وخلقهن ، يقال قضى الشىء قضاءً " إذا صنعه وقدره 0
7- وجاء بمعنى الفصل مطلقــا : كقولــه تعالى ( إن ربك يقضــى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم ) (6) 0
أى يفصل بينهم بحكمـه 0
وقال الراغب الأصفهانى (7) :
القضاء فصل الأمر قولا كان ذلك أو فعلا وكل منهما على وجهين إلهى وبشرى فمن القول الإلهى قوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (8) . أى أمر بذلك ، ومن الفعل الإلهى قوله تعالى ( والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء ) (9) 0
_________________
(1) سورة النساء الآية رقم (103 ) 0
(2) سورة الجمعة الآية رقم (10) 0
(3) سورة البقرة الآية رقم (200) 0
(4) سورة سبأ الآية رقم (4) 0
(5) سورة فصلت الاية رقم (12) 0
(6) سورة النمل الآية رقم (78) 0
(7) المفردات فى غريب القرآن لأبى القاسم الحسين بن محمد الأصفهانى الطبعة سنة 1377هـ مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبى ص 406 وما بعدها 0
(8) سورة الإسراء الآية رقم (23) 0
(9) سورة غافر الآية رقم (20) 0
- 4 -
ومن القول البشرى نحو قضى الحاكم بكذا ، فإن حكم الحاكم يكون بالقول ، ومن الفعل البشرى قوله تعالى ( فإذا قضيتم مناسككم ) (1) 0
والقضاء بالمد أصله " قضائى " لأنه من قضيت فأبدلت الياء همزه لمجئيها بعد الألف الساكنة والقضاء مفرد ، ويجمع على أقضية ، وهو مصدر لقضى الثلاثى ، أما قضية فتجمع على قضايا فتكون قضايــا أصــلا جمعهــا قضائى تحركت الهمزة وانكسر ما قبلهــا فقلبت إحداهمــا ألفــا وفتح ما قبلها للتخفيف فصارت قضايــا ، وكل قول مقطوع به كقولك هو كذا أو ليس بكذا يقال لـــه قضيـــة ، ومــن هذا يقال قضيــة صادقة وقضية كاذبة (2) 0
وصفوة القول أن القضاء فى اللغة يأتى على وجوه تتقارب فى جملتها ومرجعها كلها إلى انقضاء الشىء وتمامه والفراغ منه (3) 0
ثانيـا : تعريف القضاء فى الاصطلاح :
اختلف الفقهاء حول تعريف القضاء فى الاصطلاح ويرجع هذا الاختلاف لاختلافهم حول حقيقة القضاء هل هو صفة حكمية تلازم موصوفها وتوجب نفاذ حكمه أم هو فعل يقوم به القاضى ، وهل يشمل القضاء التحكيم والفتيا أم لا 0
وبادىء ذى بدء أعرض لأقوال الفقهاء حول حقيقة القضاء فى الاصطلاح أولا ثم أقوم بترجيح التعريف الذى يظهر معنى القضاء 0
أولا : تعريف القضاء عند الحنفيـة :
عرف فقهاء المذهــب الحنفــى القضــاء بتعريفات كثيرة منهـــــا أنه : فصل الخصومات وقطع
________________
(1) سورة البقرة الآية رقم (200) 0
(2) المفردات فى غريب القرآن لأبى القاسم الحسين بن محمد الأصفهانى مرجع سابق ص 406 ، النظم المستعذب فــى شــرح غريب المهذب - لمحمد بن أحمد بن بطال الركبى - مطبعة مصطفى الحلبى جـ 2 ص 289 0
(3) بلغة السالك لأقــرب المسالك إلى مذهــب الإمام مالك - أحمد بن محمد الصاوى المالكى - طبعة دار الفكر - المجلد الثانى ص 305 0
- 5 -
المنازعات على وجه بخصوص ، ليخرج فصل الخصومات من الأمير والمحكم (1) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف غير مانع من دخول غيره فيه لأنه يدخل فيه الصلح بين الخصمين كما يؤخذ على هذا التعريف أنه غير جامع لاقتصاره على القضايا التى تكون محل نزاع ومخاصمة مع أنه قد توجد قضايا تخلو من الخصومة كالوصية على السفية 0
وعرفه العلامة قاسم وهو من فقهاء الحنفية :
أنه إنشاء إلزام فى مسائل الاجتهاد المتقاربة فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا (2) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف غير جامع لأن القاضى كما يحكم فى مسائل الاجتهاد يحكم فى غيرها 0
وعرفه بعض الحنفية بأنه : الإلزام فى الظاهر على صيغة مختصة بأمر ظن لزومه فى الواقع شرعــا (3) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف بالخاصة فيكون غير معتبر لأن القضاء عندهم يراد به الإلزام ويقال له الحكم لما فيه من منع الظالم عن الظلم ورده عن غيه 0
وهناك تعريفات أخرى للقضاء عند الحنفية لم أذكرها لأنها فى جملتها ومرجعها تعود إلى الإلزام وإلى ما سبق بيانه صرفنا نظرا عنها خشية الإطالة 0
_______________
(1) شرح فتح القدير على الهداية للكمال بن الهمام الحنفى المتوفى سنة 681 هـ طبعة دار الفكر جـ 7 ص 252 ، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر للحلبى عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المعروف بشيخى زاده المتوفى سنة 1087 هـ طبعة سنة 1328 هـ دار الطباعة العامرة المكتبة الخاصة جـ 2 ص 150 ، حاشية الطحاوى على الدر المختار طبعة بيروت سنة 1275 هـ جـ 3 ص 172 0
(2) البحر الرائق شرح كنز الدقائق - لعبد الله بن أحمد النسفى زين العابدين بن نجيم الحنفى المتوفى سنة 970 هـ طبعة دار الكتاب الإسلامى جـ 6 ص 277 ، المحيــط البرهانى للإمــام محمـــود بن أحمـد بن عبد العزيز بن شمر بن مازه المتوفى سنة 616 هـ وهو مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 482 فقه حنفى جـ 8 ص 129 ، رد المختار على الدر المحتار ( حاشية ابن عابدين ) الطبعة الثانية سنة 1407هـ سنة 1987م - دار إحياء التراث العربى للطباعة والنشر - بيروت لبنان جـ 4 ص 296 0
(3) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) مرجع سابق جـ 4 ص 296
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيـا : تعريف القضـاء عند المالكيـة :
عرف فقهاء المذهب المالكى القضاء بتعريفات كثيرة منها :
1- عرفه ابن رشد (1) من المالكية بأنه : الإخبار عن حكم شرعى على سبيل الإلزام (2) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف غير مانع لأنه لا يمنع من دخول غيره فيه إذ قد يدخل فيه الإمام الأعظم " رئيس الدولة " 0
كما يؤخذ عليه أنه عرف القضاء بأنه إخبار عن حكم شرعى والإخبار يحتمل الصدق والكذب ، وإنما القضاء هو إنشاء على سبيل الإلزام 0
2- وعرفه الدردير (3) أنه:حكم حاكم أو محكم بأمر ثبت عنده كدين وحبس وقتل وجرح وضرب وسب وترك صلاة ونحوها وقذف وشرب وزنا وسرقة وغصب وعدالة وضدها وذكورة وأنوثة وموت وحياة وجنون وعقل وسفه ورشد وصغر وكبر ونكاح وطلاق ونحو ذلك ليرتب على ما ثبت عنده مقتضاه أو حكمه بذلك المقتضى مثل لو ثبت عنده دين أو طلاق فالحكم تارة بالدين أو الطلاق ليرتب على ذلك الغرم أو فراقها وعدتهــا أو الحكم بالغـــرم أو الغراق لما ثبت
__________________
(1) هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المالكى القرطبى ( 405 - 520 هـ ) زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب ، عرف بصحة النظر وجودة التأليف ، ودقة الفقه ، كثير التصانيف من أهمها بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، انظر الديباج المذهب فى معرفة أعيان علماء المذهب المالكى لقاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن على بن محمد بن فرحون المالكى (799هـ ) مطبعة المعاهد بالقاهرة – الطبعة الأولى سنة 1351 هـ ص 278 0
(2) تبصرة الحكام فى أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون مطبوع بهامشه فتح العلى المالك فى الفتوى على مذهب الإمام مالك مطبعة عيسى الحلبى سنة 1378 هـ جـ 1 ص 12 ، مواهب الجليل شرح مختصر خليل - لمحمد بن محمد المعروف بالحطاب ، مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى سنة 1329 هـ وبهامشه التاج والإكليل لمختصر خليل جـ 6 ص 86 0
(3) هو أحمد بن محمد بن أحمد العدوى أبو بركات الشهير بالدردير ، فاضل من فقهاء المالكية ، ولد فى بنى عدى بمصر – وتعلم بالأزهر ، وتوفى بالقاهرة من أشهر كتبه أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك ، وكتاب منح القدير فى شرح مختصر خليل ، تحفة الأخوان فى علم البيان ، انظر كتاب الأعلام ( قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ) لخير الدين الزركلى - طبعة دار العلم للملايين - بيروت - لبنان - الطبعة الرابعة المجلد الأول ص 244 0
- 7 -
عنده حسب ما يقتضيه الحال من الرفع له (1) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع من دخول غيره فيه حيث إنه يدخل فيه التحكيم وهو ليس من أفراد المعرف 0
ثالثـا : تعريف القضاء عند الشافعيـة :
عرف فقهاء المذهب الشافعى القضاء بتعريفات كثيرة نذكر منها :
1- عرفه بعضهم : أنه رفع الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى (2) 0
ويؤخذ علىهذا التعريف أنه غير مانع لأنه يدخل فيه حكم المحكم وهو ليس من أفراد المعرف0
2- كما عرفه بعضهم : أنه إلزام من له الإلزام بحكم الشرع (3) 0
ويؤخذ على التعريف أنه غير مانع من دخول غيره فيه لأنه يدخل فيه الإمام الأعظم " رئيس الدولة " وهو ليس من أفراد المعـرف 0
3- وعرفه إمام الحرمين (4) : أنه إظهار حكم الشرع فى الواقعة من مطاع (5) 0
__________________
(2) بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوى مرجع سابق جـ 2 ص 305 0
(2) مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للشربينى الخطيب – طبعة سنة 1352 هـ سنة 1933م دار إحياء التراث العربى - بيروت - لبنان جـ 4 ص 372 0
(3) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين محمد بن أبى العباس الشهير بالشافعى الصغير المتوفى سنة 1004 هـ مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبى البابى جـ 8 ص 235 0
(4) هو عبد الملك بن الشيخ أبو عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه ، أبو المعالى الجوينى ، وجوين من قرى نيسابور ، الملقب بإمام الحرمين ، لمجاورته بمكة أربع سنين ، وكان مولده فى تسع عشرة وأربعمائة ، سمع الحديث وتفقه على والده الشيخ أبى محمد الجوينى ، كما تفقه على يد القاضى حسين،وصنف فى كل فن ، ومن تصانيفه : الشامل فى أصول الدين ، والبرهان فى أصول الفقه ، وتلخيص التقريب ، وقال الحافظ أبو جعفر:سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازى يقول لإمام الحرمين: يا فقيه أهل المشرق والمغرب : أنت اليوم إمام الأئمة ، ويوم موته غلقت الأسواق وكسر تلاميذه أقلامهم - وكانوا أربعمائة - ومحابرهم ، ومكثوا كذلك سنة ، وقد رثى بمراثى كثيرة ، فمن ذلك قول بعضهم :
قلوب العالمين علـــى المقالـى \ وأيام الورى شبـــه الليالى
أيثمر غصن أهل العلم يوما \ وقد مات الإمام أبـو المعالى
انظر البداية والنهاية – للحافظ ابن كثير – تحقيق أحمد عبد الوهاب فتيح – دار الحديث بالقاهرة جـ 12 ص 138 0
(5) حاشيتا قليوبى وعميرة - دار الفكر - بيروت - لبنان - سنة 1412 هـ – 1995م – جـ 4 ص 296 0
- 8 -
وهناك تعريفات أخرى للقضاء فى الاصطلاح للمذهب الشافعى لم أذكرها لأنها فى جملتها ومرجعها لا تخرج عن كون القضاء هو فصل الخصومة بين المتخاصمين بحكم الله تعالى 0
رابعـا : تعريف القضاء عند الحنابلـة :
عرف فقهاء الحنابلة القضاء بتعريفات كثيرة منها :
1- عرفه بعضهم أنه : الإلزام بالحكم الشرعى وفصل الخصومـات (1) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع من دخول غيره فيه حيث يدخل فيه حكم المحكم وهو ليس من أفراد المعرف 0
خامسا : تعريف القضاء عند الظاهريـة :
يؤخذ من قول ابن حزم الظاهرى (2) ، المسألة الأولى من كتاب القضاء ( ولا يحل الحكم إلا بما أنزل الله تعالى على لسان رسوله - r "- (3) 0
أى أن تعريف القضاء عنده هو الحكم بين المتخاصمين بما أنزل الله 0
سادسا : تعريف القضاء فى المذهب الزيدى :
عرف فقهاء الزيدية القضاء أنه إلزام ذى الولاية بعد الترافع 0
___________________
(1) كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتى المتوفى سنة 1051 هـ ، الناشر مكتبة النصر الحديثة ، الرياض ، المكتبة الخاصة جـ 6 ص 285 ، منتهى الإرادات فى جمع المقنع مع التنقيح وزيادات ، للعلامة تقى الدين محمد بن أحمد الفتوحى الشهير بابن النجار المتوفى سنة 972 هـ طبعة سنة 1381 هـ سنة 1962 ، مطبعة دار الجيل للطباعة جـ 2 ص 517 0
(2) هو الإمام الحافــظ العلامــة ، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد بن سفيان بن يزيد ، مولى يزيـــد بن أبى سفيان صخر بن حرب الأموى ، اصل جده من فارس ، وولد بن حزم بقرطبة فى رمضان سنة 384 هـ ، كان أديبا ، طبيبا ، شاعرا فصيحا ، له فى الطب والمنطق كتب كثيرة ، وكان من بيت وزارة ورياسة ووجاهة ، ومال وثروة ، وكان قارئا للقرآن الكريم واشتغل بالعلوم النافعة الشرعية ، وبرز فيها وفــاق أهــل زمانه ، ويقال إنه صنف أربعمائة مجلد ، وتوفى وعمره 90 سنة تقريبا 0 انظر البداية والنهاية جـ 12 ص 99 وما بعدها 0
(3) المحلى لابن حزم الظاهرى تحقيق أ / أحمد محمد شاكر طبعة دار التراث جـ 9 ص 362 0
- 9 -
وكذلك عرف الإمام الصنعانى (1) القضاء بأنه إلزام ذى الولاية بعد الترافع (2) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع لأن الإلزام كما يكون من القاضى يكون من غيره كالوالى والمحتسب وكذلك ذكر الإمام الصنعانى تعريفا آخــر للقضــاء لغيره من العلماء فقال : " وقيل هو الإكراه بحكم الشرع فى الوقائع الخاصة لمعين أو جهة " ثم بين الإمام الصنعانى أن المراد بالجهة كما لو حكم القاضى لبيت المال ( الخزانة العامة للدولة ) أو عليه (3) 0
سابعـا : التعريف المختـار :
بالنظر فى التعريفات سالفة الذكر للقضاء نجد أنها تجتمع فى بعض القيود كالفصل فى الخصومات بين الناس وتفترق فى البعض الآخر نظرا لاختلاف أنظار الفقهاء 0
والقضاء فى حد ذاته هو قطع للنزاع بين الخصوم بحكم الشرع ولكن حكم الشرع كما يصدر من القاضى يصدر كذلك من المفتى لأنه بالفتوى يخبر عن حكم الشرع 0
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (4) رحمه الله - ( والقاضى اسم لكل من قضى بين اثنين ، وحكم بينهما سواء كان خليفة أو سلطانا أو نائبا أو وليا أو كان منصوبا ليقضى بالشرع أو نائبا له حتى الذى يحكم بين الصبيان فى الخطوط إذا تخايروا (5) 0
____________________
(1) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح الحسنى الكحلانى ثم الصنعانى أبو إبراهيم المعروف بالأمير ( سنة 1099 - 1182 هـ ) أصيب بمحن كثيرة من الجهلاء والعوام ، وكان من المجتهدين ، له نحو مائة مؤلف منها سبل السلام شرح بلوغ المرام لابن حجر فى الحديث ، وتوضيح الأفكار فى مصطلح الحديث ، انظر : الأعلام - خير الدين الزركلى جـ 6 ص 263 0
(2) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار تأليف الإمام أحمد بن يحيى المرتضى المتوفى سنة 840 هـ مطبعة دار الكتاب الإسلامى جـ 6 ص 109 ، سبل السلام تأليف السيد الإمام محمد إسماعيل الكحلانى ثم الصنعانى المعروف بالأمير - دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جـ 4 ص 115 0
(3) سبل السلام للصنعانى - المرجع السابق جـ 4 ص 115 0
(4) هو شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقى - ( 661 - 728 هـ ) كان إماما فقيها مجتهدا محدثا مفسرا ، ناصرا للسنة ومحاربا للبدعة ، أو ذى كثيرا ، ومات وهو فى السجن ، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب الإيمان ، والفتاوى المصرية . انظــر الذيــل علــى طبقـــات الحنابلة - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلى - مطبعة السنة المحمدية سنة 1372 هـ سنة 1952 م جـ 2 ص 387 0
(5) السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية لابن تيمية الطبعة الثانية سنة 1371 هـ دار الكتاب العربى ص 13
- 10 -
ومن هنا نرى أن ابن تيمية يوسع دائرة القضاء حتى جعله شاملا لما يحدث بين الصبيان فى شئونهم التى قد لا يهتم بها لحقارتها فى نظر البعض ولكنها ذات أهمية عندهم أى الصبيان لأن العدل ينمى قدراتهم ويهذب شخصياتهم 0
ويرجح ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن القضاء بمعناه الاصطلاحى هو ( فصل الخصومات وقطع المنازعات بالحكم الشرعى على وجه مخصوص " لأنه يخرج المفتى والإمام والأمير والمحكم وذلك لأن ذكر على ( وجه مخصوص ) مع ( فصل الخصومات ) يفهم منه معنى الإلزام فيخرج المفتى وكذلك يخرج الإمام لأن الإلزام منه يكون على وجه عام على خلاف حكم القاضى ، فضلا عن أن هذا التعريف يعد أكثر مناسبة للمعانى اللغوية للقضاء التى سبق ذكرها وهى الإنهاء والإلزام والفراغ (1) 0
الفرع الثانى
تعريف القضاء فى القانون الوضعى
إذا أردنا أن نعرف القضاء فى القانون الوضعى فهذا يعنى تعريف قانون المرافعات لأنه هو العلم الذى يدرس شئون القضاة والتقاضى من أصول وأوضاع ويهتم بدراسة النظام القضائى ولذلك سوف نقوم بتعريف قانون المرافعات وخصائصه على النحو التالـى :
أولا : تعريف قانون المرافعـات :
أ - عرفه بعض الفقه بأنه : مجموع الأصول ، والأوضاع ، والإجراءات التى يجب على المتقاضين مراعاتها للحصول على حقوقهم ، كما يجب على المحاكم اتباعها لإقامة العدل بين الناس (2) 0
ب - وعرفه بعض الفقه ، بأنه القانون الذى يعــنى بتنظيم السلطة القضائية ، وترتيبها ، وبيان اختصاص المحاكم المختلفة ، والإجراءات الواجب اتباعها أمامها (3) 0
__________________
(1) القضاء فى الكتاب والسنة لأستاذنا الدكتور / محمد أنيس عباده مطبعة السعادة سنة 1396 هـ ص 8 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية والنظام القضائى فى مصر ، تأليف الأستاذ الدكتور / عبد الحميد أبو هيف - مطبعة الاعتماد سنة 1340 هـ سنة 1921م بند 1 ص 26 0
(3) الوسيط فى شرح قانون المرافعات - دكتور رمزى سيف طبعة سنة 1968 بند 2 ص 8 0
- 11 -
وعرفه البعض بأنه مجموعة القواعد القانونية المنظمة للقضاء المدنى فى سكونه وحركته (1) 0
وعرفه البعض بأنه مجموعة القواعد القانونية التى تنظم القضاء المدنى ، وتبين وظيفتة ، ووسيلة أدائه لهذه الوظيفة (2) 0
وعرفه البعض ، بأنه مجموعة القواعد التى تنظم السلطة القضائية ، من حيث تعيين أنواع المحاكم وتشكيلها ، وتحدد اختصاصاتها ، وتبين الإجراءات الواجب إتباعها أمامها ، لكى تضمن للأفراد كيفية الالتجاء للقضاء لحماية حقوقهم (3) 0
وعرفه البعض بأنه : قواعد قانونية تنظم نشاط السلطة العامة ، فى خدمة قوانين علاقات الأفراد وتنظم إلتجاء الأفراد إلى تلك السلطة (4) 0
وعرفه البعض - وهو ما نرجحه - بأنه مجموعة القواعد التى تبين التنظيم القضائى فى الدولة وتحدد اختصاص المحاكم ، والتى تنظم الإجراءات والمواعيد الواجبة الإتباع والمحاكمة والفصل فى الخصومات وتنفيذ الأحكام (5) 0
ثانيـا : موضوع قانون المرافعـات :
تشتمل دراسة قانون المرافعات على ما يلى :
1- قوانين النظام القضائى : هى مجموعة القوانين التى تهتم ببيان المبادىء التى يقوم عليها النظام القضائى فى الدولة ومحاكمه ، وتشكيلاته ، وكذلك بتنظيم السلطة القضائية وبيان شروط تعيين القضاة وكل ما يتعلق بحقوقهم وواجباتهم والضمانات المقررة لهم 0
__________________
(1) قانون القضاء المدنى د. محمود محمد هاشم - الطبعة الثانية سنة 1991 م جـ 1 بند 5 ص 9 0
(2) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د. فتحى والى دار النهضة المصرية سنة 1980 - بند 3 ص 5 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية - د. أحمــد أبو الوفــا - الطبعة الثالثة سنة 1950 دار المعارف بالإسكندرية بند 3 ص 11 0
(4) أصول المرافعات د. أحمد مسلم - دار الفكر العربى بند 19 ص 20 0
(5) محاضرات فــى قانون المرافعــات المدنية والتجاريــة لأستاذنا الدكتور عبد الحكم شرف سنة 1416 هـ سنة 1994م ص 7 وما بعدها 0
- 12 -
2- مجموعة القواعد والقوانين التى تتعلق بالاختصاص :
وهى التى تعنى بتحديد اختصاص المحاكم المختلفة بنظر الدعاوى سواء كان اختصاص ولائى أو نوعى أو قيمى أو محلـى 0
3- قوانين وقواعد إجراءات التقاضى : وهى مجموعة القوانين المتعلقة بالإجراءات والأوضاع الواجب اتباعها فى رفع الدعاوى أمام القضاء وكيفية السير فى الدعاوى والتحقيق ، والفصل فيها وكيفية الطعن فيما يصدر فيها من أحكام 0
4- قواعد التنفيذ الجبرى : وهى القواعد المتعلقة بالإعمال الفعلى لقواعد القانون والتى تحدد السندات التنفيذية التى يجرى التنفيذ بمقتضاها ، والحق المراد التنفيذ اقتضا له ، والأموال الجائز التنفيذ عليهــا ، وما يجب اتباعه من إجراءات للحصول على هذه الحماية التنفيذيــة (1) 0
ثالثا : أهمية قانون المرافعـات :
يعتبر من متطلبات التعريف بقانون المرافعات بيان أهمية هذا العلم ، وتوضيح وبيان الدور الذى يقوم به قانون المرافعات ، فإنه يقوم بدورين أساسين دور اجتماعى ودور اقتصادى نوضحها فيما يلـى :
أ - الدور الاجتماعـى :
ويتمثل ذلك فى أنه يكفل حماية الحقوق لأصحابهـا ، ويوضح لهم الوسيلة القانونية للدفاع عنها ، وتوقيع الجزاء على من يعتدى عليها ، لأن الفرد عندما يعلم أنه إذا لم يحترم حقوق غيره ويقوم بأدائها على أحسن وجه سوف يتعرض للجزاءات التىحددها ووضحها قانون المرافعات ، فإن ذلك يعتبر كفيلا على احترام الفرد لحقوق غيره وبذلك يشيع السلام والأمن بين أفراد المجتمع ويتمتع كل فرد بحقوقه ومنع الغير من الاعتداء عليها (2) 0
_________________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د. أحمد أبو الوفا بند 3 ص 11 ، قانون القضاء المدنى - محمود هاشم جـ 1 بند 7 ص 12 وما بعدها ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د. أحمد السيد صاوى طبعة سنة 1981م دار النهضة العربية للنشر بند 2 ص 6 ، المرافعــات المدنيــة والتجاريـة - د. عبد الحميد أبو هيف بند 4 ص 28 0
(2) الوسيط د. رمزى سيف بند 3 ص 9 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم أحمد شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى الطبعة الأولى سنة 1998 بند 16 ص 13 0
- 13 -
ب - الدور الاقتصادى :
قانون المرافعات يعتبر القانون المنظم للقضاء والتقاضى وله دور بالغ على الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى مختلف مظاهرها ، فإذا كان التنظيم القضائى محكما ، وكانت قواعد وإجراءات التقاضى ميسورة ، وكان تنفيذ الأحكام القضائية مقدسا لدى الأفراد ولدى الحكام ، شاعت الطمأنينة فى النفوس وأمن الناس فى معاملتهم ، ونشطت الحياة الاقتصادية التى ترتكز على الائتمان ومن ثم يزدهر الاقتصاد فى الدولة (1)
رابعا : خصائص قانون المرافعات :
تتميز قواعد قانون المرافعات - فى مجملها - بأنها قواعد آمرة ، وشكلية ، وفورية التطبيق ، ونوضح ذلك فيما يلـى :
أولا : قواعد آمـرة (2) :
تعتبر قواعد قانون المرافعات فى جملتها قواعد آمرة ، لأنها وضعت لتنظيم مرفق هام من مرافق الدولة وهو مرفق القضاء ، إذ لا يعقل أن يترك للخصوم حق اختيار الجهة القضائية التى يعرضون عليها نزاعهم ، أو تترك لهم حرية رفع دعاواهم بالطريقة التى يريدونها وإنما يكون ذلك عن طريق قواعد آمرة حددهــا المشرع لا يجوز لهم الاتفاق على ما يخالفها لتعلقها بالنظام القضـائى (3) 0
فغالبية قواعد قانون المرافعات آمرة ومع ذلك يوجد فى قانون المرافعات قواعد مكملة كالقواعد التى تتعلق بالمصلحة الخاصة وغير متعلقة بالنظام العام (4) 0
__________________
(1) محاضرات فى قانون المرافعات أ.د/ أحمد محمد مليجى طبعة سنة 1991 ، 1992 ، ص 7 0
(2) تنقسم القاعدة القانونية بحسب قوتها الإلزامية إلى قواعد آمرة وقواعد مكملة ، والقاعدة الآمرة هى : التى لا يجوز للأشخاص الاتفاق على ما يخالفها لتعلقها بالنظام العام ، والقاعدة المكملة هى التى يجوز للأشخاص الاتفاق على ما يخالفها لعدم تعلقها بالنظام العام ، يراجع فى ذلك دروس فى مبادىء القانون تأليف د./ عبد الودود يحيى طبعة سنة 1977 ص 42 ، دروس فى المدخل للعلوم القانونية أ.د/ لاشين محمد الغاياتى طبعة سنة 1402هـ سنة 1982 ص 63 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى ص 15 ، النظام القضائى والاختصاص د/ أمينة النمر طبعة سنة 1984 ص 14 0
(4) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح الطبعة الثانية سنة 1990 / 1991م ص 16 0
- 14 -
والضابط فى معرفة ما إذا كانت قاعدة من قواعد قانون المرافعات متعلقة بالنظام العام وبالتالى تكون قاعدة آمرة وما إذا كانت القاعــدة من القواعد المكملة والتى يجوز الاتفاق على ما يخالفها إنما يكون بالوقوف على الغاية التى توخاها المشرع بتنظيمه لهذه القاعدة ، فإذ كانت الغاية من القاعدة هى المصلحة العامة تعلقت القاعدة بالنظام العام وبالتالى تكون قاعدة آمرة ، أما إذا كانت غاية المشرع من القاعدة هى حماية مصلحة خاصة فإن القاعدة لا تعتبر من النظام العام وبالتالى تكون قاعدة مكملة ويجوز للخصوم الاتفاق على ما يخالفها (1) 0
ثانيـا : قواعـد شكليـة :
كذلك يعتبر مــن أهــم خصائص قواعـــد قانون المرافعات أنها قواعد شكليـة ، فإلى جانب ما يتضمنه قانون المرافعات من قواعد موضوعية كالقواعد التى تحدد شروط انعقاد الخصومة وأثار المطالبة القضائية ، فإن قواعده تتميز فى مجموعها بأنها قواعد شكلية تلزم الأفراد بمراعاة مواعيد وإجراءات معينة وترتب الجزاءات مخالفة ذلك (2) 0
والهدف من الشكلية فى قانون المرافعات هو تحقيق المصلحة العامة ، وذلك بوضع القواعد التى تضمن حسن سير القضاء ، فلا يترك الأمر لكيد الخصوم ، لأنها تمكن المدعى عليه من تحضير دفاعه ، وتعطى المدعى فرصة للوقوف على هذا الدفاع والرد عليه وتمكن القاضى من دراسة القضية ، وتضع حدودا للقاضى فى مباشرة وظيفة لابتعداها وبالتالى تحول دون تحكم القاضى ومحاباته للخصوم وسوء نيته ، وإذا كانــت الشكلية ضرورية فى قانون المرافعات إلا أنه ينبغى عدم المغالاة فيها وذلك حتى لا تتعقد الإجراءات ويصعب الطريق وتزداد النفقات ، وتضيع الحقــوق لمجــرد مخالفــات شكليــة لا ضــرر منهــا (3) وهــذا ما اتجه إليــه المشرع المصرى عند
______________________
(1) قانون المرافعات الليبى - تأليف د. مصطفى كامل كيره - طبعة سنة 1970م ، ص 14 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 9 ص 15 0
(2) المرافعات المدنيــة والتجاريـــة د / أحمد أبو الوفــا بند 4 ص 12 ، الوسيط - أحمد السيد صاوى بند 9 ص 13 0
(3) النظام القضائى والاختصاص د/ أمينة النمر بند 4 ص12،الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 9 ص 14 ، دراسات فى قانون المرافعات ، تأليف أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف وأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى - الطبعة الأولى سنة 1998 بند 27 ص 22 0
- 15 -
وضعه قانون المرافعات الجديد إذ خفف من حالات البطلان المترتبة على تخلف الشكلية حيث نص على أنه ( ... لا يحكم بالبطلان رغم النص عليه ، إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء ) (1) 0
ثالثا : قواعد قانون المرافعات فورية التطبيق :
تعتبر قواعد قانون المرافعات فورية التطبيق بمعنى أنه عند تعديل هذه القواعد أو تغيرها ، فإن القانون أو القواعد الجديدة تسرى من وقت العمل بها على الدعاوى والإجراءات القائمة أمام القضاء دون القواعد القديمـة 0
والهدف من ذلك أن قواعد المرافعات ، وضعت لتنظيم مرفق القضاء ، وبيان طريقة اللجوء إليه ، والإجراءات المتبعة فى ذلك ، فإذا رأى المشرع أن يغير هذه القواعد ، أو يعدل فيها ، فذلك لأنه قدر أن القواعد الجديدة أكثر ملاءمة وتحقيقا للعدالة من القواعد القديمة الأمر الذى يتطلب تطبيقها فورا على الدعاوى القائمة (2) 0
وإذا كان الأصل فى قواعد قانون المرافعات أنها فورية التطبيق إلا أن المشرع أورد استثناءات على هذا الأصل نوضحها فيما يلـى :
الأول : القوانين المعدلة للاختصاص :
استثنى المشرع من فورية التطبيق " القوانين المعدلة للاختصاص متى كان العمل بها بعد إقفال باب المرافعة فى الدعوى " (3) 0
وترتيبا على ما تقدم ، فإذا رفعت دعوى أمام محكمة مختصة بنظرها طبقا للقانون القديم ، ثم صدر قانون جديد يعدل هذا الاختصاص ويجعلها من اختصاص محكمة أخرى ، فإنه يتعين على المحكمة المرفوع أمامها الدعوى بداية أن تمتنع عن نظرها وأن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة بنظرها طبقا للقانون الجديد ، وتكون الإحالة بدون رسوم حيث نص المشرع فى هذا الصدد على أنه ( على المحاكــم أن تحيل بدون رسوم ومــن تلقــاء نفسها ما يوجد لديها من دعاوى أصبحت
__________________
(1) المادة (20/2) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 0
(2) بحوث فى قواعد المرافعات - تأليف د. عبد العزيز خليل بديوى - دار الفكر العربى سنة 1978 ص 4 وما بعدها ، الوسيط د. فتحى والى بند 9 ص 17 ، محاضرات فى قانون المرافعات أستاذنا الدكتور / حامد محمد أبو طالب - الكتاب الأول - النظام القضائى طبعة سنة 1993 ، 1994 م ص 15 0
(3) المادة (1/1) مرافعات 0
- 16 -
من اختصاص محاكــم أخـــرى بمقتضــى أحكـــام هـــذا القانون ، وذلك بالحالة التى تكون عليهـــا ... ) (1) 0
غير أنه يشترط لإعمال هذا الاستثناء ألا تكون الدعوى قد حكم فيها أو محجوزة للنطق بالحكم أى أقفل فيها باب المرافعة قبل نفاذ القانون الجديد حيث نص المشرع تأكيدا لما سبق على أنه ( تسرى قوانين المرافعات على ما لم يكن فصل فيه من الدعاوى أو ما لم يكن تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها ويستثنى من ذلك :
1- القوانين المعدلة للاختصاص متى كان تاريخ العمل بهــا بعد إقفال باب المرافعة
فى الدعــوى ........ ) (2) 0
ومقتضى ذلك أن يستمر نظر القضية أمام المحكمة التى فحصتها وحجزتها للحكم حتى صدور الحكم فيها بدلا من إحالتها لمحكمة جديدة كى تفحصها من البداية (3) 0
الثانى : القوانين المعدلة لمواعيد المرافعات :
استثنى المشرع من فورية تطبيق قواعد قانون المرافعات " القوانين المعدلة للمواعيد متى كان الميعاد قد بدأ قبل تاريخ العمل بها ) (4) 0
وعلى هذا ، إذا حدث تعديل فى القواعد المنظمة للمواعيد فإن هذا التعديل لا يسرى بالنسبة للميعاد الذى بدأ قبل تاريخ العمل بالقواعد الجديدة ، وإنما يسرى بالنسبة لهذا الميعاد القواعد السابقة التى بدأ الميعاد فى ظلها 0
وتطبيقا لذلك إذا صدر حكم وأعلن للمحكوم عليه قبل العمل بقانون المرافعات الجديد وكان ميعاد الاستئناف طبقا للقانون القديم ستون يوما وفى ظل القانون الجديد أربعون يوما فإن الذى يسرى فى هذه الحالة هو ميعاد الاستئناف فى القانون القديم الذى صدر الحكم فى ظله ، ولو رفع الاستئناف بعد العمل بالقانون 0
__________________
(1) المادة (2) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 0
(2) المادة (1/1) مرافعات 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 21 0
(4) المادة (1/2) مرافعات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والهدف من هذا الاستثناء هو احترام الحقوق المكتسبة إذ أن فى سريان القانون الجديد على الميعاد الذى بدأ فى ظل القانون القديم مساس بما ترتب للخصم من حق (1) 0
ويترتب على هذا الاستثناء نتيجتان همـا :
1- إذا قامت المحكمة بإعادة فتح باب المرافعة فى الدعوى من جديد من تلقاء نفسها أو بناء على تقديم مستندات جوهرية فى الدعوى من أحد الخصوم ، فإنه يتعين فى هذه الحالة على المحكمة إحالة الدعوى إلى المحكمة التى أصبحت مختصة بنظرها طبقا للقانون الجديد لأنه بفتح باب المرافعة فى الدعوى تكون الدعوى ما زالــت متداولــة أمام المحكمة وبالتالى تنتفى الحكمة مــن الاستثناء 0
2- إذا كانت المحكمة ، قد حجزت الدعوى للحكم فى مسألة فرعية ، تتعلق مثلا بالتحقيق أو بالإثبات ، فإنه فى هذه الحالة يتعين عليها أن تحيل الدعوى إلى المحكمة التى أصبحت تلك الدعوى من اختصاصها طبقا للقانون الجديد ، لأن الغرض أن تكون الدعوى مؤجلة للنطق بالحكم فى الموضوع (2) 0
والمراد ببداية الميعاد هو الإجراء الذى منه يبدأ حساب الميعاد كما حدده القانون الذى بدأ فى ظله أيا كان هذا الإجراء إعلانا أو إيداعا أو غير ذلك (3) 0
ويشترط لاعمال هذا الاستثناء شرطين :
1- أن يكون الميعاد موجودا فى القانون القديم ، وكل ما أجراه القانون الجديد لا يعدو عن كونهن تعديلا فيه أما إذا لم يكن للميعاد نظير فى القانون القديم وكان ميعادا مستحدثا بالقانون الجديد فلا يعمل بهذا الاستثناء 0
___________________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم - مطبعة دار ، الفكر العربى سنة 1981 ص 31 ، قانون القضاء المدنى ، د./ عزمى عبد الفتاح ص 26 ، الوسيط ، د./ أحمد السيد صاوى بند 13 ص 22 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 10 هامش 3 ص 16 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 7 ص 16 ، دراسات فى قانون المرافعات - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى بند 32 ص 26 وما بعدها ، الوجيز فى المرافعات - دكتور / محمد محمود إبراهيم مطبعة دار الفكر العربى سنة 1981 ص 30 0
(3) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 11 ص 18 ، ويراجع كذلك المذكرة التفسيرية لقانون المرافعات 0
- 18 -
2- أن يكون الميعاد قد بدأ فى ظل القانون القديم فإذا لم يكن الميعاد قد بدأ فى ظل القانون القديم فلا يعمل بهذا الاستثناء (1) 0
الاستثناء الثالث : القوانين المعدلة لطرق الطعن فى الأحكام 0
كذلك استثنى المشرع من قاعدة فورية تطبيق قواعد قانون المرافعات على ما لم يكن فصل فيه من الدعاوى ( القوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل تاريخ العمل بها متى كانت هذه القوانين ملغية أو منشأة لطريق من تلك الطرق ) (2) 0
وبناء على ما تقدم فالأحكام الصادرة قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد ، لا يسرى عليها القانون الجديد فيما يتعلق بالطعن متى كان هذا القانون قد ألغى أو أنشأ طريقا من طرق الطعن ، وإنما يسرى عليها القانون القديم الذى صدرت هذه الأحكام فى ظلـه 0
والحكمة من ذلك هى احترام الحقوق المكتسبة للأشخاص ، وذلك لأن إلغاء طريق للطعن فى حكم كان قابلا للطعن وفقا للقانون الذى صدر فى ظله ، يمس المحكوم عليه فى حرية الحصول على الحماية القضائية ، كما أن إنشاء طريق للطعن فى حكم كان غير قابل للطعن وفقا للقانون الذى صدر فى ظله يمس أيضا حق المحكوم له فى استقرار مركزه القانونى (3) 0
ويقصد بالحكم فى هذا المقام الحكم الذى يفصل فى موضوع النزاع وليس الحكم الصادر قبل الفصل فى الموضوع والذى لا يجوز الطعن فيه على استقلال (4) 0
________________
(1) الوسيط د/ رمزى سيف بند 8 ص 17 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 32 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 33 ص 28 0
(2) المادة (1/3) مرافعات 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 13 ص 25 ، المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 12 ص 19 0
(4) قانون القضــاء المدنـى د/ عزمــى عبـد الفتــاح ص 24 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 36 0
- 19 -
المطلب الثانى
تمييز القضاء عما يشابهه من الولايات
تمهيـــــــد :
ولاية القضاء من الولايات العامة التى جاء بها الإسلام ووضع لها من الضوابط والقواعد ما يحقق بها الأمن والأمان للفرد والمجتمع وقد تتشابه ولاية القضاء بغيرها من الولايات الأخرى مثل ولاية رد المظالم والحسبة والإفتاء والتحكيم الأمر الذى يتطلب منا أن نقوم بتوضيح ذلك من خلال الفروع الآتية :
الفرع الأول
التمييز بيـن ولاية القضاء وولاية رد المظالم
أولا : التعريف بولاية رد المظالـم :
عرف الإمام الماوردى (1) ولاية رد المظالم " قضاء المظالم " أنه قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة ، فكان من شروط الناظر فيها أنه جليل القدر ، نافذ الأمر ، عظيم الهيبة ، ظاهر العفة ، قليل الطمع ، كثير الورع لأنه يحتاج فى نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين ، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر فى الجهتين (2) 0
ونظرا لأهمية هذا النوع من القضاء " قضاء المظالم " فقد كان يفصل فى قضاياه إما الخليفة بنفسه أو أحد وزرائه أو ولاته وقد كان يختص بنظر القضايا الآتية :
1- النظر فى تعدى الولاة على الرعية 0
____________________
(1) هو أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصرى الماوردى ، إمام من أئمة الشافعية ، له مصنفات كثيرة فى التفسير والفقه وأصوله والآداب منها ، الحاوى الكبير ، والإقناع ، وأدب الدين والدنيا ، والتفسير ، ودلائل النبوة ، والأحكام السلطانية وغير ذلك ، توفى سنة 450 هـ وكان عنده من العمر ستا وثمانون سنة ، انظر تفصيل حياته فى طبقات الشافعيــة الكـبرى - تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن على بن عبد الكافى السبكى - المطبعة الحسينية - الطبعة الأولى سنة 1324 هـ جـ 3 ص 303 وما بعدها 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى - الطبعة الثالثة سنة 1393 هـ مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبى ص 77 0
- 20 -
2- جور العمال فيما يجبونه من الأموال فيرجع فيه إلى القوانين العادلة فى دواوين الأئمة وينظر فى الزيادة التى لا حق فى جبايتها ويأمر بردها 0
3- كتاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على بيوت الأموال فيما يستوفونه له ويوفونه منه فيتصفح أحوالهم فيما وكل إليهم فإن عدلوا بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان إلى قوانينه وقابل على تجاوزه 0
4- تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم وإجحاف النظر بهم 0
5- رد المغصوب إلى صاحبه وعلى وجه الخصوص رد الشىء المغصوب الذى تغلب عليه ولاة الجور كالأملاك التى أخذت رغما عن أصحابها 0
6- النظر فى حالة الأوقاف سواء كانت عامة أو خاصة 0
7- تنفيذ الأحكام القضائية التى لم تنفذ لعجز القضاة عن تنفيذها بسبب قوة المحكوم عليه وشوكته 0
8- النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحسبة فى المصالح العامة كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه والتعدى فى طريق عجز عن منعه 0
9- مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد 0
10- النظر بين المتشاجرين والحكم بين المنتازعين (1) 0
ثانيا : أوجه الاختلاف بين ولاية القضاء وولاية رد المظالم :
من النظر إلى حقيقة كل من ولاية القضاء وولاية رد المظالم نجد أن بينهما اختلافا فى بعض الأمور نوضحها فيما يلـى :
1- أن لناظر المظالم من فضل الهيبـة وقوة اليد ما ليس للقضاة فى كف الخصوم عند التجاحد ومنع الظلمة من التغالـب 0
2- ناظر المظالم أوسع مقالا وأفسح مجالا 0
____________________
(1) المرجع السابق ص 80 وما بعدها ، الأحكام السلطانية لأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلى المتوفى سنة 458 هـ – مطبعة مصطفى الحلبى – الطبعة الأولى سنة 1356هـ سنة 1938م ص76 وما بعدها 0
- 21 -
3- سلطات ناظر المظالم أوسع فى التحقيق والاستدلال وطــرق الإثبــــات المعتمدة على القرائن
والإمارات وشواهد الأحوال 0
4- أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب 0
5- لناظر المظالم الحق فى التأنى والتأجيل عند الاشتباه ما ليس للحكام إذا طلب منهم أحد الخصمين فصل الحكم 0
6- له رد الخصوم لفصل التنازع صلحا عــن تراض وليس للقاضى الرد إلا إذا رضى الخصمان 0
7- لناظر المظالم أن يفسح فى ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد ويأذن فى إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف 0
8- لناظر المظالم أن يسمع من شهادات المستورين ما يخـــرج عن عرف القضاة فى شهادة المعدلــين 0
9- لناظر المظالم إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بدلوا أيمانهم طوعا ويستكثر من عددهم ليزول الشك عنه وليس ذلك للحاكم العادى 0
10- له أن يبدأ باستدعاء الشهود أما القاضى فلا يسمع الشهود إلا بعد البينة (1) 0
الفرع الثانى
التمييز بيـن ولاية القضاء وولاية الحسبة
أولا : تعريف الحسبة فى اللغـة :
الحسبة فى اللغة اسم لما يحتسبه الإنسان بأن يفعله ناويا به وجه الله 0
والحسبة فى اللغة لها معان كثيرة منها :
1- الإنكار يقال احتسب على فلان إذا أنكر عليـه 0
________________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى ص 113 ، الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص 77 ، المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - دراسة مقارنة - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف بحث منشور فى مجلة القانون والأمن - كلية شرطة دبى - السنة السابعة - العدد الأول - شوال سنة 1419 هـ – يناير سنة 1999 ص 253 0
- 22 -
2- الكفاية يقال حسبك أى كفاك (1) 0
والحسبان بالضم هو العذاب منه قوله تعالى ( ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقــا ) (2) 0
ثانيـا : تعريف الحسبة فى الاصطلاح :
عرف الفقهاء الحسبة فى الاصطلاح بتعريفات كثيرة مختلفة فى الألفاظ ولكنها متقاربة فى المعنى ومن هذه التعريفات 0
1- ما ذكره الإمام الماوردى بقوله هى : الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهى عن المنكر إذا ظهر فعله (3) 0
قال تعالى ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكـر ) (4) 0
2- وعرفها بعض الفقهاء بأنها وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (5) 0
ثالثا : العلاقة بين القضاء والحسبـة :
من ينظر فى حقيقة العلاقة بين القضاء والحسبة يجد أن بينهما اتفاقا من ناحية واختلافا من ناحية أخرى ونوضح ذلك فيما يلـى :
أولا : أوجه الاتفاق بين القضاء والحسبة (6) :
1- أن القاضى له الولاية العامة فى جميع الدعاوى أما المحتسب فله هذه الولاية كذلك ولكنها
________________
(1) القاموس المحيط - لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادى طبعة المطبعة الحسينية بمصر سنة 1332 هـ سنة 1913م جـ 1 ص 54 وما بعدها ، مختار الصحاح للرازى . مرجع سابق ص 85 0
(2) سورة الكهف الآية رقم (40) 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 240 ، والأحكام السلطانية لأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلى المتوفى سنة 458 هـ مطبعــة مصطفى الحلبى الطبعة الأولى سنة 1356 هـ سنة 1938م ص 284 0
(4) سورة آل عمران الآية رقم (104) 0
(5) مقدمة ابن خلدون - لعبد الرحمن بن خلدون - الطبعة الأولى - لجنة البيان العربى بالقاهرة سنة 1377هـ سنة 1958م ص 576 0
(6) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 241 ، الشرطة فى مصر الإسلامية د/ أحمد عبد السلام ناصف - دار الزهراء للإعلام العربى - الطبعة الأولى سنة 1407هـ سنة 1987م ص230 وما بعدها 0
- 23 -
تقتصر على ثلاثة أنواع من الدعاوى هى :
أ - ما يتعلق ببخس أو تطفيف فى كيل أو وزن 0
ب - ما يتعلق بغش أو تدليس فى مبيع أو ثمـــن 0
جـ - ما يتعلق بمطل أو تأخير لدين مستحق مع القدرة على السداد ، وإنما اختص المحتسب بنظر هذه الدعاوى لتعلقها بالمنكرات الظاهرة التى لا تحتاج إلى بحث أو تمحيص فوظيفته منع المنكر وإزالته والأمر بالمعروف وإقراره دون أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات 0
2- أن للمحتسب إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذى عليه ولكن ليس هذا عاما فى جميع الدعاوى وإنما هو قاصر على الحقوق التى وجبت باعتراف وإقرار المدعى عليه مع تمكنه من السداد فيلتزم المقر الموسر بالخروج من الحق وســداده لأن فــى تأخيرها منكرا هو منصوب لإزالتــه 0
3- وعرفها بعض الباحثين المعاصرين أنها سلطة تخول صاحبها حق مباشرة الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهى عن المنكر إذا ظهر فعله بتفويض من الشارع أو بتولية من الإمام وتوقيع العقاب على المخالفين بمقتضى أحكام الشريعة فى حدود اختصاصه (1) 0
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يصح من المتطوع ومن المحتسب الذى أسندت غليه مهمة الحسبة إلا أن هناك فروقا بين المتطوع والمحتسب وهى :
1- أن القيام بالحسبة فرض عين على المحتسب الذى أسندت إليه ولاية الحسبة ، أما فى حق المتطوع فهى فرض كفاية فى حقه 0
2- أن الحسبة أمانة فى عنق المحتسب لا يجوز له أن يتقاعس عن أدائها ، أما فى حق غيره فهى من النوافل التى يجوز له أن يشتغل عنها بغيرها من النوافل 0
3- أن المحتسب منصوب ليرفع إليه ما يجب إنكاره وليس المتطوع منصوبا للاستعداء وإزالة المنكــرات 0
4- على المحتسب أن يجيب من شكا إليه منكرا ولا يجب على المتطوع إجابته 0
________________
(1) الحسبة فــى الإســلام د/ عبــد الله محمــد عبد الله - رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة الأزهر سنة 1974 ص 43 0
- 24 -
5- على المحتسب أن ببحث بنفسه عن المنكرات الظاهرة ليزيلها وما ترك من معروف ليأمر بإقامته ، أما المتطوع فليس عليه بحث أو فحص عن ذلك 0
6- للمحتسب أن يتخذ أعوانا يساعدونه فى عمله لأنها ولاية أسندت إليه فينبغى أن يستعين بما يحقق له القهر والغلبة والقدرة على أداء وظيفته أما المتطوع فليس له أعوان بل إن قدر على ذلك بنفسه أداه وإن لم يستطع رفع الأمر للمحتسب 0
7- أن للمحتسب أن يرتزق من بيت المال إذا لم يكن مكتفيا برزقه أما المتطوع فليس له أن يرتزق من بيت المال (1) 0
ثانيـا : أوجه الاختلاف بين القضاء والحسبة (2) 0
1- اقتصار دعاوى الحسبة على ظواهر المنكرات أى لا تشمل ولاية الحسبة سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى فى العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات ، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعاوى لها ، ولا أن يتعرض للحكم فيها لا فى كثير الحقوق ولا فى قليلها إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على ما تشمله وظيفة المحتسب عند الإطلاق فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعا بين القضاء والحسبة فيراعى أن يكون من أهل الاجتهاد ، وإن اقتصر به على مطلق الحسبة فالقضاة والحكام يكونوا أحق بالنظر منه فى الحقوق قليلها وكثيرها 0
2- أن الحسبة مقصورة على الحقوق المعترف بها أما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيها لأن الحكم فيها يتوقف على سماع البينة وإحلاف اليمين وليس للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات حق ولا أن يحلف يمينا على نفى حق وإنما ذلك خاص بالقاضى 0
الفرع الثالث
تمييز ولاية القضاء عن الافتـاء
أولا : تعريف الفتيا أو الفتوى لغـة :
الفتيا أو الفتوى لغة ما أفتى به الفقيه فى المسألة إذا بين حكمها ، ويقال استفتيت فلانا فأفتانى بكذا ، واستفتاه فى مسألة فأفتاه ، والاسم الفتيا والفتوى ، وتفاتوا إليه أى ارتفعوا إليه فى التفيا،
___________________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 240 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 242 0
- 25 -
فالفتوى هى بيان الحكم (1) منه قولــه تعالى ( ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن " (2) وقوله تعالى ( يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالـة ) (3) 0
ثانيـا : تعريف الفتيا أو الفتوى اصطلاحـا :
عرف الفقهاء فى الفقه الإسلامى الفتوى بتعريفات كثيرة منها :
1- أنها الإخبار عن الحكم الشرعى من غير إلزام (4) 0
2- وعرفها البعض أنها تبليغ للناس عن حكم الله (5) 0
3- وعرفها البعض أنها عبارة عن الجواب الصادر ممن هو أهل لذلك الذى يميط اللثام عن المسألة المسئول عنها (6) 0
4- وعرفها البعض أنها : الإخبار عن حكم الله بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول (7) 0
والفتوى أمر مشروع لقوله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (8) وقوله تعالى ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) (9) وقولــه ( ويسألونك عـــن اليتامـى قـل
________________
(1) المصباح المنير - لأحمد بن محمد بن على الفيومى - لمتوفى سنة 770 هـ - طبعة المطبعة الأميرية بمصر سنة 1324هـ سنة 1906م جـ 2 ص 632 مادة فتى ، مختار الصحاح للإمام محمد بن أبى بكر الرازى . مرجع سابق ص 268 باب الفاء ، القاموس المحيط - للفيروز أبادى . مرجع سابق جـ 4 ص 373 0
(2) سورة النساء الآية رقم (127) 0
(3) سورة النساء الآية رقم (176) 0
(4) كشاف القناع للشيخ منصور البهوتى مرجع سابق جـ 6 ص 294 0
(5) القضاء فى الإسلام - دكتور محمد سلام مدكور - طبعة مطبعة العالمية بمصر - نشر دار النهضة العربية ص 135 0
(6) السلطة القضائية فى الإسلام - دراسة مقارنة للدكتور / شوكت عليان - رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة الأزهر سنة 1972م ص 402 0
(7) القضاء فى الإسلام - تاريخه ونظامه - تأليف إبراهيم نجيب محمد عوض - مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية - الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية سنة 1395 هـ سنة 1975م ص 11 0
(8) سورة الأنبياء الآية رقم (7) 0
(9) سورة البقرة جزء من الآية رقم (219)0
- 26 -
إصلاح لهم خير)(1)وقوله تعالى ( ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن ) (2) 0
ففى الآية الأولى نجد أن الله عز وجل أمر بسؤال أهل العلم عند عدم معرفة الحكم الشرعى فى المسألة فدل ذلك على مشروعية الفتوى ، ونجد فى الآيات الأخرى أن الله سبحانه وتعالى قد أسند الإفتاء إلى نفسه فهذا وإن دل على شىء فإنما يدل على مشروعية الفتوى 0
ومما يؤكد مشروعية الفتوى أن الرسول- r - كان يقوم بالإفتاء فكان يفتى صلوات الله وسلامه عليه عن الله بوحيه المبين وكانت فتاواه جوامع الأحكام مشتملة على فصل الخطاب ولكن يلاحظ أنه إذا كانت الفتوى فى الأصل غير ملزمة للمستفتى فله أن يأخذ بها أولا ، إلا أن فتوى الرسول- r -كانت واجبة الاتباع ولا يجوز لأحد مخالفتها (3) 0
ثالثا : وجه الفرق بين القضاء والفتوى (4) :
بادىء ذى بدء يتفق القضاء مع الفتوى فى أن كلا منهما إخبار عن حكم الشرع وإظهار له ولكنهما يختلفان فى بعض الوجوه هـى :
1- أن القضاء إخبار عن حكم الشرع وإظهار له ولكن على سبيل الإلزام فهو واجب النفاذ فى الأمور الاجتهادية ولو فى موضع الخلاف لأن القاضى ينشأ حكما يرفع الخصومة أما الفتوى فهى إخبار عن حكم الشرع وإظهار له ولكن ليس على سبيل الإلزام فيجوز للمستفتى أن يعمل بتلك الفتوى أو يتركها 0
___________
(1) سورة البقرة جزء من الآية رقم (220) 0
(2) سورة النساء الآية رقم (127) 0
(3) القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور . مرجع سابق ص 136 ، السلطة القضائية فى الإسلام د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 403 ، القضاء فى الإسلام تاريخه ونظامه د/ إبراهيم نجيب عوض . مرجع سابق ص 12 0
(4) النظام القضائى فى العهد النبوى وعهد الخلافة الراشدة للأستاذ / مناع خليل القطان - مكتبة وهبه - الطبعة الأولى سنة 1993 ص 13 ، القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور . مرجع سابق ص 136 ، السلطة القضائية فى الإسلام د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 410 ، تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائى دراسة مقارنة د/ أحمد محمد مليجى - رسالة دكتوراه كلية الحقوق جامعة عين شمس سنة 1399 هـ سنة 1979م ص 320 0
- 27 -
إذن يختلف القضاء عن الفتوى فى أن القضاء ملزم للخصوم أما الفتوى فهى غير ملزمة للمستفتى 0
2- أن حكم القاضى جزئى خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم له وعليه ، بينما الفتوى من المفتى تكون عامة تتعلق بالمستفتى وغيره ، فقضاء القاضى يكون معينا على شخص معين إذ قضاؤه خاص وملزم ، أما الفتوى فهى عامة وغير ملزمة ، وعلى هذا فنطاق الافتاء أكثر اتساعا وعمومية من نطاق القضاء إلا أنه غير ملزم 0
3- أن القاضى يتبع الحجج من أدلة الإثبات عند النظر فى النزاع المعروض عليه من البينة والإقرار والشهود واليمين ، والنكول والقرينة القاطعة ونحو ذلك أما المفتى فعند إصدار الفتوى يتبع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع وطرق استنباط الحكم الشرعى من أدلته التفصيليــة 0
وإذا كان القضاء يعتمد على الحجج ، والفتوى تعتمد على الأدلة الشرعية ، فإن تصرف الإمامة يزيد على القضاء والفتوى فى أنه يعتمد على المصلحة الراجحة أو الخالصة فى حق الأمة وهو ما يعبر عنه بالسياسة الشرعية أى تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية وإن لم يقم على كل تدبير منها دليل خاص ما دامت متفقة مع روح الشريعة ومقاصدها 0
ومن هنا يتضح لنا الفرق بين القاضى والمفتى من ناحية ، وبين الإمام الأعظم من ناحية أخرى وهو أن نسبة الإمام بالنسبة إليهما كنسبة الكل للجزء فإن للإمام أن يقضى وأن يفتى وأن يفعل ما ليس بفتوى ولا قضاء كجمع الجيوش وإنشاء الحروب وتولية الولاة وقتل البغاة وسائر الأمور التى يختص بها الإمام ولا يشاركه فيها القاضى ولا المفتى وعلى هذا يمكن القول إن كل إمام يمكن أن يكون قاضيا ومفتيا وليس كل قاض ومفت يمكن أن يصدق عليه وصف الإمام الأعظــم (1) 0
___________
(1) الإحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضى والإمام للإمام القرافى شهاب الدين أبى العباس أحمد بن إدريس المصــرى المالكى ، بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غده ، الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب ص 20 ، نظريــة الدعـوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية د/ محمد نعيم ياسين - رسالة دكتوراه مقدمــه لجامعة الأزهر سنة 1971 ص 11 ، القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم نجيب عوض - مرجع سابق ص 20 0
- 28 -
الفرع الرابع
التمييز بيـن ولاية القضاء وولاية التحكيم فى الفقه الإسلامى
أولا : تعريف التحكيم لغــة (1) :
التحكيم لغـة التفويض يقال حاكمه إلى الحاكم أى دعاه وحكمت الرجل أى فوضت إليه ، وحكمه فى الأمر أى أمره أن يحكم فاحتكم ، و ( الحكم ) بفتحين الحاكم ، وحكمه فى ماله تحكيما إذا جعل إليه الحكم فيه فاحتكم عليه فى ذلك ، والاسم الأحكومة والحكومة ، ومن اختاره الطرفان للتحاكم إليـه يسمى حكمـا 0
ثانيـا : تعريف التحكيم فى اصطلاح الفقهـاء :
عرف الفقهاء التحكيم بتعريفات كثيرة منها :
1- أنه تولية الخصمين حاكما يحكم بنيهما (2) 0
2- وعرفه البعض أنه : اختيار الخصمين شخصــا غــير قاض للحكــم بينهما فيمـــا تنازعا فيـــــه (3) 0
3- وقيل إنه يقصــد بـــه أن يحكم اثنان أو أكثر آخر بينهم ليقضــى النزاع ويطبق حكم الشــرع (4) 0
والتحكيم مشروع وقد ثبتت هذه المشروعية بالكتاب والسنة والإجماع 0
أولا : فمن الكتاب قوله تعالى ( وإن خفتم شقاق بينهــما فابعثوا حكمــا مـن أهلـــه
_____________
(1) المصباح المنير للفيومى . مرجع سابق جـ 1 ص 200 ، مختار الصحـاح للـرازى . مرجع سابق ص 91 باب حرف الحــاء ، القاموس المحيط . مرجــع سابـــق جـ 4 ص 18 ، لسان العرب لابن منظور جـ 2 ص 951 مادة حكم . مرجع سابق 0
(2) رد المحتار علــى الــدر المختـــار ( حاشيــة ابن عابدين ) مرجع سابق جـ 4 ص 347 ، تبصرة الحكام لابن فرحون . مرجع سابق جـ 1 ص 55 0
(3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم مرجع سابق جـ 7 ص 27 ، السلطة القضائية فى الإسلام دراسة مقارنة د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 388 0
(4) القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور ص 131 مرجع سابق 0
- 29 -
وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا)(1).
وجـه الدلالة من الآية الكريمة (2) أن الله تعالى أمر فى حالة وقوع شقاق وخلاف بين الزوجين أن يبعث الحاكم ثقة وحكما من أهل الرجل وثقة وحكما من أهل المرأة ليجتمعا فينظرا فى أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحــة للـزوجين مما يريانه من التفريق أو التوفيق وتشوق الشارع الكريم إلى التوفيق ولهذا قال الله تعالى ( وإن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) فدل هذا على مشروعية التحكيم لأنه لما جاز التحكيم فى حق الزوجين دل ذلك على جواز التحكيم 0
ثانيا : ومن السنة ما روى شريح بن هانئ عن أبيه هانىء أنه لما وفد إلى رسول الله- r -مع قومه سمعهم وهم يكنون هانىء بأبى الحكم فدعاه الرسول -r - فقال له إن الله هو الحكم واليه الحكم فلم تكنى بأبى الحكم ؟ قال إن قومى إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرض عنى كلا الفريقين ، فقال الرسول- r -ما أحسن هذا ، فمالك من الولد ؟ قال له شريح وعبد الله ومسلم ، قال فمن أكبرهم ؟ قال : شريح قال فأنت أبو شريح ودعا له ولولده (3) 0
وجه الدلالة من الحديث : واضحة فى قول أبى شريح للرسول- r - عندما ساله الرسول- r -عن سبب تسميته بأبى الحكم فقال أبو شريح ( إن قومى كانوا إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرضى عنى الفريقان ) فقد استحسن الرسول- r -فدل ذلك على مشروعية التحكــيم 0
ثالثا : ومن الاجماع : أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أجمعوا على مشروعية التحكيم ولم يعرف لهم مخالف فصار إجماعا منهم على مشروعية التحكيم (4) 0
_________
(1) سورة النساء الآية رقم (35) 0
(2) تفسير القرآن العظيم للإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبى الفداء إسماعيل بن كثير القرشى الدمشقى المتوفى سنة 774 هـ الجزء الأول مكتبة دار التراث – القاهرة ص 492 وما بعدها 0
(3) أخرجه النسائى فى السنن الكبرى فى 51 كتاب القضاء ، 11 – باب إذا حكموا رجلا ورضوا به فحكم ( نسخة : فقضى ) بينهم طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان الطبعة الأولى سنة 1411 هـ - سنة 1991م واللفظ له ، الجزء الثالث - رقم الحديث 5940/1 - ص 466 0
(4) كشاف القناع للبهوتى . مرجع سابق جـ 6 ص 309 ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم . مرجع سابق جـ 7 ص 227 ، السلطة القضائية فى الإسلام دراسة مقارنة د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 389 ، شرح فتح القدير على الهداية للكمال بن الهمام . مرجع سابق جـ 7 ص 316 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثا : العلاقة بين النطاق الموضوعى لولاية القضاء وولاية التحكيم :
اتفق الفقهاء على أن ولاية القضاء ولاية عامة فى جميع الدعاوى والمنازعات ولكنهم اختلفوا فى النطاق الموضوعى لولاية التحكيم فيما يجوز فيه التحكيم ومالا يجوز نوضح ذلك فيما يلـى :
أولا : ذهب الحنفية (1) : أن التحكيم لا يجوز فى حدود الله ولا فى القصاص ولا فى الدية على العاقلة فى القتل الخطأ وعللوا على ذلك بما يلـى :
1- أن العلة فى عدم جواز التحكيم فى حدود الله والقصاص أن حكم المحكم ليس بحجة فى حق غير المحكمين فكانت فيه شبهة والحدود والقصاص لا تستوفى بالشبهات فضلا عن أن حكم المحكم بمنزلة الصلح ، والحدود والقصــاص لا يجــوز استحقاقهما بالصلح فلا يجوز التحكيم فيهمــا 0
2- والعلة فى عدم جواز التحكيم فى القصاص لأنه لا ولاية لهما على دمهما ولهذا لا يملكان الإباحة فلا يستباح برضاهما 0
3- كما أن العلة فى عدم جواز التحكيم فى الدية على العاقلة فى القتل الخطأ لأنه لا ولاية له عليهم أو لا تحكيم من جهتهم ولا ينفذ حكمـه 0
ثانيـا : ذهب المالكية (2) إلى أنه يجوز التحكيم فى الأموال وما فى معناه ولا يجوز التحكيم فى حدود الله ولا فى القصاص ولا فى طلاق أو نسب أو عتاق أو ولاء ، وإنما استثنيت هذه المسائل من قاعدة أو دائرة جواز التحكيم لاستلزامها إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين وهم لم يرضوا بحكم المحكم 0
ثالثـا : أما الشافعية (3) فقد انقسموا إلى فريقين حول ما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز :
__________________
(1) شرح فتح القدير على الهداية للكمال من الهمام . مرجع سابق جـ 7 ص 318 وما بعدها ، رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) . مرجع سابق جـ 4 ص 348 وما بعدها شرح أدب القاضى للخصاف تأليف برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالحسام الشهيد - تحقيق محى هلال السرحان - وزارة الأوقاف - العراق - سنة 1398 هـ - 1978م جـ 4 ص 58 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 55 مرجع سابق 0
(3) مغنى المحتاج للشربينى الخطيب . مرجع سابق جـ 4 ص 378 ، أدب القاضى لأبى الحسن علـــى من محمد بن حبيب الماوردى البصرى الشافعى المتوفى سنة 450 تحقيق محى هلال السرحان مطبعة الإرشاد - بغداد سنة 1392 هـ – سنة 1972م جـ 2 ص 381 0
- 31 -
الفريق الأول : ذهب إلى جواز التحكيم فى الأموال وعقود المعاوضات وعدم جواز التحكيم فى الحدود والقصاص والنكاح لأن هذه الحقوق تبنى على الاحتياط فلا يجوز فيها التحكــيم 0
الفريق الثانى : ذهب إلى جواز التحكيم فى كل شىء ، وقد رجح هذا القول صاحب كتاب مغنى المحتاج ( الشربينى الخطيب ) (1) حيث قال ( والصحيح عدم الاختصاص ، لأن من صح حكمه فى مال صح فى غيره كالمولى من جهة الإمام " 0
رابعـا : ذهب الحنابلة (2) : إلى أنه لا يجوز التحكيم فى الحدود والقصاص والنكاح واللعان ويجوز فيما عدا ذلك لأن هذه المسائل لها مزية على غيرها من المسائل الأخرى فاختص القاضى بنظرها 0
________________
(1) هو شمس الدين محمد بن أحمد الشربينى القاهرى الشافعى ، أجمع أهل العلم على صلاحه ووصفوه بالعلم والعمل ، وانتفع بعلمـه كثير مــن الناس ، وله مؤلفات كثيرة منها مغنى المحتاج ، معرفة معانى ألفاظ المنهاج ، والاقناع فــى حل ألفاظ أبى شجاع ، توفى سنة 977هـ . انظر الأعلام - خير الدين بن محمود ابن محمد بن على الزركلى الدمشقى - الطبعة الثانية سنة 1371هـ سنة 1952م جـ 6 ص 234 0
(2) المغنى تأليف الشيخ الإمام العلامة موفق الدين أبى محمد عبد الله بن أحمد بن محمود بن قدامة المتوفى سنة 630 هـ طبعة دار الكتاب العربى للنشر والتوزيع - جـ 9 ص 108 0
- 32 -
المبحث الثانى
مشروعية القضاء وأهميته العملية باعتباره سلطة داخل المجتمع
ولاية القضاء فى الإسلام من أهم الولايات شأنا وأعظمها أثرا وأعلاها مرتبة فى المجتمع الإسلامى وهى من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله ومن أشرف العبادات وأفضل القربات وذلك لأن ولاية القضاء فى مجتمعنا المعاصر لها دور هام فى استقرار مبادىء العدل بين أفراده لأن القاضى بعمله النبيل ورسالته المقدسة يهىء للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل مسلم وغير مسلم فى دار الإسلام على نفسه وماله وعرضه 0
والإسلام كشريعة خاتمة اهتم اهتماما كبيرا بالسلطة القضائية ويتجلى هذا الاهتمام فى تكليف الله سبحانه وتعالى أنبيائه ورسله بالقضاء إلى جانب قيامهم بشرف تبليغ الرسالة ، قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) (1) 0
وقوله تعالى ( يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عــن سبيــل الله لهــم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) (2) 0
وقد أقسم الله سبحانه وتعالى بذاته ليرفع من مكانة القضاء وبين علو همته من جهه ، ونفى صفة الايمان عمن لم يحتكم لشرعــه بلجوئه للقضاء مــن جهــة أخــرى فقال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمــا ) (3) 0
فعلم القضاء من أجل العلوم قدرا وأشرفها ذكرا ولذا فمنصب القضاء ذو مقام عال لأنه به تعصم الدماء وتصان ، والأبضاع تحرم وتحل والأموال يثبت ملكيتها ويسلب ، والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب (4) 0
_________________
(1) سورة الحديد الآية رقم (25) 0
(2) سورة ص الآية رقم (26) 0
(3) سورة النساء الآية رقم (65) 0
(4) دراسات فى استقلال القضاء د/ جمال العطيفى - مجلة المحاماة - العدد الثانى سنة 1970م ص 80 0
- 33 -
ولقد اهتم الرسول -r -اهتماما كبيرا بالقضاء وبيان مكانة القضاة العدول حيث قال -r- ( إن المقسطين فى الدنيا عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم وماولوا ) ، وفى رواية أخرى ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون فى حكمهم وأهليتهم ) (1) 0
وعن فضل ولاية القضاء قال العلامة ابن قدامة المقدسى (2) ( وفيه فضل عظيم لمن قوى على القيام به وأداء للحق فيه ولذلك جعل الله فيه أجرا على الخطأ وأسقط عنه حكمه لأن فيه أمرا بالمعروف ونصرة للمظلوم وأداء الحق إلى مستحقيه وردا للظالم عن ظلمه وإصلاحا بين الناس وتخليصاً لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب " (3) 0
ولبيان خطورة عمل القاضى :
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال ، قال رسول الله -r -( من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه ينزل عليه ملكا فيسدده ) (4) 0
وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله- r -( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره ، فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ) (5) 0
_________________
(1) سنن النسائى شرح الحافظ جلال الدين السيوطى - طبعه دار الريان - كتاب آداب القضاء جـ 8 ص 221 ، صحيح مسلم بشرح النووى – مسلم بن الحجاج القشيرى (256 هـ ، والشرح يحيى بن شرف النووى المطبعة المصرية بالقاهرة - الطبعة الأولى سنة 1292 هـ جـ 12 ص 211 ، نبيل الأوطار شرح منتق الأخبار - محمد بن على الشوكانى - مكتبة ومطبعة دار الإيمان بالمنصورة ضبط وتحقيق د/ كمال الجمل د/ عبد الله المنشاوى ، الشيخ محمد بيومى والشيخ صلاح عويضه جـ 8 ص 297 0
(2) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن محمود بن قدامه المقدسى ، ولد سنة 541 ، وهو أحد أعلام الحنابلة المشهورين ، وإمام من أئمة المسلمين ، وقال عنه ابن تيمية : ما دخل الشام بعد الأوزاعى أفقه من الشيخ موفق أى ابن قدامة ، كان له فى كل علم باع طويل ، وله تصانيف كثيرة منها البرهان فى مسألة القرآن ، والمغنى فى الفقه ، والروضة فى أصول الفقه - انظر فىذلك الذيل على طبقات الحنابلة جـ 2 ص 133 - 149 0
(2) المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ 11 ص 374 . مرجع سابق 0
(4) رواه الترمذى فى سننه فى باب ما جاء عن الرسول- r -فى القاضى من كتاب الأحكام طبعة مصطفى الحلبى سنة 1976 جـ 3 حديث رقم 1323 ص 605 0
(5) رواه أبو داود فى سننه فى باب القاضى يخطىء من كتاب الأقضية طبعة مصطفى الحلبى سنة 1983 جـ 2 ص 293 0
- 34 -
ونظرا لخطورة القضاء وأهميته اهتم الخلفاء الراشدين به اهتماما بالغا انطلاقا من نصوص القرآن وأحكام السنة النبوية الشريفة لأن الصحابة رضوان الله عليهم بصفة عامة والخلفاء الراشدون بصفة خاصة عرفوا أهمية القضاء وعظيم أجر من يقضى بين الناس وجعلوه من أعمالهم المفضلة فكانوا يباشرون القضاء بين الناس بأنفسهم ثم فوضوا فيه إلى غيرهم لكثرة اشتغالهم بأمور الدولة والسياسة العامة والجهاد فقد عين الفاروق عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعرى القضاء وبعث إليه خطابا يعد بحق دستورا للقضاة قال له فيه ( إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ) (1) 0
وهذا الخطاب من أبلغ الأدلة على أهمية القضاء وضرورته بالنسبة للمجتمع الإسلامى 0
إذن مما تقدم يتضح لنا مشروعية القضاء وضرورته باعتباره سلطة داخل المجتمع ولابد من وجود السلطة القضائية فى المجتمع ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه ( لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس ) (2) 0
ويقول العلامة ابن فرحون ناصحا ولاة الأمور بتفقد أحوال القضاه وذلك نظرا لأهمية وخطورة القضاء داخل المجتمع ( وينبغى للإمام أن يتفقد أحوال قضاته فإنهم قوام أمره ورأس سلطانه ) (3) 0
وقال الإمام السرخسى (4) مبينا أهمية وضرورة القضاء :
____________
(1) ورد هذا الحطاب فى السنن الكبرى - لأحمد بن الحسين بن على البيهقى المتوفى ( سنة 458 هـ ) الطبعة الأولى سنة 1355 هـ مطبعة مجلس المعارف العثمانية ، بحيدر أباد الركن بالهند ، مكتبة الحرم المكى جـ 10 ص 109 ، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزيه طبعة سنة 1389 هـ سنة 1969م مطبعة المدنى بالقاهرة جـ 1 ص 92 0
(2) المغنى والشرح الكبير لابن قدامة . مرجع سابق جـ 11 ص 374 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 77 . مرجع سابق 0
(4) هو الإمام محمد بن أحمد بن أبى سهل أبو بكر شمس الأئمة السرخسى ، من أئمة الحنفية ، وعد من المجتهدين فى المسائل ، ألف المبسوط وهو فى السجن ، ونسبته إلى سرخسى بلدة قديمة من بلاد خراسان ، وله مؤلفات كثيرة ، انظر الفوائد البهية فى تراجم الحنفية - أبو الحسنات محمد بن عبد الحى اللكنوى الهندى - مطبعة السعادة - الطبعة الأولى سنة 1324 هـ ص 158 وما بعدها 0
- 35 -
( اعلم أن القضاء بالحق أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات وبه أمر كل نبى مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) (1) 0
ومن ثم يظهر جليا ضرورة القضاء وأهميته العملية بين الناس وتطهر مسئولية القضاة وهى مسئولية ضخمة وشاقة تتجلى ضخامتها وخطورتها من موضوع القضاء الذى هو حقوق الله وحقوق العباد فى الدماء والأموال والأعراض 0
_____________
(1) المبسوط - لمحمد بن أحمد أبى بكر شمس الأئمة السرخسى - الطبعة الثانية سنة 1313 هـ - دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت جـ 16 ص 59 0
- 36 -
المبحث الثالث
حكم ولاية القضــاء
تمهيـد :
الدولة الإسلامية واجب عليها إقامة القضاء بين أفرادها ونصب الأجهزة التى تقوم على فصل الخصومات بين الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن الأفراد الصالحين لتولى القضاء يجب عليهم أن يتولوا هذه الوظيفة الخطيرة إذا عرضت عليهم وذلك عملا بمقتضى الأمانة التى تحملوها انطلاقا من قوله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنهــا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهــولا ) (1) 0
ولذلك سوف نتعرض بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المبحث إلى حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة والأفراد من خلال المطلبين التالين :
• المطلب الأول : حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولـة 0
• المطلب الثانى : حكم ولاية القضاء بالنسبة للأفراد 0
المطلب الأول
حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة
الإسلام يقيم دولته على أساس التكليف الإلهى للأمة ، والشريعة تنظر إلى الأمة كوحدة لها كيانها المستقل وتخاطبها مباشرة بأوامرها وتضع عليها عبء تنفيذها فهى صاحبة الاختصاص فى تنفيذ هذه الأوامر وإعداد من يقومون عليها ونصبهم لوظائفهم 0
والقرآن الكريم فى العديد من آياته يتوجــه بالخطاب فــى الأمور العامة إلى المؤمنين جميعهم لا إلى فرد واحد بعينه ، ومن ذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) (2) 0
_____________
(1) سورة الأحزاب الآية رقم (72) 0
(3) سورة النساء الآية رقم (135) 0
- 37 -
فالله سبحانه وتعالى فى هذه الآيــة سالفــة الذكــر يخاطب المؤمنين جميعا بأن يقوموا بالعدل ولا يتبعوا الهوى وهذا يوجب عليهم أن يعدوا العدة لكل ما من شأنه أن يكون ضروريا لإقامة هذا الواجب وهو العدل بين الناس لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ومن هذا القبيل آيات كثيرة جاء الخطاب فيها للمؤمنين تأمرهم بإقامة العدل بين الناس والوفاء بالعهد ووجوب التواصى بالحق والصبر وتنفيذ الحدود والعقوبات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفى توجيه الخطاب إلى الأمة جميعا فى هذه الآية وغيرها من الآيات دليل بالغ الدلالة على أن الأمة هى التى تحمل مسئولية هذه الواجبات ، ولكن لما كانت الأمة لايستطيع أن تقوم بهذه الواجبات مجتمعة فقد فوضت أمورها إلى من ترى فيه الأهلية ليقوم عليها ويضعها موضع التنفيذ ، والقضاء هو إحدى هذه الواجبات الجماعية التى ألقيت على عاتق الأمة إن لم يكن أهمهما على الاطلاق لأنه هو الطريق لتحقيق هذه الأمور كلها ولذلك كان واجبا على الأمة ممثلة فى أولى أمرها أن يقوموا بتنصيب القاضى وإعداد ما يلزم ليؤدى وظيفته فى حيدة ونزاهة واستقلال فنصب القاضى فرض عين على رئيس الدولة لأنه " أى القاضى " ينصب لإقامة أمر مفروض وهو القضاء قال تعالى ( ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) (1) 0
وقال تعالى لرسوله محمد- r - ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) (2) 0
والقضاء هو الحكم بين الناس بالحق وبما أنزل الله سبحانه وتعالى فكان نصب القاضى لإقامة الفرض فكــان فرضــا ضـرورة ، ولأن نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف بين أهل الحق ، ولا عبرة بخلاف بعض القدرية لاجماع الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك ولمساس الحاجة إليه لإنصاف المظلوم من الظالم وقطع المنازعات التى هــى مــادة الفساد وغير ذلك من المصالح التى لا تقوم إلا بإمام لما علم فى أصول الكلام ، ولما كان رئيس الدولة لا يمكنه القيام بما نصب له بنفسه فيحتاج إلى نائب يقوم مقامه فى ذلك وهو القاضى (3) 0
___________
(1) سورة ص الآية رقم (26) 0
(2) سورة المائدة الآية رقم (48) 0
(3) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع - للإمام علاء الدين أبى بكر بن مسعود الكاسانى الحنفى الملقب بملك العلماء - المتوفى سنة 587 هـ طبعة دار الفكر للطباعة والنتشر جـ 7 ص 3 0
- 38 -
ولهذا كان الرسول - r - يبعث إلى الآفاق قضاة ، فبعث سيدنا معاذا رضى الله عنه إلى اليمن ، وبعث عتاب بن أسيــد إلى مكــة فكــان نصب القاضــى مــن ضرورات نصب الإمام فكان فرضــا (1) 0
وعلى هذا فتولية الإمام لأحد الأفراد الصالحين للقضاء فرض عين عليه بمعنى أنه يجب على الإمام أن يعين لكل إقليم قاضيا ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى (2) عن قاض أو خليفة له (3) 0
وإيقاع القضاء بين المتخاصمين فرض على الإمام أو نائبه ويمتنع عليه الدفع أى دفع المتخاصمين من غير قضاء بينهما إذا كان فيه تعطيل أو طول نزاع (4) 0
المطلب الثانى
حكم تولى القضاء بالنسبة للأفراد
تولى القضاء بالنسبة للأفراد تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة ، فقد يكون تولى القضاء بالنسبة لهم فرض عين ، وقد يكون فرض كفاية ، وقد يكون مستحبا ، وقد يكون مكروها ، وقد يكون حراما 0
ونوضح ذلك من خلال الفروع الآتية :
الفرع الأول
متى يكون تولى القضاء على الشخص فرض عيـن ؟
يكون تولى القضاء على الشخص فرض عين إذا لم يوجد غيره للقضاء وتعين عليه وحده ، وتوافرت فيه شروط القضاء ففى هذه الحالة يكون توليــة القضاء بالنسبة له فرض عين فإذا امتنع
____________
(1) المرجع السابق جـ 7 ص 3 0
(2) يقصد بمسافة العدوى هى المساقة التى يقطعها المسافر ذهابا وإيابا قبل دخول الليل عليه ، أى يعود إلى أهله قبل ذلك ، يراجع تحفة المحتاج بشرح المنهاج - لأحمد بن حجر الهيثمى المتوفى سنة 972 هـ طبعة سنة 1357 هـ سنة 1938م مطبعة مصطفى محمد بمصر - المكتبة الكبرى جـ 10 ص 186 0
(3) نهايــة المحتــاج إلى شــرح المنهــاج جـ 8 ص 236 . مرجـع سابق ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 373 . مرجع سابق 0
(4) مغنى المحتاج جـ 4 ص 373 . مرجع سابق 0
- 39 -
أجبر عليه وذلك لأن الكفاية لا تحصل إلا به ولكونه إن لم يل القضاء وليه من لا تحل ولايته مع فرط حاجة الناس إلى القضاء وعدم إمكــان رفــع التنازع بالمصلحة ونحوها فإن امتنع أجبره الإمام (1) 0
ولأن نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف عند أهل السنة والجماعة لإقامة الحدود وانصاف المظلوم من الظالم ، وإذا كان الإمام لا يستطيع أن يقوم بهذا كله بنفسه ويحتاج إلى من يقوم مقامه فى ذلك ولم يوجد إلا شخص واحد تتوافر فيه شروط القاضى فإن تولى القضاء بالنسبة لهذا الشخص يكون فرض عين ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل ( لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس ) (2) 0
الفرع الثانى
متى يكون تولى القضاء على الشخص فرض كفايـة
يكون تولى القضاء على الشخص فرض كفاية (3) إذا تعدد الصالحون لمنصب القضاء المستجمعون لشرائطه فيكون تولى القضاء فرض كفاية فى حق كل واحد منهم فإذا ولى أحدهم القضاء تحقق الواجب وسقط الإثم عن المتولى وعن الجميع وهو فى ذات الوقت فرض عين (4) عليهم جميعا مجتمعين بمعنى أنه إذا لم يقم واحد منهم بالقضاء فإنهم يأثمون جميعا 0
والأصل فى تولى القضاء أنه فرض كفاية لما يلـى :
__________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها . مرجع سابق ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 16 وما بعدها .مرجع سابق ، مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 372 . مرجع سابق ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 373 . مرجع سابق ، القضاء وطرق الاثبات فى الفقه الإسلامى أ.د/ نصر فريد واصل - طبعة دار البيان سنة 1994 ص 8 0
(2) المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ 11 ص 374 . مرجع سابق 0
(3) يقصد بفرض الكفاية هو ما طلب حصوله من غير نظر إلى من يفعله وإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين ، يراجع الحكم الشرعى أ.د/ صلاح زيدان مطبعة دار الصحوة للنشر ص 55 0
(4) يقصد بفرض العين هو ما يطلب الشارع حصوله من كل أفراد المكلفين به فإذا فعله بعضهم لم يسقط الطلب عن الآخرين ، يراجع الإحكام فى أصول الأحكام - لعلى بن أبى على بن محمد الآمدى المتوفى سنة 631 هـ الطبعة الأولى سنة 1401 هـ سنة 1981م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع المكتبة الخاصة جـ 1 ص 100 0
- 40 -
1- قال تعالى ( ياداود إنا جعلناك خليفة فىالأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) (1).
وقال تعالى : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) (2) 0
وجه الدلالة من الآيتين :
إن الله سبحانه وتعالى أمــر فـى هاتين الآيتين بالحكم بين الناس بالحق وبما أنزل الله وهذا هو معنى القضاء ، والأمر يقتضى الوجوب عند الإطــلاق فدل هذا على أن تولى القضاء فرض ، وهذا الفرض إذا قام به البعض الصالح له سقط الإثم عـــن الباقين وهذا هو فرض الكفايـة (3) 0
2- أن القضاء من الواجبات العامة التى لا غنى عنها للجماعة كالجهاد والأمانة لأن الظلم فى الطباع البشرية غالبا ولابد للناس من حاكم يعطى لكل ذى حق حقه وينصف المظلوم من الظالم وهذا لا يتحقق إلا بالقضاء 0
3- ولأن رسولنا محمدا - r - والخلفاء الراشدين والصحابة من بعده حكموا بين الناس وكانوا الآحاد للقضاء فلو كان القضاء فرض عين لم يكف واحد ، فقد حكم أبو بكر الصديق رضى الله عنه بين الناس واستخلف القضاة ، وبعث أنسا إلى البحرين قاضيا ، وحكم عمر بن الخطاب رضى الله عنه بين الناس وبعث أبا موسى الأشعرى إلى البصرة قاضيا ، وحكم عثمان بن عفان رضى الله عنه بين الناس وقلد شريحا القضاء ، وحكم على بن أبى طالب رضى الله عنه بين الناس وبعث عبد الله بن عباس إلى البصرة قاضيا ، فصار فعلهم هذا إجماعا ولأن عادات الأمم بنصب القضاة جارية وجميع الشرائع به واردة ، ولأن فى أحكام الاجتهاد ما يكثر فيه الخلاف فلم يتعين أحدهما بين المختلفين إلا بالحكم الفاصل والقضاء القاطع ، فإذا اجتمـع أهل البلد على ترك القضاء أثموا جميعا (4) 0
___________
(1) سورة ص الآية رقم (26) 0
(2) سورة المائدة الآية رقم (48) 0
(3) النظام القضائى فى العهد النبوى د/ مناع القطان . مرجع سابق ص 8 0
(4) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 مرجع سابق ، مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 372 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 133 وما بعدهما مرجع سابق ، المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ 11 ص 374 ، القضاء وطرق الإثبات فى الفقه الإسلامى أ.د/ نصر فريد واصل ص 8 مرجع سابق ، سلطة القاضى فى الفقه الإسلامى وما يعتمد عليه فى الأحكام دراسة مقارنة د/ حسن السيد محمد حسن عجوه - الطبعة الأولى سنة 1406 هـ سنة 1986م ص 45 0
- 41 -
الفرع الثالث
متى يكون تولى القضاء مستحبا ؟ (1)
يكون طلب القضاء وتوليه مستحبا إذا كان الشخص أهلا للقضاء ولكنه خامل غير مشهور بين الناس ويرجو بتوليه القضاء نشر العلم لتحصل المنفعة بعلمه إذا نشر على الناس ، أو كان مشهورا ولكنه محتاج إلى الرزق ولو ولى القضاء حصلت له الكفاية من بيت المال بسبب هو فى ذاته طاعة وذلك لأن العدل بين الناس يثاب عليه الإنسان بأحسن الجزاء ، وكذلك يستحب توليه وطلب القضاء إذا كانت الحقوق مضاعة بسبب جور القاضى أو عجزه أو فسدت الأحكام بتولية جاهل وكان الشخص يقصد من وراء طلب وتولية القضاء تدارك ذلك الخلل الواقع فى القضــاء (2) 0
فإذا كان الشخص مشهورا بين الناس بعلمه وله من المال ما يكفيه فالأولى له تركه وعدم طلبه وذلك لما فيه من الأخطار المحيطة به من غير سبب يدعو إليه (3) 0
الفرع الرابع
متى يكون تولى القضاء مكروهـا ؟ (4)
يكون طلب تولى القضاء مكروها إذا لم تكن هناك حاجة داعية إليه كأن يكون الشخص مشهورا بعلمه بين الناس وعنده من الرزق ما يكفيه وليس بحاجة إلى أجرة القضاء للعيش منه وكان القضاء منتظما بتوليه من يصلح له فالأولى فـى حقه حينئذ أن يترك طلب القضاء ولا يسعى
___________
(1) المباح هو ما خير الشارع فيه المكلف بين الفعل والترك أو هو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه ، يراجع الموافقات فى أصول الشريعة الإسلامية لأبى إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمى الشهير بالشاطبى مطبعة بيروت - دار الفكر جـ 1 ص 133 0
(2) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها مرجع سابق ، مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 473 مرجع سابق ، نهايـة المحتاج جـ 8 ص 237 مرجع سابق ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 296 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 373 وما بعدها 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 473 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 237 ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 296 مرجع سابق 0
(4) المكروه هو ما طلب الشارع تركه لا على وجه الحتم والإلزام أو هو ما كان تركه أولى من فعله ، يراجع الموافقات للشاطبى جـ 1 ص 133 مرجع سابق 0
- 42 -
إليه لما فيه من الخطر لغير حاجـة 0
قال ابن قدامــة :
( وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر ، وفى تركه من السلامة ، ولما روى فيه من التشديد والذم ، ولأن طريقة السلف الامتناع عنه والتوقى وقد أراد عثمان رضى الله عنه تولية ابن عمر القضاء فأباه ) (1) 0
وكذلك يكون طلب تولى القضاء مكروها إذا كان الشخص يهدف من وراء سعيه للقضاء تحصيل الجاه والاستعلاء على الناس (2) 0
الفرع الخامس
متى يكون تولى وطلب القضاء محرمـا ؟ (3)
يكون تولى القضاء حراما إذا كان الشخص عالما بأحكام القضاء وتيقن أو ظن أنه سيحكم بغير العدل أو كان غير عالم بأحكام القضاء وقضى بين الناس على جهل (4) 0
وكذلك يكون تولى القضاء حراما إذا قصد بتولية القضاء الانتقام من أعدائه أو قبول الرشوة من الخصوم أو قصد المباهاة والاستعلاء بين الناس (5) 0
كما يكون تولى القضاء حراما إذا كان القضاء فى يد من يصلح له وقائم به على الوجه المرضى شرعا وأراد شخص أن يعزله لينال منفعة لنفسه من وراء توليه القضاء بل إن طلبه القضاء
__________
(1) المغنى لابن قدامه جـ 11 ص 375 مرجع سابق 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 17 مرجع سابق 0
(3) المحرم هو ما طلب الشارع الكف عنه من المكلف طلبا جازما بحيث يذم ويعاقب فاعله شرعا ، يراجع الموافقات للشاطبى مرجع سابق جـ 1 ص 133 0
(4) المهذب فى فقه الإمام الشافعى - لأبى إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الفيروز آبادى الشيرازى المتوفى سنة 476 هـ الطبعة الثانية مطبعة مصطفى البابى الحلبى جـ 2 ص 289 0
(5) مغنى المحتاج جـ 4 ص 373 وما بعدها ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 337 ، تبصرة الحكام لابن فرحون حـ 1 ص 16 0
- 43 -
على هذه الحالة يؤدى به إلى جرح عدالته مما يؤدى به إلى عــدم صلاحيتــه للقضــاء لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه (1) عن النبى - r - قال : ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ، ومن غلب جوره عدله فله النار ) (2) 0
وصفوة القول أن تولى القضاء يكون حراما إذا تخلفت شروط الأهلية أو الصلاحية للقضاء أو إذا اقترن طلب القضاء برغبة غير معتبرة شرعا 0
__________
(1) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسى ، الصحابى الجليل الحافظ روى عن رسول الله - r - أكثر من خمسة آلاف حديث مات سنة 59 هـ ، يراجع خلاصة تذهيب الكمال فــى أسمــاء الرجال - لصفى الدين أحمد بن عبد الله الخزرجى - المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى سنة 122 هـ ص 397 0
(2) سبق تخريجه ص 33 من نفس البحث 0
- 44 -
الباب الأول
حماية القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعـى
تمهيـد :
لما كانت الحقوق تحفظ بالقضاء ، والحريات تصان بالقضاء والعدل لا يتحقق إلا بالقضاء ، وكانت وظيفة القضاء هى فصل الخصومات بين الناس ، فإن النهوض بهذه الوظيفة يستلزم توافر الضمانات التى تكفل حماية القاضى وتجعله آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله وتجعله بمنأى عن كل تأثير وتدخل يؤدى إلى ميل ميزان العدالة فى يده أو انحرافه فى إمساكه به بحياد ونزاهة لذلك سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا الباب عن تلك الضمانات التى تكفل حماية القاضى من السلطات ومن الخصوم ومن نفسه فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وذلك من خلال ثلاثة فصول نوضحها فيما يلـى :
• الفصل الأول : حماية القاضى من السلطات فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثانى : حماية القاضى من الخصوم فــى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثالث : حماية القاضى من نفســه فــى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
- 45 -
الفصل الأول
حماية القاضى من السلطات فى الفقه الإسلامى
والقانون الوضعى
تمهيـد :
لقد وضع الفقه الإسلامى والمشرع المصرى ضمانات لحماية القاضى من السلطات نوضحها
من خلال المباحث الآتية :
• المبحث الأول : كيفيــة اختيــار القاضــى وشــروط تعيينه فـــى الفقــه الإسلامى والقانون الوضعـــى 0
• المبحث الثانى : مبدأ استقلال القضاء فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• المبحث الثالث : تأمــين القاضــى علـــى مقومــات حياته فــى الفقـــه الإسلامى والقانون الوضعــى 0
• المبحث الرابع : حجية الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
- 46 -
المبحث الأول
كيفية اختيار القاضى في الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
وسوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه عن هذا المبحث من خلال مطلبين هما :
المطلب الأول
كيفية اختيار القاضى وتعيينه في الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
ونوضح ذلك من خلال فرعين هما :
• الفرع الأول : كيفية اختيار القاضى وتعيينه فى الفقه الإسلامى 0
• الفرع الثانى : كيفية اختيار القاضى وتعيينه فى القانون الوضعى 0
الفرع الأول
كيفية اختيار القاضى وتعيينه في الفقه الإسلامى
من المسائل التى أفاض فيها فقهاء الإسلام ولاية القضاء لما لها من أثر بالغ فى حسن تسيير شئون العدالة بين الناس فى المجتمع بشكل عام وذلك لأن بالقضاء تشيع العدالة بين الناس وتعصم الدماء وتحفظ الأعراض والحقوق 0
ووظيفة القاضى فى الإسلام وظيفة شريفة ومنزلة فى الإسلام رفيعة لا منزلة فوقها من المنازل ولا رتبة أوفى منها فهى منصب جلى ، ومكان على ، ولذلك فقد أولاها الفقهاء اهتمامهم وتناولوها بالبحث والدراسة العميقة وهى وظيفة من وظائف ولى الأمر والأصل أن يتولاها بنفسه ولكن لما كان ذلك مستحيلا نظرا لكثرة أعباء ولى الأمر وتشعبها أصبح من الواجب عليه أن يخصص رجالا ينوبون عنه فى أداء هذه الوظيفة الخطيرة (1) 0
وقد عرف الفقه الإسلامى طريقتين لتعيين القاضى فى منصب القضاء ، كل منهما تكشف عن صلاحية القاضى للقضاء وهاتان الطريقتان هما (2) 0
______________
(1) التنظيم القضائى الإسلامى لأستاذنا الدكتور / حامد محمد أبو طالب - طبعة سنة 1402 هـ - سنة 1982م ص 74 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى ص 67 مرجع سابق ، كتاب أدب القضاء - للقاضى شهاب الدين أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن أبى الدم الحموى الشافعى المتوفى سنة 642 هـ - تحقيق الدكتور / محمد مصطفى الزحيلى طبعة دار الفكر ص 89 0
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
(1) تقدم المعرفة بالقاضى 0 (2) الإختبــار 0
أولا : الطريقة الأولى : تقدم المعرفة بالقاضى :
قد يكون القاضى معروفا لدى الإمام أو نائبه أو السلطة التى تختص بتولية القاضى ففى هذه الحالة يكفى أن تقوم هذه السلطة بتقليده القضاء اعتمادا على المعرفة السابقة بأهليته واستيفائه للشروط الواجب توافرها فى الشخص الذى يتولى منصب القضاء وعلى هذه الطريقة عين الرسول- r -الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه القضاء ، ولذلك روى عن الإمام على ابن أبى طالب- رضى الله عنه- قال :
بعثنى رسول الله- r -إلى اليمن قاضيا ، فقلت يا رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ترسلنى وأنا حديث السن ولا علم لى بالقضاء ؟ فقال- r- " إن الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى ان يتبين لك القضاء " ، فمازلت قاضيا أو ما شككت فى قضاء بعـد (1) 0
مما سبق يتبين لنا أن الرسول- r- لم يختبر عليا- رضى الله عنه –عندما أراد أن يوليه القضاء وذلك لمعرفته به وكمال خلقه وصلاحيته لتولى القضاء فهو كان من أقرب الناس إلى الرسول - r -رحما وصهرا وكل ما فعله الرسول- r -هو أن زوده بتوجيهاته الرشيدة مما يعينه على أداء عمله على أكمل وجـه (2) 0
ثانيـا : الطريقة الثانية : الاختبـار :
قد لا يكون القاضى أو الشخص الذى سوف يتولى منصب القضاء معروفا للإمام أو نائبه ففى هذه الحالة لابد من الاختبار والتحرى لمعرفة أهلية الشخص للقضاء واختبار معلوماته والاستيثاق من كفاءته 0
_____________
(1) أخرجه أبو داود فى سننه فى : 23 كتاب الأقضية / 6 - باب كيف القضاء جـ 4 ص 301 رقم الحديث 3582 واللفظ لأبى داود ط دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، أخرجه أيضا ابن ماجه فى سننه – محمد بن يزيد القزوينى – فى 13 كتاب الأحكام ، 1- باب ذكر القضاء جـ 2 ص 774 رقم الحديث 2310 ط عيسى الحلبى بالقاهرة سنة 1373هـ سنة 1954م تحقيق وترقيم وتعليق محمد فؤاد عبد الباقى ورواه الحاكم فى المستدرك فى كتاب الفضائل وقال حديث صحيح الإسناد انظر نصب الراية لأحاديث الهداية - عبد الله بن بوسف الزيلعى - مطبعة دار المـأمون بشبرا - الطبعة الأولى سنة 1347هـ سنة 1938م جـ 4 ص 61 وما بعدها 0
(2) نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ط سنة 1977 ص 47 0
- 48 -
وعلى هذه الطريقة عين الرسول - r -معاذ بن جبل فقد ورد عــن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ –رضى الله عنه- أن الرسول - r - لما بعثه إلى اليمن قاضيا فقــد اختبره قائلا له يا معاذ كيف تصنع إن عــرض لك قضــاء ؟ قال أقضى بما فى كتاب الله ، قــال فإن لم يكن فى كتاب الله ؟ قال : فبسنة رسول الله - r - ، قال فإن لم يكن فــى سنة رســول الله ؟ قال : أجتهد رأيى ولا آلو (1) ، قال فضرب رسول الله - r - على صدرى ثم قال : الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله (2) 0
مما سبق يتبين لنا أن الرسول r اختبر معاذ بن جبل (3) قبل توليته القضاء فعندما اتضح له ذكاء ورجحان عقل معاذ وكفاءته العلمية قام بتوليته القضاء وحمد الله على توفيق معاذ لما يحب الله ورسوله 0
وقد شهد التاريخ الإسلامى وقائع لتولية القضاء وإن كانت تبدو من قبيل المصادفة ، إلا أنها فى الواقع يمكن ردها إلى الطريقتين السابقتين من ذلك :
___________
(1) لا آلوا : أى أبذل غاية جهدى لا أقصر فى ذلك 0
(2) أخرجه أبو داود فى سننه فى 23 كتاب الأقضية ، 11 - باب اجتهاد الرأى فى القضاء جـ 4 ص 303 رقم الحديث 3592 مرجع سابق ، وقال عنه ابن قيم الجوزية ( فهذا الحديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك ، لأنه يدل على شهرة الحديث ، وإن الذى حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم ، وهذا أبلغ فى الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمى ، كيف وشهــرة أصحـاب معاذ بالعلم والدين والفضل بالمحل الذى لا يخفى ولا يعرف فى أصحابه متهم ، ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم ) انظر أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية جـ 1 ص 202 مرجع سابق 0
(3) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصارى الخزرجى أبو عبد الله المدنى ، أسلم وهو ابن ثمانى عشرة سنة ، وكان صحابيا جليلا كبير القدر – شهد بدرا وما بعدها ، وكان أحد الأربعة من الخزرج الذين جمعوا القرآن فى حياة النبى -r - وهم أبى بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد عمر بن أنس بن مالك ، وقال عنه عمر بن الخطاب إن معاذا يبعث أمام العلماء بربوة ، وقال عنه ابن مسعود : كنا نشبهه بالخليل إبراهيم ، وقيل توفى سنة 19 هـ ، انظر فى تفصيل ذلك البداية والنهاية جـ 7 ص 90 ، خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال - صفى الدين أحمد عبد الله الخزرجى الأنصارى - المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى سنة 1322 هـ ص 324 0
- 49 -
1- تولية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، كعب بن سور القضاء ، فقد روى أن كعب بن سور كان جالسا عند عمر بن الخطاب فجاءته امرأة فشكرت عنده زوجها فقالت : يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى هو من خير أهل الدنيا ، يقوم الليل حتى الصباح ، ويصوم النهار حتى يمسى " ثم أدركها الحياء ، فقال أمير المؤمنين ( جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثناء ) ، فلما ولت قال كعب بن سور : ( يا أمير المؤمنين ، لقد أبلغت فى الشكوى إليك ، فقال : وما اشتكت ؟ قال : زوجها ، شكته أنه يتجنب فراشها ، قال عمر على بها ، وقال للمرأة : لا بأس بالحق أن تقوليه إن هذا وأشار إلى كعب بن سور زعم أنك جئت تشتكين زوجك أنه يتجنب فراشك ؟ قالت أجل ، إنى امرأة شابة وأبتغى ما يبتغى النساء ، فقال أمير المؤمنين لكعب : اقض بينهما قال كعب أمير المؤمنين أحق أن يقضى بينهما ، قال عمر رضى الله عنه إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له ، فقــال كعــب بن سور إن الله تعالى يقول ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) (1) فإنى أرى كأنها عليها ثلاثة نسوة هى رابعتهن فأقضى له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة ، فقال عمر ، ( هذا أعجب إلى من الأول ) اذهب فأنت قاض على البصرة (2) 0
فتولية كعب بن سور قضاء البصرة وان كان قد تم بطريق الصدفة ، إلا أنه يمكن ردها إلى الطريقتين السابقتين وهما تقدم المعرفة بالقاضى والاختبار معا لأن كعب بن سور كان معروفا عند سيدنا عمر ومعلوم تقواه وورعه وإلا لما كان من جلساء سيدنا عمر ، كما يعتبر فهمه لشكوى المرأة على الرغم من أنها لم تصرح بشكواها من قبيل الاختبار الذى كشف عن أهليته ورجاحة عقله وحسن تصرفه بمراعاة أنه يباح للرجل أن يتزوج أربع نسوة فيكون تركه لزواج الثلاث الأخريات من باب ترك المباح له فمن حقه أن يستفيد بهذا الوقت فى العبادة والتقرب إلى الله 0
مما سبق يتبين لنا أن تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى سواء كان طريق تقدم المعرفة بالقاضى أو عن طريق الاختبار فهو أمر منوط بالإمام أو نائبه ولذلك فال الإمام الماوردى :
____________
(1) سورة النساء الآية رقم 3 0
(2) الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية - للإمام ابن قيم الجوزية تحقيق د/ محمد جميل غازى - مكتبة ومطبعة المدنى - جده سوق الندى ص 33 0
- 50 -
( فأما الأصل فهو الإمام المستخلف على الأمة ، فتقليد القضاء من جهته فرض يتعين عليه لأمرين ، أولهما لدخوله فى عموم ولايته ، وثانيهما أن التقليد لا يصح إلا من جهته ) (1) 0
وإذا كان تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى أمرا منوطا بالإمام أو نائبه فذلك لاعتباره ممثل الأمة وراعى مصالحها والقائم على تسيير شئونها فإن هذا يعتبر أول حصانة حرص الفقه الإسلامى على إمداد القاضى بها لأن فى ذلك دعما لمركزه بين الرعية وحفظا لمهابته وحماية له تجاه ذوى السلطة والنفوذ 0
كيفية انعقاد ولاية القضـاء :
تنعقد ولاية القضاء بما تنعقد به جميع الولايات العامة ، ففى حالة الحضور تنعقد مشافهة بالألفاظ وفى حالة الغيبة تنعقد بالكتابة لكن لا بد مع الكتابة من اقتران شواهد الحال بها مما يدل عليها عند المولى وأهل عمله ، والألفاظ التى تنعقد بها هذه الولاية إما أن تكون صريحة وهى أربعة ألفاظ هى قلدتك ، ووليتك ، واستخلفتك ، واستنبتك 0
وإما أن تكون ضمنية كأن يقول الإمام للشخص اعتمدت عليك ، أو عولت عليك ، ورددت الأمر إليك ، أو جعلت إليك أو فوضت إليك أو وكلت إليك أو أسندت إليك (2) 0
شروط صحة تعيين القاضى :
حتى يكون تعيين القاضى صحيحا لابد من توافر عدة شروط هى :
1- معرفة الإمام أو نائبه بتحقق شروط صحة توليه للقضاء فيه ، وأنه على الصفة التى يجوز معها أن يلى القضاء ، فإن لم يعلم الإمام أو نائبه بتوافر تلك الشروط فيه وأهليته للقضاء لم يصح تعيينه ولذلك يقول الإمام الماوردى ( لابد مــن معرفـــة المولى للمولى بأنه على الصفة التى يجوز أن يولى معها القضاء ، فإن لم يعلم أنه علـــى الصفــة التى يجـــوز معها تلك الولاية لم يصح تقليــده ) (3) 0
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 137 مرجع سابق 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 20 مرجع سابق ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 297 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 69 مرجع سابق 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى ص 69 مرجع سابق 0
- 51 -
2- أن تكون صيغة التعيين دالة على تولية القضاء دون إبهام أو غموض فلا يصح تولية واحد من الإثنين دون أن يحدد أيهما ، وكذلك لو قال الإمام يلى القضاء أحد المجتهدين فى تلك البلد فإنه لا يعتبر تقليدا صحيحا 0
3- تحديد المكان الذى سوف تشمله ولاية القاضى إذ لا تصح الولاية مع أى نوع من أنواع الجهالة التى تحول دون معرفة القاضى محل ولايته واختصاصه (1) 0
حكم قبول القاضى لعقد القضـاء :
يرى بعض الفقهاء أن القاضى لا يلزم بقبول عقد القضاء لأن عقد القضاء من العقود الجائزة فى حق المولى والمولى لأنه استنابه كالوكالة فلا يلزم فى حق واحد منهما (2) 0
وأرى أن قبول القاضى لعقد القضاء يرتبط بالحكم الشرعى فى توليه للقضاء فإن كان تولى القضاء فى حقه فرض عين كما لو لم تتحقق شروط صلاحيتة لتولى القضاء إلا فيه ولم يوجد غيره يجب عليه تولى القضاء ولولى الأمر أن يجبره على التعيين ويلزمه بالقبول إذا امتنع ، أما إذا كان تولى القضاء فى حقه محرما نظرا لجهله أو لفسقه أو لعدم أهليته للقضاء فيحرم عليه قبوله لأن قبوله القضاء حينئذ طريق إلى المحرم حيث لايتأتى له الحكم بما أنزل الله ولا يمكنه أن يحقق العدل بين الناس لاختلال شرط العدالة فيه ، أما إذا كان تولى القضاء فى حقه مكروها كان قبوله القضاء كذلك مكروها ، أما إذا كان تولى القضاء فى حقه مندوبا كان قبوله للقضاء كذلك مندوبا ، وعلى هذا فإن قبول القاضى لعقــد القضاء يرتبط وجودا وعدما مع حكم التولية ويدور معــه 0
_____________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 22 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 69 مرجع سابق ، أدب القضاء لابن أبى الدم ص 91 وما بعدها مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 50 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى ص 70 مرجع سابق ، أدب القاضى للماوردى مرجع سابق جـ 1 ص 180 ، أدب القضاء لابن أبى الدم ص 92 0
- 52 -
الفرع الثانى
كيفية إختيار القاضى وتعينه فى القانون الوضعى
تمهيد :-
مما لاشك فيه أن تحديد الطريقة التى يتم على أساسها اختيار القاضى من المسائل القانونية الهامة ، لما يترتب على حسن اختيار القاضى من ضمان وجود قضاء عادل ، ولذلك فإن الأنظمة القضائية المختلفة تجتهد فى وضع القواعد والطرق التى تضمن دخول أفضل الأشخاص المؤهلة لتولى هذه الوظيفة وتقرر لهم من الضمانات ما يجعلهم آمنين فى حاضرهم ومستقبلهم وما يضمن حسن سير القضاء وكفالة استقلالهم فى أداء وظيفتهم (1) 0
وطرق اختيار القاضى فى القانون الوضعى متنوعة ومتعددة واختيار إحداها يتوقف أساسا على الظروف السياسية والاجتماعية والقيم السائدة فى كل بلـد (2) 0
وبادىء ذى بدء يقصد بالقاضى هو كل من يتولى منصب القضاء سواء كان قاضيا فى المحاكم الابتدائية أو مستشارا فى محاكم الاستئناف أو فى محكمة النقض (3) 0
وعرفه البعض بأنه هو كل من يشتغل بالقضاء بغض النظر عن درجته (4) 0
وقد عرفت الدول نظامين مختلفين لاختيار القاضى هما :
1- نظام الانتخاب 2- نظام التعيين (5) 0
وسوف نعرض فيما يلى بمشيئة الله تعالى وتوفيقه بشىء من التفصيل لهذين النظامين ثم نعرض إلى النظام المتبع لاختيار القاضى فى نظام القضاء المصرى 0
____________
(1) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 34 ص 69 مرجع سابق 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى - بند 103 ص 193 مرجع سابق 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 39 ص 48 مرجع سابق 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 33 ص 68 0
(5) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 132 وما بعدها - مرجع سابق ، الوسيط د/ فتحــى والى بند 104 ، 105 ص 192 ، الوجيز فـــى المرافعــات د/ محمد محمود إبراهيم ص 90 0
- 53 -
أولا : نظام اختيار القاضى عن طريق الانتخاب :
يتحقق اختيار القاضى عن طريق الانتخاب بإحدى طريقتين :
الطريقة الأولى : الانتخاب بواسطة المواطنين أو الشعب 0
الطريقة الثانية : الانتخاب بواسطة الهيئة القضائية ذاتها (1) 0
أ - وبالنسبة للطريقة الأولى : فهى تعنى أن يتم اختيار القاضى بانتخاب عامة الشعب له ، وهذا النظام يؤخذ به فى بعض الدول منها سويسرا وذلك بالنسبة لاختيار قضاة المقاطعات السويسرية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكيــة وكذلك كان يأخذ بهذا النظام الاتحاد السوفيتى سابقا (2) 0
مزايا هذه الطريقـة :
1- تحقق هذه الطريقة إذا كان الانتخاب قد تم على أكمل وجه ومعبرا عن إرادة الشعب استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية وتجعل القاضى بمنأى عن تأثير السلطات الأخرى عليه وخصوصا السلطة التنفيذية فيتحقق مبدأ الفصل بين السلطات (3) 0
2- تؤدى هذه الطريقة إلى اهتمام الشعب بالقضاء وبث الثقة والصلة بين المحكمة والشعب كما تؤدى إلى تبسيط الإجراءات حتى يستطيع القاضى المنتخب تطبيقها (4) 0
3- أن هذه الطريقة تتمشى مع مبدأ الأمة مصدر السلطات ، فكما أن الأمة باعتبارها مصدر السلطات تختار رجال السلطة التشريعية فيجب كذلك أن تختار رجال القضاء (5) 0
____________
(1) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 192 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هنيف بند 119 ص 132 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 192 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 18 ص 132 0
(5) الوسيط فى قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ رمزى سيف الطبعة التاسعة سنة1969بند 27 ص 41 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 90 0
- 54 -
عيوب هذه الطريقـة :
1- أن هذه الطريقة تجعل القاضى المنتخب فى حاجة إلى جمهور المتقاضين لانتخابه مرة أخرى فيعمل على ارضائهم حتى يعيدوا انتخابه مرة أخرى فيفقد بذلك استقلاله ونزاهته (1) 0
2- أن هذه الطريقة لا يمكن عن طريقها اختيار الشخص الأكثر كفاءة وعلما قانونيا وخبرة المطلوب توافرها فى الشخص الذى يتولى القضاء وذلك لأن جمهور الناخبين يفتقد الوسيلة الفنية التى تمكنه من الاختيار والترجيح بين الكفاءات فضلا عن أن الناخب يميل إلى انتخاب من يتفق مع ميوله وآرائه السياسية مما يؤدى إلى جعل عملية اختيار القاضى عملية سياسية وحزبية (2) 0
3- أن انتخاب القاضى لمدة معينة وهى مدة انتخابه من شأنه أن يجعل وظيفية القاضى وظيفة مؤقتة مما يفقد القاضى استقراره ويخل بحسن سير القضاء (3) 0
الطريقة الثانية : الانتخاب بواسطة الهيئة القضائية :
ومضمون هذه الطريقة أن يتم اختيار القاضى عن طريق انتخاب الهيئة القضائية ذاتها له أى انتخاب القاضى بواسطة زملائه (4) 0
مزايا هذه الطريقـة :
تتميز هذه الطريقة بأنها توكل أمر اختيار القاضى إلى من يملك تقدير كفاءته وحسن استعداده للقيام بمهمة القضاء (5) 0
عيوب هذه الطريقـة :
إن اختيار القاضــى عــن طريـق انتخاب أعضاء الهيئة القضائية ذاتها سوف يؤدى إلى استغلال
___________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 193 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 193 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 90 ، 91 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 133 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 193 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 40 ص 49 0
(4) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 132 ، 133 0
(5) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 0
- 55 -
أعضاء هذه الهيئة لعملية اختيار القاضى وذلك بقصر الاختيار على الأقارب والأصدقاء الأمر الذى يصير معه القضاء حكرا على طائفة معينة من الناس هم أقارب وأصدقاء الهيئة القضائية الأمر الذى يخل بمبدأ المساواة (1) 0
ثانيـا : نظام اختيار القاضى عن طريق التعيين :
أ - مضمون هذا النظام :
أن تقوم السلطة التنفيذية باختيار القاضى وتعيينه فى منصب القضاء ، وذلك على اعتبار أن السلطة التنفيذية أقدر من جمهور الناخبين على التعرف على الكفايات التى يجب توافرها فيمن يولى منصب القضاء ، فضلا عن أن القضاء مرفق من المرافق العامة فى الدولة فمن الطبيعى أن تعين الحكومة القاضى كما تعين باقى الموظفين فى الدولة ، وهذا النظام تأخذ به غالبية الدول ومنها مصـر (2) 0
ب - مزايا هذا النظام :
1- أن تعيين القاضى بواسطة السلطة التنفيذية فى الدولة هو أكثر الطرق اتفاقا مع المفهوم الحديث لسيادة الدولة 0
2- أن اختيار القاضى بواسطة التعيين عن طريق السلطة التنفيذية يتفق مع طبيعة الوظيفة القضائية التى تقتضى الدوام والاستمرار ، الأمر الذى يكفل للقاضى استقراره ويؤدى إلى حسن سير العدالة (3) 0
3- أن الأحكام التى يصدرها القضاه يصدرونها باسم الشعب ، ورئيس الدولة كممثل لهذا الشعب هو أصلح من يعينهم (4) 0
____________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 133 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 37 ص 71 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 91 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 0
- 56 -
جـ - عيوب هذا النظام :
أخذ على هذا النظام أنه رغم المزايا التى يتميز بهــا عن نظام اختيار القاضى عن طريق الانتخاب ، إلا أن هذا النظام بخل بمبدأ الفصل بين السلطات ، ويجعل اختيار القاضى فى يد السلطة التنفيذية وهو أمر شديد الخطورة ، لأنه لا يكفل استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية ويؤدى إلى خضوع القاضى للحكومة التى عينته (1) 0
الرد على النقد الذى وجـه لهذا النظام :
رد جانب من الفقه القانونى على النقد الذى وجه لهذا النظام أنه رغم العيوب التى وجهت لهذا النظام إلا أن ذلك لا يقلل من وجاهته لأنه يتفق مع طبيعة الوظيفة القضائية التى تقتضى الدوام والاستمرار الأمر الذى يكفل للقاضى استقراره ويؤدى إلى حسن سير العدالة ، أما كون هذا النظام يخل بمبدأ الفصل بين السلطات فهذا مردود عليه ، بأن الفصل المطلق بين السلطات يكاد يكون مستحيلا ، أما الخوف من خضوع القاضى للحكومة التى عينته فدفعا لهذا الخوف تحرص التشريعات والنظم القضائية المختلفة من ناحية على النص على شروط موضوعية معينة يجب اتباعها عند تعيين القضاة فلا يترك الأمر المطلق لتقدير وإرادة السلطة التنفيذية ، ومن ناحية أخرى تنص على ضمانات تكفل استقلال القاضى فى مواجهة الحكومة (2) 0
ثالثا : كيفية اختيار القاضى فى نظام القضاء المصرى :
أخذ نظام القضاء المصرى بنظام تعيين القاضى عن طريق السلطة التنفيذية ، ولكن سلطتها فى فى ذلك ليست سلطة مطلقة وإنما تخضع للشروط والضوابط التى وضعها المشرع ، واشترط توافرها فيمن يتولى منصب القضاء ، ولا تستطيع السلطة التنفيذية تخطيها أو الخروج عليها وبالتالى تعتبر هذه الشروط قيدا على حرية السلطة التنفيذية عند تعيينها للقاضى (3) 0
___________
(1) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 37 ص 71 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 0
(2) الوسيط د / فتحى والى بند 105 ص 193 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 37 ص 71 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 91 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم - الطبعة الثانية سنة 1991م ص 123 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 ، النظــام القضائى والاختصــاص د/ أمنيــة النمر طبعة سنة 1984 بند 27 ص 54 0
- 57 -
رابعـا : الموازنة بين الشريعة والقانون فى كيفية تعيين القاضى :
تحدثنا فيما سبق عن كيفية تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى ثم فى ظل القضاء المصرى وتبين لنا أن القاضى فى الفقه الإسلامى لا يتم تعيينه إلا من قبل الإمام أو نائبه ، كما أن القاضى فى ظل النظام القضائى المصرى يتم تعيينه عن طريق السلطة التنفيذية وليس عن طريق الانتخاب ، وبذلك يتضح لنا أن القانون المصرى متفقا مع الشريعة الإسلامية فى كيفية تعيين القاضى مع الالتزام بتوافر شروط معينه فيمن يتولى منصب القضاء وهذه الشروط سنذكرها تفصيلا فى المطلب التانى 0
المطلب الثانى
الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
لكى نتحدث عن الشروط الواجب توافرها فى القاضى فهذا يتطلب منا أن نتعرض إلى ذلك من خلال فرعين هما :
• الفرع الأول : الشروط الواجب توافرها فى القاضــى فى الفقه الإسلامى 0
• الفرع الثانى : الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى القانون الوضعى 0
الفرع الأول
الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى الفقه الإسلامى
تمهيد :-
القاضى فى الإسلام لا يولى جزافا وإنما لابد من توافر شروط معينة حددها الفقه الإسلامى فى الشخص الذى يتولى القضاء حتى يصح توليته ولذلك بين فقهاء المسلمين هذه الشروط وبينوا أنه لا يجوز للإمام أو نائبه أن يولى شخصا هذا المنصب الخطـير إلا إذا تأكد من تحقق شروط صلاحيته للقضاء وتوافرها فيه ويجب على الإمام أن يجتهد فى التحقق من ذلك لنفسه وللمسلمين ولا يحابى أحدا ولا يقصد بالتوليه إلا وجه الله تبارك وتعالى والهدف من اشتراط الفقهاء لهذه الشروط هو الاحتياط بقدر الإمكان فى أن تكون الأحكام الصادره فى القضايا أحكاما شرعية صادرة من ذى أهلية صالحة لإصدار هذه الأحكام 0
وسوف نعرض بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا الفرع لهذه الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء موضحين الخلاف بين الفقهاء فيما فيه خلاف :
- 58 -
الشرط الأول : الإسلام :
اتفق الفقهاء على أن الإسلام شرط فيمن يتولى القضاء ولم يخالف فى ذلك أحد وذلك إذا كان الخصوم مسلمين أو كان بعضهم مسلما والبعض الآخر غير مسلم ، فلا يصح أن يتولى القضاء كافر بين مسلم ومسلم أو بين مسلم وكافر (1) ، وذلك لأن القضاء ولاية ، ولاولاية لكافر على مسلم بقوله تعالى ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) (2) 0
وجـه الدلالة من الآية :
أى لن يحعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم (3) 0
والمراد بالسبيل هو القيام على شئون الغير أو الحجـة 0
ولفظ ( سبيلا ) عام لأنه نكرة وقعت فى سياق النفى فتفيد العموم فيكون الله سبحانه وتعالى قد نفى قيام الكافر بشئون المسلم ، فلا يلى أمراً له سواء أكان ولاية على مال أو على نفس أو على قضاء (4) 0
وعلى هذا فاشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين المسلمين أمر أجمع عليه فقهاء المسلمين -رضى الله عنهم - ، ولكنهم اختلفوا فى مدى اشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين غير المسلمين إلى رأيين توضحهما فيما يلـى :
____________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 13 مرجع سابق ، شرح فتح القدير جـ 7 ص 252 ، رد المحتار على الدر المختار جـ 4 ص 298 مرجع سابق ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 23 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 374 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية الماوردى ص 65 ، أدب القاضى لابن أبى الدم ص 70 0
(2) سورة النساء الآية رقم (140) 0
(3) أحكام القرآن - لأبى بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربى - تحقيق على محمد الحاوى - دار لمعرفة للطباعة والنشر - بيروت لبنان - الجزء الأول ص 510 0
(4) أنوار التنزيل وأســرار التأويـل ( المعروف بتفسير البيضاوى ) تأليف ناصر الدين أبى سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازى البيضاوى - مطبعة دار الجيل ص 132 0
- 59 -
الرأى الأول : ذهب جمهــور الفقهاء ومنهــم المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) والظاهرية (4) والشيعة والزيدية (5) إلى أنه يشترط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين غير المسلمين كاشتراطه فيمن يتولى القضاء بين المسلمين فلا يجوز عندهم أن يتولى الكافر القضاء ولو على كفار مثله 0
الرأى الثانى : ذهب الحنفية (6) إلى أنه لا يشترط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين غير المسلمين فيجوز عندهم أن يتولى الكافر القضاء بين كفار مثله 0
أدلة الرأى الأول : ( جمهور الفقهـاء ) :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم بعدم جواز تولية الكافر القضاء ولو على كفار مثله بما يلـى:
أولا : من الكتاب :
1- قوله تعالى ( قاتلــوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق مــن الذين أوتوا الكتــاب حــتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغــرون ) (7) 0
وجه الدلالة من الآيـة :
أنه لو تولى الكافر القضاء لترتب على ذلك تنفيذ أحكامه التىقضى بها وهذا يتنافى مع الصغار
____________
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد - تأليف الإمام أبى الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبى - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان - الطبعة العاشرة سنة 1408هـ سنة 1988م الجزء الثانى ص460 ، بلغة السالك لأقرب المسالك - للصاوى - جـ 2 ص 305 مرجع سابق 0
(2) نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 مرجع سابق ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 361 بند 1561 مرجع سابق 0
(3) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 مرجع سابق 0
(4) المحلى لابن حزم الظاهرى جـ 10 ص 238 مرجع سابق 0
(5) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار - جـ 6 ص 120 مرجع سابق 0
(6) شرح فتح القدير لكمال بن الهمام جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، رد المختار على الدر المختار جـ 4 ص 299 مرجع سابق 0
(7) سورة التوبة الآية رقم (29) 0
- 60 -
الذى ذكرته الآية الكريمة فالصغار لازم له فلا يجوز تقليده القضاء (1) 0
2- قوله تعالى ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) (2) 0
وجه الدلالة من الآية :
أن الخطاب فى هذه الآية للمسلمين وهذه الآية تشترط العدالة فى الشاهد والكافر ليس بعدل ، وإذا كان غير عدل لا تصح شهادته ومن لا تصح شهادته لا يصح قضاؤه (3) 0
3- قوله تعالى ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) (4) 0
وجـه الدلالة من الآيـة :
أن الله تعالى وصف الكافرين بالكذب والفسق وأكلهم أموال الناس بالباطل وبأنهم أكالون للسحت ومن كان بهذه الصفات لا تصح ولا تقبل شهادته وبالتالى لا يصح توليه القضاء 0
ثانيـا : من السنـة :
ما روى أن رسول الله r قال:( الإسلام يعلو ولا يعلى ) أخرجه البخارى فى صحيحه (5) 0
وجـه الدلالة من الحديث :
أنه فيه دليل على علو أهل الإسلام على أهل الأديان الأخرى فى كل أمر لإطلاقه فلو ولى الكافر القضاء فى دولة الإسلام - ولو على كفار مثله - لكان له ولاية فى دولة الإسلام مع أن الحديث يفيد أن لا يكون فيها ولاية لغير المسلم (6) 0
ثالثا : من القياس :
أن الفاسق ممنوع من تولى القضاء مع أنه أحسن حالا من الكافــر فيكــون الكافر من باب أولى
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 632 بند رقم 1566 مرجع سابق 0
(2) سورة الطلاق الآية رقم (2) 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 مرجع سابق 0
(4) سورة المائدة الآية رقم 42 0
(5) فتح البارى بشرح صحيح البخارى للإمام الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلانى ، حققه محب الدين الخطيب ، رقم كتبه وأبوابه محمد فؤاد عبد الباقى ـ، طبعة دار الريان للتراث جـ 3 باب إذا أسلم الصبى فمات . هل يصلى عليه ؟ ص 258 0
(6) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 632 بند 1566 مرجع سابق ، سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 67 وما بعدها مرجع سابق 0
- 61 -
ممنوعا من تولى القضاء ولو على كفار مثله لأنه من أفسق الفساق (1) 0
رابعـا : من المعقــول :
أن القصد من القضاء فصل الأحكام والكافر جاهل بها وأما جريان العادة بنصب أهل الذمة قاضيا عليهم فإنما هو تقليد زعامة ورياسة لا تقليد حكم وقضاء ولذلك لا يلزمون بالتحاكم إليه ولا يجبرون عليه إذا لم يرتضوه ويكون حكم الإسلام هو النافذ عليهم (2) 0
أدلة الرأى الثانى " رأى الحنفيـة " :
استدل الحنفية على جواز تولى الكافر القضاء على كفار مثله بما يلـى :
أولا : من الكتاب :
قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعــض ) (3) 0
وجـه الدلالة من الآية :
أن هذه الآية الكريمة أفادت أن للكفار ولآية على بعضهم البعض فيتناول هذا أن لهم ولاية القضاء على بعضهم البعض (4) 0
مناقشة الاستدلال بالآيـة :
نوقش هذا الاستدلال من الاية بأنها محمولة على الموالاة لا على الولاية (5) 0
ثانيـا : دليل الحنفية من القياس :
استدلوا بقياس القضاء على الشهادة فلما كان يصح للذمى أن يشهد على ذمى مثله فكذلك يصح للذمى أن يقضى على ذمى مثله (6) 0
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 632 بند 1566 مرجع سابق ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 مرجع سابق 0
(2) المراجع السابقـة 0
(3) سورة المائدة الآية رقم (51) 0
(4) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 633 بند رقم 1564 مرجع سابق 0
(5) المرجع السابق جـ 1 ص 633 بند 1570 0
(6) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 299 0
- 62 -
مناقشة استدلالهم بالقياس :
أن هذا القياس مع الفارق ووجه الفرق أن القضاء ولاية عامة أما الشهادة فهى ولاية خاصة قاصرة على موضوع الشهادة وليس كل من يصلح للولاية الخاصة يصلح للولاية العامة (1) 0
ثالثا : دليل الحنفية من العـرف :
أن العرف جرى فى البلاد الإسلامية منذ فجر التاريخ الإسلامى على تعيين قضاة من أهل الذمة ليحكموا فيما بينهم يؤيد ذلك نصب أو تقليد عمرو بن العاص على الأقباط فى مصر قضاة منهم وذلك فى عهد عمر بن الخطاب وعندما بلغه ذلك أقره وهذا هو أصل القضاء الملى فى مصـــر (2) 0
مناقشة الاستدلال من العـرف :
أن العرف الجارى بتقليد أهل الذمة القضاء على أهل دينهم إنما هو مجرد تقليد زعامة ورياسة وليس بتقليد حكم وقضاء 0
بدليل : أنهم لو امتنعوا من التحاكم إلى غير المسلم لا يجيرون على ذلك وعليهم إذا شاءوا أن يتحاكموا إلى قاض من قضاة المسلمين ، فضلا عن أن رئيس الدولة الإسلامية لا يلزم بالحكم الذى قضى به القاضى غير المسلم وله إذا شاء أن يعيد النظر فــى القضية بنفسه أو بواسطة قاض مسلــم ، أمــا لزوم حكمه لأهل دينه فمــا ذلك إلا لأنهم إلتزموه بتحاكمهــم إليـــه لا للزومه لهم (3) 0
الرأى الراجح من وجهة نظر الباحث :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مسألة حكم تولى الكفار القضاء على بعضهم البعض وأدلة كل رأى ومناقشتها أرى أن الرأى الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم جواز تولية الكافر
____________
(1) نظام القضاء فى الإسلام أ.د/ ابراهيم عبد الحميد ص 8 ، النظام القضاء الإسلامى د/ أحمد محمد مليجى - مكتبة وهبه - دار التوفيق النموذجية للطباعة الطبعة الأولى سنة 1405 ، سنة 1984 ص 102 0
(2) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 631 بند 1563 مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام أ.د/ إبراهيم عبد الحميد ص 5 وما بعدها 0
(3) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 633 بند 1572 مرجع سابق ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، القضاء وطرف الإثبات فىالفقه الإسلامى أ.د/ نصر فريد محمد واصل - مطبعة دار البيان - القاهرة سنة 1415خـ سنة 1994م ص 13 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
القضاء ولو على كفار مثله وذلك لقوة أدلتهم واشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء سواء كان بين المسلمين وغير المسلمين لأن القاضى المسلم يمنعه دينه من ظلم أحد ولا يستطيع كتمان شىء من تعاليم الإسلام بخلاف الكافر فليس عنده ما يمنعه من الكتمان ، خاصة وأن القرآن الكريم قد تحدث عن كتمانهم الكثير من الأحكام من ذلك قول الله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون ) (1) فضلا عن أن الله -سبحانه وتعالى- وصفهم بالكذب والفسق والظلم وأكل أموال الناس بالباطل ومن كان بهذه المثابة لا يجوز أن يتولى القضاء ، أما ما جرى به العرف من تولية بعض الولاة قضاة غير مسلمين ليحكموا بين أهل ملتهم فهو تقليد زعامة ورياسة وليس بتقليد حكم وقضاء 0
وبناء على ما تقدم أرى مع كثير من الباحثين (2) أنه ينبغى تصحيح الأوضاع القضائية فى مصر حيث تعم ولاية القاضى غير المسلم للمسلم فيما عدا مسائل الأحوال الشخصية ولغير المسلم ، وهذه منافاة صريحه للدستور المصرى الذى يقرر فى مادته الأولى أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للدستور 0
الشرط الثانى : البلـوغ (3) :
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز ولا يصح تولية الصبى القضاء ولا يصح قضـاؤه إن تولاه حــتى
___________
(1) سورة الأنعام الآية رقم (91) 0
(2) نظام القضاء فى الإسلام أ.د / إبراهيم عبد الحميد ص 6 وما بعدها 0
(3) البلوغ هو أساس التكليف ويحكم بالبلوغ متى ظهرت علاماته وهـى :
أ - الاحتلام بالنسبة للذكر والأنثى ، فقــد ذكــر الإمــام محمد فخر الدين الرازى فى تفسير قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ..... ) الآية رقم 58 سورة النور ، أن الفقهاء اتفقوا على أن الاحتلام بلوغ ، ولكنهم اختلفوا إذا بلغ الإنسان خمس عشرة سنة ولم يحتلم فذهب أبو حنيفة : إلى أنه لا يكــون الغلام بالغا حتى يبلغ ثمانى عشر سنة وفى الجارية سبع عشرة سنة 0 =
- 64 -
00000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000
_____________
=وذهب الشافعية وأبو يوسف ومحمد من الحنفية -رحمهم الله- إلى أن يحكم ببلوغ الغلام والجارية إذا بلغا خمس عشرة سنة ولم يحتلموا حجة الشافعى ومن معه : ما روى ابن عمر -رضى الله عنه- أنه عرض على النبى- r - يوم أحد وله أربع عشر سنة فلم يجزه ، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه 0
وقد اعترض أبو بكر الرازى على هذا الرأى بقوله : أن قوله تعالى ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) يدل على بطلان من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم لأن الله لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم لحديث ما روى عن -الى r - من جهات كثيرة ( رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبى حتى يحتلم ) ولم يفرق بين من بلغ خمس عشر سنة وبين من لم يبلغها ، فإن قيل هــذا الكلام يبطل التقدير أيضا من بلغ ثمانى عشر سنة ، أجاب : بأنا قد علمنا بأن العادة فى البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنيا على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان 0
وأما الخبر الذى استند إليه الشافعية ومن معهم فهو مضطرب لأن غزوة أحد كانت فى السنة الثالثة هجرية وغزوة الخندق فى السنة الخامسة من الهجرة فكيف يكون بينهما سنة ؟ ، ومع ذلك فإن الإجازة فى القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأن البالغ قد يرد لضعفه ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته على حمل السلاح ويدل على ذلك أنه -عليه الصلاة والسلام- ما سأله عن الاحتلام والسن ، يراجع فى ذلك التفسير الكبير ومفاتيح الغيب - للإمام محمد الرازى فخر الدين المتوفى سنة 604هـ - طبعة دار الفكر للطباعة والنشر - المجلد الثانى عشر الجزء (24) ص 30 وقال الراغب : الحلم زمان البلوغ وسمى الحلم لكونه جديرا بالحلم أى الأناه وضبط النفس عند هيجان الغضب ، يراجع فى ذلك روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى للعلامة أبى الفضل شهاب الدين السيد محمود الأولسى البغدادى المتوفى سنة 1270 هـ - مكتبة دار التراث - المركز الإسلامى للطباعة والنشر جـ 18 ص 211 0
وعبر عن الاحتلام بالبلوغ لأنه أقوى دلائله ، يراجع أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( المعروف بتفسير البيضاوى ) تأليف ناصر الدين أبــى سعيــد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازى البيضاوى مطبعة دار الجيل - ص 473 0
ب - الإنبات ، اختلف الفقهاء فى الإنبات هل يكون بلوغا أم لا ؟ أبو حنفية وأصحابه لم يجعلوه بلوغا ، أما الشافعى –رحمه الله - فقد جعله بلوغا 0
وحجة الشافعى رضى الله عنه ما رواه عطية القرظى أن النبى -بى r - أمر بقتل من أنبت من قريظة واستبقاء من لم ينبت ، قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فأستبقانى 0
- 65 -
ولو كان صبيا مميزا (1) أو اشتهر بالفطنة والذكاء لأنه لا ولاية له على نفسه فلا تصح ولايته على غيره من باب أولى ، ولا يتعلق بقوله حكم على نفسه فلا يتعلق بقوله حكم على غيره من باب أولى (2) 0
لما رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله -r - (تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان ) رواه أحمد (3) 0
________________
= وقد اعترض أبو بكر الرازى علــى الاستدلال بقولـــه : إن هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه (1) أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر والخبر فى نفى البلوغ إلا بالاحتلام 0 (2) أنه مختلف الألفاظ ففى بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفى بعضها من أخضر عذاره ، ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحالة إلا قد تقدم بلوغه (3) الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذلك لا للبلوغ 0
وقد رد الشافعى على ذلك : أن هذه الاحتمالات مردودة بما روى عن عثمان بن عفان سئل عن غلام فقال هل أخضر عذاره ؟
وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة يراجع التفسير الكبير ومفاتيح الغيب للرازى مرجع سابق المجلد الثانى عشر الجزء 24 ص 30 0
جـ - الحيض أو الحمل بالنسبة للأنثى 0
(1) يصير الصبى مميزا إذا بلغ سبع سنين من عمره 0
(2) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق تأليف العلامة فخر الدين عثمان بن على الزيلعى الحنفى - الطبعة الأولى المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر سنة 1314هـ جـ 4 ص 175 ، رد المحتار علــى الدر المختار جـ 4 ص 299 مرجع سابق ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 23 ، مغنىالمحتاج جـ 4 ص 375 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 619 بند 1805 مرجع سابق ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 مرجع سابق 0
(3) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده - طبعة دار الفكر العربى - جـ 2 ص 326 ، أخرجه أيضا ابن أبى شيبة فى المصنف - كتاب الفتن - باب من كره الخروج فى الفتنة وتعوذ منها جـ 15 ص 49 رقم الحديث 19082 حققه وصححه الأستاذ / عبد الخالق الأفغانى ، أخرجه أيضا الهيثمى فى المجمع ( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ) كتاب الفتن - باب الاستعاذه من رأس السبعين وغير ذلك جـ 7 ص 220 طبعة دار الكتاب العربى - الطبعة الثالثة بيروت - لبنان سنة 1402 هـ سنة 1982 0
- 66 -
وجه الدلالة من الحديث :
أن الرسول -r - أمرنا أن نتعوذ من إمارة الصبيان ولا يكون التعوذ إلا من شر فتكون إمارة الصبيان شرا ونحن ممنوعون من ارتكاب الشر فتكون توليتهم القضاء ممنوعة لأن ما يؤدى إلى الممنوع ممنوع 0
ولا يشترط أن يبلغ القاضى سنا معينة لتوليه القضاء بل لابد من الشرط الأساسى وهو توافر البلوغ الشرعى الذى يعتبر أساسا للتكليف فإذا كان الشخص بالغا وتوافرت فيه بقية الشروط الواجب توافرها فيه فيكون صالحا لتولى القضاء حتى ولو كان حديث السن ، لكن لو رأى من له سلطة تولية القضاء اشتراط بلوغ الشخص سن معينة لصلاحيته لتولى القضاء فهذا لا شىء فيه لأنه يدخل فى باب المصلحة ، ولكن لو قلد القضاء صبى فبلغ فهل يحتاج إلى تقليد جديد أم لا ؟ ذهب الحنفية إلى أنه ليس له أن يقضى بذلك الأمر الصادر له قبل البلوغ بل لابد من تولية جديدة بخلاف الكافر إذا تولى القضاء ثم أسلم والعبد إذا تولى القضاء ثم عتق فإنه يجوز لهما أن يقضيا بتلك الولاية من غير حاجة إلى تجديد ، كما لو تحمل العبد الشهادة حال رقه ثم عتق فإنه يجوز له الشهادة ، وبين الحنفية أن الفرق بين الكافر والعبد من جهة والصبى من جهة أخرى أن العبد والكافر لهما ولاية ولكن بهما مانع فإذا أسلم الكافر أو أعتق العبد فقد زال المانع ، أما الصبى فليس له ولاية أصلا (1) 0
الشرط الثالث : العقـــل (2) :
يشترط فيمـن يتولى القضاء أن يكون عاقلا فلا يصح ولا يجوز أن يتولى القضاء مجنون (3)أو
______________
(1) شرح فتح القدير جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 4 مرجع سابق ، القضاء فى الفقه الإسلامى د/ محمد رأفت عثمان سنة 1411 هـ سنة 1990م ص 42 ، محاضرات فى علم القضاء د/ عبد العال عطوه - ص 38 وما بعدها 0
(2) العقل هو عبارة عن ( ملكه يتأتى بها درك المعلومات ) وقيل هو معنى غير محسوس يمكن به الاستدلال من الشاهد على الغائب والاطلاع على عواقب الأمور والتمييز بين الخير والشر ، يراجع الأشباه والنظائر للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن على بن عبد الكافى السبكى المتوفى سنة 771 هـ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود ، والشيخ على محمد عوض طبعة دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان جـ 2 ص 17
(3) الجنون هو آفة تصيب الإنسان تبعث على الاقدام على ما ينافى مقتضى العقل من غير ضعف فى الأعضاء يراجع الملكية ونظرية العقد فى الشريعة الإسلامية أ.د/ أحمد فراج حسين طبعة سنة 1987م ص 224 ، المدخل لدراسة الفقـــه الإسلامــى د/ حسين حامد حسان - الطبعة الثانية سنة 1979 - مكتبة المتنبى ص 240 0
- 67 -
معتوه (1) أو مختل النظر بكبر أو مرض أو نحو ذلك ولا يكتفى بالعقل الذى هو مناط التكليف وإنما لابد من فضل فطنة وجودة رأى حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن الهوى والغفلة (2) فيتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكــل وفصــل ما أعضل ، فتكون القضية بين يديه فى مأمن من التخبط والتناقض أو إغفــال ما عســاه مؤثرا فى حكمه وهذا محل اتفاق بين الفقهــاء (3) 0
وقد اشتهر كثير من القضاة فى الإسلام بالذكاء والفطنة والفراسة التى أعانتهم على تبين وجه الحق رغم إنكار الخصوم وتحايلهم ومن هذا القبيل ما رواه المدائنى قال : استودع (4) رجل رجلا مالا ثم طلبه منه فجحده ، فخاصمه إلى إياس بن معاوية (5) ، فقال الطالب : إنى دفعت إليه المال ، قال إياس : ومن حضرك ؟ قال الرجل : دفعته إليه فى مكان كذا وكذا ولم يحضرنا أحد ، سأله إياس : فأى شىء كان فى ذلك الموضع ؟ أجاب الرجل : شجرة قــال إياس : فانطلق
(1) العته هو آفة تصيب العقل فتجعل صاحبه مختلط الكلام قليل الفهم ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعض كلامــه كلام المجانين ، يراجع المدخل لدراسة الفقه الإسلامى د/ حسين حامد حسان مرجع سابق ص 240 0
(2) الغفلة هى مرض يعترى الإنسان لا يهتدى معه إلى التصرفات الرابحة بسبب بساطته وسلامة قلبه ، مما يؤدى إلى غلبته فى المعاملات المالية يراجع تبين الحقائق شرح كنز الدقائق مرجع سابق جـ 5 ص 198 0
(3) شرح فتح القدير جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 620 بند 1510 0
(4) أى تركه عنده وديعة وأمانة 0
(5) هو إياس بن معاوية بن قره أبو وائله المزنى أحد عجائب الدنيا والمشهور بالذكاء النادر والفراسة الصادقة ، وكان يزين هذه الفراسة ويحلى ذلك الذكاء تقى وعفاف وفقه ودين وخشية لله ومراعاة لحدوده ومراقبة لأوامره ونواهيه وهو قاضى البصرة سنة 99 هـ وهو تابغى ولجده صحبه مع رسول الله- r -، وقد لقى من الصحابة أنس بن مالك وكانت تضرب الأمثال بذكائه فى الشعر والنثر ، فهذا أبو تمام يمدح أحد الأمراء فيقول : إقدام عمرو ، فى سماحة حاتم \ فى حلم أحنف ، فى ذكاء إياس . توفى سنة 122 هـ يراجع أعلام القضاء فى الإسلام د/ محمد إبراهيم الجيوش - الناشر دار النهضة العربية - دار الاتحاد العربى للطباعة ص 43 0
- 68 -
إلى ذلك الموضع فانظر إلى الشجرة فلعل الله يوضح لك هناك ما يتبين به حقك ، لعلك دفنت مالك عند الشجــرة ونسيت فتتذكر إذا رأيت الشجرة فمضى الرجل ، وقال إياس : للمطلوب ( أى المودع عنده المال ) اجلس حتى يرجع خصمك فجلس ، وإياس يقضى وينظر إليه ساعة ، ثم قال له : يا هذا ترى صاحبك بلغ موضع الشجره التى ذكر ؟ فقال : لا ، قال له : يا عدو الله إنك لخائن ، قال الرجل أقلنى أقالك الله وأمر إياس من يحتفظ به حتى جاء الرجل ، فقاله له إياس : قد أقر لك بحقك فخذه منه (1) 0
وكذلك من الأمثلة الدالة على شهرة القضاه فى الإسلام بالذكاء والفراسة وعدم الإغترار بمظاهر الخصوم ما رواه الشعبى : قال شهدت شريحا (2) القاضى وجاءته امرأة تخاصم رجلا فأرسلت عينيها تبكى ، فقلت يا أبا أمية ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة فقال يا شعبى إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون ) 0
ومن أهم الأسباب التى جعلت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقوم بتولية شريح القضاء اعجابه بذكائه وفراسته حيث روى الشعبى أن عمر بن الخطاب أخذ فرسا من رجل على سوم ، فحمل عليه رجلا ، فعطب عنده (3) ، فحاكمه صاحب الفرس ، فقال عمر : اجعل بينى وبينك حكما ، فقال الرجل : إنى أرضى بشريح العراقى فتحاكما إليه ، فقال شريح لعمر : أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى يردة صحيحا سليما ، فأعجب عمر بحكمه : فبعثه قاضيا على الكـوفة (4)0
____________
(1) المرجع السابق ص 75 وما بعدها ، الطرق الحكمية لابن القيم ص 35 مرجع سابق 0
(2) هو القاضى شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائشى بن الحارث بن معاوية بن ثور ، أبو أمية الكندى ، أحد العباقرة الذين أنجيتهم الأمة العربية ، ومن أوتوا البديهة الحاضرة ووهبوا العقل الراشد ، وكان شديد الصبر على طلب العلم وقد سئل يوما : بأى شىء أصبت هذا العلم فأجاب بمفاوضة العلماء ، آخذ منهم وأعطيهم ، وكان لا نظير له فى القضاء وفى هذا يقول الشعبى : كان شريح " أعلم بالقضاء ، واختلف فى تاريخ وفاته فقيل سنة 78 هـ ، وقيل سنة 86 هـ ، قضى من حياته خمسا وسبعين سنة قاضيا بين الناس ، يراجع أعلام القضاء فى الإسلام د/ محمد إبراهيم الجيوشى ص 11 ، 12 مرجع سابق 0
(3) أى هلـك 0
(4) أعلام القضاء فى الإسلام المرجع السابق ص26، 38 ، الطرق الحكمية لابن القيم ص 34 مرجع سابق 0
- 69 -
وعلى هذا لا يشترط فى القاضى أن يكون عاقلا فقط بل لابد أن يكون ذكيا فطنا عارفا بأحوال الناس وأخلاقهم 0
الشرط الرابع : الحريــة :
اختلف الفقهاء فى الفقه الإسلامى فى حكم تولى العبد القضاء إلى رأيـين همـا :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) والإمامية فى المرجوح عندهم (5) والشيعة (6) إلى عدم جواز تولى العبد القضاء واشتراط الحرية فيمن يتولى القضاء 0
الرأى الثانى : ذهب ابن حزم الظاهرى (7) والزيدية (8) والإمامية فى الراجح عندهم (9) إلى جواز تولى العبد القضاء وعدم اشتراط الحرية فيمن يتولى القضاء 0
______________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها ، شرح فتح القدير جـ 7 ص 252 ، وأما ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن الحنفية يرون أن الحرية تعتبر شرطا فى نفاذ الحكم وليست شرطا فى التولية اعتمادا على قول الكمال بن الهمام فى فتح القدير ( قلد عبد فعتق جاز أن يقضى بتلك الولاية من غير حاجة إلى تجديد وقاس ذلك على تحمل الشهادة ) فهذا مردود عليه بما قاله الكاسانى فى بدائع الصنائع (الصلاحية للقضاء لها شرائط منها العقل ومنها البلوغ ومنها الإسلام ومنها الحرية ... " فالصلاحية تعنى أهلية التولية فتكون الحرية التى هى من بين هذه الشروط شرطا فى صحة التولية ، والذى يظهر من عبارة الكمال بن الهمام أنه يريد أن يقول أن الرق مانع من صحة التولية لأن المانع قسمان : مانع من السبب ومانع من الحكم فالمانع هنا وهو الرق مانع من الحكم وهو صحة التولية ، فإذ زال المانع وهو الرق صحت التولية لأن بزواله تحقق الشرط وهو الحرية فلا حاجة إلى تحديد الولاية 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ 2 ص 460 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1553 0
(4) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 مرجع سابق 0
(5) المختصر النافع فى فقه الإمامية تأليف أبى القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلبى المتوفى سنة 676 هـ الطبعة الثانية مطبعة وزارة الأوقاف ص 279 0
(6) السلطة القضائية فى الإسلام د/ شوكت عليان ص 90 مرجع سابق 0
(7) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(8) البحر الزخار جـ 6 ص 119 مرجع سابق 0
(9) المختصر النافع ص 279 مرجع سابق 0
- 70 -
أدلة الرأى الأول : " الجمهـور " :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم بعدم جواز تولى العبد القضاء سواء كان عبدا مدبرا (1) أو مبعضا (2) أو مكاتبا (3) أو قنـا (4) 0
أولا : من الكتــاب :
1- قوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ) (5) 0
وجـه الدلالـة من الآية :
إن هذه الآية تدل على عدم قدرة العبد على القيام بولاية القضاء لأن القضاء من أعظم الولايات ، لمن يتولاها سلطة الإلزام ، والعبد لا ولاية له على غيره لأنه لا ولاية له على نفسه فمن باب أولى لا ولاية له على غيره (6) 0
2- قوله تعالى ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) (7) 0
وجـه الدلالة من الآيـة :
هذه الآية الكريمة تدل على اشتراط العدالة فى الشاهد والعدل هو الذكر البالغ العاقل الحر غير متصف بالفسق وإذا كان الشاهد غير متصف بهذه الصفات التى ذكرت كانت شهادته غير مقبولة وإذا لم تكن مقبولة لا يصح قضاؤه بناء على أن من تصح شهادته يصح قضاؤه 0
_____________
(1) العبد المدبر هو ما كان عتقه معلقا على موت سيده 0
(2) العبد المبعض هو من كان بعضه حرا وبعضه رقيقا كأن يشترك اثنان فى ملكية عبد بميراث ، أو بشراء أو بغير ذلك من أسباب التملك المشروعة ، ثم أعتق أحدهما نصيبه 0
(3) العبد المكاتب هو من كاتبه سيده على دفع مبلغ من المال مقابل عتقه 0
(4) العبد القن : بكسر القاف وتشديد النون هو من لم يتصل به شىء من أحكام العتق ومقدماته أى خالص العبودية . انظر فى ذلك كفاية الأخيار فى حل غاية الاختصار تأليف الإمام تقى الدين أبى بكر محمد الحسنى الحصنى الدمشقى الشافعى ، طبع على نفقة الشئون الدينية بقطر - الطبعة الثالثة 0جـ2 صـ546 وما بعدها
(5) سورة النحل الآية رقم (75) 0
(6) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1553 0
(7) سورة الطلاق الآية رقم (2) 0
- 71 -
ثانيـا : من القياس :
استدلوا بقياس القضاء على الشهادة بجامع الولاية فى كل ، لأن الرق لما منع قبول شهادة العبد كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية لأن العبد لا يلى أمر نفسه فمن باب أولى لا يلى أمر غيره (1) 0
أدلة الرأى الثانى : استدل ابن حــزم الظاهــرى ومــن معه على جواز تولى العبد القضاء بما يلى :
أولا : من الكتاب :
1- قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (2) 0
وجه الدلالة من الآية الكريمـة :
إن خطاب الله سبحانه وتعالى موجه لجميع خلقه بأن يحكموا بالعدل سواء كان رجلا أم امرأة حرا أم عبدا ، فالعبد داخل فى هذا الخطاب ولا وجه للتفرقة بين الحر والعبد فى ذلك لأن الدين كله واحد إلا حيث جاء نص صريح يفرق بين الرجل والمرأة والحر والعبد فيستثنى حينئذ من إجمال الدين (3) 0
2- قولـه تعالى ( ولتكن منكم أمـــة يدعـــون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (4) 0
وجـه الدلالة من الآية الكريمـة :
إن العبد مخاطب ومكلف بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفى تولية القضاء إيصال الحقوق إلى أهلها والعمل على فض المنازعات وقطــع الخصومـات ، وهى من أعظم أبواب الأمر
_____________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 4 ، تبصـرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1553 0
(2) سورة النساء الآية رقم (58) 0
(3) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(4) سورة أل عمران الآية رقم (73) 0
- 72 -
بالمعروف والنهى عن المنكر فالآية فى ذلك لا تفرق بين حر وعبد ، فبقيت على عمومها تتناول الحر والعبد (1) 0
ثانيـا : من السنـة :
أنه صح عن رسول الله -r - من طريق شعبة عن أبى عمران الحوفى عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر أنه انتهى إلى الربذة (2) - وقــد أقيمت الصلاة - فإذ عبد يؤمهم ، فقيل له : هذا أبو ذر ، فذهب يتأخر ، فقال أبو ذر : أوصانى خليلى - يعنى رسول الله -r - أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف (3) ، (4) 0
وجـه الدلالـة :
قال ابن حزم فهذا نص جلى وصريح علــى ولايــة العبـــد وهو فعل عثمان بحضرة الصحابة لا ينكر ذلك منهم أحد (5) 0
ثالثا : من القياس :
جواز تولى العبد القضاء قياسا على جواز فتياه وروايته (6) 0
الرد على استدلالهم بالقياس :
أنه قياس فاسد لأمرين :
الأول : أنه لما كان مولى عليه لم يجز أن يكون واليا 0
______________
(1) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(2) الربذة هى موضع بالبادية بين مكة والمدينة قريب من مدينة رسول- الله r - وهى منازل الحاج من العراق وبها قبر أبى ذر الغفارى – رضى الله عنه - يراجع تهذيب الأسماء واللغات لأبى زكريا محى الدين بن شرف النووى طبعــة دار الكتب العلمية بيروت جـ 3 ص 131 ، فتح البارى بشرح صحيح البخاري جـ 13 ص 45 0
(3) مجدع الأطراف أى مقطوعها يقال جدع الرجل إذا قطع أنفه وأذنه فهو أجدع يراجع المصباح المنير جـ1 ص 92 مادة جدع 0
(4) أخرجه مسلم فى صحيحه فى 5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، 41 - باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار - طبعة عيسى الحلبى الجزء الأول حديث رقم 240 ص 448 0
(5) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(6) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1554 0
- 73 -
الثانى : أنه لما كان مملوكا لم يجز أن يكون مالكا وإن جاز أن يكون مجتهدا وراويـا (1) 0
رابعـا : استدلوا أيضا بقول عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- ( لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيا لما تخالجنى فى تقليده شك ) 0
ورد على ذلك :
1- أن سالما كان مولى عتاقه ولم يكن باقيا فى الرق وتقليد المعتق جائز 0
2- أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ذلك على وجه المبالغة فى مدح سالم (2) 0
الرأى الراجح من وجهة نظر الباحـث :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مسألة حكم تولى العبد القضاء وأدلة كل رأى ومناقشتها أرى أن الراجح هو رأى جمهور الفقهاء القائل باشتراط الحرية لصحة ولاية القضاء وعدم جواز تولى العبد القضاء وذلك لقوة أدلتهم ولضعف ما تمسك به الرأى المخالف،ولأن القضاء يحتاج إلى المهابة والعبد لا تتوافر فيه المهابة لأنه أدنى من الحر وجرت العادة لأن الناس يتقبلوا الأمر الملزم من الأعلى للأدنى وليس العكس فضلا أن العبد لا يتفرغ لمهام القضاء لأنه مشغول بحق سيده والمشغول لا يشغل 0
ما حكم تولى العبد القضاء بعد عتقه ؟
اختلف الفقه الإسلامى فى تلك المسألة إلى رأيين هما :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز تولى العبد القضاء بعد عتقه كاملا وذلك لأن العبد بعد عتقه عتقا كاملا يكون كسائر الأحرار وبالتالى يجوز أن يتولى القضاء ولا مانع من ذلك حتى وإن كان عليه ولاء لأن النسب غير معتبر فى الحكم (3) 0
الرأى الثانى : ذهب سحنون من المالكية (4) إلى عدم جواز تولى العبد القضاء حتىولو بعد
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1554 0
(2) المرجع السابق 0
(3) الأحكام السلطانية للماورى ص 65 0
(4) هو عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخى القيراونى (160 - 240هـ ) أخذ عن كثير من أصحاب الإمام مالك بن أنس ، وانتهت إليه الرئاسة فى العلم ، ومدونته عليها الاعتماد فى المذهب المالكى ، تولى قضاء القيروان فى عهد محمد بن الأغلب سنة 234 هـ ، وتوفى وهو يتولاه ، وكان من أهل الورع والزهد . انظر الديباج المذهب فى معرفة أعيان علماء المذهب المالكى - قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن على بن محمد بن فرحون اليعمرى المالكى - مطبعة المعاهد بالقاهرة - الطبعة الأولى سنة 1351 هـ ص 160 وما بعدها 0
- 74 -
عتقه وذلك خوفا من أن تستحق رقبته فتذهب أحكام الناس باطلا (1) 0
الرأى الراجح : أرى أن الرأى الراجح هو رأى جمهور الفقهاء لقوة أدلتهم وذلك لأن النظر فى توافر شروط الأهلية للقضاء إنما هو بالنسبة للحاضر دون أن ينسحب أثره إلى الماضى 0
للشرط الخامس : الذكــورة :
اشترط الفقهاء توافر الذكورة فى القاضى وذلك لنقص النساء عن رتب الولايات ، وإذا كنا نتعرض هنا إلى اشتراط الذكورة فى القاضى فهذا يتطلب منا أن نوضح رأى الفقهاء فى حكم تولى المرأة القضاء 0
وبادىء ذى بدء نقول إن المرأة لم تلق فى الأديان السماوية تكريما واحتراما كما لقيت فى شريعة الإسلام وحسبها فى ذلك أن سورة من أكبر وأعظم سور القرآن الكريم سميت باسمها ألا وهى سورة النساء التى تناولت أطوار حياتها وحددت مالها من حقوق وما عليها من واجبات ويكفى المرأة منزلة وكرامة وإعزازا أن الرسول -r - كان يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يوصى بها قائلا ( استوصوا بالنساء خيرا ) (2)
ورغم هذه المنزلة العظيمة التى كفلها الإسلام للمرأة فقد كفل لها رزقها دون أن يحوجها إلى العمل وكفل لها احترامها الإنسانى وكفل لها صيانة جهدها أن يتبدد ما بين العمل الخارجى وبيتها وكفل لها أخلاقها فلا تتعرض للفتنة ولا تصبح هى فتنة يستغلها أعداء الإسلام لتدمير الإسلام لأن وقار المرأة وحفظ كرامتها لا يكون إلا فى بيتها أي فى بيت زوجها إن كانت متزوجة أو بيت أبيها إذا كانت غير متزوجة وجعل رزقها على زوجها أو على أبيها فى حالة عدم زواجها لقوله تعالى ( وقرن فى بيوتكن ) (3) 0
ورغم هذه المكانة وهذه المنزلة التى حظيت بها المرأة فى الإسلام إلا أن الفقهاء فى الفقه الإسلامى اختلفوا فى حكم تولى المرأة القضــاء إلى ثلاثة آراء نقوم بإيضاحها وبيان أدلة كل رأى
______________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 0
(2) صحيح مسلم بشرح النووى - الإمام مسلم بن الحجاج القشيرى طبعة دار الريان للتراث - الطبعة الأولى سنة 1407 هـ سنة 1987م المجلد الرابع - الجزء العاشر ص 57 وما بعدها 0
(3) سورة الأحزاب الآية رقم (33) 0
- 75 -
وبيان الرأى الراجح وذلك فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) والزيدية (4) والإمامية (5) إلى عدم جواز تولى المرأة القضاء فى أى نوع من القضايا سواء كانت فى قضايا الأموال أم فى قضايا القصاص والحدود أم فى غير ذلك من القضايا ومعنى ذلك أن الإمام إذا قام بتولية المرأة القضاء فإنه يأثم عند أصحاب هذا الرأى وتكون ولاية المرأة للقضاء باطلة ، وتأثم المرأة أيضا لرضاها بأمر لا يجوز ولا ينفذ قضاؤها فى أى قضية ولو فيما تقبل فيه شهادتها لأن الذكورة عندهم شرط للجواز والصحة 0
الرأى الثانى :
ذهــب ابن حــزم الظاهـرى (6) وابن جرير الطبرى (7) إلى جواز تولية المرأة القضاء مطلقا
_____________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ 2 ص 460 . مرجع سابق ، بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوى جـ 2 ص 305 0
(2) مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج للرملى جـ 8 ص 238 ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 297 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 0
(3) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(4) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى بن المرتضى جـ 6 ص 118 0
(5) المختصر النافع فى فقه الإمامية ص 279 0
(6) ولذلك قال ابن حزم ( وجائز أن تلى المرأة الحكم " يراجع المحلى لابن حزم الظاهرى جـ 10 ص 295 مرجع سابق 0
(7) هو محمد بن جرير بن بريد بن كثير - الإمام العالم المجتهد - عالم عصره أبو جعفر الطبرى - صاحب التصانيف البديعة ، ولد سنة 224هـ ، وطلب العلم بعد سنة 240 هـ ، وأكثر الترحال ، ولقى نبلاء الرجال ، قرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد ، والتمس منــه الوزير أن يعمــل له كتابا فى الفقه فألف له كتاب الخفيف ، فوجه إليه ألف دينار فردها ، ومن كتبه التى تم كتابتها كتــاب التفسير ، والتاريخ وتاريخ الرجال ، توفى سنة 310 هـ ، ودفن فـــى داره برحبة يعقوب ( يعنى بغداد ) انظـر كتاب سير أعــلام النبــلاء للإمــــام شمس الدين محمد بن أحمـــد الذهبى طبعة مؤسسة الرسالة جـ 14 ص 267 0
- 76 -
فهما يريان أنه ليس من شروط صلاحية تولى القضاء أن يكون القاضى ذكرا (1) 0
الرأى الثالث : ذهب الحنفية إلى منع تولى المرأة القضاء فى بعض المسائل وجواز توليها القضاء فى مسائل أخرى ، فالمسائل التى لا يجوز للمرأة أن تشهد فيها لا يجوز لها أن تلى قضاءها فيشترط للقضاء فى تلك المسائل الذكورة ، أما المسائل التى يجوز للمرأة ان تشهد فيها يجوز لها أن تلى قضاءها فلا يشترط توافر الذكورة فى تلك المسائل ، ولما كان الحنفية يرون عدم قبول شهادة المرأة فى الحدود والقصاص وقبولها فيما عداهما ومن ثم لا يجوز للمرأة أن تلى القضاء فيها ( أى فى الحدود والقصاص ) ويجــوز لها أن تلى القضاء فيما عداهما ( أى الحدود والقصــاص ) 0
______________
(1) قال الإمام الماوردى عن رأى ابن جرير الطبرى فى مسألة تولى المرأة القضاء بأنه رأى شاذ فقال ( وشذ ابن جرير الطبرى فجوز قضاء المرأة فى جميع الأحكام ) يراجع الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 مرجع سابق ، بداية المجتهد لابن رشد جـ 2 ص 460 ، ويرى الأستاذ الدكتور / عبد العال عطوة فى كتابه المشهور ( محاضرات فى علم القضاء ص 62 أن هذا الرأى المنسوب لابن جرير الطبرى خطأ من الناحية التاريخية والناحية الموضوعية 0
أما من الناحية التاريخية : فلم يثبت عن ابن جرير الطبرى هذا النقل ولم يصح عنه كما صرح بذلك ابن العربى المفسر المشهور وابن رشد صاحب كتاب بداية المجتهد ، فالنقل عن ابن جرير لم ينسب إلى كتاب من كتبه ولم يرو عنه يسند من الأسانيد صحيح أو غير صحيح حتى يمكن البحث عن هذا السند ، وهذا تفسيره الكبير ليس فيــه ما يشير إلى ذلك ، ولذلك يقول أبو بكر بن العربى فى كتابه ( أحكام القرآن ) ما نصه ( نقل عن محمد بن جرير الطبرى إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ولم يصح ذلك عنه ) وهذا ما يؤدى إلى عدم الإطمئنان إلى صحة نسبة هذا القول إلى ابن جرير من الناحية التاريخية 0
أما من الناحية الموضوعية : فهذا القول مخالف لحديث الرسول - r - ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة * ، ومخالف لاجماع علماء الأمة الإسلامية السابقين على عصر ابن جرير على عدم جواز تولية المرأة القضاء ، فليس لابن جرير سلف من الفقهاء يرى جواز تولية المرأة القضاء والقول إذا كان مخالفا لاجماع علماء الأمة ولم يكن فى عصر المجمعين فإنه يكون مردودا لأنه إذا انعقد الإجماع فى عصر من العصور على حكم شرعى لا يجوز لمن جاء بعد هذا العصر أن يخالف الحكم الذى أجمع عليه العلماء ، وعلى هذا فنسبة هذا القول بجواز تولى المرأة القضاء مطلقا إلى ابن جرير لا تصلح رواية ولا دراية ، يراجع محاضرات فى علم القضاء أ.د/ عبد العال عطوة ص 59 وما بعدها مرجع سابق 0
- 77 -
ولذلك قال الكاسانى فى بدائع الصنائع ( وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد فى الجملة لأن المرأة من أهل الشهادات فى الجملة إلا أنها لا تقضى فـــى الحدود والقصاص لأنها لا شهادة لها فى ذلك . وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة (1) 0
وقــال صاحـب شــرح العناية علــى الهدايـــة الإمــام أكمــل الدين محمد بن محمود الباترتى ( وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء فى الحدود والدماء فتقضى المرأة فى كل شىء إلا فيهما ) (2) 0
وقال ابن عابدين فى رد المحتار على الدر المختار ( والمرأة تقضى فى غير حد وقود وإن أثم المولى لها ) (3)
أولا : أدلة الرأى الأول : " رأى الجمهـور ) :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم بعدم جواز تولى المرأة القضاء مطلقا بما يلـى :
الدليل الأول : من الكتاب :
قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهــم ) (4) 0
وجه الدلالة من الآية الكريمـة :
إن الآية الكريمة أفادت حصر القوامة فى الرجال لأن الموضوع وهو الرجال معرف بأل الجنسية فيكون منحصرا فى المحمول وهو القوامة ومن هنا يستفاد أن الله سبحانه وتعالى جعل الرجال قوامين على النساء دون العكس ، فالرجال قوامون على النساء بحيث يقومون بأمرهن ويحافظون على أعراضهن وينفقون عليهن فالرجال قوامون عليهن فى العقل والرأى ولو تولت النساء القضاء لتبدل الأمر وكان لهن القوامة على الرجال وهــذا مخالــف للآية السابقـة فلزم من ذلك عدم جواز تولى المرأة القضاء (5) 0
_______________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 4 0
(2) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 252 0
(3) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 356 0
(4) سورة النساء الآية رقم 34 0
(5) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,
وقال القرطبى فى تفسيره للآية السابقة إن قوله تعالى ( الرجال قوامون ) مبتدأ وخبر أى يقومون بالنفقــة عليهن والذب عنهن ، وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو وليس ذلك فى النساء (1)
وقال ابن العربى فى أحكام القرآن إن معنى الآية السابقة أن الله يريد أن يقول إنى جعلت القوامة على المرأة للرجل لأجل تفضيلى له عليها وذلك لثلاثة أشياء هى :
1- كمال العقل والتمييز 0
2- كمال الدين والطاعة فى الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على العموم 0
3- بذله لها المال من الصداق والنفقة (2) 0
مناقشة الاستدلال بالآية :
نوقش الاستدلال بالآية بما يلـى :
أولا : أن المراد بالقوامة فى هذه الآية قوامة خاصة وهى قوامة رب الأسرة على أسرته أى الولاية الأسرية فتكون الآية ليست فى محل النزاع 0
والذى يدل على أن المراد بالقوامة فى الآية هى قوامة خاصة أى قوامة رب الأسرة على أسرته ثلاثة أمــور :
الأمــر الأول :
- سبب نزول الآية : أن سعد بن الربيع وكان من النقباء نشزت امرأته حبيبة بنت زيد بن أبى هريرة ، وهما من الأنصار ، فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبى -r -فقال : أفرشته كريمتى فلطمها ، فقال النبى r لتقتص من زوجها ، وانصرفت مع أبيها لتقتص منه ، فقال النبى -r -: ارجعوا هذا جبريل - عليه السلام - أتانى وأنزل الله هذه الآية ، فقال الرسول -r - أردنا أمرا وأراد الله أمرا ، والذى أراد الله خير ، ورفع القصاص (3) 0
_______________
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى محمد بن أحمد الأنصارى المتوفـــى سنة 671 هـ مطبعة الشعب بالقاهرة جـ 2 ص 1833 0
(2) أحكام القرآن لابن العربى جـ 1 ص 416 0
(3) أسباب النزول - لأبى الحسن على بن أحمد الواجدى النيسابورى مطبعة الأنوار المحمدية سنة 1404 هـ سنة 1984م ص 111 0
- 79 -
الرد على ذلك :
أن تخصيص العموم فى الآية بسبب نزولها ، مردود عليه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصولين (1) 0
الأمر الثانـى :
تركيب الآية وسياقها فإن فيها إشارة إلى المهــر والنفقــات الواجبة علـــى الزوج بدليل قوله فى ذات الآية ( وبما أنفقوا من أموالهم ) (2) ففــى ذلك إشــارة إلى ما يجب للزوج على زوجته من طاعــة وأمانة بدليــل قولــه تعالى بعــد ذلك ( فالصالحــات قانتـات حافظات للغيب بما حفظ الله ) (3) 0
فهــذا دليل علـى أن المراد بالقوامــة فــى الآية قوامة الأزواج على زوجاتهم وليست توليتهم عليهن فى الولايات العامة كرياسة الدولة والقضاء (4) 0
الرد على ذلك :
أن تخصيص العموم فى الآية بما ورد فيها من أحكام تتعلق بولاية الزوج على زوجته مردود عليه بأن ذلك من باب إفراد فرد من أفراد العام بحكم وهذا لا يصلح مخصصا ، لا تفاق العلماء على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام فإنه لا يكون الخاص مخصصا للعـــام (5) 0
______________
(1) المستصفى لأبى حامد الغزالى ومعه فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت مطبعة دار الكتب العلمية - بيروت جـ 2 ص 60 ، المعتمــد لأبى الحسين البصرى - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى جـ 1 ص 282 0
(2) سورة النساء الآية رقم 114 0
(3) سورة النساء الآية السابقة 0
(4) أحكام القرآن لابن العربى جـ 1 ص 416 ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 30 0
(5) العام لغـة : هو الشمول أى شمول أمر لمتعدد ، سواء كــان الأمــر لفظا أو غيره ، يقال : عمهم الأمر يعمهم ، عموما ، شملهم 0
ويقال : عمهم بالعطية أى شملهم 0
والعامة ضد الخاصة يراجع لسان العرب جـ 4 ص 312 مرجع سابق ، مختار الصحاح ص 461 0 =
- 80 -
الأمـر الثالث :
صلاحية المرأة لتولى الولايات الخاصة فهى تصلح وصية على اليتامى وتصلح ناظرة فى الأوقاف وذلك لأنها قادرة على أن تقوم بأمور هذه الولايات فكذلك يجوز إسناد الولايات العامة إليها ما دام مناط الحكم أو التولى هو القدرة وهو متحقق فى المرأة ولا تأثير لعموم الولاية أو تخصصها بعد تحقق القدرة على مباشرة الولاية ولولا أن الإجماع قائم على عدم جواز تولى المرأة رياسة الدولة وما هو بمثابتها كوزارة التفويض وإمارة الإقليم لجاز لها أن تتولى هذه الولايات العامة بدون فرق بين ولاية خاصة وولاية عامة (1) 0
_________________
= أولا : تعريف العام فى الاصطلاح :
أ - عرفه الإمام الرازى بقوله : العام : اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد ، وهذا التعريف رجحه الإمام الشوكانى رحمه الله حيث قــال بعــد أن ذكـر عدة تعريفات للعام ... وإذا عرفت ما قيل فى حد العام علمت أن أحسن الحدود المذكورة هو ما قدمنا عن صاحب المحصول ( أى الرازى ) لكن مع زيادة كلمة دفعه - فالعام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة ، يراجع إرشاد الفحول للشوكانى - طبعة دار المعرفة - بيروت ص 113 ، المحصول للإمام فخر الدين الرازى بتحقيق د / طه جابر فياض ، الطبعة الأولى جـ 1/ 2 ص 515 0
ب - وعرفه الإمام البيضاوى : بأنه لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد ، يراجع منهاج العقول للبدخشى ومعه نهاية السول كلاهما شرح منهاج الوصول للبيضاوى - مطبعة صبيح جـ 2 ص 56 0
ثانيـا صيغ العمـوم :
للعموم صيغ كثيرة تدل عليه منها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر :
1- النكره فى سياق النفى أو النهى مثل قوله تعالى ( قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء ) سورة الأنعام الآية رقم (91) ، وقوله - عليه السلام - ( لا وصية لوارث ) 0
2- أسماء الاستفهام : كمن ، ماذا ، ومتى ، وأين كقوله تعالى ( من فعــل هذا بآلهتنا ) سورة الأنبياء الآية رقم ( 59 ) 0
3- أسماء الشرط : كمن ، وما ، وأى ، وأين كقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) سورة البقرة الآية رقم (185) . يراجع الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ 2 ص 290 مرجع سابق ، أصول الفقه للأستاذ الدكتور / محمد محمد فرحات طبعة 1998 ص 132 0
(1) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 298 ، رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 356 ، نظام القضاء فى الإسلام أ.د/ إبراهيم عبد الحميد ص 31 0
- 81 -
الرد على ذلـك :
أن قياس الولايات الخاصة على الولايات العامة قياس باطل لأن الولاية الخاصة كالولاية على اليتيم يكفى فيها مجرد القدرة أما الولاية العامة فإنها تحتاج إلى قدرة عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتحتاج إلى كمال الرأى وتمام العقل والفطنة والمرأة ضعيفة الرأى ناقصة العقل ولا يتوافر فيها القيام بأعباء هذه الولاية ولنقص النساء عن رتب الولايات (1) 0
الدليل الثانى : أيضا من الكتاب :
قوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (2) 0
وجـه الدلالـة :
أن الله جعل الشهادة فى الآية للرجال فإن لم يأت الطالب برجلين كما ذكرت الآية فليأت برجل وامرأتين يقومان مقامهما ، ولابد من وجود الرجل معهما وهذا فى الأموال لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها ولذلك جعل التوثيق فيها بالكتابة تارة وبالإشهاد تارة أخرى وبالرهن تارة ولا تنفرد المرأة بالشهادة مطلقا إلا فيما لا يطلع عليه الرجال كالزنا 0
ولذلك يقول ابن قدامة عند ذكره للشروط الواجب توافرها فى القاضى ذكر منها الذكورة وعدم جواز تولية المرأة القضاء ودلل على ذلك بقوله ( ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى ( أن تضل إحداهما فتذكر أحدهما الأخرى ) (3) 0
وإذا لم تصح شهادة المرأة منفردة عن الرجل فكيف تتولى منصب القضاء هذا المنصب الخطير مع أنها قد تضل وقد تنسى فيؤدى ذلك إلى ضياع أموال الناس وحقوقهم التى شرع القضاء لحفظهـــا (4) 0
________________
(1) الأحكام السلطانية للمــاوردى ص 65 ، المغنى لابن قدامـــة جـ 1 ص 386 ، القضـــاء فى الإسلام أ.د/ محمد رأفت عثمان ص 57 0
(2) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(3) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(4) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
- 82 -
الدليل الثالث : من السنة :
ما رواه البخارى (1) بسنده وغيره عن أبى بكرة -رضى الله عنه- قال : لقد نفعنى الله بكلمة سمعتها من رسول الله -r - أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم ، قال " لما بلغ رسول الله -r - أن أهل فارس ملكوا بنت كسرى عليهم ، قال ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امــرأة ) (2) 0
وجـه الدلالة من الحديث :
إن هذا الحديث الشريف يخبر فيه الرسول -r - عن عدم فلاح من يولون أمرهم امرأة ولا شك أن عدم الفلاح ضرر يجب اجتنابه لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب فيكون هذا الحديث دليلا على أن المرأة ليست من أهل الولايات ومنها ولاية القضاء ولولا أن الإجماع قائم على جواز تولى المرأة لبعض الولايات الخاصة مثل الوصاية على اليتم لكانت ممنوعة من تولى الولايات العامة والخاصة لأن لفظ أمرهم الوارد فى الحديث عام يشمل جميع الولايات (3) 0
مناقشة الاستدلال بالحديث :
إن هذا الحديث ليس واردا فى محل النزاع وهو تولية المرأة القضاء وإنما هو وارد فى تولى المرأة منصب الحاكم الأعلى ( رياسة الدولة ) فلا يصح الاستدلال به هنا 0
______________
(1) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخارى ( 194 - 256هـ ) أمير المؤمنين فى حديث سيد المرسلين - r -،كتب الحديث عن أكثر من ألف شيخ ، روى عنه أنه قال : أخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديــث ، وما وضعت فيه حديثا إلا اغتسلت وصليت قبل ذلك ركعتين - قال عنه الإمام أحمد : ما أخرجت خراســان مثل محمـــد بن إسماعيـــل . انظر خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 278 وما بعدها 0
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر - جـ 14 ص 92 كتاب الفتن حديث رقم 7099 ص 58 مرجع سابق ، وأخرجه النسائى فى كتابه السنن الكرى - ، 51 - كتاب القضاء ، 9 - باب ترك استعمال النساء على الحكم - طبعة در الكتب العلمية - بيروت - لبنان - الطبعة الأولى سنة 1411 هـ سنة 1991م جـ 3 رقم الحديث 5937 /1 ص 465 0
(3) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 301 مرجع سابق ، سبـل السلام للصنعانى جـ 4 ص 123 مرجع سابق ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 627 بند 1545 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
- 83 -
والدليل على ذلك سبب ورود هذا الحديث حيث إنه قيل بمناسبة تولية بنت كسرى رياسة الدولــــة (1) 0
الرد على ذلك :
أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصولين كما سبق (2) 0
الدليل الرابع : الاجماع :
قد أجمعت الأمة سلفا وخلفا علــى عـــدم جواز تولى المرأة القضاء وقد نقل هذا الإجماع الإمام الماوردى فى كتابه المشهور بالأحكام السلطانية حيث قال : ( ولا اعتبار بقول يرده الإجمــاع ) (3) وهذا الكلام فى معرض رده على المخالفين لاشتراط الذكورة فى القاضى 0
مناقشة استدلال الجمهور بالإجماع :
اعترض القائلون بجواز تولى المرأة للقضاء على استدلال الجمهور بعدم جواز تولى المرأة للقضاء من الإجماع بما يلـى :
1- أن ادعاء الإجماع على عدم جواز تولى المرأة القضاء غير صحيح لثبوت الخلاف فى ذلك بين الفقهاء وما أكثر دعاوى الإجماع وما أقل جدواها إذ لم يصرح أحد بنقل هذا الإجماع فلا يقبل ، إذ لا سبيل إلى ثبوت الإجماع إلا ما هو معلوم من الدين بالضرورة كالإجماع على فرضية الصلاة والصوم ، فضلا عن ذلك فإن ابن حزم الظاهرى وابن جرير الطبرى قد خالف هذا الاجماع وقالا بجواز تولى المرأة القضاء وبذلك يكون هذا الإجماع لا يمكن تحققه وعلى فرض أنه ممكن التحقق فلا يمكن الإطلاع عليه 0
الرد على هذه المناقشـة :
أن إمكان تحقق الإجماع والاطلاع عليه أمر متفق عليه عند علماء الأصول ، كما أن الإجماع على عدم جواز تولى المرأة القضاء كان ثابتا قبل أن يحدث هذا الخلاف وبالتالى لا يعتد بخلاف ابن حزم وابن جرير الطبرى ولا يعتبر خرقا للإجماع لأن الإجماع هو اتفاق أهل الحل والعقــد (4) من
______________
(1) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 295 وما بعدها 0
(2) المستصفى للغزالى ومعه فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت جـ 1 ص 282 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 0
(4) أهل الحل والعقد هم العلماء المجتهدون 0
- 84 -
أمه محمد - r - بعد وفاته فى عصر (1) من العصور على أمر من الأمور (2) 0
2- المناقشة الثانيـة :
إن هذا الإجماع لم يصح لأن السيدة عائشة – رضى الله عنها – تولت قيادة الجيش وتزعمت الثورة ضد الإمام على رضى الله عنه ومعها من خيرة الصحابة من أمثال الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله ولم ينكر عليها أحد من الصحابة الذين كانوا معها فدل ذلك على عدم الإجماع 0
الرد على هذه المناقشـة :
يرد على ذلك بأن السيدة عائشة –رضى الله عنها – لم تخرج زعيمة لحركة أو قائدة لجيش محارب ولا حتى محاربة فيه ، وإنما خرجت داعية للمطالبة بدم عثمان -رضى الله عنه - وقد دفعها إلى ذلك أنها كانت ساخطة كغيرها من أهل عثمان وأشياعهم ، وهذا أمر ليس مــن الولاية العامة فى شىء 0
وأما عدم قيادتها للجيش فلأن الثابت من كتب التاريخ أنها خرجت بتأثير من جماعة يتزعمها طلحة والزبير -رضى الله عنهما - أرادوا أن يجمعوا الناس على أمر واحد ، ويزيلوا ما بينهم من أسباب الخلاف بما فى ذلك أمر قتلة عثمان -رضى الله عنه- وذلك حتى تتوحد كلمة المسلمين ، ورأوا أن يضموا إليهم عائشة - رضى الله عنها - رجاء أن يرجع الناس وينضموا إليهم عندما ما يرون أمهم وزوج نبيهم -عليه الصلاة والسلام- ولذلك يقول ابن حجر ( إن أحدا لم ينقل أن عائشة -رضى الله عنها- ومن معها نازعوا عليا فى الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هى ومن معها على على منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم (3) 0
الدليل الخامس : من المعقـول :
إن القضاء يحتــاج إلى كمــال الــرأى وتمام العقل والفطنة والمرأة قليلة الرأى ناقصة العقل ولا تقبل شهادتها وحدها ولو معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد أشار الله سبحانـه تعالى .
_______________
(1) يراد بالعصر : عصر من كان من أهل الاجتهاد فى الوقت الذى حصلت فيه المسألة المجمع عليها سواء كان المجتهدون كلهم فى مكان واحد أم كانوا فى أمكنة متعدده بعد أن يجمعهم عصر واحد 0
(2) يراجع الإحكام فى أصول الأحكام للأمدى جـ 1 ص 282 ، المدخل لدراسة الفقه الإسلامى د/ حسين حامد حسان الطبعة الثانية سنة 1979 مكتبة المتنبى القاهرة - ص 160 0
(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجــر جـ 13 ص 60 وما بعدها ، القضاء فى الفقه الإسلامى د/ محمد رأفت عثمان ص 61 0
- 85 -
إلى ضلالهن ونسيانهن بقوله ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (1) ، وأيضا فإن مجلس القضاء يحضره الخصوم من الرجال والمرأة ليست أهلا للحضور فى محافل الرجال لما يشوب ذلك من كرامتها وسمعتها (2) 0
مناقشة استدلال الجمهور من المعقول :
إن نقصان المرأة عن الرجل لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية وليس فى الشرع سوى نقصان عقلها بدليل أنها تصلج شاهدة ، وناظرة على الأوقاف ووصية على اليتامى وما دام أن لها أهلية تولى الولايات الخاصة فيكون لها أهلية تولى الولايات العامة إلا أن الإجماع قائم على عدم جواز تولى المرأة الإمامة العظمى (3) 0
الرد على المناقشة :
إنه لا يلزم من أهلية المرأة لتولى الولايات الخاصة أهليتها لتولى الولايات العامة لأن الولاية الخاصة كالولاية على اليتيم يكفى فيها مجرد القدرة أما الولايات العامة ومنها القضاء فإنها تحتاج إلى قدرة عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتحتاج إلى كمال الرأى وتمام العقل والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأى ولا يتوافر فيها القيام بأعباء هذه الولايات وذلك لنقص النساء عن رتب الولايات (4) 0
أدلة الرأى الثانى : القائل بجواز تولى المرأة للقضاء مطلقـا :
استدل ابن حزم الظاهرى وابن جرير الطبرى علــى رأسهمــا بجواز تولى المرأة القضاء مطلقا : بما يلـــى :
الدليل الأول :
أن نهى الرسول r عن تولية المرأة للولاية العامة كرياسة الدولـة المستنبط من قوله-r - (لـن
_______________
(1) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(2) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 302 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(3) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 298 ، رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 356 0
(4) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 302 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
- 86 -
يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) (1) لا يدخل فيه النهى عن تولية المرأة للقضاء لأنه باق على البراءة الأصلية بدليل أن الرسول -r - أجاز تولى المرأة للولايات الخاصة بأن تكون وصية على الأيتام وناظرة للوقف وأنها راعية على مال زوجها ومسئولة عن رعيتها ، فإذا جاز لها أن تلى هذه الأمور وفيها ما فيها من المسئولية جاز لها أن تتولى القضاء بجامع المسئولية فى كل لأن منع المرأة من تولى الإمامة العظمى أو رياسة الدولة فقد ورد ذلك بالنص فيبقى ما عداه على حكم الأصل وهو الإباحة أى إباحة تولى المرأة القضاء وغيره من الولايات عدا رياسة الدولة فكل من يستطيع الفصل بين الناس فالأصــل أنه يصـــح ويجـــوز حكمه والمرأة تستطيع ذلك فيجوز ويصح حكمهــا (2) 0
مناقشة هذا الدليل :
سلمنا لكم أن الأصل فى الأشياء الإباحة عند عــدم وجــود دليل على خلافه إذا كان الشىء نافعـا (3) لقوله تعالى ( هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ) (4) وقوله تعالى ( وسخر لكم ما فى السموات والأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (5) 0
ولكن الأدلة التى ساقها جمهور الفقهاء على عدم جواز تولى المرأة القضاء والتى سبق ذكرها تبطل قولكم إن تولى المرأة القضاء باق على البراءة الأصلية وهــو الإباحـــة لأن ذلك يكون عند عدم وجود الدليل وقد وجد الدليل فبطل استدلالكم 0
_____________
(1) فتح البارى بشرح البخارى لابن حجر العسقلانى - جـ 13 ، 92 - كتاب الفتن - حديث رقم 7099 ص 58 ، السنن الكــبرى للنسائى ، 51 - كتاب القضــاء ، 9 باب ترك استعمال النساء على الحكم جـ 3 حديث رقم 5937 / 1 ص 465 0
(2) المحلى لابن حزم الظاهرى جـ 10 ص 295 ، وما بعدها ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ 2 ص 460 مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 35 0
(3) بحوث فى الأدلة المختلف فيها عند الأصولين تأليـف الدكتور / محمد السعيد على عبد ربه طبعه سنة 1400 هـ سنة 1980م ص 7 ، قواعد ونظريات فى الفقه الإسلامى للأستاذ الدكتور / حامد محمود شمروخ طبعة سنة 1419 هـ سنة 1999م ص 17 0
(4) سورة البقـرة الآية رقم (26) 0
(5) سورة الجاثية الآية رقم (12) 0
- 87 -
الدليل الثانى :
إن المرأة يجوز لها أن تكون مفتية فيجوز لها أن تكون قاضيا بجامع أن كليهما مظهر للحكم الشرعــــى (1) 0
مناقشة الاستدلال بالقياس :
إن قياس القضاء على الفتوى قياس مع الفارق ووجه الفرق أن ولاية القضاء ملزمة للخصوم أما الفتوى فلا إلزام فيها فالمستفتى له أن يأخذ بالفتوى أو يدعها (2) 0
الدليل الثالث :
قياس القضاء على الحسبة بجامع أن كليهما ولاية عامة فقد روى أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- ولى امرأة تدعى أم الشفاء ولاية الحسبة على السوق فيجوز تولية المرأة القضاء قياسا على الحسبة (3) 0
مناقشة هذا الدليـل :
إنه لم يصح عن عمر رضى الله عنه أنه ولى هــذه المرأة أو غيرهــا ولاية الحسبة ولذلك يقول أبو بكر بن العربى فى أحكام القرآن ( وروى أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق ، فلا تلتفتوا إليه ، وإنما هو من دسائس المبتدعة فى الأحاديث ) (4) 0
وفضلا عن ذلك فإنه يستبعد صدور هذا الأثر عن عمر وذلك لأمرين :
1- أنه مخالف للحديث المتفق على صحته وهو قول الرسول -r -( لن يفلح قوم ولو أمرهم امــرأة ) (5) ويستحيل أن يخالف عمر هذا الحديث 0
2- أن فكرة الحجاب فى الدين الإسلامى صادرة عن عمر -رضى الله عنه - نفسه حيث اشار بها على رسول الله -r - بالنسبة لنسائه فنزل الوحــى بموافقــة رأيــه فيها وصارت تشريعا للأمة ،
_________________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 626 بند رقم 1542 ، المغنى لابن قدامة جـ 1 ص 380 0
(2) الأحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضى والإمام للقرافى مرجع سابق ص 5 ، النظام القضائى فى الإسلام د / أحمــد محمـد مليجى ص 59 0
(3) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 295 وما بعدها بند 1804 0
(5) أحكام القرآن لابن العربى جـ 3 ص 1446 0
(5) سبق تخريجه ص 86 من نفس البحث 0
- 88 -
فيستحيل بعد ذلك أن ينقض هذه الفكرة بتعيين امرأة تمكث طوال يومها تخالط الرجال فى الأسواق وتهجر بيتها الذى أمرت بالاستقرار فيه 0
ومن العجيب أن يستدل ابن حزم بفعل عمر -رضى الله عنه - مــع أنه ينفى حجية رأى الصحابــى (1) 0
ولو سلمنا جدلا بصحة ما روى عن عمر بن الخطاب فهو قول صحابى وقول الصحابى محل خلاف بين الفقهاء فى حجيته (2) 0
أدلة الرأى الثالث :
استدل أصحاب الرأى الثالث القائل بمنع تولى المرأة القضاء فى بعض المسائل ( مسائل الحدود والقصاص ) وجواز تولى المرأة القضاء فى المسائل التى يجوز أن تشهد فيها مثل مسائل الرضاع والولادة والأموال بما يلـى :
1- قياس القضاء على الشهادة :
ووجه القياس : فكما أن المرأة يجوز شهادتها فى مسائل الرضــاع والأموال والولادة لقوله تعالى ( واستشهدوا شهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجــل وامرأتان ممن ترضون من الشهـــداء ) (3) 0
وأحكام القضاء إنما تستقى من أحكام الشهادة إذ أن كلا منهما من باب الولاية فما كانت فيه المرأة أهلا للشهادة كانت فيه أهلا للقضاء وما لم تكن فيه المرأة أهلا للشهادة كالحدود والقصاص لم تكن أهلا فيه لأن أهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة (4) 0
_____________
(1) يقصد بقول الصحابى هو مذهبه فى المسألة الاجتهادية وهو ما نقل إلينا وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله - r - من فتوى أو قضاء فى حادثه شرعية لم يرد فيها نص من كتاب أو سنة ولم يحصل فيها إجماع يراجع الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ 4 ص 201 ، المستصفى للغزالى جـ 1 ص 261 0
(2) أحكام القرآن لابن العربى جـ 3 ص 1445 0
(3) سورة البقرة الآية (282) 0
(4) شرح فتح القدير على الهداية جـ 7 ص 298 ، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق للـزيلعى جـ 4 ص 175 مرجع سابق 0
- 89 -
مناقشـة هذا الدليل :
إن قياس القضاء على الشهادة قياس غير صحيح لأن المرأة لا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل (1) فالأصل فى الشاهد أن يكون ذكرا أى رجلا لقوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) (2) 0
وقوله تعالى ( لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) (3) 0
وقوله تعالى ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) (4) 0
ولو سلمنا بصحة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا فيكون قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق ووجه الفرق أن القضاء ولاية عامة والشهادة ولاية خاصة وليس كل من يصلح لتولى الولاية الخاصة يصلح لتولى الولاية العامة لأن الولاية الخاصة يكفى فيها مجرد القدرة أما الولاية العامة فتحتاج إلى قدره عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتحتاج إلى كمال الرأى وتمام العقل والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأى لا يتوافر فيها القيام بأعباء هذه الولاية وذلك لنقص النساء عن رتب الولايات (5) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مسألة حكم تولى المرأة القضاء وأدلة كل رأى ومناقشتها فإنى أرى ترجيح رأى جمهور الفقهاء فيما ذهبوا إليه من عدم جواز تولى المرأة القضاء لأن الذكورة شرط جواز وصحة بالنسبة لمن يلى القضاء وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها عن المعارض ، ولأن منع تولى المرأة القضاء يتفق وطبيعتها التى خلقها الله عليها وهى ليست أهلا للحضور فى محافل الرجال والخصوم 0
___________
(1) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(2) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(3) سورة النور الآية رقــــم (13) 0
(4) سورة النساء الآية رقــم (15) 0
(5) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 302 ، المغنى لابن قدامة جـ11 ص 380 0
- 90 -
ومما هو جدير بالذكر أن الحنفية متفقون مع جمهور الفقهاء على عدم جواز تولى المرأة القضاء بداية مطلقا ولكن الخلاف فيما لو وليت المرأة القضاء مع إثم موليها فقضت قضاء موافقا لدين الله فيما عدا مسائل الحدود والقصاص أكان ينفذ هذا القضاء أم لا ؟ لم ينتهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله إلا أن يثبت شرعــا سلب أهليتها ، وليس فى الشرع سوى نقصان عقلها ، ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية ألا ترى أنها تصلح شاهدة ووصية على اليتامى (1) إذن فجمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة متفقون على عدم جواز تولى المرأة القضاء وهذا هو الرأى الراجح والله أعلم
الشرط السادس : العدالــة :
تعتبر العدالة من الشروط الهامة الواجب توافرها فى القاضى ونظرا لأهميتها بالنسبة للقاضى سوف نقوم بمشيئة الله وتوفيقه بتعريف العدالة لغة واصطلاحا وبيان موقف الفقهاء من مدى اشتراط توافرها فى القاضى وذلك من خلال النقاط التالية :
أولا : تعريف العدالة لغـة :
العدالة لغـة : التوسط ، والوسط هو العـدل (2) 0
لقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) (3) 0
أى عدول أى أن الله وصف هذه الأمة بكونهم عدولا (4) 0
ويقول المؤرخون وأهل السير : كان رسول الله - r -أوسط قريش نسبا أى أعدلهم نسبا 0
ويقول الشاعر (5) 0
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم \ إذ نزل إحدى الليالى بمعظم 0
والشاهد فى البيت :
أى هم عدول برضى الأنام بحكمهم 0
__________
(1) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 298 0
(2) أدب القاضى لابن أبى الدم ص 70 هامش 6 0
(3) صورة البقرة الآية رقم (143) 0
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ 1 ص 190 0
(5) نسب هذا البيت إلى زهير 0
- 91 -
والعدل ضد الجور يقال عدل عليه فى القضية من باب ضرب فهو عادل ، والعدل : الإنصاف وهو إعطاء المرء ماله وأخذ ما عليه (1) 0
وقال الفراء العدل بالفتح ما عدل الشىء من غير جنسه ، والعدل بالكسر المثل تقول عندى عدل غلامك أى مثله (2) 0
والعدالة هى : إحدى الفضائل الأربع التى قال بها الفلاسفة من قديم ، وهى الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة (3) 0
ثانيـا : تعريف العدالة فى الاصطلاح :
عرف الإمام الماوردى العدالة بأنها ( أن يكون الشخص صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفا عن المحارم التى حرمها الله متوقيا ما يوقعه فى الإثم ، بعيدا عن الريب وسوء السمعة مأمونا فى الرضا والغضب ، مستعملا لمرؤة مثله فى دينه ودنياه فإذا تكاملت فى الشخص هذه الأمور فهى العدالة التى تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته القضاء وإن انخرم منها وصف منع من الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم ) (4) 0
وعرفها بعض الفقهاء بأنها (5) : الامتناع عن ارتكاب الكبائر (6) وعدم الإصرار على الصغــائر (7) والترفع عما يقدح فى المروءة 0
_____________
(1) العجم الوجيز ص 409 حرف العين 0
(2) مختار الصحاح للرازى ص 232 0
(3) المعجم الوجيز ص 409 حرف العين 0
(4) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 634 بند 1576 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 0
(5) حاشيتا قليوبـــى وعمــيرة جـ 4 ص 321 ، نظام القضاء فى الشريعة الإسلامية د/ عبد الكريم زيدان ص 26 0
(6) الكبيرة هى كما عرفها الإمام الرملى بقوله ( هــى ما فيه وعيد شديد بنص كتاب أو سنة ) نهاية المحتاج جـ 8 ص 294 ، وعرفها ابن حزم الظاهرى بأنها هى ( ما سماها رسول الله - - r - كبيرة أو ما جاء فيه الوعيد ) يراجع المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
(7) الصغيرة هى كل ما لا ينطبق عليها تعريف الكبيرة من الأمور المحرمة مثل النظر المحرم أو هى ما لم يأت فيه وعيد يراجع نهاية المحتاج جـ 8 ص 295 ، المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
- 92 -
وعلى هذا فالعدالة تكون غير متوافرة فى الشخص إذا كان كاذب اللهجة ظاهر الخيانة مجترئا على المحارم ، غير متوق ما يوقعه فى الإثم ، داخلا بنفسه فى الريب سيىء السمعة غير مأمون فى الرضا والغضب تاركا لمرؤه مثله 0
ثالثا : موقف الفقهاء من اشتراط العدالة فى القاضى :
اختلف الفقهــاء فــى الفقه الإسلامى حول اشتراط العدالة فى القاضى إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب الطحاوى (1) والكرخى من الحنفية (2) والمالكية فى الأصح (3) والشافعية (4) والحنابلة (5) والظاهرية (6) والزيدية (7) والإمامية (8) إلى اشتراط العدالة فى القاضى ويرون أن العدالة شرط جواز وصحة لتولى القضاء ، بحيث إذا ولى الفاسق القضاء أثم توليه ولا ينفذ شيئا من قضاءه حتى وإن وافق الحق 0
_______________
(1) هو الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامه بن سلمة ابن عبد الملك الأسدى الحجرى المصرى الطحاوى الحنفى - صاحب التصانيف ، من أهل قرية طحا ولد سنة 239 هـ ، وأرتحل إلى الشام سنة 268هـ ، ومن تصانيفه اختلاف العلماء ، والشروط وأحكام القرآن - ومعانى الآثار توفــى سنـة 321 هـ . انظر فى ذلك سير أعلام النبلاء - للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبى طبعة مؤسسة الرسالة جـ 15 ص 27 0
(2) شــرح العنايــة علـــى الهدايـــة مـــع شرح فتــح القديـــر جـ 7 ص 254 ، حاشية ابن عابدين جـ 4 ص 299 0
(3) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد جـ 2 ص 460 0
(4) نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، قليوبى وعميرة جـ 4 ص 297 0
(5) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(6) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
(7) البحر الزخار جـ 6 ص 119 0
(8) المختصر النافع ص 279 0
- 93 -
الرأى الثانى :
ذهب الحنفية فى ظاهر الرواية (1) والمالكية فى قول (2) إلى أن العدالة ليست شرطا من شروط جواز تولية القضاء ولكنها شرط من شروط الكمال أى الأفضل والأكمل عندهم أن يكون القاضى عدلا ولكن لو تولى الفاسق القضاء صحــت توليته القضاء ويأثم موليه وينفذ قضــائه 0
أدلة الرأى الأول :
استدل جمهور الفقهاء على رأييهم باشتراط العدالة فى القاضى وأن العدالة شرط جواز وصحة لتولى القضاء بما يلـى :
أولا من الكتاب :
1- قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (3) 0
وجه الدلالة من الآيـة :
إن الله سبحانه وتعالى أمر بالتبيين عند قول الفاسق ولا يصــح ولا يجوز أن يكون القاضى ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمـه (4) 0
ثانيـا : من القيـاس :
بقياس القضاء علــى الشهادة بجامع الولاية فى كل ، فكما أن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا - عند جمهور الفقهاء - فلا يجوز أن يكون قاضيا من باب أولى لأن العدالة يشترط توافرها فى الشاهد فكذلك يشترط توافرهــا فــى القاضى بل اشتراط العدالة فى القاضى أولى لأن الشهادة ولاية خاصة والقضاء ولاية عامة والقضــاء إنصــاف وإيصال الحق لأهله والفاسق لا ينصف نفسه فكيف ينصف غـيره (5) 0
_____________
(1) شرح العناية على الهداية جـ 7 ص 254 ، حاشية ابن عابدين جـ 4 ص ص 299 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد جـ 2 ص 460 0
(3) سورة الحجرات الآية رقم (6) 0
(4) أدب القاضــى للماوردى جـ 1 بند 1580 ، المغنى لابن قدامه جـ 11 ص 382 ، القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 16 0
(6) المراجع السابقه ، المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
- 94 -
أدلة الرأى الثانـى :
استدل الحنفية على رأيهم أن العدالة ليست شرطا من شروط تولية القضاء ولكنها شرط من شروط الكمال : بالقيـاس :
حيث قالوا بقياس القضاء على الشهادة لأن من كان أهلا للشهادة كان أهلا للقضاء بجامع أن كلا من القضاء والشهادة من باب الولاية ولما كان الفاسق عند الحنفية أهلا للشهادة فلا تشترط العدالة فى القاضى واستدل الحنفية على عدم اشتراط العدالة فى الشاهد بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) (1) 0
ووجـه الدلالة : أن الله أمر بالتبيين عند قول الفاسق فلو لم تقبل شهادته لما كان للأمر بالتبين فــائدة (2) 0
مناقشـة دليل الحنفيـة :
رد جمهور الفقهاء على استدلال الحنفية بأن الفاسق أهل للشهادة بقولهم : لا نسلم لكم أن الفاسق أهل للشهادة لقوله تعالى ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) (3) ، وقوله تعالى ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) (4) 0
فالآية الأولى تدل على اشتراط العدالة فى الشاهد ، والآية الثانية تدل على أن شهادة الفاسق مردودة فكذلك يكون قضاء الفاسق مردود وغير مقبول 0
أما قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق لأن القضاء ولاية عامة والشهادة ولاية خاصة وليس كل من يصلح لتولى الولاية الخاصة يصلح لتولى الولاية العامة 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا لآراء الفقهاء فى مسألة اشتراط العدالة فى القاضى وذكرنا أدلة كل رأى ومناقشة ما أمكن مناقشته فإنه يتبين لنا أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اشتراط العدالة فــى القاضــى وذلك لقـوة أدلتهم وضعف أدلة المخالفين ولأن القضاء أمانة عظيمة وهى
___________________________________
(1) سورة الحجرات الآية رقم (6) 0
(2) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 254 ومابعدها ، بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 4 ، حاشية ابن عابدين جـ 4 ص 299 0
(3) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(4) سورة النور الآية رقم (4) 0
- 95 -
أمانة الأموال والأبضاع والنفوس فلا يقوم بوفائها إلا من كمل ورعه وتم تقواه وهذا لا يتحقق إلا بتوافر العدالة فى القاضى فضلا عن أن الفاسق غير مؤتمن على نفسه فلا يؤتمن على غيره من باب أولى لأن ارتكابه الفسق ضرر لنفسه فضرره لغيره متوقع فيمنع من توليه القضاء 0
الشرط السابع : الاجتهاد :
يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مجتهدا بأن يكون عالما بالأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية حتى يتحقق فيه الكفاءة العلمية التى تؤهله لمعرفة الأحكام الشرعية فى القضايا التى تعرض عليه حتى لا يحكم بين الناس على جهل 0
ونظرا لأهمية شرط توافر الاجتهاد فى القاضى سوف نقوم بمشيئة الله وتوفيقه بتعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا وبيان موقف الفقهاء من اشتراط الاجتهاد فى القاضى وذلك من خلال النقاط التالية :
أولا : تعريف الاجتهاد لغـة :
قال أبو بكر الرازى - رحمه الله - الجهد بفتح الجيم وضمهـا الطاقة وقرىء بهما قوله تعالى ( والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ) (1) 0
والجهد بالفتح المشقة يقال جهد دابته وأجهدها - إذا حمل عليها فى السير فوق طاقتها ، وجهد الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مجهود من المشقة ، وجاهد فـــى سبيل الله مجاهدة وجهادا ، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود (2) يقال : ابذل جهدك ، والشىء القليل يعيش به من قل ماله ، والمجتهد فى الشريعة هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعى وله شروط مقررة فى علم أصول الفقه (3) 0
ثانيـا : تعريف الاجتهاد فى الاصطلاح :
يقصد بالاجتهاد فى الاصطلاح : بذل الجهد فى استنباط الحكم الشرعى من أدلته التفصيلية أو أخذه من مصادره إذا لم تنص هــذه الأدلة أو تلك المصادر علىالحكم صراحة،فإذا كان النص قــد دل علــى الحكـم صراحــة كقولـــه تعالى ( ولا تقتلــوا النفس التى حرم الله إلا
________________________________
(1) سورة التوبة الآية رقم (79 ) 0
(2) مختار الصحاح للرازى ص 74 0
(3) المعجم الوجيز ص 122 وما بعدها 0
- 96 -
بالحــق ) (1) فإن هذا النص دليل صريح على حرمة القتل ، وكقوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) (2) 0
فإن هذا دل دلالة واضحة على وجوب الحج ، فإنه لايقال لأخذ الحكم من هذين النصين اجتهاد لأن المجتهد لم يبذل جهــدا ولم يتحمل مشقة فى الوصول إلى الحكم وانما أخذه صراحة من النـص (3) 0
- وعلى هذا فالمراد بالاجتهاد هــو الأهلية لا ستنباط الحكم الشرعــى مـن أدلته التفصيلية ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان القاضى عالما بأصول الأحكام فى الشريعة وفروعها وأصول الأحكام فى الشرع أربعــة :
1- العلم بكتاب الله تعالى علما يمكنه من معرفة أحكامه ومعرفة الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين 0
2- العلم بسنة الرسول -r - من الأقوال والأفعال الثابتة وطرق مجيئها فى التواتر والآحاد والصحة والفساد 0
3- العلم بمسائل الإجماع التى أجمعت عليها الأمة ومواطن الخلاف وذلك حتى يتمكن من متابعة الإجماع والعمل به ويجتهد برأيه فى المسائل الخلافية 0
4- العلم بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل فإذا أحاط علم الشخص بهذه الأصول الأربعة فى أحكام الشريعة الإسلامية صار بها من أهل الاجتهاد فى الدين وجاز له أن يفتى ويستفتى ويقضى ويستقضى وإن أخل بها أو بشىء منها فلا يصدق عليه وصف المجتهد ولم يجز له أن يفتى ويستفتى ويقضى ويستقضى (4) 0
_______________
(1) سورة الإسراء الآية رقم (33) 0
(2) سورة آل عمران الآية رقم (97) 0
(3) الأحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ 3 ص 4 ، المدخــل لدراســـة الفقه الإسلامى د/ حسين حامد ص 28 0
(4) نهاية المحتاج جـ 8 ص 239 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 376 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 637 بند 1592 ، أدب القاضى لابن أبى الدم ص 75 ، نظام القضاء فى الاسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 16 0
- 97-
ثالثا : موقف الفقهاء من اشتراط الاجتهاد فى القاضى :
اتفق الفقهاء على أنه يستحب فى القاضى أن يكون مجتهدا ولكنهم اختلفوا فى اشتراط الاجتهاد فى القاضى إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب محمد من الحنفية (1) والراجح عند المالكية (2) وذهب الشافعية (3) والحنابلة (4) والظاهرية (5) والزيدية (6) والإمامية (7) إلى أن الاجتهاد شرط لجواز تولى القضاء وصحتــه 0
الرأى الثانى : ذهب جمهور الحنفية (8) وبعض المالكية (9) إلى أن الاجتهاد ليس شرطا فى جواز وصحة تولى القضاء ويؤكد ذلك 0
قول الحنفيـة والمالكيـة :
الحنفيـة : قال الكاسانى (10) :
( يجوز تقليد الجاهل القضاء قياسا على الإمام الأعظم لأنه يمكنه أن يقضى بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء فكذا القاضى لكن مــع هــذا لا ينبغـــى أن يقلد الجاهل بالأحكام لأن
________________________________________________
(1) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 256 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد جـ 2 ص 460 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 376 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 636 بند رقم 1590 0
(4) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 382 0
(5) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 238 بند رقم 1778 0
(6) البحر الزخار جـ 6 ص 119 0
(7) المختصر النافع ص 279 0
(8) شرح العناية على الهداية ومعه شرح فتح القدير جـ 7 ص 256 ، بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 0
(9) بلغـة السالك جـ 2 ص 305 0
(10) هو أبو بكر بن مسعود ابن أحمد الكاسانى - نسبة إلى كاسان وهى مدينة فى أول بلاد تركستان - وراء نهر سيمون وراء الشاس ، وهو فقيه أصولى ، لقب بعلاء الدين ، توفى بحلب سنة 587هـ سنة 1191م وله تصانيف كثيرة منها بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع ، انظر معجم المؤلفيين ( تراجم لمصنفى الكتب العربية ) تأليف - عمر رضا كحالة - الناشر مكتبة المثنى - بيروت - لبنان دار إحياء التراث العربى - بيروت لبنان - المجلد الرابع ص 189 0
- 98 -
الجاهل بنفسه يفسد أكثر مما يصلح ، بل يقضى بالباطل من حيث لا يشعر به ) (1) 0
وقالت المالكيـة :
ولا يشترط علمه بجميع أحكام الفقه إلا إن كان مولى فى جميع الأحكام ويسمى عند الفقهاء بقاضى الجماعة فإن كان مولى فى شىء خاص كالأنكحـة اشترط علمه بها فقط وهكذا (2) 0
أدلة الرأى الأول :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم باشتراط الاجتهاد فى القاضى بما يلـى :
أولا : من الكتاب :
قوله تعالى ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ) (3) 0
وجـه الدلالة من الآيـة :
أن الله أمر بالرد إلى كتابه وسنة رسوله -r - عند الحكم وعند التنازع لأن فصل الخصومات بين الناس لا يكون إلا بالكتاب والسنة لأنهما الأصل الذى يرد إليه كل حكم ، والرد إلى كتاب الله وسنة الرسول - r - لا يتوافر إلا فى المجتهد (4) 0
ثانيـا : من السنـة :
ما روى ابن بريدة عن أبيه (5) قال : قال رسول الله -r - ( القضاة ثلاثة ، قاضى فى الجنة وقاضيان فى النار ، فأما الذى فــى الجنة فرجــل عـــرف الحـــق فقضى به ، وأما اللذان فى النار فرجل عــرف الحــق وجــار فــى الحكم فهــو فـــى النار ، ورجــل قضى للناس على جهل
_____________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 0
(2) بلغـة السالك جـ 2 ص 305 0
(3) سورة النساء الآية رقم (59) 0
(4)المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 382 0
(5) هو بريدة بن الحصيــب الأسلمــى ، سكن فى المدينة ثم البصرة ثم مرو ومات بها سنة 62 أو 63 هـ وهو آخر من مات بخرسان من الصحابة وقد روى عنه ابنه عبد الله هذا الحديث وعبد الله هذا كان قاضيا على مرو ، وهو ثقة فى رواية الحديث ومات سنة 115 هـ ، يراجع خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ، لصفى الدين أحمد بن عبد الله الخزرجى الأنصارى - المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى سنة 1322 هـ 0
- 99 -
فهو فى النار ) رواه ابن ماجة (1) 0
وجـه الدلالة من الحديث :
أن الرسول - r - أخبر بأن من القضاة من يستحق دخول النار وهو من يقضى بين الناس على جهل ، واستحقاق دخول النار لا يكون إلا بناء على فعل محرم فدل هذا على عدم جواز تولى الجاهل القضاء لأن الجاهل لا يفهم الأحكام الشرعية ولا يعرف كيفية استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية ولا يعرف ذلك إلا المجتهد ، فهذا الحديث أكبر دليل على اشتراط الاجتهاد فى القاضى (2) 0
ثالثا : من المعقـول :
قالوا : إن الأصل فى المكلف أن يصل إلى الحكم من الدليل باجتهاده ولا يقلد إلا إذا تحققت الضرورة والضرورة تقدر بقدرها فلا تتعداها إلى غيره ويترتب عليه عدم إلزام المتقاضين بما إلتزمه الشخص نفسه على سبيل الضرورة فدل ذلك على عدم صحة ولاية الجاهل القضاء (3) 0
أدلة الرأى الثانى :
استدل الحنفية وبعض المالكية على رأيهم بعدم اشتراط الاجتهاد فى تولى القضاء بأن الغرض من القضاء هو فصل الخصومات بين الناس وإيصال الحق إلى مستحقيه والجاهل يمكنه ذلك لأنه يمكن أن يقضى بفتوى غيره (4) 0
مناقشة هذا الدليل :
رد على ذلك أنه ليس الغرض من القضاء فصل الخصومات بين الناس على أى وجه وإنما الغرض هو فصل الخصومات بالطرق الشرعية المستنبطة مــــن أدلتها التفصيلية ولا يصل إلى هذه
________________________________
(1) أخرجه ابن ماجه فى سننه فى 13 - كتاب الأحكام ، 3- باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق ، جـ 2 ص 776 رقم الحديث 2315 ، ورواه الحاكم فى المستدرك فى الأحكام وزاد فيه : قالوا يا رسول الله ، فما ذنب الذى يجهل ؟ قال ذنبه أن لا يكون قاضيا حتى يعلم ، وقال فيه : حديث صحيح على شرط مسلم ، يراجع نصب الراية جـ 4 ص 65 مرجع سابق 0
(2) المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 382 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 0
(4) شرح العناية على الهداية ومعه شرح فتح القدير جـ 7 ص 256 ، بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 0
- 100 -
المرتبة إلا من بلغ درجة الاجتهاد (1) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا لآراء الفقهاء فى مسألة اشتراط الاجتهاد فى القاضى وذكرنا أدلة كل رأى ومناقشتها فإنى أرى أن الرأى الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء القائلين باشتراط الاجتهاد فى القاضى وذلك لقوة أدلتهم 0
الشرط الثامن : أن يكون القاضى سليما من الآفـات :
اشترط الفقهاء فــى القاضـى أن يكون سليما من الآفات بأن يكون سميعا بصيرا لأن الأخرس لا يمكنه النطق ولا يفهــم جميــع الناس إشارته ، والأصـــم لا يسمع قـول الخصمين ، والأعمى لا يعرف المدعى ولا المدعى عليه فلا يجوز تولية الأعمى أو الأصم أو الأبكم القضاء لأن السلامة من الآفات أهيب لذوى الولايات وولاية القضاء من أخطر وأعظم الولايات (2) 0
الشرط التاسع : شروط أخرى ينبغى توافرها فى القاضى :
قال ابن قدامة ( وينبغى أن يكون الحاكم قويا فى غير عنف ، لينا فى غير ضعف ، لا يطمع القوى فى باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأن يكون حليما متأنيا ذا فطنة ويتقظ لا يؤتى من غفلة ولا يخدع بغرة ، صحيح السمع والبصر عالما بلغات أهل ولايته ، عفيفا ورعا نزيها بعيدا عن الطمع ، صدوق اللهجة ذا رأى ومشورة ، لكلامه لين إذا قرب ، وهيبة إذا بعد ولا يكون جبارا فيقطع ذا الحجة عن حجته ، قال على -رضى الله عنه- لا ينبغى أن يكون القاضى قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال : عفيف ، حليم ، عالم بما كان قبله ، يستشير ذوى الألباب ، لا يخاف فى الله لومة لائم ) (3) 0
__________
(1) تبصرة الحكام جـ 1 ص 25 ، الأحكــام السلطانية للماوردى ص 66 ، المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 382 0
(2) بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، الأحكــام السلطانية للمــاوردى ص 66 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 621 بند 1521 ، المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 381 0
(2) المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 385 0
الفرع الثانى
الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى القانون الوضعى
تمهيد :-
سبق وأن ذكرنا أن القاضى فى مصر هو موظف عمومى تعينه الدولة بواسطة السلطة التنفيذية حسبما تأخذ به الأنظمة القانونية المعاصرة والنظام الإسلامى ، وليس عن طريق الانتخاب كما هو الشأن فى بعض الدول الأوربية ، وإذا كانت السلطة التنفيذية فى مصر هى التى تقوم بتعين القاضى إلا أن سلطتها فى هذا الشأن ليست سلطة مطلقة لأن المشرع اشترط توافر شروطا خاصة فيمن يعين قاضيا ، فتكون هذه الشروط قيدا على حرية السلطة التنفيذية ولا تستطيع تخطيها أو الخروج عليها فى هذا الشأن (1) 0
وطبقا لنص المادة (38) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 يشترط فيمن يولى القضاء أن تتوافر فيه الشروط الآتية :
الشرط الأول : أن يكون مصرى الجنسيـة :
يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مصرى الجنسية وذلك لأن القاضى موظف عمومى تعينه الدولة بواسطة السلطة التنفيذية ، ولا يجوز أن يتولى الوظائف العامة إلا مصرى الجنسية ، ومن جهة أخرى فإن القضاء مظهر من مظاهر سيــادة الدولة وينتفى معه وجود قاضى من غير مواطنيها (2) 0
ومع ذلك فتولى القضاء ليس قاصرا على المتمتع بالجنسية المصرية فحسب وإنما يمكن أن يتولى القضاء من يتمتع بالجنسية المصرية المكتسبـة وذلك بعــد مضى المــدة التى حددها قانون الجنسية المصرى رقم 26 لسنة 1975 وهى مدة خمس سنوات إذ يصبح الشخص الأجنبى بعد مضى هذه المدة من مواطنى الدولة وله الحق فى التمتع بكافة الحقــوق وعليــه الالتزام بجميع الواجبات
________________
(1) الوسيط د/ أحمد السيــد صـــاوى بند 37 ص 71 ، قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح ص 46 0
(2) الوسيط د/ فتحــى والى بند 106 ص 194 ، قانون القضــاء المدنى د/ محمــود محمد هاشم طبعــــة سنة 1991 الطبعة الثانية جـ 1 ص 124 0
- 102 -
المقــررة علـــى المتمتعين بجنسية الدولــة الأصليـــة وتولى جميع الوظائف العامة ومنها ولاية القضــاء (1) 0
ولما كان المشرع المصرى قد اشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مصرى الجنسية سواء كانت الجنسية أصلية أم مكتسبة ولم ينص صراحة على اشتراط الذكورة فى القاضى الأمر الذى أدى إلى اختلاف الفقه القانونى حول مدى جواز تولى المرأة القضاء إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى بشىء من التفصيل :
الرأى الأول :
ذهب جانب من الفقه القانونى إلى جواز تولى المرأة القضاء (2) 0
حيث ذكر الدكتور / فتحى والى فى هذا الصدد ( وإذا توافــر شـرط الجنسية المصرية فلا يهم أن المصرى رجلا أو امرأة ، وإن كان الأمر قد جرى على عدم تولى المرأة القضاء فى مصر وهو تقليد لاسند لـه (3) 0
أدلــة هــذا الرأى :
استند هذا الرأى إلى ما ذهب إليه من جواز تولى المرأة القضاء بما يلـى :
1- أن المشرع لم يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون رجلا ، وذلك عند ذكره للشروط الواجب توافرها فيمــن يتولى القضــاء وبالتالى فهـــو لم يمنع المرأة مــن تولى القضاء ، وإنما كل ما اشترطه المشرع فى القاضى هو أن يكون مصرى الجنسية وهــذا متحقق فى الرجل والمرأة على السواء (4) 0
_________________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 92 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 28 ص 72 ، الوسيــط د/ فتحــى والى بند 106 ص 194 ، المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف مجلة الأمن والقانون ص 288 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 127 ، الوجيز فــى المرافعــات د/ محمد محمود إبراهيم ص 94 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 194 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 194 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 194 0
- 103 -
2- أن المشرع المصري أيضا عند ذكره للشروط اللازم توافرها فى ممارسة مهنة المحاماة لم يمنع المرأة من ممارسة تلك المهنة ، وإنما اشترط فيمن يمارس تلك المهنة أن يكون مصرى الجنسية طبقا لنص المادة (13) من قانون المحاماة رقم (17) لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 حيث نصت تلك المادة على أنه ( يشترط فيمن يطلب قيد اسمه فى الجدول العام أن يكون متمتعا بالجنسية المصرية ) ، وإذا كان المشرع قد سمح للمرأة بممارسة مهنة المحاماة فكذلك يجوز لها تولى القضاء إذ لا وجه للتفرقة فى ذلك بين الرجل والمرأة 0
3- كما أن المشرع عندما يقصد قصر ممارسة عمل معين على الذكور دون الإناث ينص على ذلك صراحـة (1) 0
فضلا عن أن المرأة فى مصر وصلت إلى منصب الوزارة والتمثيل النيابى (2) 0
الرأى الثانى : ذهب جانب آخر مــن الفقــه القانونى إلى عدم جواز تولى المرأة القضــاء (3) 0
أدلة هذا الـرأى :
1- أنه يجب النظر إلى ولاية القضاء بعين شرقية إسلامية ، والابتعاد عما جرى عليه العمل فى الدول الأوربية ، لأن طبيعة المرأة لا تتناسب البتة مع طبيعة عمل القاضى ومايواجهه من البحث والإرهاق وتدقيق النظر حتى يصل إلى الحل المناسب فى القضية المعروضة عليه 0
2- أن القاضىلا يتأثر بما يسمع بل يقضى فىالنزاع فى حدود القانون وطبقا لمقاييس العدل ، ويقوم بمواجهة الخصوم والجماهير وسماع مشكلاتهم ، والخوض فى بحث مسائل ماسة ودقيقة تمس العرض والأخلاق ، وكل هذا لا يتناسب مع طبيعة المرأة التى تهتم لأتفه وأبسط الأمور 0
3- أن قيام الدول الأوربية بالسماح للمرأة فى تولى قضاء الأحداث ، أو نيابة الأحوال الشخصية فإنما كان ذلك لضرورة وهى نقص عدد الرجال بعد الحربيين العالمتيين 0
______________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمــد محمـــود إبراهــيم ص 93 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 127 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 127 0
(3) أصول المرافعات الشرعية د/ أنور العمروسى الطبعة الثالثة ص 23 0
- 104 -
4- كما يشترط فى القاضى أن يكون على دراية كاملة بمشكلات الناس ومنازعتهم ، والمرأة بطبيعتها قليلة التجربة (1) 0
النقد الموجـه لهذا الرأى :
انتقد جانب من الفقه القانونى (2) هذا الرأى بأنه يتسم بالمغالاة والغلو للآتـى :
أ - من حيث التأثير وطبيعة المرأة :
فإنه ليس صحيحا أن المرأة القاضية تتأثر بكل ما تسمع وأن الرجل القاضى لا يتأثر ، فالإثنين يتأثران ولكن الاختلاف فى مدى درجة التأثر 0
ب - من حيث طبيعة المنازعات :
أنه إذا كانــت هنـاك منازعات ليس مــن اللائق أن تتصــدى لها المرأة ، فهناك من المنازعات ما يجب أن تتصدى لها المرأة مثل منازعات الأسرة والأحداث 0
جـ - من حيث الحجـة التاريخيـة :
القول بأن الدول الأوربية قد سمحت للمرأة بتولى القضاء بسبب نقص عدد الرجال بعد الحربين العالمين فهذا ليس صحيحا لأن الدول الأوربية لم تسمح بتولى المرأة القضاء بعد الحربيين العالمين ، وإنما الثابت تاريخيا أن أول امرأة تولت القضاء فى أمريكا كانت عام 1989م أى قبل الحرب العالمية (3) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا آراء الفقه القانونى فى حكم تولى المرأة القضاء وأدلة كل رأى ، فإنى أرى ترجيح الرأى القائل بعدم جواز تولى المرأة القضاء وذلك لوجاهته ولأنه يتناسب مع طبيعة المرأة التى خلقها الله عليها ، وأنها ليست أهلا للحضور فى محافل الرجال ، كما أن هذا الرأى يتفق مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فى الفقه الإسلامى ، كما أن المرأة رقيقة العاطفة مرهفة الحس سريعة التأثر ، وهذا من شأنه أن يدفعها فى الكثير من الأحوال إلى الميل مع الهوى وتغليب دواعى
_____________
(1) أصول المرافعات الشرعية د/ أنور العمروسى الطبعة الثالثة ص 24 وما بعدها 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 94 0
(3) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 95 0
- 105 -
العاطفة على مقتضى العقل والحكمة ، فلهذه الأمور كلها رأينا ترجيح الرأى القائل بعدم جواز تولى المرأة القضاء 0
الشرط الثانى : أن يكون كامل الأهلية المدنية :
يشترط كذلك فيمن يتولى القضاء أن يكون كامل الأهلية المدنية ، إذ لا يجوز تولية ناقص الأهلية القضاء ، لأنه لا يؤخذ بقوله على نفسه حكم فلا يؤخذ به على غيره من باب أولى ، كما لا يجوز تولية فاقد الأهلية القضاء من باب أولى (1) 0
الشرط الثالث : من حيث السـن :
ويشترط فيمن يتولى القضاء ألا يقل سنه عن ثلاثين سنة وذلك إذا كان التعيين بالمحاكم الابتدائية وعن أربعين سنة إذا كان التعيين بمحاكم الاستئناف وعن ثلاثة وأربعين سنة إذا كان التعيين بمحكمة النقض (2) 0
وهذا التحديد التشريعى للسن مبنى على اعتبارات عملية وذاتية حيث أن المشرع افترض أن من بلغ هذا الحد من عمره يكون قد بلغ حدا من الوعى ونضوج الفكر وقوة الشخصية التى تؤهله لتولى هذا المنصب الخطير (3) 0
الشرط الرابع : من حيث السمعة والاعتبار :
من الشروط الواجب توافرها فى القاضى أن يكون محمود السيرة حسن السمعة ، وألا يكون قد حكم عليه من المحاكم أو مجالس التأديب لأمر مخل بالشرف حتى ولو كان قد رد إليه اعتباره وذلك لأن القضاء منصب جلى ، ومكان على يجب تنزيهه وتطهيره من ذوى السمعة السيئة والسيرة الذميمة (4) 0
___________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 213 ص 200 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 195 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 125 0
(2) المادة (38/2) من قانون السلطة القضائيــة رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 0
(3) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 96 0
(4) الوسيـط د / فتحــى والى بند 106 ص 195 ، قانون القضــاء المدنى المصــرى د/ عزمــى عبد الفتاح ص 50 0
- 106 -
الشرط الخامس : من حيث درجته العلمية :
ويشترط فى القاضى من حيث درجته العلمية أن يكون حاصلا على أجازة الحقوق من إحدى كليات الحقوق بجامعات جمهورية مصر العربية أو على الاجازة العالية فى الشريعة والقانون من إحدى كليات الشريعة والقانون بجامعة الأزهر طبقا لنص المادة (6) من قرار رئيس الجمهورية بإصدار القانون رقم 46 سنة 1972 بشأن السلطة القضائية والمعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984 والتى تنص على أنه ( استثناء من حكــم البنــد (3) من المادة (38) من القانون المرافق ( أى قانون السلطة القضائية ) يجوز أن يعين معاونا بالنيابة العامة للأحوال الشخصية الحاصلون على الشهادة العالية من كلية الشريعة مع إجازة القضاء ، أو الاجازه العالية مع التخصص فى الشريعة والقانون " (1) 0
كما تنص المادة (2) من القانون رقم 50 لسنة 1966 فى شأن تطوير الدراسة بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر الصادر بتاريخ 15/8/1966 على أنه ( تمنح جامعة الأزهر خريجى كلية الشريعة والقانون درجة الأجازة العالية فى الشريعة والقانون ، ويكون لحاملى هذه الدرجة كافة الحقوق المقررة لحاملى درجة الاجازة العالية فى الشريعة فضلا عن الحقوق المقرره لحاملى درجة الليسانس فى الحقوق من كليات الحقوق فى جامعات الجمهورية ) 0
كما يجوز تعيين من يحصل على شهادة أجنبية معادلة لاجازة الحقوق قاضيا بشرط أن ينجح فى امتحان المعادلة طبقا للقوانين واللوائح الخاصة بذلك (2) 0
وعلى هذا فالمشرع المصرى لم يتطلب فيمن يتولى القضاء أكثر من الحصول على ليسانس الحقوق من إحدى الجامعات المصرية أو شهادة أجنبية معادلة بشرط النجاح فى امتحان المعادلة المعد لذلك ، على العكس من المشرع الفرنسى الذى يشترط فيمن يعين قاضيا أن يكون من بين خريجى المركز الوطنى للدراسات القضائية الذى أنشأ فى سنة 1958 والذى حلت محله المدرسة الوطنية للقضاء ، الأمر الذى جعل جانب من الفقه القانونى المصرى إلى انتقاد مسلك المشرع المصرى سالف الذكر ووصفـه بأن هـــذا النظام فــى الواقع ليس مثاليا لأن مباشرة ولاية
________________________________________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمــود هاشـم ص 125 ، محاضرات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب الكتاب الأول النظام القضائى طبعة سنة 93 / 1994 ص 79 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 41 ص 49 0
- 107 -
القضاء تتطلب إعدادا علميا خاصا لا يكفــى فيه مجرد الحصول على ليسانس الحقوق أو ما يعادله ، إذ للقضاء مجالــه الخاص الذى يختلف عن غيره من مجالات العمل القانونى ويتطلب إعدادا خاصا (1) 0
الشرط السادس : من حيث الخبرة القانونية :
بالإضافة إلى الشروط السابقة يشترط فى القاضى أن يكون قد سبق له الاشتغال بعمل من الأعمال القضائية أو القانونية سواء فى النيابة العامة أو مجلس الدولة أو هيئة قضايا الدولة أو هيئة النيابة الإدارية أو المحاماة أو تدريس القانون بإحدى الجامعات المصرية ، حتى يتحقق له الخبرة اللازمة لمباشرة القضاء ، وهذه الخبرة المطلوب توافرها فى القاضى تختلف بحسب اختلاف الدرجة التى سيعين بها وقد حددت المواد (39 ، 40 ، 41، 42 ، 43) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984 ، الخبرة المطلوبة لكل درجة من درجات السلم القضائى (2) 0
هذه هى الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء فى القانون الوضعى وعلى وزارة العدل أن تتحقق من توافر هذه الشروط فى الشخص الذى سيتولى القضاء وصلاحيته لهذا المنصب الخطير ، ولوزارة العدل أن تطلب من الهيئة التى ينتسب إليها المرشح أو التى لها الإشراف عليه وعلى عمله البيانات الخاصة بكفايته ، ولا يكفى توافر هذه الشروط فى الشخص حتى يتولى القضاء بل لابد من صدور قــرار بتعيينه من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الأعلى للقضـــاء (3) 0
______________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 125 ، الوسيط د/ فتحى والى ص 195 هامش (1) ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 97 0
(2) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 39 ص 76 ، المرافعات المدنية والتجارية بند 40 ص 50 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 126 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 195 ، المرافعــات المدنيــــة والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 40 ص 50 0
- 108 -
الموازنة بين الشريعة والقانون فى الشروط المطلوب توافرها فيمن يتولى القضـــاء :
إذا رجعنا إلى شروط تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى والتى سبق ذكرها لوجدناها أشمل وأوسع وأعم وأدق من شروط تعيين القاضى فى القانون المصرى ، فمثلا نجد أن الفقه الإسلامى اشترط توافر شرط الإسلام فى القاضى فى القضاء بين المسلمين أو غير المسلمين حسب الرأى الراجح فى الفقه الإسلامى بينما نجد أن المشرع المصرى عند ذكره لشروط تعيين القاضى لم ينص على اشتراط مثل هذا وإنما كل ما اشترطه توافر الإسلام فى القاضى فى مسائل الأحوال الشخصية فقط وهذا يعتبر قصورا فى التشريع المصرى إذ ينبغى أن يشترط توافر الإسلام فى القاضى سواء كان فى مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة للمسلمين أو غيرها من المسائل المدنية والجنائية والإدارية وكذلك من شروط تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى أن يكون ذكرا حسب الرأى الراجح فى الفقه الإسلامى بينما نجد أن المشرع المصرى لم يتعرض إلى مثل هذا الشرط ولم ينص عليــه صراحــة مما جعــل بعض علماء الفقه القانونى إلى القول بجواز تولى المرأة القضاء لأن كل ما اشترطه المشرع المصرى فى فيمن يتولى القضاء أن يكون مصرى الجنسية يستوى فى ذلك أن يكون رجلا أو امرأة ، وبذلك تكون الشروط الواردة فى الفقه الإسلامى أوسع وأشمل من الشروط الواردة فى القانون المصرى بخصوص الشروط المطلوب توافرها فى القاضى وأرى أنه ينبغى على المشرع أن ينص صراحة على عدم جواز تولى المرأة للقضاء حتى لايترك فرصة لذوى الأهواء التعلل بأن القانون الحالى لا يمنع تولى المرأة القضاء ، وبذلك تكون الشروط المطلوب توافرها فيمن يتولى القضاء فى الفقه الإسلامــى ينبغى العودة إليها وتطبيقها كاملة فيمن يتولى القضاء لأن القضاء فى الإسلام منصب جلى ومكان على لا يولى جزافا وبذلك تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكـــان 0
- 109 -
المبحث الثانى
استقلا ل القضاء فى الفقة الأسلامى والقانون الوضعى
تمهيد :-
مما لاشك فيه أن ولاية القضاء من أهم الولايات شأنا وأعظمها أثرا وأعلاها مرتبة فى المجتمع الإسلامى وذلك لأن ولاية القضاء فى مجتمعنا المعاصر لها دور هام فى استقرار مبادىء العدل بين أفراده لأن القاضى بعمله النبيل ورسالته المقدمة يهىء للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل مسلم وغير مسلم فى دار الإسلام على نفسه وماله وعرضه ، ولذلك قال الإمام السرخسى فى المبسوط ( اعلم بأن القضاء بالحق أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات وبه أمر كل نبى مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) (1) 0
ومن هنا تظهر مسئولية القاضى وهى مسئولية ضخمة وشاقة تتجلى ضخامتها وخطورتها فى موضوع القضاء الذى هو حقوق الله وحقوق العباد فى الدماء والأموال والأعراض ولكى يستطيع القاضى القيام بهذه الوظيفة وهذه المسئولية الضخمة على أكمل وجه يستلزم أن يكون القاضى بمنأى عن كل تأثير أو تدخل يؤدى إلى ميل ميزان العدالة فى يده أو انحرافه فى إمساكه بحياد ونزاهة وأن يتحقق له الاستقلال الكامل فى أداء وظيفته ونظرا لأهمية مبدأ استقلال القضاء سوف أقوم بمشيئة الله وتوفيقه بالحديث عنه بشىء من التفصيل وذلك من خلال مطلبين نوضحهما فيما يلـى :
المطلب الأول
استقلال القضاء فى الفقة الإسلامى
تمهيد :-
لكى نتحدث عن مبدأ استقلال القضاء فى الفقه الإسلامى فذلك يتطلب منا أن نتعرض بشىء من التفصيل إلى المقصود باستقلال القضاء ، ثم القضاء فى عهد الخلفاء الراشدين لنعرف هل كان القاضى فى الفقه الإسلامى يتمتع بالاستقلال من خلال النقاط التالية :
_______________
(1) المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 59 0
- 110 -
أولا : المقصود باستقلال القضاء :
يقصد باستقلال القضاء : هو أن يكون القضاة أحرارا فى البحث عن الحق والعدل دون أن يكون هناك تأثير من سلطة أو ضغط من حاكم أو تدخل من ذوى النفوذ وألا يخافوا فى الله لومة لائم (1) 0
واستقلال القضاة يحتم ويستوجب ألا يتدخل فى اختصاصات القاضى أية سلطة بحيث يكون القاضى حرا فى قضائه دون توجيه أو تعديل أو توقيف وهذا ما يسمى بالاستقلال الوظيفى كما يتطلب عدم مخالفة الشروط والصفات المطلوبة فى اختيار القضاة والالتزام بها وعدم العمل على عزل القضاة وهذا يسمى باستقلال القضاة من الناحية العضوية (2) 0
وكذلك يقصد باستقلال القضاء هو أن يكون القضاة آمنين على أنفسهم وعلى مقومات حياتهم يعيشون فى مأمن من كيد رجال الإدارة أو الأفراد لهم (3) 0
ثانيـا : القضاء فى عهد الرسول r :
لما جاء الإسلام وأمر الله – سبحانه وتعالى- نبيه محمدا -r - بتبليغ الرسالة أمره أيضا بالفصل فى الخصومات بين الناس وذلك مصداقا لقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) (4) 0
وقولــه تعالى ( فاحكــم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحــــق ) (5) 0
وقولــه تعالى ( إنا أنزلنا إليــك الكتاب بالحــق لتحكــم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمــا ) (6) 0
________________________________
(1) ، (2) السلطة القضائية وشخصية القاضى د/ محمد عبد الرحمن البكر - الطبعة الأولى سنة 1408 هـ سنة 1988 ، مطبعة الزهراء للإعلام العربى ص 581 وما بعدها 0
(3) التنظيم القضائى الإسلامى أ.د/ حامد أبو طالب - الطبعة الأولى سنة 1402 هـ سنة 1982م ص 45 0
(4) سورة النساء الآية رقم (65) 0
(5) سورة المائدة الآية رقم (48) 0
(6) سورة النساء الآية رقم (105) 0
- 111 -
فكان الرسول - r - أول قاض بين الناس فى المجتمع الإسلامى بنظر فى الخصومات ويفصل بينهم فيما يثور من منازعات بالعــدل الذى أنزله الله على رسوله وبالحق الذى لا ينبغى لمسلم أن يحيــد عنــه أو يميل ، فقرر المساواة بــين الناس فــى أروع صورها لا فرق بين حاكم أو محكوم ، ولا فـــرق بين أمــير أو مأمــور بل لا فــرق فى الانصاف والعدل بين مسلم وغير مسلم لأن الله سبحانه وتعالى لم يقصر العدل علــى القضــاء بين المسلمين فقط وإنما أمر به وأوجبه بين الناس جميعا يؤكد ذلك تعبير القرآن الكريم بلفظ الناس فى الآية الأخيرة سالفة الذكر الجامع فى طياته للمسلم وغير المسلم دلالة واضحة علــى هذا المقصود العظيم ، وعلى هذا فقد تولى الرسول -r - القضاء بنفسه فى بداية الأمر ولم يخصص رجلا للقضاء وظل عليه السلام يجمع فى يده بحكم مهمة الرسالة كل السلطات فى الدولــة التنفيذية والتشريعية والقضائية (1) 0
فلما انتشر الإسلام فى الآفاق دعت الحاجة إلى أن يعهد الرسول -r - بالقضاء إلى بعض أصحابه الأجلاء حتى لا يتعطل الفصل بين الناس فى الخصومات بسبب المسافة البعيدة بين الرسول - r - وبين الناس فى البلاد الإسلامية التى قد تؤدى بصاحب الحق أن يتركه زهدا من المشقة التى تلحقه بسبب الحصول على ذلك الحق ، وعلى هذا فقد تولى الرسول -r - القضاء بنفسه وولاه غيره فى عهده (2) . وذلك ثابت فى أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ما يلـى :
فمــن الأحاديــث التى تـدل علــى قيام الرسول -r - بالقضاء بنفسه فى الخصومات بين النــاس 0
__________
(1) السلطات الثلاث فى الإسلام للأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف - مجلة القانون والاقتصاد - السنة الخامسة - العدد الخامس - ص 517 ، القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ محمد نجيب عوض ص 36 0
(2) السلطات الثلاث فــى الإســلام - الشيــخ عبــد الوهاب خلاف مجلة القانون والاقتصاد - السنة الخامسة - العدد الخامس ص 517 ، القضــاء فــى الإســلام نظامـــه وتاريـخه - محمد نجيب عوض ص 36 0
- 112 -
1- ما رواه الإمام البخارى عن أم سلمة زوج النبى -r - قالت : أنه -r - سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : ( إنما أنا بشر وأنه يأتينى الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار ، فليأخذها أو يتركها ) وزاد عبد الله بن رافع فى أخر الحديث " فبكى الرجلان ، وقال كل منهما لصاحبه حقى لك فقال لهمــا النبى -r - أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ، ثم استهما ، ثم تحالــلا " (1) 0
2- كذلك من الأحاديث التى تدل على قضاء الرسول -r - بنفسه ما ورد فى الحديث الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : دخلت هند بنت عتبة (2) امرأة أبى سفيان (3) على رسول الله - r - ، فقالت يا رسول الله : إن أبا سفيان رجــل شحيح (4) لا يعطنى من النفقة ما يكفينى ويكفى بنى إلا ما أخذت من ماله بغير علمه ، فهل على فى ذلك من جناح ؟ فقال رسول الله - r - ( خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك ) (5) 0
ومن الأحاديث التى تدل على تولية الرسول -r - القضاء لغيره ، ما روى عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل عن معاذ أن الرسول -r - لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له يا معاذ كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال أقضى بما فى كتاب الله ، قــال فــإن لم يكــن فى كتاب الله ؟ قال فبسنة
___________
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى جـ 13 ، 29 باب من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه ، رقم الحديث 7181 ص 184 ، وقال ابن حجر وفى هذا الحديث من الفوائد أثم من خاصم فى باطل حتى استحق به فى الظاهر شيئا هو فى الباطن حرام عليه نفس المرجع ص 186 0
(2) هى هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، صحابية ، قرشية وهى أم الخليفة معاوية بن أبى سفيان ، أسلمت يوم الفتح وشهدت اليرموك توفيت سنة 14 هـ يراجع خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 146 0
(3) هو صخر بن حرب بن أمية ، صحابى من سادات قريش ، أسلم يوم الفتح توفى سنة 32 هـ المرجع السابق 146
(4) شحيح يعنى بخيــل 0
(5) فتــح البــارى بشـــرح صحيــح البخـــارى جـ 13 ص 146 ، صحيح مسلم بشرح النووى جـ 12 ص 7
- 113 -
رسول الله قال فإن لم يكن فى سنة رسول الله ؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو (1) وكذلك ما روى عن الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : بعثنى رسول الله -r - إلى اليمن قاضيا ، فقلت يا رسول الله - r - ترسلنى وأنا حديث السن ولا علم لى بالقضاء ؟ فقال -r - ( إن الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ، فما زلت قاضيا أو ما شككت فى قضاء بعـد (2) 0
وعلى هذا فالآثار والأحاديث متضافرة على أن الرسول -r - ولى القضاء بنفسه وولاه غيره من صحابته ولم يثبت أنه قلد أحدا القضاء خاصة وإنما الثابت أنه كان يبعث الواحد من صحابته إلى بلد أو يستعمله على بلد على أن يكون رسولا له ونائبا عنه يعلم الناس ويفتيهم ويقضى بينهم ويجمع الصدقات منهم وتكون له ولاية أمرهم ولاية عامة ولم تفصل فى عهده -r - ولاية القضاء عن غيرها من الولايات لأن الأعمال كانت قليلة فكانت ولاية القضاء تدخل ضمن أمور الولاية العامة ولم يثبت أن رسول الله -r - جعل لأحد ولاية القضاء وحدها فلم تفصل فى عهده - r - ولاية القضاء من غيرها من الولايات (3) 0
وأظهر ما يمتاز به القضاء فى عهد الرسول -r - هو حرية القاضى فى قضائه لأن الرسول - r - عندما ولى غيره القضاء سواء ضمن الولاية العامة أم ولاه القضاء فى خصومه خاصة لم يقيد من ولاه بشىء معين والدليل على ذلك ما روى أن دارا كانت بين أخوين فحظر فى ذلك حظار (4) ثم هلكا وترك كل واحد منهما عقبا ، فادعى كل واحد منهما أن الحظار له دون صاحبه ، فاختصما عقباهما إلى النبى -r - فأرسل حذيفـة بن اليمان (5) يقضى بينهما وقال له أقض بينهما
________________________________________
(1) سبق تخريجه ص 48 من نفس البحث 0
(2) سبق تخريجه ص 47 من نفس البحث 0
(3) السلطات الثلاث فى الإسلام للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 517 مرجع سابق ، القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 39 0
(7) أى أقاما جـدار 0
(5) هو حذيفــة بن اليمـــان واسمــه حسيل العبسى أبو عبد الله ، صحابى جليل أعلمه الرسول - r - بما كان وما يكن إلى يوم القيامة من الفتن والحوادث مات سنة 36 هـ يراجع خلاصة التذهيب ص 63.
- 114 -
فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط ، ثم رجع فأخبر النبى -r- وقال له أصبت وأحسنت (1) 0
وكان -r - ينفذ ما يقضى به بنفسه أو بمن ينتدبه لذلك ، روى فى الصحيحين أن رجلين اختصما إلى النبى - r - فقال أحدهما يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وأذن لى ، فقال له الرسول - r - قل ، فقال : إن ابنى كان عسيفا ( أى أجيرا ) عند هذا ، فزنى بامرأته فافتيدت منه بمائة شاة وخادم ، وإنى سألت رجالا من أهل العلم ، فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم . فقال النبى - عليه الصلاة والسلام - ( والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغذ يا أنيس الى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت فرجمها (2) 0
وهكذا اجتمعت فى يد الرسول -r - سلطات الدولة الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية لأن مهمته -r -كانت تقتضى أن تكون الشئون الثلاثة بيده ، فهو رسول يبلغ الناس ما أنزل إليه من ربه ويدعوهم إلى الإيمان به وراع يسوس من أجابوا دعوته ويدير شئونهم على وفق ما شرع الله وهذا التبليغ والتدبير يتطلبان التشريع والقضاء والتنفيذ (3) 0
ثالثا : القضاء فى عهد الخلفاء الراشدين :
سبق وأن ذكرنا أن القضاء فى عهد الرسول -r -كان يتولاه الرسول بنفسه وتارة كان يعهد بالقضاء إلى بعض ولاته ضمن توليتهم الشئون العامة ، وتارة كان يعهد به إلى بعض أصحابه فى خصومة معينة ، وما عين فى عهده قاضيا فى بلد من البلدان بحيث يختص بالقضاء بين المسلمين فقط بحيث تكون وظيفته هى القضاء فلم ينفصل فى عهده -r - القضاء عن الولاية العامة ، وظل الأمر كذلك فى عهد الخليفة الأول أبى بكــر الصديــق - رضــى الله عنــه - وحـتى نهاية عهده ظل
_____________
(1) سنن ابن ماجه جـ 2 ص 785 ، المرجع السابق 0
(2) فتح البارى بشرح صحيــح البخــارى - جـ 13 ص 157 وما بعدهــا ، صحيح مسلم بشرح النووى جـ 11 ص 206 وما بعدها 0
(3) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامى والقانون الوضعى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم أحمد شرف - مجلة الأمن والقانون - كلية شرطة دبى - السنة السابعة - العدد الأول - شوال سنة 1419 هـ - يناير سنة 1999 ص 243 ، السلطات الثلاث فى الإسلام للشيخ عبد الوهاب خلاف - مجلة القانون والاقتصاد - السنة الخامسة - العدد الخامس ص 521 وما بعدها 0
- 115 -
القضاء وظيفة داخله ضمن وظائف الولاية العامة فكان الخليفة يتولى القضاء بنفسه لأن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع فى الدعوى إلى الدين والمحافظة عليه وسياسة أمور الناس به ومن مقتضيات هذه الخلافة أن تكون له سلطة القضاء لأن له أن يتولى كل ما يقتضيه تدبير شئون المسلمين من تشريع وقضاء وتنفيذ ولهذا كان القضاء يتولاه الخليفة بنفسه وتارة يعهد به إلى غيره ضمن أمور الولاية العامة . وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بقى أمر تولى القضاء فى صدر خلافته على ما كان عليه فى زمن الرسول -r -وأبى بكر الصديق - رضى الله عنه - فكان القضاء يدخل ضمن تولى الأمور العامة إلى أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب وتشابكت العلاقة بين الناس وتداخلت فصل الخليفة عمر بن الخطاب القضاء عن الولاية العامة وعـين فى بعض الولايات رجالا مخصصين للقضاء وكان ذلك فصلا للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وأصبحت وظيفة الفصل بين الناس فى الخصومات من اختصاص القضاة (1) 0
ومنذ عهد عمر بن الخطاب صار القضاء الإسلامى يتولاه فى الأمصار قضاة مستقلون معينون للقضاء بين الناس وتعيينهم تارة يكون من قبل الخليفة نفسه كما عين عمر بن الخطاب شريحا بالكوفة ، وتارة يكون من قبل الوالى كما عين عمرو بن العاص والى مصر عثمان بن قيس بن أبى العاص قاضيا بها ولكن الولاة إنما كانوا يعينون القضاة فى ولاياتهم بتفويض من الخليفة لهم لأن حق التعيين له فإن شاء عين بنفسه وإن شاء فوض إلى واليه ولهذا لما كتب الخليفة على بن أبى طالب عهده إلى الاشتر النخعى حين ولاه على مصر قال له ( ... ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك فى نفسك ممن لا تضيق به الأمــور ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى فى الزلة ، ولا يحصر من الفىء إلى الحق إذا عرفه ... ) (2) 0
وظل القضاة فى الإسلام مستقلين عن كل مؤثر سواء من قبل الإمام أو نائبه أو غيرهما من ذوى النفـوذ والسلطة والأقارب وقــد حفـــل التاريخ الإسلامــى بالكثير من النماذج الحية التى
_____________
(1) السلطات الثلاث فى الإسلام - الشيخ عبد الوهاب خلاف - مجلة القانون والاقتصاد - السنة السادسة - العدد الرابع ص 449 وما بعدها ، القضاء فــى الإسٍلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 45 ، التنظيم القضائى الإسلامى أ.د/ حامد أبو طالب ص 46 ، القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور ص 22 0
(2) السلطات الثلاث فى الإسلام للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 450 0
- 116 -
تشهد أن القضاة كانت لهم الحرية المطلقة فيما يصدرونه من الأحكام فمن ذلك على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر :
1- ما روى أنه فى عهد الخليفة- عمر بن الخطاب تولى على بن أبى طالب وزيد بن ثابت القضاء ، فلقى أمير المؤمنين عمر رجلا فقال له : ما صنعت بخصومتك ؟ فقال الرجل قضى على وزيد بكذا ، قال أمير المؤمنين عمر لو كنت أنا لقضيت بكذا ، قال الرجل وما يمنعك والأمر إليك ؟ قال عمر لو كنت أردك إلى نص فى كتاب الله أو فى سنة رسوله لفعلت ولكن أردك إلى اجتهاد والرأى مشترك ، ولم ينقض ما حكم به زيد وعلى (1) 0
2- عندما تولى معاوية بن أبى سفيان ولاية فلسطين من قبل عمر بن الخطاب ، تولى عبادة بن الصامت قضاء فلسطين ، فحدث خلاف بين معاوية بن أبى سفيان وعبادة بن الصامت ، فأنكر معاوية على عبادة ذلك وأغلظ له فى القول ، فقال له عبادة لا أساكنك بأرض واحدة . أبدا ، وترك فلسطين وعاد إلى المدينة ، فلما قابله عمر قال له ما أقدمك ؟ فأخبره عبادة بما حدث ، فقـال لــه عمــر ارجــع إلى مكانك فقبــح الله أرضــا لست فيها ولا أمثالك وكتب إلى معاوية ( ولا إمرة لك على عبادة ) (2) 0
مما سبق يتضح لنا أن عمر بن الخطاب- منع الحاكم التنفيذى وهو معاوية بن أبى سفيان من التدخل فى أمور القضاء وشئونه وسلبه سلطته فى مواجهة القاضى وجعل العلاقة بين القاضى والخليفة علاقة مباشرة 0
وتحقيقا لاستقلال القضاة وضمانا لحمايتهم من تسلط ذوى الأيدى القوية وذوى السلطة والنفوذ أنشىء للقضاه ولاية خاصة ورئيس من أنفسهم ينظم شئونهم ويرعــى أمورهم ويتولى تتبع أعمال القضاه وتقصى أحوالهم والإطلاع على بعض ما يصدرونه من أحكــام وكان يلقب " بقاضى القضاه " وكان يعتبر بمثابة وزير العدل فى عصرنا الحاضر (3) 0
_____________
(1) تاريخ التشريع الإسلامى - الشيخ محمد الحضرى - الطبعة السابعة سنة 1981 دار الفكر ص 50 ، القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 52 0
(2) الاستيعاب فى معرفى الأصحاب - لأبى عمر يوسف بن عبد البر القرطبى المتوفى سنة 463 هـ - دار الكتب العلمية بيروت - جـ 2 ص 356 0
(3) القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض - ص 79 0
- 117 -
فهذه الشواهد وغيرها كثير يدل دلالة واضحة على أن القاضى فى الفقه الإسلامى كان يتمتع بالاستقلال الكامل وبالحرية المطلقة فيما يصدره من أحكام ، إلا أن هذا لا يمنع إرشاد القاضى وتوجيهه من قبل الخليفة أو نائبه لأن توافر الاستقلال للقاضى لا يستلزم منع الإرشاد واستبعاده حيث إن الإمام أو نائبه من واجبه تفقد أحوال القضاة ويقدم لهم النصائح والإرشادات فى عملهم القضائى ومن الأمثلة الشهيرة والتى تدل على ذلك فى تاريخ القضاء الإسلامى رسالة الخليفة عمر بن الخطاب- رضى الله عنه - إلى قاضيه أبى موسى الأشعرى ونظرا لأهمية هذه الرسالة ودورها البالغ فى توجيه القضاة سوف نقوم بذكرها حيث جاء فيها :
( أما بعد ، فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له ، آس بين الناس فى مجلسك وفى جهك وقضائك حتى لا يطمع شريف فى حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك ، البينة على المدعى واليمين على من أنكر والصلح جائزين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ، ومن ادعى حقا غائبا أو بينه فاضرب له أمداً ينتهى إليه ، فإن بينه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ فى العذر وأجلى للعمى ، ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شىء ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل ، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلود فى حد أو ظنين فى ولاء أو قرابة فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبنيات والإيمان ، ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس فى قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى اجتهاد إلى الله وأشبهها بالحق ، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذى بالناس والتنكر عند الخصومة أو الخصوم ، فإن القضاء فى مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر فمن خلصت نيته فى الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن ترين مما ليس فى نفسه شأنه الله ، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا " (1) 0
______________
(1) وردت هذه الرسالة فــى :- إعــلام الموقعين عــن رب العالمين لابن قيم الجوزية - طبعـــة سنة 1389 هـ سنة 1969م مطبعة المدنى جـ 1 ص 92 ، السنن الكبرى للبيهقى الطبعة الأولى سنة 1355 هـ مطبعة مجلس دائرة المعـارف العثمانية ، حيــدر اباد بالهند - جـ10 ص109 ، الأحكــام السلطانية للماوردى ص 71 0
- 118 -
وقد قال ابن قيم الجوزية بعد أن ذكر هذه الرسالة : وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليــه أصـــول الحكم والشهادة والحاكم والمفتى أحوج شىء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه (1) 0
المطلب الثانى
استقلال القضاء فى القانون الوضعى
أولا : المقصود باستقلال القضـاء :
يقصد باستقلال القضاء : أن هيئات المحاكم حينما تقوم بعملها - وهو الفصل فى الخصومات بين الناس - فإنها تكون مستقلة عن سائر الهيئات الحكومية فى الدولة ، ومن ثم فليس لأى هيئة استخراج دعوى من المحكمة المختصة بالفصل فيها لتقوم هى بهذا العمل ، كما لا يجوز لأية هيئة املاء ما تريده على المحكمة إزاء دعوى منظوره أمامها (2) 0
كما يقصد باستقلال القضاء : أن يكون القضاء فى مأمن من تدخل غير رجاله فيه ، فلا يجوز للسلطتين التشريعية والتنفيذية التدخل فى شئون القضاء أو التأثير عليه ، كما لا يجوز للقضاء التدخل فى مهام السلطتين التشريعية والتنفيذية (3) 0
كما يعنى استقلال القضاء أن يكون رجالــه أنفسهــم آمنين علــى مقومات حياتهم يعيشون فى مأمن من كيد رجال الإدارة أو الأفراد لهم ، وألا يكون هناك ثمة سلطان على القاضى فى تكويــن رأيــه القضائى لغــير القانون وضميره فلا يوجد أى تأثير علــى رأيه بالترغيب أو الترهيــب (4) 0
_____________
(1) أعلام الموقعين لابن القيم جـ 1 ص 92 0
(2) الوسيط د/ رمزى سيف بند 31 ص 45 ، محاضرات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 12 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 31 ص 39 0
(4) قانون القضـــاء المدنى المصــرى د/ عزمى عبــد الفتاح ص 71 ، محاضرات قانون المرافعات أ.د/ حامد أبو طالب ص 22 0
- 119 -
ثانيـا : مدى استقلال القضاء فى القانون المصرى :
اهتمت الدساتير المتتالية فى مصر بمبدأ استقلال القضاء ، ولا يوجد دستورا منها أغفل هذا المبدأ ، بداية من دستور سنة 1923 حتى دستور سنة 1971 حيث نص المشرع المصرى فى الدستور الأخير صراحة على أنه ( السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدرا أحكامها وفق القانون ..... " (1) 0
وكذلك نص المشرع على أنه ( القضاه مستقلون لا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى القضايا أو فى شئون العدالة ) (2) 0
وعلى ذلك فالسلطة القضائية فى مصر مستقلة عن السبلطتين التشريعية والتنفيذية ، وينبنى على ذلك أن المشرع لا يملك سلطة الفصل فى الخصومات ولا أن يصدر قانونا يبين فيه وجه الفصل فى نزاع معين ، وذلك لأن الدستور أناط بالسلطة القضائية وحدها أمر العدالة مستقلة عن باقى السلطات ، ولازم ذلك أن المشرع لا يملك بتشريع منه إهدار ولاية السلطة القضائية كليا أو جزئيا وعلى هذا فالسلطة القضائية اصيلة تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية وتستمد وجودها من الدستور ذاته لا من التشريع ، وبالتالى لا يجوز عن طريق التشريع التعرض للسلطة القضائية فى ذاتها وعزل جانب من المنازعات عن ولايتها فإن هو خالف هذا القيد الدستورى وأنقص من ولاية القضاء ولو كان جزئيا كان مخالفا للدستور (3) 0
وحرصا من المشرع على حماية القضاه وضمانا لاستقلالهم جعل المشرع التدخل فى القضاء لصالح أحد الخصوم أو للأضرار به جريمة يعاقب عليها بالحبس أو الغرامة سواء كان التدخل بأمر أو طلب أو رجاء أو توصية ، حيث نص المشرع على أنه ( كل موظف توسط لدى قاض أو محكمة لصالح أحد الخصوم أو إضرار به بطريقــة الأمــر أو الطلــب أو الرجاء أو التوصية يعاقب
____________
(1) المادة (165) من دستور سنة 1971 0
(2) المادة (166) من دستور سنة 1971 0
(3) يراجع فى ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقم 11 لسنة 5 ق دستورية جلسة 3/4/1976 - مجلة المحاماة - السنة 56 العدديـن 7 ، 8 ص 28 ، وكذلك حكـــم المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقــم 31 لسنة 7 ق دستورية جلسة 16/4/1977 - مجلة المحاماة السنة 57 العددين7 ، 8 ص 12 0
- 120 -
بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه ) (1) 0
ومن ثم فليس لأى فرد أن يملى على القاضى ما يحكم به فى أية قضية من القضايا المعروضة عليه ولو كان هذا الفرد رئيس المحكمة التابع لها (2) 0
فاستقلال القضاء يتحقق أيضا داخل السلطة القضائية ذاتها كما لو كانت المحكمة مكونة من ثلاثة قضاه كالمحكمة الابتدائية ، فإن كل قاضى يتمتع برأيه ولا يؤثر عليه غيره ولو كان رئيس المحكمة ، فليس لقاضى أن يملى رأيه على سائر القضاه ولو كان أكبرهم مركزا أو درجة ولذلك يصدر الحكم باغلبية اعضاء الدائرة (3) 0
واستقلال السلطة القضائية ليس معناه أنها منبتة الصلة عن غيرها من سلطات الدولة الأخرى وذلك لاستحالة الفصل التام بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ، لأنها تعمل جميعا على اختلاف مهامها فى خدمة كيان واحد وهو الدولة ن وعلى هذا فاستقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ليس استقلالا كاملا ، فالسلطة التشريعية تسن القوانين وتطبيقها السلطة القضائية وتتولى السلطة التنفيذية تنفيذ الأحكام التى يصدرها القضاة (4) 0
وإذا كان الواقع يشير إلى عدم واقعية تصور الفصل التام بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، فإنه يكون من البديهى أن يعزز النص على استقلال السلطة القضائية بالعديد من الضمانات التى تكفل أن يكون هذا الاستقلال استقلالا حقيقا (5) 0
_____________
(1) المادة (120) من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 0 المعدل بالقانون29 لسنة 82 19
(2) المرافعات المدنية والتجاريــة د/ أحمد أبو الوفا - بند 31 ص 39 0
(3) أصول المرافعات د/ أحمد مسلم بند 43 ص 46 ، محاضرات فــى قانون المرافعات - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 12 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 26 ص 52 ، 53 0
(5) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف - مجلة الأمن والقانون - ص 274 ، ضمانات التقاضى دراسة تحليلة مقارنة د/ آمال الفزايرى - توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية - مركز الدلتا للطباعة بند 4 ص 21 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
الموازنة بين الشريعة والقانون الوضعى فيما يتعلق بمبدأ استقلال القضاء
سبق وأن ذكرنا أن استقلال القضاء يعنى عدم تدخل أى سلطة أخرى فى عمل السلطة القضائية ، تدخلا يؤثر فى حكم القاضى ، وقد تبين لنا أن الشريعة الإسلامية قد أخذت بمبدأ استقلال القضاء على إطلاقه ، فالقاضى فى الفقه الإسلامى كان يتمتع بالاستقلال الكامل وبالحرية المطلقة فيما يصدره من أحكام ، فكان القاضى سيد قراره ، لا سلطة لأحد عليه فى قضائه ، وقد أدرك الخلفاء والأمراء والولاة هذه الحقيقة فأحترموا استقلال القاضى ، بل لجأوا إليه وجلسوا بين يديه ليقضى بينهم وبين خصومهم 0
وكذلك أخذ المشرع فى القانون الوضعى بمبدأ استقلال القضاء وبهذا تتفق الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى فى الحرص على الأخذ بمبدأ استقلال القضاء وتحقيق الاستقلال الكامل للقاضى فى مباشرة وظيفته
- 122 -
المبحث الثالث
تأمين القاضى على مقومات فىالفقه الإسلامى والقانون الوضعى
تمهيد :
لكى ينهض القاضى بواجبه على أكمل وجه ويستطيع القيام بالمهام الشاقه التى ألقيت على عاتقه وهى إقامة العدل ين الناس يجب تأمينه على مقومات حياته بأن يكون آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله ولذلك سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المبحث عن كيفية تأمين القاضى على مقومات حياته . وفيه مطلبان هما :
المطلب الأول : تأمين القاضى على مقومات حياته فى الفقه الإسلامى 0
المطلب الثانى : تأمين القاضى على مقومات حياته فى القانون الوضعـى 0
المطلب الأول
تأمين القاضى على مقومات حياته فىالفقه الإسلامى
سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المطلب عن كيفية تأمين اقاضى على مقومات حياته فى ذلك من خلال فرعين هما :
الفرع الأول : مدى قابلية اقاضى للعزل فى الفقه الإسلامى 0
الفرع الثانى : التوسعة على القاضى فى الرزق فى الفقه الإسلامى وموقف الفقهاء من ذلك 0
الفرع الأول
مدى قابلية القاضى للعزل فى الفقه الإسلامى
تمهيد :
يجب أن يتمتع القاضى بحصانة تحميه من تدخل ذوى السلطة والنفوذ فى شئونه ومن عبث المتقاضين أنفسهم حتى يتمكن من نشر مظلة العدالة بين الناس ويتحقق هذا بعدم قابليته للعزل ما دام هذا القاضى مستجمعا لشروط أهليته للقضاء ولم توجد مصلحة قوية تبرز عزله الأمر الذى يتطلب منا أن تتعرض فى هذا الفرع إلى موقف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرز عزله ، وكذلك فى حالة وجود مصلحة تبرز عزله وذلك من خلال المسألتين التاليتين :
- 123 -
المسألة الأولى : موقف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرر عزلـه 0
المسألة الثانية : موقـــف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة وجود مصلحة تبرر عزلــــه 0
المسألة الأولى
موقف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة
عدم وجود مصلحة تبرر عزله
إذا كان القاضى منتظما فى عمله ولم يكن فـــى عزله مصلحة أو منع مفســدة فهل يجوز عزلــه أم لا ؟
فى هذه الحالة نفرق بين أمرين همــا :
الأمر الأول : إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فــرض عيــن 0
الأمر الثانى : إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض كفايـة 0
أولا : الأمـر الأول :
إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضىالمراد عزله فرض عين ولم يوجد من يصلح للقضاء غيره ، فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز عزل القاضى ولو عزله الإمام لم ينعزل لأن فى عزله عبث وتصرف الإمام يصان عن العبث (1) 0
وقال ابن قدامة وهو بصدد حديثه عن حكم عزل القاضى بموت الإمام ( ولنا ما ذكرناه ، ويفارق الإمام لأن الإمام يقلد القضاء والإمارة للمسلمين فلــم يبطـــل ماعقده لغيره كما لو مات الولى فى النكاح لم يبطل النكاح ، ولهذا ليس للإمام أن يعزل القاضــى من غير تغير حاله ولا ينعزل إذا عزله ) (2) 0
_________________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 24 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 77 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 ، المغنى شرح مختصر الخرقى جـ 11 ص 474 0
(2) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 474 0
- 124 -
ثانيـا : الأمـر الثانى :
إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى المراد عزله فرض كفاية ، فقد انقسم الفقه الإسلامى فى هذه الحالة إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى :
الرأى الأول :
ذهب الحنفية (1) والمالكيــة (2) والشافعيــة فــى الأصح عندهم (3) والحنابلة فى أحد الوجهين (4) إلى أنه يجوز للإمام أو نائبه عزل القاضى مطلقا سواء كان لريبه أو لغير ريبه 0
الرأى الثانى :
ذهب الشافعية (5) والحنابلة (6) فى الوجه الثانى عندهم إلى أنه لا يجوز للإمام أو نائبه عزل القاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرر ذلك :
أولا : أدلة الرأى الأول :
استدل أصحاب الرأى الأول القائل بأنه يجوز للإمام عزل القاضى مطلقا سواء كان عزله لمصلحة أو غير مصلحة بما يلـى :
1- أن القاضى يستمد ولايته من عامة المسليمين لأنهم هم الذين أسندوا إليه ولاية القضاء فهو فى الحقيقة نائبهم ووكيلهم فيها وما دور الخليفة فى إصدار أمره بتعيين القاضى أو عقده ولاية القضاء له إلا بمنزلة الرسول عن عامة المسلمين ثم إن عامة المسلمين أذنوا للخليفة دلالة بعزل القاضى كما أذنوا له بتعيينه وتعيين من يخلف القاضى المعزول إذ ما رأى المصلحة فى عزله وتعيين غيره بدله ، فعزل القاضى فى الحقيقة لم يتم من قبل الخليفة وإنما من قبل عامة المسلمين الذين أذنوا له بذلك ، فإن الخليفة إذا عزل القاضى ينعزل بعزله (6) 0
___________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 24 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 78 0
(3) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 180 0
(4) المغنى جـ 11 ص 479 0
(5) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 180 ، أدب القاضى لابن أبى الدم ص 92 وما بعدها 0
(6)المغنى جـ 11 ص 479 0
- 125 -
2- أن القاضى نائب عن الإمام الذى ولاه القضاء ووكيل عنه فى إقامة العدل بين الناس والموكل يملك عزل وكيله متى شاء فكذلك الإمام يملك عزل القاضى الذى ولاه القضاء لأنه وكيله ونائبه لأن عقد القضاء من العقود الجائزة لأنه استنابه كالوكالة ويجوز للموكل أو المنيب عزل وكيله أو نائبه (1) 0
3- سوابق تاريخية حدثت فى عصر الخلفاء الراشدين -رضى الله عنهم -تدل على جواز عزل القاضى مطلقا منها : ما روى أن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه عزل أبا مريم عن القضاء وولى مكانه كعب بن سور الأزدى حيث قال عمر بن الخطاب ( لأعزلن أبا مريم وأولين رجلا إذا رآه الفاجر فرقه ) وكذلك ما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه ولى أبا الأسود القضاء ثم عزله فقال له لم عزلتنى وما خنت ولا جنيت ؟ فقال الإمام على رضى الله عنه ( إنى رأيتك يعلو كلامك على الخصمين ) (2) 0
ثانيـا : أدلة الرأى الثانى :
استدل أصحاب الرأى الثانى على رأيهم بعدم جواز عزل الإمام للقاضى بغير مصلحة تبرر العزل بما يلـى :
1- أن القاضى نائب المسلمين أو الأمة لا الإمام لأن عقد القضاء عقد لمصلحة المسلمين فلم يملك عزله مع سداد حاله كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه بعد ذلك (3) 0
2- أن القاضى طالما كان مستوفيا لشروط توليه القضاء ولم توجد مصلحة تبرر عزله فلا يجوز عزله بعد ذلك لأنه عبث وتصرف الإمام يصان عن العبث (4) 0
3- أن القاضى بتوليــة القضــاء صار قاضيــا مــن جهـــة الله تعالى فــلا ينعزل بعزل الخليفة لـه (5) 0
______________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 24 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 78 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 180 ، أدب القضاء لابن أبى الدم ص 92 0
(2) المغنى جـ 11 ص 483 0
(3) المغنى جـ 11 ص 483 0
(4) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 0
(5) أدب القضاء لابن أبى الدم ص 94 0
- 126 -
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا لآراء الفقهاء فى مدى حق عزل الإمام أو نائبه للقاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرر عزله فإنى أرى ترجيح الرأى القائل بعدم جواز عزل القاضى إلا إذا وجدت مصلحة قوية تبرر هذا العزل لأن القاضى معين لمصلحة المسلمين فيبقى ما دامت المصلحة قائمة ومحققة ، فلا يعزل القاضى إلا إذا ظهر منه خلل فى ولايته يبرر عزله أو إذا وجدت مصلحة عامة للمسلمين فى عزله كما لو وجد من هو أفقه وأفضل منه وهذا ما حدث بالفعل عندما عزل الإمام عمر بن الخطاب أبا مريم عن القضاء وذلك لوجود ضعف فيه ، وولى كعب بن سور الأزدى مكانه لأنه أقوى منه ، فضلا عن أن القاضى يجب أن يتوافر له الاستقلال الكامل فى مواجهة الإمام أو نائبه فيجب أن يتمتع بحصانة عدم القابلية للعزل طالما كان القاضى مستوفيا لشروط تولية القضاء ولم يظهر منه خلل يبرر عزله حتى يطمئن القاضى علىحاضره ومستقبله ويتفرغ لأداء عمله النبيل علىأكمل وجه ولذلك يقول الإمام الماوردى( غير أن الأولى بالمولى أن يعزلــه إلا بعذر ، وإلا يعتزل المولى إلا من عذر لما فى هذه الولاية من حقوق المسلمين ) (1) 0
المسألة الثانية
موقف الفقه الإسلامى من مدى حق الإمام
فى عزل القاضى لوجود مصلحه فى عزله
لما كان تصرف الإمام منوطا بالمصلحة فإذا عرى من المصلحة لم يجز ديانة ، فالإمام له عزل القاضى إذا كان فى عزله مصلحة (2) 0
والمصالح ليست فى درجة واحدة بل متفاوتة والإمام ملزم عند الموازنة بين المصالح أن يقدم المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة ، والمصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة ، ومصلحة الجماعة على مصلحة الفرد ، والمصلحة الدائمة على المصلحة العارضة والمصلحة الجوهرية والأساسية على المصلحة الشكلية (3) 0
_______________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى ص 70 0
(2) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 0
(3) فقه الأولويات – دراسة جديدة فى ضوء القرآن والسنة تأليف أ.د/ يوسف القرضاوى – مكتبة وهبة - الطبعة الثانية سنة 1416 هـ سنة 1996م ص 28 0
- 127 -
وعلى هذا يجوز للإمام أن يقوم بعزل القاضى إذا ظهر منه خلل ولم يصل هذا الخلل إلى الحد الذى يوجب انعزاله ويكفى للعزل حينئذ انتفاء حسن الظن بالقاضى كما لو كثرت الشكاوى منه ، أو حامت حوله الشبهات والريب حتى ولو لم تصل هذه الشبهات وتلك الريب إلى درجة اليقين ، كما يجوز للإمام عزل القاضى إذا لم يظهر منه الخلل أو الريبة ولكن يراد عزله لتولية من هو أفضل منه مكانة وذلك تحقيقا لمصلحة المسلمين من نصب الأصلح عليهم ، كما يجوز عزله لتولية من هو مثله للمصلحة 0
جاء فى أدب القضاء لابن أبى الدم فى هذا الشأن قوله (1) :
( للإمام عزل القاضى إذا رابه منه أمــر (2) ويكفى فيه غلبة الظن بذلك ، فلو لم يظن غير الخير . قال الأصحاب - من الشافعية - إن عزلــه بأفضل منه نفذ عزله ، وأما إن عزله بمثله ففيه وجهــان :
قال الإمام وإطلاق القول على هذا النسق غفلة ، إذ يجب على ولى الأمر ألا يصدر شيئا من أمور المسلمين إلا عن رأى ثاقب ونظر فى الصلاح صائب ، فإن عزل القاضى بمن هو دونه لمصلحة رآها نفذ العزل ولا يجوز تقدير خلاف فيه ) 0
أما إذا قام الإمام أو نائبه بعزل القاضى لتولية من هو أقل منه أو لمن هو دونه فإنه يجوز إذا كان فى هذا العزل مصلحة للمسلمين أما إذا كان هذا العزل لا يعتمد على مصلحة ظاهره كما لو عزله لتولية من هو أقل منه كفاءة وصلاحا فإن هذا العزل ينفذ مع إثم الإمام لأن ذلك عبث وتصرف الإمام يصان عن العبث (3) 0
هذا ، وإذا كان يجوز للإمام عزل القاضى إذا كان فى عزله مصلحة شرعية إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض كفاية ،أما إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض عين فإنه لا يجوز للإمام عزله ولو عزله الإمام لم ينعزل لأنه صار قاضيا من جهة الله تعالى لامن جهة الإمام (4) 0
____________
(1) أدب القضاء لابن أبى الدم ص 94 ، وفى ذات المعنى نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 0
(2) معنى رابه أمر أى إرتاب به وشك فيه ، أدب القضاء ص 94 بالهامش 0
(3) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 0
(4) أدب القضاء لابن أبى الدم ص 94 وما بعدها 0
- 128 -
هذا ، وإذا أصدر الإمام قرارا بعزل القاضى ، فمتى ينفذ قرار العزل ؟ هل ينفذ من تاريخ صدور قرار العزل أم من تاريخ إبلاغ القاضى ؟
أجيب على ذلك أنه لا يعتبر قرار عزل القاضى نافذا إلا من تاريخ إبلاغه بالعزل كما لو تسلم قرار العزل كتابه وحتى يتقلد غيره القضاء بدلا منه صيانة لحقوق العباد قياسا على إمام الجمعة إذا عزل لا ينعزل ولو بلغة قرار العزل حتى يعين بدله إماما آخر ويباشر عمله فعلا وذلك تغليبا لمصلحة الناس فى عدم إبقاء منصب القاضى شاغرا ويترتب على ذلك أن أحكام القاضى المعزول والتى أصدرها بعد صدور قرار العزل وقبل تسليمه قرار العزل صحيحه ولذلك جاء فى تبصرة الحكام فى هذا الشأن :
( فصل ) وإذا عزل القاضى فحكم فى أشياء قبل بلوغ العزل فظاهر المذهب أن أحكامه تلك نافذة لضرورة الناس إلى ذلك ) (1) 0
الفرع الثانى
التوسعة على القاضى فى الرزق فى الفقه الإسلامى
وموقف الفقهاء من ذلك
تمهيد :-
يعتبر القاضى عاملا من عمال المسلمين وأجل عمالهم وحتى يستطيع القيام بالأمانة التى ألقيت على عاتقه لابد من إجزال العطاء للقاضى والتوسعة عليه فى الرزق حتى لا يتطلع إلى ما فى أيدى الناس وقد كانت التوسعة على القاضى فى الرزق مبدأ عاما معروفا فى الفقه الإسلامى ولذلك روى أن بعض أصدقاء شريح (2) عاتبــه علـــى أخذه راتبا على قضائه من بيت المال فقال : مالى لا أرتزق وأستوفى منه وأوفيهم . أصبر لهم نفسى فى المجلس وأعدل بينهم فى القضـــاء (3) 0
______________
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 78 0
(2) سبق التعريف به ص 68 0
(3) القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 267 وما بعدها 0
- 129 -
وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو أول من فصل القضاء عن الولاية العامة وأول من رتب أرزاق القضاة لأنه كان يعلم أن تأمين القاضى على مقومات حياته يؤدى إلى قيامه بإنجاز عمله باطمئنان وسكينة ولذلك فقد جعل للقاضى سليمان بن أبى ربيعة الباهلى خمسمائة درهم فى كل شهر ، وكان الإمام علـــى بن أبـــى طالـــب يقول لعاملـــه على مصر فى شأن القضاة ( وافسح له فى البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس ) وكذلك فى العهد الأموى كانت أرزاق القضاة تصرف من بيت المال ويكتب بذلك براءات (1) 0
لذلك سوف نتحدث فى هذا الفرع عن المقصود برزق القاضى ثم نبين موقف الفقهاء فى مدى جواز أخذ القاضى للزرق وذلك فيما يلـى :
أولا : المقصود برزق القاضى :
أ - المقصود بالرزق لغـة :
هو ما ينتفع به ، والجمع الأرزاق ، والرزق أيضا العطاء مصدر قولك ( رزقه الله ) يرزقه بالضم ( رزقا ) ، قال الأزهرى : يقال ( رزق الله الخلق رزقا ) بالكسر أى كسر الـراء ، وارتزق الجند أخذوا أرزاقهم (2) 0
ب - المقصود بالرزق اصطلاحـا :
يقصد بالرزق – بكسر الراء – هو ما يتقاضاه أو ما يعطاه القاضى من مرتب شهرى من بيت مال المسلمين كفاية لنفسه – وأهله لقاء عمله فى وظيفة القضاء ، ويقصد برزق القاضى – بفتح الراء – هو إعطاؤه هذا المـال (3) 0
جـ – الفرق بين الرزق – بكسر الراء – والعطاء :
يتفق كل من العطاء والرزق – بكسر الراء – أن كليهما عطية من بيت المال إلا أنهما يختلفان فى أن الرزق يعطى على فترات متقاربة كشهر أو أسبوع أو يوم لأن المقصود منه الكفاية
________________
(1) الولاة والقضاه ، لأبى عمر بن محمد بن يوسف الكندى المتوفى سنة 350 هـ ، طبعة سنة 1908م ص 354 ، التشريع والقضاء فى الإسلام تاليف أنور العروسى طبعة سنة 1981 الناشر موسوعة شباب الجامعة ص 88 0
(2) مختار الصحاح للرازى ص 141 باب الراء 0
(3) نظام القضاء فــى الإســـلام د/ إبراهيم عبد الحميـــد ص 92 ، نظام القضاء فى الشريعة الإسلامية د/ عبد الكريم زيدان ص 55 0
- 130 -
بخلاف العطاء فإنه تابع لقدارت المستحق وغنائه ، ويعطى كل عام مرة أو مرتين وقد تضيق الفروق الزمنية وقد تتسع حسب اقتضاء الظروف واستدعاء المصلحة (1) 0
ثانيـا : موقف الفقهاء فى مدى جواز أخذ القاضى رزقا على قيامه بالقضاء فى الفقه الإسلامــى :
اختلف فقهاء الفقه الإسلامى فــى حكــم أخــذ القاضى رزقا على قضائه إلى ثلاثة آراء نوضحها فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب الحنفية (2) إلى التفرقة بين ما إذا كان القاضى فقيرا أو غنيا ، اتفق الأحناف علــى جواز أخذ القاضى للرزق إذا كان فقيرا ، واختلفوا فيما إذا كان القاضى غنيا ، فقال بعضهم لا يحل له أن يأخذ ، وقال بعضهم : يحل له الأخذ والأفضل له أن يأخذ 0
واستدلوا عل جواز أخذ القاضى للرزق إذا كان فقيرا بأنه عامل من عمال المسلمين وأجل عمالهم فلابد له من الكفاية ، ولا كفاية له ، فكانت كفايته من بيت المال إلا أن يكون له ذلك أجرة عمله ، وينبغى أن يوسع عليه فى الرزق وعلى عياله كى لا يطمع فى أموال الناس 0
واستدل بعض الأحناف الذين ذهبوا إلى عدم جواز أخذ القاضى للرزق إذا كان عنيا : بأن الأخذ يكون بحكم الحاجة ولا حاجة له إلى ذلك :
واستدل البعض الآخر من الأحناف الذين ذهبوا إلى أنه يحل للقاضى أن يأخذ أجرا على قضائه من بيت المال حتى ولو كان عنيا بل قالوا الأفضل له أن يأخذ حيث قالوا : أما الحل فلما بينا أنه عامل للمسلمين فكانت كفايته عليهم لا من طريق الأجر ، وأما الأفضيلة فلأنه وإن لم يكن محتاجا إلى ذلك ، فربما يجىء بعده قاض محتاج وقد صار ذلك سنة ورسما فتمتنع السلاطين عن إيصال رزق القضاة إليهم خصوصا سلاطين زماننا ، فكان الامتناع من الأخذ شحا بحق الغير فكان الأفضل هو الأخذ (3) 0
_______________
(1) نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 92 0
(2) بدائع الصنائع جـ 7 ص 20 0
(3) بدائع الصنائع جـ 2 ص 20 0
- 131 -
الرأى الثانى : ذهب الفقيه المازرى من المالكية (1) وبعض أصحاب الشافعى (2) 0
إلى التفرقة بين من تعين عليه القضاء أى كان تولى القضاء بالنسبة له فرض عين ، وبين من كان تولى القضاء بالنسبة له فرض كفايـة 0
أ - فبالنسبة لمن كان تولى القضاء بالنسبة لـــه فــرض عين وهو فى كفاية مالية من نفسه أى لا يحتاج إلى أجرة القضاء للمعيشة منها لم يجز له أن يأخذ أجرا على القضاء لأن توليه القضاء أصبح فرضا كسائر الفروض ويحرم عليه أخذ أجر على قضائه ، أما إذا لم يكن للقاضى كفاية مالية فله أن يأخذ أجرا على قضائه وكذلك تأمين القاضى على مقومات حياته لابد منها فيجوز أخذ أجر فى هذه الحالة 0
ب - أما إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض كفاية فإن كان محتاجا أو فقيرا جاز له أخذ الرزق على قدر الكفاية ، وإن كان غنيا فالأولى له ألا يأخذ شيئا لأنه قربة إلى الله يكره أخذ الأجرة عليها من غير حاجة 0
الرأى الثالث : ذهب الشافعية (3) والحنابلة (4) إلى جواز أخذ القاضى للرزق مطلقا 0
واستدلوا بما يلـى :
1- أنه لما تولى أبو بكر الصديق –رضى الله عنه –الخلافة خرج برزمة من الثياب إلى السوق يتجر فيها فقيل له ما هذا يا أمير المؤمنين وقد أصبحت خليفة للمسلمين وتوليت شئونهم ؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه أنا كاسب أهلى فتحدد له أجر من بيت مال المسلمين وعين له كل يوم درهمان من المال 0
2- أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما بعث فى خلافته عبد الله بن مسعود قاضيا وعمار ابن ياسر واليا على الكوفة وعثمان بن حنيــف ، وفــر لهـم كل يوم شاة نصفها وأطرافهـا لعمار
________________
(1)تبصرة الحكام جـ 1 ص 30 0
(2) المهذب فى فقه مذهب الإمام الشافعى – تأليف أبى اسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الفبروز أبادى الشيرازى المتوفى سنة 476 هـ الطبعة الثانية سنة 1379 هـ سنة 1959م مطبعة مصطفى البابى الحلبى بمصر - المكتبة الخاصة - جـ2 ص 290 ، أدب لابن أبى الدم ص 102 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 374 0
(4)المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 377 0
- 132 -
والنصف الآخر لعبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف 0
3- ولأن بالناس حاجــة إلى القضـــاء ولــو لم يجز فرض الرزق للقاضى لتعطل وضاعت الحقــوق (1) 0
4- ولأنه لما جاز للعامل على الصدقات أن يأخذ مالا على العمالة جاز للقاضى أن يأخذ المال على القضاء ويكون ذلك من سهم المصالح لأنه من المصالح العامة للمسلمين (2) 0
الــرأى الراجـح :
بعـد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مدى جواز أخذ القاضى للرزق وذكرنا أدلة كل رأى ، فإنى أرى ترجيح الرأى الثالث والذى يذهب إلى جواز أخذ القاضى للرزق مطلقا وذلك لقوة أدلته وحتى لا يتطلع القاضى إلى ما فى أيدى الناس وحتى يستطيع أداء الرسالة المكلف بها وهو هادىء البال مكفىء المؤونة هو ومن يعول بل ينبغى أن يعطى أكثر من الكفاية إلى حدود التوسعة عليه ولذلك كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يكتب إلى معاذ بن جبل وأبى عبيدة لما بعثهما إلى الشام فقال ( انظروا رجالا من صالحى من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله ) (3) 0
ومن هنا نرى أن الخليفة عمر بن الخطاب يذهب فى رزق القاضى إلى أكثر من حدود الكفاية إلى حدود التوسعة ليرضى القاضى ويتفرع للقيام بعمله على أكمل وجه وبناء على ما سبق يتضح لنا أن القاضى فى الفقه الإسلامى يتمتع بحصانة التأمين على مقومات حياته وخصوصا من الناحية المالية 0
المطلب الثانى
تأمين القاضى على مقومات حياته فى القانون الوضعى
سبق وأن ذكرنا أن القاضى لكى يستطيع أن يؤدى وظيفته على أكمل وجه لابد أن تتوافر له عدة ضمانات تكفل استقلالــه وتؤكــد عـــدم خضوعــه لأية سلطة فلا سلطان على القاضى إلا
__________________
(1) المغنى لابن قدامة جـ 1 ص 377 0
(2) القضاء وطرق الاثبات فى الفقه الإسلامى على مذهب الإمام الشافعى أ.د/ نصر فريد محمد واصل - الطبعة الأولى سنة 1415 هـ سنة 1992م دار البيان ص 11 0
(3)المغنى جـ 1 ص 377 0
- 133 -
سلطان القانون والضمير فقط ولقد أكد الدستور المصرى الحالى ذلك فى المادة (166) منه على أن ( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى شئون العدالة ) ولم يكتف القانون بتقرير هذا المبدأ دستوريا بل قرر عدة ضمانات مختلفة للقاضى تكفل له استقلاله فى أدائه وظيفته على أكمل وجه ومنها تأمين القاضى على مقومات حياته حتى يكون القاضى آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله تعالى عن كيفية تحقيق تأمين القاضى على مقومات حياته فى ظل النظام القضائى المصرى وذلك من خلال ثلاثة فروع هما :
• الفرع الأول : عدم قابلية القاضى للعــــزل 0
• الفرع الثانى : وجود مجلس القضاء الأعلى 0
• الفرع الثالث : الضمانات الخاصة بشئون القاضى 0
الفرع الأول
عدم قابلية القاضى للعزل
أولا : المقصود بمبدأ عدم قابلية القاضى للعزل :
يقصد بهذا المبدأ أن القاضى لا يفصل أو يحال إلى المعاش أو يوقف عن عمله أو ينقل إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بالقانون وليس معنى هــذا المبدأ أن القاضى يظل غــير قابل للعزل طوال حياته وأنه يحتفظ بمنصبه ولو بدرت منه تصرفات غير مقبولة لا تتفق مــع مقتضيات وظيفتــه (1) 0
هذا وعدم قابلية القاضى للعزل هى أهم ضمانة يجب توافرها للقاضى بل هى جوهر استقلال القضاء ولبه وقد قيل بحق أن عدم قابلية القاضى للعزل ليست ضمانة للقاضى بقدر ما هى ضمانة للمتقاضين أنفسهم لأن القاضى لا يستطيع بغير هذه الحصانة أن يعلى كلمة القانون فى مواجهة الحكومة فينصف منها مظلوما أو يحمى منها صاحب رأى حر إذ كان عزل القاضى وسيلة المستبد
______________
(1) المرافعــــات المدنيــة والتجاريــة د/ أحمد أبو الوفا بند 43 ص 51 ، الوسيط د/ فتحــى والى بند 108 ص 197 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى سنة 1981 الناشر دار النهضة العربية مطبعة جامعة القاهرة بند 45 ص 84 0
- 134 -
لاسكات كل صوت حر ينكل به فلا يحد قاضيا يجرؤ على حمايته فبغير هذه الضمانة لا يمكن لقاض أن يطبق ما يعتقد أنه القانون ولا يمكن بالتالى لقانون أن يسود (1) 0
ثانيـا : التطور التاريخى لمبدأ عدم القابلية للقاضى بالعزل :
لم يكن مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل يشمل جميع القضاة فى البداية ولكنه مر بعده مراحل حيث كان هذا المبدأ فى ظل قانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 قاصرا فقط على مستشارى محاكم الاستئناف ومحكمة النقض أما قضاة المحاكم الابتدائية ورؤساؤها وأعضاء النيابة العامة فكانوا قابلين للعزل
ثم جاء قانون السلطة القضائية رقم 43 لسنة 1965 ومد نطاق هذا المبدأ وجعله شاملا جميع القضاه على اختلاف درجاتهم واستثنى من ذلك قضاة المحاكم الابتدائية الذين لم يمضوا ثلاث سنوات فى القضاء فكان يجوز عزلهم وعزل أعضاء النيابة كذلك ثم جاء الدستور المصرى سنة 1971 ونص فى مادته رقم 168 على أنه ( القضاة غير قابلين للعزل ... ) ، وترتب على هذه المادة سالفة الذكر أن مبدأ عدم القابلية للعزل أصبح شاملا جميع القضاة بلا اشتراط مدة معينة بل يتمتع بهذه الضمانة جميع القضاة سواء حديثا فى التعيين أم قديما ، ثم جاء قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 وأكد هذا النص الدستورى سالف الذكر ونص على أن القضاة غير قابلين للعزل وخرج من هذا النطاق جميع أعضاء النيابة العامة وبالتالى يكونون قابلين للعزل ثم جاء القانون رقم 35 لسنة 1984 الذى عدل قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 ومد هذه الحصانة القضائية إلى جميع أعضاء النيابة العامة عدا معاونى النيابة فنص المادة (67) منه على أن ( رجال القضاء والنيابة العامة عدا معاونى النيابة غير قابلين للعزل " (2) 0
ثالثا : نطاق مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل :
إن مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل ليس مطلقــا بمعنى أن القاضــى يظل غـير قابل للعزل طوال
_________________
(1) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 45 ص 85 ، الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى مرجع سابق بند 108 ص 197 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم سنة 1981 مطبعة دار الفكر العربى ص 102 ، 103 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 43 ص 51 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى بند 45 ص 84 ، 85 0
- 135 -
حياته وأنه يحتفظـ بمنصبــه ولو بدرت منه تصرفات غير مقبولة وإنما معنى هذا المبدأ أن القاضى لا يفصل ولا يحــال إلى المعاش أو يوقف أو يسحب تعيينه أو ينقل إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بالقانون (1) 0
فليس معنى هذا المبدأ تأبيد القاضى فى وظيفته إذ أن هذا المبدأ لا يمنع من تأديب القاضى أو نقله أو إحالته إلى المعاش ما دام قد تم ذلك وفقا لما يقرره القانون (2) 0
لذلك نجد القاضى يحال إلى المعاش إذا بلغ ثمان وستين سنة وذلك طبقا لنص المادة (69) من قانون السلطة القضائية والمعدله بالقانون رقم 159 لسنة 2003 والتى تنص على أنه ( استثناء من أحكام قوانين المعاشات لا يجوز أن يبقى فى وظيفة القضاء أو يعين فيها من جاوز عمره ثمان وستين سنة ميلادية ومع ذلك إذا كان بلوغ القاضى سن التقاعد فى الفترة من أول أكتوبر إلى أول يوليو فإنه يبقى فى الخدمة حتى هذا التاريخ دون أن تحتسب هذه المدة فى تقرير المعاش أو المكافأة )(3) 0
كما يحال القاضى إلى المعاش لأسباب صحيحه طبقا لنص المادة (91/1) من قانون السلطة القضائية على أن إذا لم يستطيع القاضى بسبب مرضه مباشرة عمله بعد انقضاء الأجازات المقررة أو ظهر فى أى وقت أنه لا يستطيع لأسباب صحية القيام بوظيفته على الوجه اللائق فإنه يحال إلى المعاش بقرار جمهورى بناء على طلب وزير العدل وموافقة المجلس الأعلى للقضاء 0
كذلك يحال القاضى إلى المعاش أو ينقل إلى وظيفة غير قضائية إذا تبين لأسباب غير صحية أن القاضى فقد أسباب صلاحيته لولاية القضاء وذلك طبقا لنص المادة (111) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدلــه بالقانون رقـــم 35 لسنة 1984 والتى تنص على أنه
___________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 43 ص 51 ، شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 45 ص 84 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 103 0
(2) القانون القضائى الخاص د/ إبراهيم سعد طبعة سنة 1974 جـ 1 بند 117 ص 264 0
(3) هذه المادة قبل تعديلها كانت منصوص عليها بالقانون رقم 49 لسنة 1973 منشور بالجريدة الرسمية العدد 28 فى 12/7/1073 ، ثم استبدلت بعبارة ستين سنة عبارة أربعا وستين سنة بالقانون رقم 183 لسنة 1993 منشورا بالجريدة الرسمية العدد 40 فى 7/10/1993 ، ثم استبدلت بعبارة أربعا وستين سنة عبارة ستا وستين سنة ميلادية بالقانون رقم 3 لسنة 2002م بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية ، منشورا فى الجريدة الرسمية - العدد 2 مكرر فى 20/1/2002م ) ، ثم استبدلت بعبارة ست و ستين سنة ميلاديا عبارة " ثمان و ستين سنة ميلادية " بالقانون رقم 159 لسنة 2003 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية منشور فى الجريدة الرسمية العدد 39 تابع فى 25/3/2003 م .
- 136 -
( إذا ظهر فى أى وقت أن القاضى فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية برفع طلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة أخرى غير قضائية من وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على طلب رئيس المحكمة إلى المجلس المشار عليه فى المادة (98) ولهذا المجلس إذا رأى محلا للسير فى الإجراءات أن يندب عند الاقتضاء أحد أعضائه لإجراء ما يلزم من التحقيقات ويدعوا المجلس القاضى للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام ) 0
وكذلك إذا تبين أن كفاءة القاضى تقل عن المتوسط بناء على التقارير التى تضعها إدارة التفتيش القضائى فإن وزير العدل يعرض أمره على مجلس القضاء الأعلى ليفحص حالته ويقرر إحالته إلى المعاش أو نقله إلى وظيفة غير قضائية (1) 0
مما سبق تبين لنا أن القضاء المصرى قد كفل للقاضى اطمئنانه على حاضره ومستقبله وذلك بتقريره ضمانه عدم قابلية القاضى للعزل طالما لم يظهر منه خلل يبرر عزله فى الحدود التى نص عليها القانون بل فضلا عن ذلك فقد نص الدستور المصرى سنة 1971 نص صراحة فى المادة (168) على أن القضاه غير قابلين للعزل " ويترتب على اعتبار مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل ضمانه دستورية أنه إذ صدر تشريع عادى يؤدى إلى المساس بهذه الضمانة الدستورية يعتبر هذا التشريع العادى باطلا (2) 0
الفرع الثانى
وجودمجلس القضاء الأعلى
يعتبر من الضمانات التى قررها المشرع للقاضى حتى تساعده على تأمين مقومات حياته هى وجود مجلس تكون له الهيمنة والسيطرة علىجميع المسائل المتعلقة بشئونهم من نقل وندب وإعارة وترقية ومن الناحية المالية وتأديبهم بحيث يقتصر دور الإدارة أو السلطة التنفيذية على التصديق على ما يتخذه هذا المجلس من قرارات وذلك تأكيدا لاستقلال القضاء وحفاظا عليه (3) 0
___________
(1) المادة (112) من قانون السلطة القضائية 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 103 مرجع سابق 0
(3) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 48 ص 95 مرجع سابق 0
- 137 -
أولا : كيفية تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفقا لنص المــادة ( 77 مكرر من القانون رقم (4) لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية والمعدله بالقانون رقم 35 لسنة 1984 ) 0
لكى نتحدث عن كيفية تشكيل مجلس القضاء الأعلى فهذا يتطلب منا أن نتعرض للتسلسل التاريخى لهذا المجلس ففى البداية قد صدر فى مصر القانون 66 لسنة 1943 بشأن استقلال القضاء ونص على انشاء مجلس أعلى يكون له الرأى الأول فى شئون القضاه ثم صدر القانون رقم 43 لسنة 1965 بشأن السلطة القضائية طبقا للمادة (80) حيث نصت على تشكيل مجلس أعلى للقضاء ويكون على الوجه التالى : رئيس محكمة النقض رئيسا ، أقدم نائبين من نواب رئيس محكمة النقض ، رئيس محكمة استئناف الإسكندرية ، النائب العام ، رئيس محكمة القاهرة الابتدائية ) وقد ألغى هذا المجلس بإنشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية بالقانون رقم 82 لسنة 1969 حيث حل هذا المجلس محل مجلس القضاء الأعلى وآلت إليه اختصاصاته 0
وقد انتقد بعض علماء الفقه القانونى وجود المجلس الأعلى للهيئات القضائية سالف الذكر لأنه كانت رئاسته لرئيس الجمهورية أو لوزير العدل عند غيابه ولأنه كان يضم فى تشكيله من لا يمارس القضاء كرئيس هيئة قضايا الدولة ورئيس هيئة النيابة الإدارية (1) 0
وأخيرا عاد المشرع المصرى ونص صراحة على وجود مجلس أعلى للقضاء لا يتكون إلا ممن يباشر القضاء فقط ولا يدخل فى عضويته من لا باشر القضاء وإن كان يعتبر عضو هيئة قضائية طبقا لقانون إنشاء تلك الهيئة 0
وأصبح المجلس الأعلى للقضاء يتكون من :
حيث تنص المادة 77 مكرر من القانون رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 فى شأن السلطة القضائية على أنه :
( يشكل مجلس القضاء الأعلى على النحو الآتـى :
- رئيس محكمة النقض رئيسا 0
- رئيس محكمة استئناف القاهرة عضوا 0
_________________
(1) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح الطبعة الثانية سنة 1990 ، 1991 ص 72 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 48 ص 95 ، 96 مرجع سابق 0
- 138 -
- النائب العـــــام عضوا 0
- أقدم اثنين من نواب رئيس محكمة النقض عضوا 0
- أقدم اثنين من رؤساء محاكم الاستئناف الأخرى عضوا 0
وعند خلو وظيفة رئيس محكمة النقض أو غيابه أو وجود مانع لديه يحل محله فى رياسة المجلس أقدم نوابه فى هذه الحالة وضم إلى المجلس أقدم نواب رئيس محكمة النقض من غير العضوية المشار إليها فى الفقرة السابقة وعند خلو وظيفية أحد أعضاء المجلس أو غيابه أو وجود مانع لديه يحل محل النائب العام أقدم نائب عام مساعد أو من يقوم مقامه ويحل محل رؤساء محاكم الاستئناف من يليهم فى الأقدمية من النـــواب .... " 0
ثانيـا : اختصاصات مجلس القضاء الأعلى :
يختص مجلس القضاء الأعلى بالنظر فى كل ما يتعلق بتعيين ، وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة وكذلك سائر ش ئونهم على النحو الموضح فى هذا القانون وكذلك يجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء والنيابة وذلك طبقـــا للمادة (117 مكرر فقرة 2 ) والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 والتى تنص على أنه ( يختص مجلس القضاء الأعلى بنظر كل ما يتعلق بتعين وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة وكذلك سائر شئونهم على النحو المبين فى هذا القانون ويجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء والنيابة العامة .... " 0
كذلك يختص المجلس بوضع لائحة بالقواعد التى يسير عليها فى مباشرة اختصاصاته ويجوز للمجلس أن يشكل من بين أعضائه لجنة أو أكثر وأن يفوضها فى بعض اختصاصاته عدا ما يتعلق منها بالتعيين أو لترقية والنقل (1) 0
وعموما يباشر مجلس القضاء الأعلى كافة الاختصاصات التى كان يباشرها المجلس الأعلى للهيئات القضائية وأهمها الاشراف على المحاكم وعلى القائمين عليها من قضاة ومستشارين وكذلك الاختصاصات المخولة للجنــة المنصوص عليهــا فــى المادة السادسة من القانون رقم 82
________________
(1) المادة (77 مكرر فقرة (3) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم (35) لسنة 1984 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
لسنة 1969 بشأن المجلس الأعلى للهيئات القضائية ( المادة (3) من القانون رقم 35 لسنة 1984) (1)
الفرع الثالث
الضمانات الخاصة بشئون القاضى
اهتم المشرع المصرى بوضع ضمانات خاصة بشئون القاضى ومن شأن تحقيقها أن يشعر القاضى بالاستقرار والاطمئنان ويطمئن على مقومات حياته ولا يسعى إلى رضاء أحد من القائمين على شئون القاضى (2) وتتحدد تلك الضمانات فيما يلـى :
ولذلك حرص المشرع المصرى على رعاية القاضى فقرر له راتبا متميزا وخصه بكادر خاص يختلف عن كادر العاملين المدنين بالدولة (3) ومع هذا فالمرتب المقرر للقاضى أقل بكثير مما ينبغى أن يكون عليه
__________________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم - الجزء الأول طبعة 190 - 1991م ص 136 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 91 0
(3) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 199 مرجــع سابق ، قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم الجزء الأول ص 133 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 244 طبعة 1978م0
- 140 -
وتحدد مرتبـــات القضـــاة بجميع درجاتهــم وفقا للجدول الملحق بقانون السلطة القضائية ولا يصح أن يقــرر لأحد منهم مرتب بصفة شخصيــة أو أن يعامــل معاملة استثنائية بأية صــورة (1) ، وذلك يعتبر استكمالا لأسباب استقلال القضاء ومظاهره ومنعا لكل ما يشعر بأن للقاضى امتيازا على زميله (2) 0
وقد نصت المادتين (16/1 ، 18 ) من مشروع الإعلان العالمى لاستقلال القضاء الصادر فى مونتريال سنة 1983 على وجوب جعل مرتبات القضاه ملائمة ومتناسبة مع ما يقترن به منصبهم من مكانة وكرامة ومسئولية 0
حيث تنص المادة (16) فقرة ( أ ) منه على ( أن يضمن القانون مدة وظيفة القضاه واستقلالهم وأمنهم وكفاية مرتباتهم وظروف خدمتهم ولايجوز تبديلها فى غير مصلحتهم " 0
وتنص المادة (18) منه على أنه [ أ ] ينال القضا مرتبات خلال مدة وظيفتهم كما ينالون مرتبات تقاعدية بعد إحالتهم إلى التقاعد ( أى المعاش ) 0
[ب ] تكون مرتبات القضاه ومعاشهــم ملائمـــة ومتناسبة مــع ما يقترن به منصبهم من مكانة وكرامة ومسئولية ، ويعاد النظر فيها دوريا من أجل التغلب على أثر التضخم أو التقليل منه (3) 0
ثاينـا : ترقية القاضـى :
لما كانت ترقية القاضى تتم عن طريق السلطة التنفيذية ولو أطلق لها الأمر فى ذلك لتمكنت من نفع من يداهنها ويمالئها ومن ضرر من يقف لها ويعارضها وذلك بترقية الأول وتناس الثانى وبذلك يفسدوا القاضى الذى يقيم العدالة بين الناس مفتقدا إياها لنفسه منشغلا بما يقع عليه من ظلم عن رفع الظلم عن الآخرين (4) 0
___________________
(1) المادة (68) من قانون السلطة القضائية 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 91 0
(3) تشريعــات السلطــة القضائيــة للمستشــار يحيى الرفاعــى - مكتبـــة رجال القضاء طبعة سنة 1991 ص 39 0
(4) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 199 0
- 141 -
وتفاديا لهذا الوضع أخذ المشرع المصرى بترقية القضاة وفق نظام معين إذ رتب القضاه فى وظائف متتابعة تكون الترقية لاحداها من الوظيفة التى تسبقها مباشرة فى السلم القضائى وقرر المشرع أن تراعى بالنسبة لترقية القضاة عدة ضمانات أهمها :
- أن تكون الترقية بقرار من رئيس الجمهورية وبشرط موافقة مجلس القضاء الأعلى 0
- أن تكون الترقية وفق ضوابط معينة تتعلق بالأقدمية والكفاءة 0
- عندما يعد وزير العدل الحركة القضائية يجب عليه قبل عرض وإعلان الحركة القضائية بثلاثين يوما على الأقل أن يخطر من كان من القضاة قد حل دوره فى الترقية ولم تشمله الحركة لسبب غير متصل بتقارير الكفاية وله أن يتظلم من تخطيه طبقا لنص المادة (79) من قانون السلطة القضائية (1) 0
وإذا كانت ترقية القاضى تتم وفقا لضوابط معينة تتعلق بالأقدمية والكفاءة كما سلف البيان فمع ذلك يجوز ترقية القاضى صاحب الكفاية الممتازة حتى ولو لم يحل دوره فى اترقية مكافأة على كفايته وتشجيعا وحافزا له على الاستمرار فى العمل الجاد وذلك متى أمضى فى وظيفته سنتين على الأقل ويشترط ألا تزيد نسبة من يرقى من القضاة لهذا السبب على ربع عدد الوظائف الخالية فى كل درجة خلال سنة مالية كاملة ويكون اختيارهم بترتيب الأقدمية فيما بينهم (2) 0
ويعتبر من ذوى الكفاءة الممتازة القضاة والرؤساء بالمحاكم الحاصلون فى تقديرين لكفايتهم على درجة كفء أحدهما على الأقل عن عملهم فى القضاء ويشترط ألا تقل تقديراتهم السابقة جميعها عن درجة فوق المتوسط (3) وعلى عكس ما سبق هناك بعض الأنظمة القضائية لا تأخذ بنظام الترقية بالنسبة للقضاة كالقانون الانجليزى حيث يذهب إلى أنه متى عين القاضى على درجة معينة فلا يرقى بعدها ويظل فيها إلى أن تنتهى مدة خدمته فى وظيفة القضاء ولكن أخذ على هذا النظام أن إلغاء الترقيــة يتنافى مــع الطبيعـة الإنسانية التى تتطلع دائما إلى مستقبل أفضل ومركز
________________
(1) المرجع السابق بند 109 ص 199 ، مبادىء المرافعات د/ عبد الباسط جمنيعى ص 216 0
(2) المادة (49/5) قانون السلطة القضائية 0
(3) المادة (49/4) قانون السلطة القضائية 0
- 142 -
أحسن فضلا أنه يؤدى إلى التراخى فى العمل وعدم الاجتهاد ما دام أن القاضى يظل فى وظيفته ولا يرقى أبدا (1) 0
وقضت محكمة النقض بخصوص ترقية القاضى : أن [ ترقية القضاة والرؤساء بالمحاكم الابتدائية أساسها الأقدمية مع الأهلية م 49 ق السلطة القضائية درجة الأهلية تقديرها ليس بعناصر الكفاية الفنية وحدها بل بجميع العناصر الأخرى الواجب توافرها لتحقق الأهلية ودرجاتها قيام ما يدل من الأسباب على انتقاص أهلية القاضى ومجانيه للصفات التى تتطلبها طبيعة وظيفته أثره لجهة الإدارة نزولا على مقتضيات المصلحة العامة أن تتخطاه فى الترقية إلى من يليــــه ] (2) 0
ثالثا : نقـل القاضى :
جاء بالمذكرة الايضاحية لقانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 على أن ضمانه عدم قابلية القاضى للعزل ليست وحدها الكفيلة بضمان اطمئنان القضاة فى عملهم ذلك لأن المحاكم على اختلاف درجاتهم تنتشر فى إنحاء الدولة فى مدن تتفاوت من حيث الطقس ومن حيث توافر أسباب المعيشة وكافة ما يحتاج إليه القاضى فلو ترك أمر النقل بيد السلطة التنفيذية لأتخذت منه وسيلة للنكاية بالبعض بنقله إلى أماكن نائية أو باستمالة البعض الآخر بإبقائه فى العاصمة أو المدن القريبة فيلجأ الفريق الأول إلى الاستقالة بينما يتمادى الفريق الثانى فى الخضوع للسلطة التنفيذية وفى الحالتين يتأثر استقلال القضاء 0
وضمانا لعدم مخالفة القانون واستخدام النقل مشوبا بسوء استعمال السلطة نص المشرع فى قانون السلطة القضائية على أنه ( لا يجوز نقل القضاه أو ندبهم أو إعارتهم إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بهذا القانون ) (3) 0
وكذلك نص المشرع فى قانون السلطة القضائية على أنه ( يكون نقل الرؤساء والقضاة بالمحاكم الابتدائية بقرار من رئيس الجمهورية بعــد موافقــة مجلـــس القضاء الأعلـى يحدد فيه المحاكم التى
_________________
(1) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 199 0
(2) الطلب رقم 119 لسنة 67 ق رجال القضاء جلسة 10/1/1998 ، والطلب رقم 120 لسنة 61 ق رجال القضاء جلسة 4/5/1999 مشار إليهما فى مجلة القضاة السنة الحادية والثلاثون العدد الأول والثانى يناير ديسمبر سنة 1999 ص 343 0
(3) المادة (52) من قانون السلطة القضائية 0
- 143 -
يلحقون بها ويعتبر تاريخ التبليغ بالقرار .... ) (1) 0
وفيما يتعلق برؤساء دوائر محكمة استئناف القاهرة ومستشار بها فلا يجوز نقلهم إلى محكمة أخرى إلا برضائهم وموافقة مجلس القضاء الأعلى أما مستشار ومحاكم الاستئناف الأخرى فيكون نقلهم إلى محكمة استئناف القاهرة تبعا لأقدمية التعيين بمراعاة أن يكون النقل من محكمة استئناف قنا إلى محكمة استئناف أسيوط ثم إلى بنى سويف ثم إلى الإسماعيلية ثم إلى المنصورة ثم إلى طنطا ثم إلى الإسكندرية ومع ذلك يجوز بقاء رئيس الدائرة أو المستشار فى المحكمة التى يعمل بها بناء على طلبه وموافقة مجلس القضاء الأعلى (2) 0
وجاء بالمذكرة الإيضاحية المرفقة بقانون السلطة القضائية تعليقا منها على المادة (54) سالفة الذكر أن أن مدد إقامة القضاه بالمحاكم سالفة الذكر فقررت أنه عملا على استقرار القضاه بالمحاكم بما يكفل حسن سير العمل وانتظامه رأى المشرع قصر مناطق النقل على ثلاث مناطق بدلا من أربع بحيث يكون البقاء فى المنطقة الأولى خمس سنوات وتشمل محاكم القاهرة والإسكندرية والجيزة وبنها ، وفى المنطقة الثانية أربع سنوات وتضم محاكم بنى سويف والفيوم والمنيا وباقى محاكم الوجه البحرى وفى المنطقة الثالثة سنتين وتشمل محاكم أسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وأجاز المشرع بناء على طلب القاضى تجاوز المدة بأكملها على خمس سنوات تيسرا على الراغبين فى ذلك ومراعاة عدم الإخلال بحسن سير العمل فى الوقت ذاته 0
وفضت محكمة النقض فى هذا الصدد :
( أن المدد المقرره لبقاء القاضى أو الرئيس بالمحكمة فى كل من المناطق الثلاث ( م 59/1 قانون السلطة القضائية ) حد أقصى بتعين على الجهة الإدارية نقله عند نهايتها ، ونقله قبل انقضائها جائز ، ويترتب على ذلك استقلال كلا الوظيفتين فى حساب تلك المدد ومؤدى ذلك أن الحد الأقصى المقرر للعمل بمنطقة معينة لا يمنع نقله إليها بعد ترقيته إلى رئيس محكمة (3) 0
______________
(1) المادة (53) من قانون السلطة القضائية 0
(2) المادة (54) من قانون السلطة القضائية 0
(3) نقض مدنى رقم 257 لسنة 58 ق جلسة 16/5/1989 ( رجال القضاء ) 0
- 144 -
مما تقدم تبين لنا إن المشرع حرصا منه على المساواة الكاملة بين القضاه لم يترك أمر نقل القضاه لمطلق تقدير السلطة التنفيذية حتى لا تتخذه وسيلة للضغط على القاضى فجعل نقل القاضى يتم وفقا لقواعد ثابتة وبالكيفية التى يحددها القانون وذلك حماية للقاضى من إساءة استعمال السلطة التنفيذية لهذا الحق لو ترك أمر نقل القاضى بيديها دون ضوابط وموافقة مجلس القضاء الأعلى (1) 0
رابعـا : ندب القاضـى :
حماية لاستقلال القضاء ومنعا للتحايل على قواعد نقل القضاة إهتم قانون السلطة القضائية بتنظيم ندبهم (2) 0
وبناء على ذلك تنص المادة (52) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز نقل القضاة أو ندبهم أو إعارتهم إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بهذا القانون ) 0
وتنص المادة (55) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز لوزير العدل عند الضرورة أن يندب مؤقتا للعمل بمحكمة النقض أحد مستشارى محاكم الاستئناف ممن تتوافر فيهم شروط التعيين فى وظيفة مستشار بمحكمة النقض لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى وذلك بعد أخذ رأى الجمعية العامة لمحكمة النقض وموافقة مجلس القضاء الأعلى " 0
وتنص المادة (56) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز لوزير العدل عند الضرورة أن يندب أحد مستشارى محاكم الاستئناف للعمل فــى محكمــة استئناف غير المحكمة التابع لها لمدة لا تتجاوز ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى وذلك بعد أخذ رأى الجمعية العامة للمحكمة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى ) 0
كما تنص المادة (57) من القانون سالف الذكر على أنه ( يجوز لوزير العدل أن يندب أحد مستشارى محاكم الاستئناف مؤقتا للعمل بالنيابة العامة لمدة لا تجاوز ستة اشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى وذلك بعد أخذ رأى الجمعية العامة للمحكمة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى " 0
_________
(1) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 200 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 86 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 86 0
- 145 -
وتنص المادة (58) من القانون سالف الذكر على ( أنه يجوز لوزير العدل عند الضرورة ندب الرؤساء والقضاء بالمحاكم الابتدائية لمحاكم غير محاكمهم لمدة لا تجاوز ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى " 0
وتنص المادة (62) من ذات القانون على أنه ( يجوز ندب القاضى مؤقتا للقيام بأعمال قضائية أو قانونية غير عمله أو بالإضافة إلى عمله وذلك بقرار من وزير العدل بعد أخذ رأى الجمعية العامة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى على أن يتولى المجلس المذكور وحده تجديد المكافأة التى يستحقها القاضى عن هذه الأعمال بعد انتهائها ) 0
وتنص المادة (66) من ذات القانون والمعدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2006 على أنه ( لا يجوز أن تزيد مدة ندب القاضى لغير عمله طوال الوقت على ست سنوات متصلة عدا الندب لوظائف مساعد أول الوزير ومساعدى الوزير للتفتيش القضائى والتشريع والمكتب الفنى ... )0
وجاء بالمذكرة الايضاحية لهذا القانون أنه تنظيما لمدد ندب القضاة وإعارتهم وعملا على وضع حدود قصوى لهذه المدد حتى لا يظل القاضى بمنأى عن عمله الأصل لمدة طويلة نص المشرع على أنه لا يجوز ندب القاضى لغير عمله طوال الوقت لمدة تزيد على ست سنوات متصلـــة 0
وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن :
( خلو قانون السلطة القضائية من قواعد للندب مؤداه للجهة الإدارية سلطة اتخاذ قرارات بما يلائم إصدارها متى هدفت للمصلحة العامة ) (1) 0
خامسا : إعارة القاضـى :
أجاز المشرع إعارة القاضى إلى الحكومات الأجنبية أو الهيئات الدولية بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأى الجمعية العامة للمحكمة التابع لها القاضى أو النائب العام بحسب الأحوال وبعد أخذ رأى المجلس الأعلى للقضاء ولا يجوز أن تزيد مدة الإعارة على ست سنوات متصلة ومع ذلك يجوز أن تزيد المدة على هذا القدر إذا اقتضت ذلك مصلحة قومية يقدرها رئيس الجمهورية (2) 0
___________
(1) طعن مدنى رقم 25 س 55 ق جلسة 9/10/1990 ( رجال القضاء ) 0
(2) المادة (65) من قانون السلطة القضائية 0 رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم142 لسنة 2006 والمنشور بالجريدة الرسمية العدد تابع 26 فى 29/6/2006 .
- 146 -
وتعتبر هذه المدة متصلة إذ تتابعت أيامها وفصل بينها فاصل زمنى يقل عن ست سنوات بشرط ألا يترتب على الإعارة الإخلال بحسن سير العمل (1) ، وقد كانت مدة الإعارة قبل تعديليها لا تجاوز أربع سنوات وفقا لما استقر عليه أحكام النقض 0
وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد :
[ إعارة القضاة لمدة لا تجاوز أربع سنوات متصلة جواز زيادة هذه المدة لمصلحة قومية بقدرها رئيس الجمهورية شريطة العرض على مجلس القضاء الأعلى وموافقته على ذلك م 65/66/3 من قانون السلطة القضائية ] (2) 0
سادسا : تأديب القاضـى :
يتمتع القاضى بالاستقلال التام فى إبداء رأيه وإذا ما أخطأ القاضى فى حكمه فإن السبيل فى تصحيح هذا الخطأ يكون بطريق الطعن فى هذا الحكم بإحدى طرق الطعن التى نص عليها القانون ولكن قد يقع من القاضى ما يعرضه للمساءلة التأديبية كأن يتعلق الأمر بأداء القاضى لوظيفته كتخلفه عن واجب الإقامة فى البلد التى بها مقر عمله أو بتعلق الأمر بحياته الخاصة أو بنشاطه الخارجى كقيامه بأى عمل لا يتفق مع استقلال القضاء وكرامته (3) 0
والقاضى يخضع كغيره من العاملين بالدولة للمساءلة عن خطئه ولكن نظرا لمكانة القاضى وأهمية وظيفته فقد أحاطه المشرع بمجموعة من الضمانات عند مساءلته تأديبيا حتى لا يستغل خطأ القاضى ويستخدم كوسيلة للتنكيل به وتصفية حسابات قديمة ومنفذا لتهديد القاضى أو التأثير عليه (4) 0
ولذلك جعل المشرع تأديب القضاة بجميع درجاتهم من اختصاص مجلس تأديب يشكل من أقدم رؤساء محاكم الإستأناف من غير أعضاء مجلس القضاء الأعلى رئيسا ، و عضوية أقدم قاضيين لمحكمة النقض ، وأقدم نائبى رئيس محكمة الإستئناف ، وعند غياب الرئيس أو أحد الأعضاء أو وجود مانع لديه يحل محله الذى يليه فى الأقدمية (5)
(1) المادة (66) من قانون السلطة القضائية 0 رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2006 .
(2) الطلب رقم 32 لسنة 64 ق رجال القضاء جلسة 1/6/1999 والطلب رقم 198 لسنة 64 ق رجال القضاء جلسة 8/6/1999 مشار إليهما فى مجلة القضاه السنة الحادية والثلاثون العدد الأول والثانى يناير وديسمبر 1999م ص 340 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 109 ص 200 ، 201 0
(4) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم الجزء الأول ص 138 0
(5) المادة (98) من قانون السلطة القضائيـــة رقم 46 لسنة 1972 و المعدة بالقانون رقم 142 سنة 2006 و المنشور بالجريدة الرسمية العدد تابع 29/6/2006م .
- 147 -
وتقام الدعوى التأديبية من النائب العام من تلقاء نفسه بناء على إقتراح وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على اقتراح رئيس المحكمة التى يتبعها القاضى ولا تقام الدعوى إلا بناء على تحقيق جنائى أو بناء على تحقيق إدارى يتولاه أحد نواب رئيس محكمة النقض أو رئيس بمحكمة استئناف يندبه وزير العدل أو رئيس المحكمة بالنسبة إلى القضاة ومن يعلوهم بمحكمة النقض أو بمحاكم الإستئناف أو قاضى بمحكمة النقض أو بمحكمة الإستأناف من إدارة التفتيش القضائى بالنسبة إلى الرؤساء بالمحاكم الإبتدائية وقضاتها أو مستشار من إدارة التفتيش القضائى بالنسبة إلى الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وقضاتها ويخطر مجلس التأديب بالطلب فإذا لم يقم النائب برفع الدعوى خلال ثلاثين يومــا من تاريخ الطلب جاز لمجلس التأديب أن يتولى بنفسه الدعوى بقرار يبين فيه الأسبــاب ) (1) 0
وتنقضى الدعوى التأديبية باستقالة القاضى أو إحالته إلى المعاش (2) 0
ومحافظة على كرامة القاضى وسمعــة القاضـى جعــل المشرع جلسات المحاكمة التأديبية سريــة (3) 0
ويجب أن يكون الحكم الصادر فى الدعوى التأديبية مشتملا على الأسباب التى بنى عليها وأن تتلى أسبابه عند النطق به فى جلسة علنية وللنائب العام ، ولامحكوم عليه الطعن فى هذا الحكم خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدوره أمام مجلس تأديب أعلى (4) 0
كما حصر المشرع العقوبات التأديبية التى يجوز توقيعها على القاضى فى العزل واللوم (5) 0
ويقوم وزير العدل بإبلاغ القاضى مضمون الحكم الصادر بعزله خلال ثمان وأربعين ساعة من تاريخ صدوره وتزول ولاية القاضى من تاريخ ذلك التبليغ (6) 0
_______________
(1) المادة (99) من قانون السلطة القضائيـــة 0
(2) المادة (104) من قانون السلطة القضائية 0
(3) المادة (106) من قانون السلطة القضائية 0
(4) المادة (107) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 و المعدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2006م 0
(5) المادة (108) من قانون السلطة القضائية 0
(6) المادة (109) من قانون السلطة القضائية 0
- 148 -
سابعا : اتهام القاضى ومحاكمته جنائيـا :
لما كان القاضى بشراً فقد يرتكب فعلا يعد بمقتضى القانون الجنائى جريمة جنائية وبالتالى يسأل عما ارتكبه طبقا لقانون العقوبات (1) ومنعا من اتخاذ إجراءات اتهام أو تحقيق أو محاكمة جنائية تعسفا بالقضاه للتنكيل بهم نص المشرع على ضمانات معينة فى هذا الصدد حفاظا على استقلال القضــاه (2) 0
وهذه الضمانات فيما يلـى :
1- استثناء من أحكام الاختصاص العامه بالنسبة إلى المكان تعيين اللجنة المنصوص عليها فى المادة السابقة (94) بناء على طلب النائب العام المحكمة التى يكون لها أن تفصل فى الجنح أو الجنايات التى قد تقع من القضاه ولو كانت غير متعلقة بوظائفهم (3) 0
2- فى غير حالات التلبس لا يجوز القبض على القاضى ، وحبسه احتياطيا إلا بعد الحصول على إذن من اللجنة المنصوص عليها فى المادة (94) 0
3- وفى حالات التلبس يجب على النائب العام عند القبض على القاضى أن يرفع الأمر إلى اللجنة المذكورة فى مدة الأربع والعشرين ساعة التالية التى لها أن تقرر إما استمرار الحبس أو الإفراج بكفالة أو بغيرها وللقاضى أن يطلب سماع أقواله أمام اللجنة عند عرض الأمر عليها ، وتحدد اللجنة مدة الحبس فى القرار الذى يصدر بالحبس أو باستمراره وتراعى الإجراءات السالفة الذكر كلما رئى استمرار الحبس الاحتياطى بعد انقضاء المدة التى قررتها اللجنة (4) 0
4- لا يجوز اتخاذ أى إجراء من إجراءات التحقيق مع القاضى أو رفع الدعوى الجنائية عليه فى جناية أو جنحه إلا بإذن من اللجنة المذكورة وبناء على طلب النائب العام ويكون حبس القاضى وتنفيذ العقوبات السالبة للحرية ضده فى أماكن مستقله عن الأماكن المخصصة لحبس السجناء الآخرين (5) 0
____________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم ص 141 الجزء الأول 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 109 ص 203 0
(3) المادة (95) من قانون السلطة القضائية 0
(4) المنادة (96) فقرة ( 1 ، 2 ) من قانون السلطة القضائية 0
(5) المادة (96/ 4 ، 5 ) من قانون السلطة القضائية 0
- 149 -
المبحث الرابع
حجية الأحكام القضائية فى الفقة الإسلامى
والقانون الوضعى
تمهيد
لما كان القاضى فــى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى يتمتع بالاستقلال الكامل فى أداء وظيفته ، فليس لأحد عليه من سبيل فى قضائه ولا سلطان عليه فيما يصدره من أحكام طالما ارتضى ما أنزل الله ورسوله شرعة ومنها جاو ذلك حتى يتمكن القاضى من نشر مظلة العدالة بين الناس وهو آمن من بطش ذوى السلطة والنفوذ ، وفضلا عن ذلك حتى تتحقق له الحماية الكاملة يجب أن تتصف الأحكام القضائية التى يصدرها القاضى بالحجية فى مواجهة الكافة من الناس والسلطات لأن فى ذلك إضفاء حماية معنوية للقاضى تجعل له المهابة بين الناس ، الأمر الذى دعا فقهاء الإسلام أن يقرروا أن التمرد على القضاء يعنى التمرد على الخلافة وأن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائى يعنى الامتناع عن أداء فريضة الزكاة (1) 0
ولذلك سوف نتحدث فى هذا المبحث عن بيان مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وفيه مطلبان :
المطلب الأول : مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجيــة فى الفقه الإسلامــى 0
المطلب الثانى : مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية فى القانون الوضعى 0
__________________
(1) نظام الحكم فى الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامى - تأليف ظافر القاسمى - بيروت - دار النفائس طبعة سنة 1978 م ص 55 0
- 150 -
المطلب الأول
مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية
فى الفقة الإسلامى
أولا : المقصود بحجية الأحكام فى الفقه الإسلامى :
يقصد بحجية الحكم القضائى عند فقهاء الشريعة أن الظاهر من كل حكم صدر وفق الشروط الشرعية هو كون الحكم صحيحا ومحققا للعدالة وبالتالى يستحق التنفيذ (1) 0
وقد صرح بهذا المعنى بعض فقهاء الشريعة منهم ما ذكره الإمام ابن فرحون (2) 0
( ويحمل القضاء على الصحة ما لم يثبت الجور ) 0
وكذلك ما قاله الإمام الماوردى (3) 0
( الظاهر من أحكام القاضى نفوذها على الصحة ) 0
وحمل الحكم القضائى على الصحة فى الظاهر مقتضاه عند الفقهاء أن هذا الحكم يجب تنفيذه والعمل به وعدم اعادة ابحث فيه لغير دليل واعتباره حجة إلى أن يقوم الدليل على بطلانه ، ومن ناحية أخرى فإن حمل الحكم القضائى على الصحة فى الظاهر يقتضى أن لا يعتبر الحكم مقدسا إلى حـد لا يمكن معه نقضه وإنما هو معرض للنقض والتغير إذا قامت أدلة قوية على أنه قد جانب الحق والصواب (4) 0
ثانيـا : مدى تمنع الأحكام القضائية بالحجية فى الفقه الإسلامى :
الأصل فى الحكم القضائى فى الفقه الإسلامى أنه ينهى النزاع ويلزم به أطراف الخصومة متى صدر من القاضى مستوفيا الأصول الشرعية الواجب توافرها فيـه ومنذ هذه اللحظة يكون الحكم قابلا للتنفيذ ، ولا يجوز نظرا لقضية مرة أخرى أمام القاضى الذى أصدر الحكم ولا أقام غيره من
________________
(1) بحث فى حجية الأحكام فى الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف - الطبعة الأولى سنة 1408 هـ سنة 1988م ص 14 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 74 0
(3) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 290 0
(4) بحث فى حجية الأحكام - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 15 0
- 151 -
القضاه وإلا لما استقر للناس حق ، فما يصدره القاضى من أحكام لها حصانتها لأن الظاهر صحتها ، فلا يتعرض لها بالنقض والإبطال بل هى مصونة لا تمس ولا ينقب عنها ولا تتعقب ، هذا هو الأصل فى الأحكام القضائية وهذا ما صرح به الفقهاء فى أقوالهم والذى عبر عنه الإمام الماوردى بقوله ( فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات أما صلحا عن تراضى ويراعى فيه الجواز ، أو اجبار بحكم بات يعتبر فيه الوجوب ) (1) 0
ولفظ - الحكم البات - الذى استعمله الإمام الماوردى معناه الحكم القاطع الذى لا رجعه فيه ولذلك قيل بت الرجل طلاق امرأته فهى مبتوته ، ويقال لما لا رجعة فيه لا أفعله البتـة (2) 0
وعلى هذا فالأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى تتمتع بالحجية ومن ثم فلا يتتبع القاضى قضايا من كان قبله ولا يتعرض لها مـن غير طعن صحيح له مبرراته ومقوماته وهذا الأمر محل اتفاق بين الفقهاء 0
ولذلك قال الإمام الكاسانى نقلا عن الحنفية :
( قضاء القاضى الأول لا يخلو إما إن وقع فى فصل فيه نص مفسر من الكتاب العزيز والسنة المتواتره والإجماع ، وإما أن وقع فى فصل مجتهد فيه من ظواهر النصوص والقياس ، فإن وقع فى فصل فيه نص مفسر من الكتاب أو الخبر المتواتر أو الإجماع فإن وافق قضاؤه ذلك نفذ ولا يحل له النقض ، لأنه وقع صحيحا .... ) (3) 0
وقال ابن فرحون نقلا عن المالكية 0
( فأما العالم العادل فلا يتعرض لأحكامه إلا على وجه التجويز لها وإن عرض فيها عارض بوجه خصومه ، فأما على وجه الكشف لها والتعقب فلا ، وإن سأله الخصم ذلك ) (4) 0
__________________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى ص 70 0
(2) المصباح المنير - للفيومى - مادة ( بت ) ص 35 ، مختار الصحاح - للرازى - باب الباء ص 33 0
(3) بدائع الصنائع جـ 7 ص 20 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 73 0
- 152 -
وروى عن الشافعية قولهـم :
( ليس على القاضى أن يتعقب حكم من قبله لأن الظاهر من أحكامه الصحة إلا أن يتظلم إليه محكوم عليه قبله ، فينظر فيما تظلم فيه ، فإن كان الحكم مخالفا للشرع أو محلا للنقض نقضه ، وإن كان مجتهدا فيه أبقاه ولم ينقضه ) (1) 0
غير أن الشيخ أبا حامد الاسفراينى (2) ، من الشافعية يرى أنه يجوز للقاضى أن يتعقب أحكام القضاة الذين سبقوه وإن لم يكن واجبا زيادة فى الاحتياط حتى إذا ما وجد سببا من أسباب النقض الشرعية نقضه ، إلا أن جمهور الشافعية يرون عدم جواز تعقب حكم القاضى لأن الظاهر من أحكامه الصحة (3) 0
وقال ابن قدامة نقلا عن الحنابلـة :
( ليس على القاضى تتبع أحكام القاضى قبله لأن الظاهر فيها السداد والصواب ) (4) 0
وإذا كان يتضح لنا مما سبق أن الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى لها حصانتها وتتمتع بالحجية إلا أن هذا لا يعنى أنها غير قابلة للطعن والنقض لأن القاضى لا يعدو أن يكون بشرا مجتهدا غير معصوم من الخطأ فى اجتهاده فاحتمال الخطأ فى أحكامه وارد وإلى ذلك أشار الرسول- r -بقوله فيما يرويه عنه عمرو بن العاص ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ فله أجر " (5) 0
_________________
(1) الأم - للإمام الشافعى - طبعة سنة 1388هـ - سنة 1968م مطبعة دار الشعب جـ 6 ص ص 208 0
(2) الشيخ أبو حامد الاسفرايينى هو أحمد بن محمد بن أحمد ، إمام الشافعية فى زمانه - ولد سنة 344 هـ وكان فقهيا إماما ، جليلا نبيلا ، وكان الناس يقولون عنه لورآه الشافعى لفرح به ، وتوفى سنة 410 هـ ، يراجع البداية والنهاية - تأليف الحافظ بن كثير الدمشقى المتوفى سنة 774 هـ تحقيق أحمد عبد الوهاب فتيح - مطبعة دار الحديث - القاهرة جـ 12 ص 3 0
(3) الأم - للشافعى - جـ 6 ص 208 0
(4) المغـنى جـ 11 ص 407 0
(5) صحيح البخارى - كتاب الاعتصام بالكتــاب والسنة - بــاب أجـــر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ - المكتبة العصرية - بيروت - سنة 1415 هـ سنة 1995م جـ 4 ص 204 0
- 153 -
وحيث يتبين من هذا الحديث أن حكم القاضى يحتمل الخطأ فقد أعطى الفقهاء للمتقاضين حق التظلم من الحكم والطعن فيه وذلك لأن الشريعة جاءت برفــع الظلــم وإن كان فى صورة حكم قضائى جانب الصواب كما فى الحالات الآتية :
1- إذا صدر الحكم مخالفا لنص فى كتاب أو سنة أو إجماع فإنه فى هذا الحالة يجب نقضه ويحرم تنفيــذه 0
2- إذا صدر الحكم على غير الأصول الشرعية المعتبرة لصحة الحكم مثل صدور الحكم فى حقوق العباد من غير رفع دعوى للمطالبة بـه 0
3- إذا قــدم المحكـــوم عليـــه دفعــا صحيحا ظهر بعد الحكم الأول وذلك لوجوب مراجعة الحـــق (1) 0
مما سبق يتبين لنا أن الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى تتمتع بالحجية طالما كانت هذه الأحكام صادرة وفقا للأصول الشرعية المعتبرة شرعا لصحة الحكم هذا مما يكفل للقاضى إضفاء حماية معنوية له مما يجعل له المهابة بين الناس وتكفل له الحماية فى مواجهة السلطات 0
المطلب الثانى
مدى حجية الأحكام القضائية فى القانون الوضعـى
تعتبر مسألة مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية موضوع ذات أهمية بالغة فى القانون الوضعى لما يترتب على تمتع الأحكام القضائية بالحجية من أثرين : أحدهما سلبى والآخر : إيجابى فأما الأثر السلبى فيتمثل فى عدم جواز إعادة النظر فى الدعوى التى صدر فيها الحكم من جديد فلا يجوز رفع نفس الدعوى مرة أخرى بعد الفصل فيها ولو قدمت فى الخصومة الجديدة أدلة واقعية أو أسانيد قانونية لم يسبق إثارتها فى الخصومة الأولى أما الأثر الإيجابى لحجية الحكم القضائى فيتمثل فى احترام ما قضى به هذا الحكم فى مواجهة الخصوم والكفافة (2) 0
___________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 6 ، الأم للشافعى جـ 6 ص 204 0
(2) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى ، مرجع سابق بند 87 ص 160 ، 161 0
- 154 -
ولكى نعرف مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية فهذا يتطلب منا أولا لتحديد المقصود بالحجية ثم نقسم الأحكام من حيث حجيتها ثم نقسم الأحكام من حيث قابليتها للطعن ثم بيان الشروط الواجب توافر فى الحق المدعى به حتى يحوز الحكم الصادر بهذا الحق الحجية وذلك من خلال الفروع الآتية :
الفرع الأول : المقصود بحجية الحكم القضائى فى قانون المرافعات 0
الفرع الثانى : نقسم الأحكام من حيث حجيتها 0
الفرع الثالث : نقسم الأحكام من حيث قابليتها للطعن 0
الفرع الرابع : الشروط الواجب توافرها فى الحق المدعى به حتى يجوز الحكم الصادر به الحجيـــة 0
الفرع الخامس : الشروط الواجبة فى الحكم نفسه حتى يجوز الحجية 0
الفرع الأول
المقصود لحجية الحكم القضائى فى القانون الوضعى
عرف جانب من الفقه القانونى حجية الحكم القضائى بأنها فكرة قانونية مفادها أن الحكم القضائى حين يطبق إرادة القانون فى الحالة المعينة فإنه يحوز الاحترام سواء أمام المحكمة التى أصدرته أو أمام المحاكم الأخرى بحيث إذا رفع أحد الخصوم نفس الدعوى التى فضل فيها مرة أخرى تعين عدم قبولها ،وإذا أثيرما قضى به أمام القضاء وجب التسليم به دون بحث مجدد (1) 0
وحجية الحكم القضائى قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس مؤداها أن الحكم قد صدر صحيحا من ناحية الشكل وعلى حق من ناحية الموضوع فهو حجة على ما قضى به (2) 0
ويفرق بين وصف الحكم بأنه يجوز حجية الأمر المقضــى ووصفه بأنه يجوز قوة الشىء المقضى بـه ، أن الحكم عندما يوصف بأنه يجوز حجية الأمر المقضى به يكون معناه أن للحكم حجية فيما بين الخصوم بالنسبة إلى ذات الحق محلا وسببا وتبقىهـذه الحجيــة قائمة مادام الحكم قائما إلا إذا
___________
(1) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى مرجع سابق بند 87 ص 160 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا الطبعة الثالثة سنة 1955 دار المعارف بند 475 ص 588 مرجع سابق 0
- 155 -
طعن عليه بطرق الطعن العادية كالاستئناف أوقفت هذه الحجية فإذا ألغى هذا الحكم فى الاستئناف زالت الحجية وزال الحكــم نفســه أمـــا إذ تأييد هـذا الحكم فى الاستئناف بقيت له الحجية بل ويوصف بوصف زائد وهو قوة الأمر المقضى به فكل حكم يجوز قوة الأمر المقضى به تكون له الحجية وليس العكس (1) 0
الفرع الثانى
تقسيم الأحكام من حيث الحجية المترتبة عليها
تنقسم الأحكام من حيث الحجية المترتبة عليها إلى :
1- أحكام قطعيـة 0 2- أحكام غير قطعية أو وقتية 0
3- أحكام فاصلة فى الموضوع 0 4- أحكام إجرائيـة 0
أولا : تعريف الحكم القطعــى :
الحكم القطعى هو الحكم الذى يحسم النزاع فى موضوع الدعوى أو فى شق منه أو فى مسألة متفرعة عنه سواء تعلقت هذه المسألة بالقانون أو بالوقائع وتستنفد المحكمة ولايتها بإصدار الحكم القطعى فى خصوص ما فصل فيه كالحكم بإجابة طلبات المدعى أو برفضها والحكم بثوت خطأ المدعىعليه ومسئوليته عن تعويض الضرر الذى ترتب على عمله غير المشروع 0
ثانيـا : تعريف الحكم غير القطعى :
الحكم غير القطعى هو الذى لا يحسم موضوع النزاع لا كله ولا جزء منه ولا يحسم مسألة فرعية متفرعة عنه وتنقسم الأحكام غير القطعية إلى أحكام وقتيه وأخرى متعلقة بسير الدعوى وتحقيقها ، والحكم الوقتى هو الذى يصدر فى طلب وقتى والغرض منه أتخاذ إجراء تحفظى مثل الأحكام المستعجلة ، أما الإحكام المتعلقة بسير الدعوى وتحقيقها فهى أحكام لا تفصل فى النزاع مثل الحكم بضم دعويين أو الفصل فيهما (2) 0
____________
(1) التعليق على قانون الإثبات للديناصورى وعكاز الطبعة التاسعة نادى القضاه ص 706 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى الطبعة سنة 1981 دار النهضة العربية بند 386 ص 536 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا الطبعة الثالثة سنة 1955 دار المعارف بند 450 ص 552 ، 553 ، الوجيز فــى المرافعـــات مركـزا على قضاء النقض سنة 1981 د/ محمد محمود إبراهيم دار الفكر العربى ص 832 ، 833 0
- 156 -
ثالثا : أهمية التفرقة بين الحكم القطعى والحكم غير القطعـى :
تبدو أهمية التفرقة بين الحكم القطعى والحكم غير القطعى من ناحيتين هما :
الأولى : أن الحكم القطعى هو وحدة الذى يجوز حجية الشىء المحكوم فيه فلا يجوز للمحكمة التى أصدرته أن ترجع فيه أما الحكم غير القطعى فإن حجيته مؤقتة كالأحكام الوقتية فإذا تغيرت الظروف التى صدرت فيهــا الأحكام الوقتية زالت حجيتها الموقوتة وجاز العدول عنهــا 0
الثانية : أن الحكم القطعى لا يسقط بسقوط الخصومة أو بأنقضائها بالتقادم فهو لا يسقط إلا بمضى المدة الطويلة وهى خمس عشرة سنة أما الحكم غير القطعى فهو يزول بسقوط الخصومة أو بانقضائها سواء كان حكما وقتيا أم تمهيدا أو تحضيريا (1) 0
رابعـا : الأحكام الفاصلـة فى الموضوع :
يقصد بالأحكام الفاصلة فى الموضوع بأنها هى الأحكام التى تفصل فى الطلبات والدفوع الموضوعية مثل الأحكام التى تقرر مركزا موضوعيا أو تلزم المحكوم عليه بأداء المطلوب فى الدعــوى 0
خامسا : الأحكام الإجرائية :
يقصد بالأحكام الإجرائية بأنها هى التى تفصل فى مسائل المرافعات التى تثور أثناء سير الخصومة مثل الحكم الصادر فى مسألة الاختصاص أو بطلان الإجراءات وسائر الأحكام لمنظمة لسير الخصومة وتنقسم الأحكام الإجرائية إلى أحكام قطعية مثل الأحكام الإجرائية المنهية للخصومة كالحكم ببطلان الإجراءات أو الحكم بسقوط الخصومة الى أحكام غير قطعية مثل الأحكام التمهيدية كالحكم بندب خبير فى الدعوى 0
سادسا : أهمية التفرقة بين الأحكام الفاصلة فى الموضوع والأحكام الإجرائية :
تظهر أهمية التفرقة بين الأحكام الصادرة والفاصلــة فــى الموضوع وبين الأحكام الإجرائية أن
__________
(1) مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين / وجدى راغب فهمى ، أحمد ماهر زغلول طبعة 1993 ، 1994 ص 425 ، الوسيط فى المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 386 ص 527 ، الوجيز فى المرافعات مركزا على قضاء النقض سنة1981 د/ محمد محمود إبراهيم دار الفكر العربى ص 833 0
- 157 -
الأولى تعتبر قضاء موضوعيا وتتمتع بحجية الأمر المقضى به أما الثانية فلا تتمتع بالحجية (1) 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
الفرع الثالث
تقسيم الأحكام من حيث قابليها للطعن
تنقسم الأحكام من حيث قابليتها للطعن فيها إلى :
أولا : أحكام ابتدائية وهى الأحكام التى تصدر من محكمة الدرجة الأولى سواء كانت محكمة جزئية أو ابتدائية وتقبل الطعن فيها بالاستئناف 0
ثانيـا : أحكام انتهائية : وهى الأحكام التى لا تقبل الطعن فيها بالاستئناف ويشمل ذلك الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى فى حدود نصابها الانتهائى ، وكذلك ألحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى وكانت تقبل الطعن فيها بالاستئناف ولكن فات ميعاد الطعن وكذلك يعتبر حكما انتهائيا الحكم الصادر من محاكم الدرجة الثانية ، وذلك لأن هذا الحكم غير قابل للاستئناف لأن الاستئناف طريق للطعن فى الحكم يتم بمقتضاه عرض النزاع أمام محكمة أعلى درجة من المحكمة التى أصدرت الحكم ولما كان التقاضى على درجتين فإن الحكم الصادر من محاكم الدرجة الثانية يكون حكمها انتهائيا ولا يخل بوصف الحكم بأنه انتهائيا أن يكون قابلا للطعن فيه بالمعارضة فالحكم يعتبر نهائيا طالما أنه لا يقبل الطعن فيه بالاستثناف ولو كان قابلا للطعن فيه بالمعارضة (2) 0
____________
(1) مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين وجدى راغب فهمى ، أحمد ماهر زغلول - مرجع سابق ص 425 ، الوجيز فى المرافعات المدنية مركزا على قضاء النقض د/ محمد محمود إبراهيم مرجع سابق ص 833 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا مرجع سابق بند 454 ص 554 ، الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر طبعة سنة 1990 بند 314 ص 513 ، مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين / وجدى راغب ، أحمد ماهر زغلول مرجــع سابق ص 427 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمــد السيــد صــاوى طبعـــة سنة 1981 دار النهضة العربية بند 387 ص 597 ، الوجيز فى المرافعات مركزا على قضاء النقــض د/ محمد محمود إبراهيم مرجع سابق ص 833 0
- 158 -
ثالثا : أحكام باتـة : وهى الأحكام التى لا تقبل الطعن فيها بأى طريق من طرق الطعن العادية وغير العادية وهو أقوى أنواع الأحكام 0
وتظهر أهمية تقسيم الأحكام من حيث قابليتها للطعن فى معرفة مدى صلاحية الحكم للتنفيذ الجبرى فالأحكام الحائزة لقوة الأمر المقضى به والأحكام الباتة هى التى يجوز تنفيذ بها جبريا وفقا للقاعدة العامة فى تنفيذ الأحكام فى القانون الوضعى (1) 0
الفرع الرابع
الشروط الواجب توافرها فى الحق المدعى به
حتى يجوز الحكم الصادر به الحجية
لا يكون للحكم حجية الأمر المقضى به إلا إذا توافر فى الحق المدعى به ثلاثة شروط حددتها المادة 101 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 والتى تنص على أنه ( الأحكام التى حازت قوة الأمر المقضى تكون حجة فيما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه الحجية إلا فى نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتتعلق بذات الحق محلا وسببا ) 0
من هذه المادة يتضح لنا أن المشرع اشترط توافر ثلاثة شروط فى الحق المدعى به حتى يحوز الحكم الصادر بهذا الحق بالحجية وهذه الشروط هى :
الشروط الأول : اتحـاد الخصـوم :
للحكم حجية نسبية تقتصر على أطراف الخصومة فلا تمتد إلى الغير طبقا لمبدأ نسبية الأحكام إذ لا يصح أن يحتج على شخص بحكم صــدر فــى دعــوى لم يكــن طرفا فيها فلا يجوز التمسك
_______________
(1) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر طبعة سنة 1990 بند 314 ص 516 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 387 ص 528 ، مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين وجدى راغب ، أحمد ماهر زغلول مرجع سابق ص 427 0
- 159 -
بالدفع بحجية الأمر المقضى به فى دعوى جديدة تتناول ما سبق أن فصل فيه إلا إذا كانت هذه الدعوى يبين الخصوم أنفسهم على سبيل المثال لو صــدر حكــم على المؤجر بتسليم العين المؤجرة للمستأجر ثم رفع مشترى العين دعوى علىالمستأجر يطالبه فيها بالعين فإن الحكم السابق لا تكون له حجية على المشترى لأنه لم يكن طرفا فىالدعوىالسابقة ولكن المؤجر هو الذى ليس له أن يرفع دعوى جديدة على المستأجر بشأن نفس النزاع لأنه كان خصما فى الدعوى (1) 0
والمقصود باتحاد الخصوم هو اتحاد الخصوم بصفاتهم وليس بأشخاصهم فالحكم الذى يصدر فى دعوى يرفعها الوكيل يجوز حجية الشىء المحكوم فيه بالنسبة للأصيل فلا يجوز للأصيل أن يرفع دعوى جديدة بصفته الشخصية والعكس صحيح فإذا رفع الشخص الدعوى بنفسه فإنه لايجوز له أن يرفع دعوى جديدة عن طريق وكيله للمطالبة بذات الحق (2) 0
ومما هو جدير بالذكر أن الحكم لا يكون حجة على الخصوم وحدهم بل هو حجة أيضا على خلف الخصوم الخاص والعام فهو حجة على الخلف العام كالورثة وذلك فى الحقوق التى يتلقاها مباشرة عن مورثه ، وكذلك يكون الحكم حجة على الخلف الخاص ولكن بشرط أن يكون الحكم متعلقا بالعين التى انتقلت إلى الخلف الخاص (3) 0
وأن يكون الحكم سابقا على انتقال العين إلى الخلف الخاص (4) 0
_________________
(1) التعليق على قانون الإثبات للديناصورى وعكاز مرجع سابق ص 711 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات التجارية والمدنية د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 177 ص 247 0
(2) الوسيط د/ أحمــد السيــد صـــاوى بند 117 ص 247 ، وقضـــت محكمـــة النقض فى هذا الصدد : أن ( اكتساب الحكم قوة الأمر المقضى بالنسبة للدعوى اللاحقة شرطة اتحاد الموضوع والسبب والخصوم فى الدعويين تخلف أحد هذه العناصر أثره عدم توافر أركان الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقه الفصل فيها ) يراجع الطعن رقم 459 لسنة 64 ق أحوال شخصية جلسة 24/5/1999 مشار إليه فى مجلة القضاة السنة 131 العدد الأول والثانى - يناير - ديسمبر سنة 1999 بند 166 ص 645 0
(3) التعليق على قانون الإثبات للديناصورى وعكاز مرجع سابق ص 712 0
(4) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 177 ص 247 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ الأحكام الصادرة على السلف حجة على الخلف بشأن الحــق الذى تلقاه ] راجع الطعن رقم 1578 س 53 ق جلسة 30/12/1987 س 38 ع 2 ص 1203 مشار إليه فى موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات فى خمسة عشر عاما - للمستشار أحمد هبة - الطبعة الأولى سنة 1997 بند رقم 1292 ص 367 ] 0
- 160 -
الشرط الثانى : وحدة الموضوع أو المحـل :
يشترط فى الحكم حتى يجوز الحجية أن بكون موضوع الدعوى الجديدة هو ذات الموضوع الذى فصل فيه الحكم السابق وموضوع الدعوى هو الحق الذى يطلبه الخصم أو المصلحة التى يسعى إلى تحقيقها سواء كان ذلك الحق أو تلك المصلحة متعلقة بشىء مادى أم لا فالحكم بتعويض عن ضرر يمنع من تجديد المطالبة بالتعويض عن نفس الضرر ولكنه لا يمنع من الحكم بتعويض آخر عن ضرر استجد عن نفس الفعل الضار 0
والعبرة فى توافر وحدة الموضوع فى الدعويين هو يكون الأساس فيهما واحد حتى ولو تغيرت الطلبات فيهما إذا العبرة فى حجية الشىء المقضى به هو بموضوع الدعوى وأساسه لا بنوع الطلبات التى يقدمها الخصوم أو قيمتها فلا يؤثر فى وحده الموضوع كون المبلغ المطالب به فى الدعوى الثانية أكبر منه فى الدعوى الأولى (1) 0
الشرط الثالث : وحـدة السبب :
يشترط كذلك حتى يكون للحكم حجية الأمر المقضى به أن يتحد السبب فى الدعوى الجديدة مع الحكم السابق صدوره فى الدعوى اللاحقـه 0
ويقصد بالسبب حسب الرأى الراجح فى الفقه هو الواقعة القانونية التى يتولد عنها موضوع الدعوى أو المصدر القانونى للحق المدعى به ، وقد يكون عقدا أو إرادة منفردة أو فعلا غير مشروع أو أثراء بلا سبب أو نصا فى القانون ، فالسبب فى دعوى المطالبة بدين ناشىء عن فرض هو عقد القرض ، وفى دعوى المطالبة بثمن المبيع هو عقد البيع ، فاتخاذ السبب شرط فــى الحق المدعى به حتى يحوز الحكم الصادر به الحجيـة (2) 0
____________
(1) التعليق على قانون الإثبات - للديناصورى وعكاز ص 715 ، وقضت محكمـــة النقـــــض أن : [ القضاء النهائى فى مسألة أساسية مانع للخصوم أنفسهم مــن التنازع فيهــا بأية دعـــوى تاليــة تكون هى بذاتها الأساس فيما يدعيه أى من الطرفين قبل الآخــر مــن حقوق مترتبة عيها . اكتساب الحكم السابق قوة الأمر المقضى وإن كان الفصل فى المسألة الأوليــة واردا فى أسبابه المرتبطة بمنطوقه ارتباطا وثيقا ] يراجع الطعن رقم 207 لسنة 65 ق أحوال شخصية جلسة 28/6/1999 مشار إليه فى مجلة القضاة - السنة الحادية والثلاثون العدد الأول والثانى - يناير - ديسمبر سنة 1999 بند 167 ص 645 0
(2) التعليق على قانون الإثبات - الدناصورى وعكاز - الطبعة التاسعة سنة 1999 - مكتبة نادى القضاة =
- 161 -
الفرع الخامس
الشروط الواجب توافرها فى الحكم نفسه
حتى يتمتع بالحجيـة
1- أن يكون الحكم قضائيا أى صادرا من جهة قضائية بموجب سلطتها القضائية ويستوى فى ذلك أن تكون هذه الجهة هى القضاء العادى كالمحاكم المدنية أو جهة القضاء الإدارى كالمحاكم الإداريــة ، ويجــب أن تكون المحكمــة قـــد أصدرت الحكم بموجب سلطتها القضائية لا بموجب سلطتها الولائية مثل تصديق المحكمة على القسمة إذا كان بين الشركاء غائب أو كان بينهم من لم تتوافر فيه الأهلية (1) 0
________________
= ص 718 ، التعليق على نص المادة (101) من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد : [ أن السبب فى معنى المادة (101) من قانون الإثبات هو الواقعة التى يستمد منها المدعى الحق فى الطلب وهو لا يتغير بتغير الأدلة الواقعية والحجج القانونية التى يستند إليها الخصوم ، وكان الثابت من واقع الدعوى الذى سجله الحكم المطعون فيه أنه أخذ بحجية الحكم السابق صدوره لصالح المطعون ضده - والسابق بيانه - فى حدود استحقاق العمولة والمكافأة عن المدة من 1/7/1967 وحتى 30/6/1970 وهى لاحقه على نفاذ أحكام القرار الجمهورى رقم 3309 لسنة 1966 ، وبعد إصدار المؤسسة العامة للتأمين القرار الإدارى رقم 15 لسنة 1961 والمنشور رقم 4 لسنة 1967 وإصدار لائحة موحدة للعاملين بالشركات التابعة لها ومــن بينهــا الطاعنة ومـــن ثم لا يحق للطاعنة معاودة طرح هذه المنازعة المجادلة بشأنها ] يراجع ( الطعن رقم 906 لسنة 52 ق جلسة 26/4/1987 س 38 ع 1 ص 601 مشار إليـــه فـــى موسوعـــة مبــادىء النقض فى الإثبات فــى خمسة عشر عاما مــن 7/1982 حـــتى 7/1997 للمستشار / أحمـــد هبــه الطبعة الأولى سنة 1997 بند رقم 1319 ص 374 ) 0
(1) وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد [ لكى يجوز التمسك بحجية الحكم بتعين كشرط أساس أن يكون هناك حكم قضائى صادرا من جهة قضائية لها ولاية فى النزاع المطروح عليها … ] يراجع موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات للمستشار / أحمد هبه – مرجع سابق بند رقم 1236 ص 353 طعن رقم 306 س 59 ق جلسة 29/4/1993).
- 162 -
2 - أن يكون الحكم صادرا من محكمة مختصة اختصاصا يجعل لها ولاية فى إصداره ، فالحكم الذى يصدر من محكمة مدنية فىمسألة يختص بها القضاء الجنائى لا تكون له حجية الأمر المقضى، وكالحكم الذى يصدر من محكمة جنائية فى مسألة مدنية لا تختص بها والحكم الذى يصدر من جهة القضاء العادى فى المسائل الإدارية التى يختص بهــا القضاء الإدارى ، ففى هذه الصور تعتبر قواعد الاختصاص متعلقة بولاية القضاء ، أما قواعد الاختصاص النوعى فهى وإن كانت تتعلق بالنظام العام شأنها فى ذلك شأن قواعد الاختصاص الولائى إلا أن مخالفتها لا تمنع من ثبوت الحجية للحكم ، كذلك تثبت الحجية للحكم حتى ولو كان صادرا من محكمة غير مختصة محليا بإصداره 0
3- أن يكون الحكم قطعيا أى فاصلا فــى الموضوع بالبت فيه ، ولو كان حكما ابتدائيا ، فإذا لم بت الحكم فى الخصومة على وجه حاسم لم يحز حجية الأمر المقضى كالحكم بغرامة تهديدية (1) 0
الموازنة بيـن الشريعة والقانون فى مدى
تمتع الأحكام القضائية بالحجيـة
سبق وأن ذكرنا أن الحكم القضائى فى الفقه الإسلامى متى صدر عن قاض مختص وفق الأصول الشرعية فإنه يتمتع بالحجيــة لأن الحكــم القضائى فى الفقه الإسلامى يحمل على الصحة وبالتالى يجب تنفيذه والعمل به وعدم إعادة البحــث فيــه لغير دليل إلا إذا قامت أدلة قوية على أنه قد جانب الصواب ففى هذه الحالة يجوز نقض هــذا الحكــم وبالتالى لا يتمتع بالحجيـــة 0
وإذا قارنا ذلك بالأحكام القضائية فى القانون الوضعى وجدنا أن القانون الوضعى يتفق مع الشريعة الإسلاميــة فــى تمتع الأحكــام القضائية بالحجيــة لتحقيق استقــــرار الأحكام والحقوق
_____________
(1) التعليــق علــى قانون الإثبـــات للدناصورى وعكــاز ص 707 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 838 0
- 163 -
لأصحابها وطمأنة الناس وثقتهم بالقضاء ، ولكن الحجيــة فــى القانون الوضعى تختلف فى مداها فالحكم بمجرد صدوره يتمتع بحجية الأمر المقضى به ، فإذا لم يطعــن أحــد من الخصوم على هذا الحكم بالاستئناف أو فاتــت مواعيــد الطعــن أو استنفذت طــرق الطعن فى هذا الحكم فإنه يتمتع بالحجية المطلقة وهــى حجيــة قوة الأمر المقضى به ، لا يمكن المساس بها ، فالقانون الوضعى يتفق مع الشريعة الإسلاميــة فــى ضرورة تمتع الأحكام القضائية بالحجية وإن اختلفت فى مداها - ولاشك أن فى ذلك إضفاء حماية معنوية للقاضى مما يكفل له المهابة بين الناس وحمايته من الكافة سواء من السلطات أو الخصــوم طالما كانت الأحكــام التى يصدرها لها حجيتهـــا 0
**********************************
******************
***
- 164 -
الفصل الثانى
حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامى
والقانون الوضعـى
تمهيــد :
لا يكفى لضمان حماية القاضى واستقلاله وحيدته حمايته من ذوى السلطة والنفوذ ومن تسلط الحكومة فقط بل يجب فضلا عن هذا حماية القاضى من الخصوم أنفسهم ومن عنت المتقاضين ومن كيدهم له ومشاكستهم معه وذلك لأن القاضى أحوج ما يكون إلى الاستقرار النفسى والمادى حتى يتمكن من أداء عمله فى أمان وبحيدة كاملة وحرية مطلقة فيجب أن يكون القاضى آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله يعيش فى مأمن من جميع الجهات سواء من جهة الحكومة أم من جهة ذوى الأيدى القوية من الخصوم ، ولذلك سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه عن الضمانات التى تكفل حماية القاضى من الخصوم سواء فى الفقه الإسلامى وقانون المرافعات من خلال مبحثين هما :
• المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامــى 0
• المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى القانون الوضعى 0
- 165 -
المبحث الأول
ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامى
لقد أحاط الفقه الإسلامى القاضى بعدة ضمانات تحميه من كيد الخصوم وعبث المتقاضين وتتمثل هذه الضمانات فى إعطاء الحق للقاضى فــى تأديبـه الخصوم ، عدم جواز مخاصمة القاضى ، عدم مسئولية القاضى عن خطئه غير المتعمد وسوف نتعرض لهذه الضمانات بشىء من التفصيل من خلال المطالب الآتية :
• المطلب الأول : حق القاضى فى تأدبيه الخصوم 0
• المطلب الثانى : عدم جــواز مخاصمـة القاضى 0
• المطلب الثالث : عدم مسئولية القاضى عن خطئه غير المتعمـد 0
وهذه الضمانات سالفة الذكر لم توضع حماية للقاضى فى حد ذاته ، وإنما وضعت حماية لاستقلال القاضى فى قضائه ضمانا لحيدته فى إبداء رأيه حتى يصدر قضاء عادلا يشيع الطمأنينة فــى نفــوس المتقاضين ويحمــى حقوقهم ، ويؤكــد ثقة الناس فى القضاء والقائمين عليـه (1) 0
المطلب الأول
حق القاضى فى تأديبه الخصوم
حماية للقاضى من افتيات الخصوم عليه أو أحدهم وحفظا لهيبة القضاء أعطى الفقه الإسلامى للقاضى الحق فى تأديب من يفتات عليه من الخصوم فى الجلسة كأن يقول له أحد الخصوم حكمت على بغير الحق أو ارتشيت ففى هذه الحالة للقاضى الحق فى تأديب هذا الخصم الذى أساء الأدب عليه بل إن كثيرا من الفقهاء ذهبوا إلى أنه ليس للقاضى أن يعفوا عمن أهانه من الخصوم لأن فى ذلك اعتداء على حق الله بالإضافة إلى حــق العبــد ، وللعبــد التنازل عــن حقه
_______________
(1) التنظيم القضائى الإسلامى لأستاذنا الدكتور / حامد محمد أبو طالــب طبعــة سنة 1402 هـ سنة 1982م ص 88 ، مخاصمة القضاة - بحث مقارن بين الشريعة الإسلاميـة والقانون المصرى لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب - مجلة كلية الشريعة والقانون - العــدد العاشر سنة 1415هـ سنة 1995 ص 107 0
- 166 -
وليس له التنازل عن حق الله (1) 0
وذهب بعض الفقهاء ( الحنابلة ) إلى أن للقاضى أن يعفوا عمن افتات عليه من الخصوم (2) ولعلهم نظروا فى ذلك كما يرى الدكتور / محمد نعيم عبد السلام إلى أن هذا من حق القاضى ، لأن الافتيات وقع عليه والإساءة وجهت إليه فهو كالقذف يجوز التنازل عنه والعفو عن صاحبه ورد سيادته عليهم يرد وجيه وهو أن هذا يختلف عن القذف حيث إن الإساءة فيه لا توجه إلى القاضى فحسب ، وإنما لحرمة مجلس القضاء ، فحق الله ظاهر (3) 0
وكذلك للقاضى تأديب أحد الخصمين إذا أساء للشهود أو أهل الفتوى أو عرض لهم بما يؤذيهـــم (4) 0
وكذلك للقاضى رفع صوته وسوء النظر إلى من يسىء أدبه ويلد فى الخصام ولذلك يقول الإمام ابن فرحون ( إذا حضر الخصمان بين يديه فليسو بينهما فى النظرة إليهما والتكلم معهما مالم بتعد أحدهما فلا بأس أن يسوء نظره إليه ويرفع صوته عليه لما صدر منه من اللدد ) (5) 0
وكذلك للقاضى أيضا زجر وتأديب من تعدى من الخصمين على الآخر فى مجلس القضاء وذلك كما لو سب أحدهما الآخر ، وذهبوا فى الرأى الراجح من الفقه إلى أنه ليس للقاضى العفو عن ذلك حتى ولو تنازل المتضرر بالسبب عن حقه فى معاقبة خصمه الشاتم له ، لأن السباب انتهاك لحرمه مجلس القضاء إلا أن الفقهاء لا يعدون تكذيب أحدهما للآخر من قبيل السباب ولو كانت بصيغة كذبت (6) 0
________________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 43 مرجع سابق ، نظرية الدعوى د/ محمد نعيم عبد السلام ياسين جـ 1 ص 444 0
(2) المغنى لابن قدامة الحنبلى جـ 11 ص 386 مرجع سابق 0
(3) نظرية الدعوى د/ محمد نعيم عبد السلام ياسين جـ 1 ص 444 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون مرجع سابق جـ 1 ص 44 0
(5) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 41 ، المغنى لابن قدامه جـ11 ص 395 ، فى ذات المعنى تحفة الفقهاء للسمرقندى - دار الكتب العلمية - الجزء الثالث ص 372 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 41 0
- 167 -
ولقد أعطى الفقه الإسلامى للقاضى السلطة الكاملة فى تسيير الجلسات وحفظ آدابها وحرمتها بما يلزم المتقاضى بمراعاة حدوده ولذلك قال ابن فرحون ( ويحضهما عند ابتداء المحاكمة على التؤدة والوقار ) (1)
كما أن للقاضى تأديب من لم يستجب لنداء المحكمة بالحضور إليها مع خصمه ، فقد يصل هذا التأديب إلى حد الضرب ولذلك يقول ابن فرحون ( إذا دعا غريمه فلم يجب أدبه القاضى وجرحه إن كان عدلا فإن تغيب شدد القاضى عليه فى الطلب ، ومن استهان بدعوة القاضى أو الحاكم ولم يجب ضرب أربعين (2)
المطلب الثانى
عدم جواز مخاصمـة القاضى
إذا قام أحد الخصوم بمخاصمة القاضى فى قضية حكم فيها فقد ذهب الفقه الإسلامى إلى عدم جواز مخاصمة القاضى وذلك حماية للقاضى من عنت الخصوم ومشاكستهم ولكن بشرط أن يكون هذا القاضى أمينا عادلا غير متهم فى أحكامه أما إذا ثبت جور القاضى وتعمد فى إصدار حكمه إحداث ضرر بأحد المتقاضين أو تحقيق مصلحة خاصة له فتجوز مخاصمته فى هذه الحالة ولذلك يقول العلامة ابن فرحون ( وإذا اشتكى على القاضى فى قضية حكم فيها ورفع ذلك إلى الأمير فإن كان القاضى مأمونا فى أحكامه عدلا فى أحواله بصيرا بقضائه فأرى أن لا يعرض له الأمير فى ذلك ولا يقبل شكوى من شكاه ولا يجلس للنظر فى قضائه فإن ذلك من الخطأ أن فعله ومن الفقهاء إن تابعوه على ذلك ، وإن كان عنده متهما فى أحكامه أو غير عدل أو جاهلا بقضائه فليعزله وليولى غيره ) (3) 0
مما تقدم يتبين لنا أن القاضى العادل الأمين يتمتع بحصانة مطلقة فى مواجهة الخصوم فلا يجوز مساءلته أو مخاصمته عما أصدره من أحكام لأن قبول دعــوى المخاصمة فـــى هذه الحالة وإجابة
___________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 41 0
(2) تبصرة الحكام المرجع السابق جـ 1 ص 49 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 79 0
- 168 -
طلب المدعى يذهب بمهابة القضاء ويجعل القاضى عرضة لكيد الخصوم وقد يخشى ذلك ويعمل على إرضائهم اتقاء لشرهم إلا فى حالات استثنائية (1) 0
ويرى جانب من الفقه الإسلامى أنه لا ينبغى للحاكم أن يمكن الناس من خصومة قضاتهم لأن ذلك لا يخلوا من وجهين إما أن يكون القاضى عادلا فيستهان بذلك ويؤذى وإما أن يكون فاجرا وهو ألحن بحجته ممن شكاه فيتسلط ذلك القاضى على الناس فيؤذى (2) 0
وحماية للقاضى أوجب الفقهاء على ولى الأمر أو الحاكم ألا يأخذ بمجرد قول الخصم بظلم القاضى أو أن له حقا عليه ، بل لابد من تقديم البينة فإن وجدت نظر فى الأمر واستدعى القاضى ، وإلا - فيرى بعض الفقهاء عدم إحضار القاضى لأن فى احضاره وسؤاله مهانة له وأعداء القاضى كثير 0
ويرى بعض آخر من الفقهاء حضور القاضى حتى ولو لم تكن هناك بينه ، ويسأل فإن اعترف فبها وإلا فالقول قوله بلا يمين ، لأن قول القاضى مقبول ولو بعد عزله (3) 0
وعلى هذا، فالأصل فى الفقه الإسلامى عدم جواز مخاصمة القاضى ، حماية للمصلحة العامة ، وحماية للقاضى حتى لا يتهيب القيام بأعماله وبالتالى يتعطل مرفق القضاء ، ويتسلط الناس بألسنتهم ودعاويهم ضد القضاة ، فسدا للذرائع تمنع الدعاوى التى ترفع على القضاة بسبب أحكامهم إلا إذا كان القاضى متهما فى أحكامه على النحو سالف الذكر 0
_________________
(1) تبصرة الحكام المرجع السابق جـ 1 ص 79 ، نظرية الدعوى د/ محمد نعيم ياسين جـ 1 ص 445 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 78 0
(3) معــين الحكــام للطرابلسى ص 33 وما بعدهــا ، المغــنى لابن قدامـــة جـ 10 ص 56 ، التنظــيم القضائى الإسلامــى لأستاذنا الدكتور / حامــد محمــد أبو طالــب طبعـة سنة 1402 هـ سنة 1982م ص 89 0
- 169 -
المطلب الثالث
عدم مسئولية القاضى عن خطئه
غير المتعمــد
لما كان القاضى لا يعدو أن يكون بشرا مجتهدا غير معصوم من الخطأ فى اجتهاده فاحتمال الخطأ فى أحكامه وارد والى ذلك أشار الرسول- r - بقوله فيما يرويه عنه - عمرو بن العاص- ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ له أجر ) (1) 0
إذن حكم القاضى يحتمل الخطأ وهذا الخطأ يترتب عليه ضرر للمحكوم عليه فهل يسئل القاضى عن تعويض هذا الضرر أم لا ؟ وإذا سئل عن تعويض هذا الضرر فهل يضمنه من ماله الخاص أم من بيت مال المسلمين ؟
فللإجابة عن هذا تفرق بين ما إذا كان خطأ القاضى الذى سبب ضررا للمحكوم عليه كان عن غير عمد أو كان متعمدا وفى كلتا الحالتين نفرق عما إذا كان الخطأ فى حق الله أم فى حق العبد وهل يمكن تدارك هذا الضرر أم لا ؟
فإذا كان خطأ القاضى عن غير عمد وفى حق من حقوق العباد فينظر هل يمكن تدارك هذا الخطأ أم لا ، فإذا كان يمكن تدارك هذا الخطأ بأن قضى بمال أو صدقه أو طلاق أو عتاق ثم ظهر أن الشهود عبيد أو كفار يبطل الحكم وردت الحال إلى ما كانت عليه قبل الحكم أما إذا لم يمكن التدارك والرد بأن قضى الحكم بالقصاص واقتص أى تم تنفيذ الحكم لا يقتل المقتص له لأن القصاص شبهة مانعة ، وإنما تجب الدية فى مال المحكوم له ولا شىء على القاضى 0
أما إذا كان خطأ القاضى عن غير عمد وفى حق مــن حقوق الله كأن قضى بحد زنا أو سرقة أو شرب خمر واستوفى الحد ثم ظهــر أن الشهــود عبيــد أو كفار فضمان هذا الضرر الذى لحق بالمحكوم عليه يكون من بيت مال المسلمين أما إذا لم ينفذ الحكــم فهـــذا الحكم باطل ولا يتم تنفيـــذه 0
__________
(1) صحيح البخارى ( كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ) المكتبة العصرية - بيروت سنة 1415هـ سنة 1995م جـ 4 ص 204، سبل السلام للصنعانى - دار الكتب العلمية بيروت - لبنان - المجلد الثانى الجزء الرابع ص 117 ، 118 0
- 170 -
أما إذا كان حكم القاضى الخاطىء والذى سبب ضررا للمحكوم عليه عمدا من القاضى بهدف إحداث ضرر بالمحكوم عليه فضمان هذا الضرر فى جميع الأحوال سواء كان فى حق الله أم فى حق العبد فهو من ماله الخاص فضلا عن معاقبته بالعقوية التى يستحقها ويعزل من وظيفته ويشهر به ويفضح ولا تجوز ولايته أبدا هذا إذا ثبت جور القاضى فى حكمه عمدا إما ببيته أو إقراره بذلك (1) 0
مما تقدم يتبين لنا أن الفقه الإسلامى أعطى للقاضى حماية فى مواجهة الخصوم وذلك بعدم مسألته عن خطئه غير العمدى وجعل الضمان فى حالة حدوث ضرر للمحكوم عليه من بيت مال المسلمين وليس من ماله الخاص أو عاقلته وذلك لأن خطأ القاضى يكثر لكثرة تصرفاته والقضايا التى ينظرها فلو جعل الضمان من ماله الخاص أو على عاقلته لكان فى ذلك إحجاف بالقاضى 0
المبحث الثانى
ضمانات حماية القاضى بيـن الخصوم فى القانون الوضعى
" نظام مخاصمة القاضى "
تمهيــد :
لم يكتف المشرع فى سبيل ضمان استقلال القاضى وحمايته ، بما قرره من ضمانات تحميه من عنت الحكام ، وإنما حماه أيضا من كيد المتقاضين ، فلم يجعله خاضعا لما يخضع له سائر الأفراد وسائر موظفى الدولة من حيث مسئوليتهم عن عملهم ، وإنما قرر له نظاما خاصا هو نظام مخاصمة القاضى (2) 0
والقاضى كبشر قدير تكتب خطأ يلتزم بمقتضاه تعويض الخصم الذى تضرر من هذا الخطأ الوظيفى ، وإذا ترك القاضى للمساءلة طبقا لقواعد المسئوليــة المدنيـة فأن ذلك يعرضه للكثير من
________________
(1) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) الجزء الرابع الطبيعة الثابتة سنة 1407 هـ سنة 1987م دار التراث العربـــى للطباعــة - بيروت لبنان ص 341 ، 342 ، تبصـــرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 79 0
(2) الوسيط د/ رمزى سيف بند 42 ص 59 0
- 171 -
دعاوى المتقاضين الذين قد يتصورن أنه قد أهمــل فــى واجبه أو أنــه ارتكب خطأ مادام لم يحكم القاضى لصالحهم ، فمنعا لهذه الدعاوى الكيدية التى قد تشغل القاضى فى الدفاع عن نفسه بدلا من أدائه لعمله ، وضع المشرع نظاما خاصا لمساءلته عن خطئه الوظيفى وهو نظام مخاصمة القاضى (1) . ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المبحث عن نظام مخاصمة القاضى من خلال المطالب الآتية :
• المطلب الأول : مفهوم وطبيعـــة دعوى المخاصمـة 0
• المطلب الثانى : التطور التاريخى لدعوى المخاصمـة 0
• المطلب الثالث : نطاق دعوى المخاصمـة 0
• المطلب الرابع : حالات دعوى المخاصمـة 0
• المطلب الخامس : إجراءات دعوى المخاصمـة والمحكمة المختصة بنظرها 0
المطلب الأول
مفهوم وطبيعة دعوى المخاصمـة
أولا : مفهوم دعوى المخاصمـة :
يقصد بدعوى المخاصمة ، أنها الدعوى التى ترفع بطلب أصلى من أحد الخصوم على القاضى أو عضو النيابة ، لسبب من الأسباب التى بينها القانون ، طالبا إلزام القاضى بالتعويض ، مع بطلان الحكم أو الإجراء الصادر من القاضى كنتيجة حتمية لثبوت ما وقع من القاضى من إخلال بواجبــه (2) 0
فدعوى المخاصمة إذن ، دعوى تعويض يرفعها الخصم المضرور على القاضى أو المحكمة لسبب من الأسباب التى نص عليها القانون (3) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 110 ص 204 0
(2) نظرية الاختصاص فى قانون المرافعات د/ عبد الباسط جميعى - طبعة دار الفكر العربى ص 237 ، المسئولية المدنية للقضاه دراسة تأصيلية وتحليلية مقارنة - لأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى - دار النهضة العربية - الطبعة الأولى سنة 1998 بند 22 ص 28 0
(3) المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 0
- 172 -
وعرفها بعض الفقه القانونى بأنها دعوى قضائية ترفع بإجراءات خاصة ، وعلى هيئة قضائية خاصة كذلك ، يتهم بها رافعها القاضى المرفوعة عليه بالإخلال بمقتضيات التزاهة فى أدائه للقضاء فى الحدود التى يرسمها القانون (1) 0
والحكمة التى توخاها المشرع من نظام مخاصمة القاضى هى توفير الطمأنينة للقاضى فى عمله وأحاطته بسياج من الحماية يجعله فى مأمن من كيد المتقاضين (2) 0
ثانيـا : طبيعة دعوى المخاصمـة :
ثار خلاف بين رجال الفقه القانونى حول طبيعة دعوى المخاصمة ، أهى دعوى مسئولية الغرض منها تعويض الخصم المضرور من عمل القاضى ، أم هى دعوى بطلان للحكم الذى أصدره القاضى ، أم هى تعتبر من قبيل الدعاوى التأديبية التى يقصد بها دمغ ووصف القاضى بالتدليس أو الغش أو الخطأ الجسيم (3) 0
ولهذا الخلاف أهميته ، فإذا اعتبرنا دعوى المخاصمة من قبيل الدعاوى التأديبية ، فإن محلها القوانين التى تنظم محاكمة القضاة ، كما أن الحق فى رفعها يكون بين الهيئات التى لها حق رفع الدعوى التأديبية ، وإذا قلنا أن الهدف مــن دعوى المخاصمة ، بطلان الحكم الذى أصدره القاضى ، وجب أن يختصم فيها الخصوم فى الحكم المراد بطلانه ، وبذلك تلحــق الدعـوى بطرق
_____________
(1) أصول المرافعات د/ أحمد مسلم - بند 55 ص 51 0
(2) وقضت محكمة النقض : فى هذا الصدد أن : [ الأصل هو عدم مسئولية القاضى عما يصدر منه من تصرفات أثناء عمله ، لأنه يستعمل فى ذلك حقا خوله له القانون ، وترك له السلطة التقديرية ، ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا أنجرف عن واجبات وظيفته أو أساء استعمالها ، فنص فى قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها عن التضمينات والحكمة التى توخاها المشرع من ذلك هى توفير الطمأنينة للقاضى فى عمله واحاطته بسياج من الحماية بجعله فى مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به ] يراجع الطعن رقم 2333 لسنة 51 ق جلسة 18/1/1990 س 41 العدد الأول ص 204 مشار إليه فى موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات فى 15 عام من سنة 1982 حتى سنة 1997 للمستشار / أحمد هبه - الطبعة الأولى سنة 1997 ص 393 0
(3) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر - دار النهضة العربية سنة 1978 الجزء الأول ص 284 ، المسئولية المدنية للقضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 23 ص 29 0
- 173 -
الطعن فى الأحكام ، أما إذا اعتبرناها دعوى مسئولية فإن مكانها فى قانون المرافعات ، كما أنها ترفع من الخصم المضرور من خطأ القاضى ، وتوجه إلى القاضى المخاصم (1) 0
وسوف نعرض فيما يلـى للآراء التى قيلت فى هذا الصــدد :
الــرأى الأول :
ذهب بعض الفقه إلى اعتبار دعوى المخاصمة ، دعوى تأديبية ، وذلك لأنها فى حقيقتها تحاسب القضاه على أخطائهم فى عملهم ، شأنها فى ذلك شأن الدعوى التأديبية (2) فضلا إلى أن هذا الرأى كان يبرره المنشأ التاريخى لنظام المخاصمـة (3) 0
ورد جانب من الفقـه على ذلك :
بأن الدعوى التأديبية تختلف عن دعوى المخاصمة من حيث الجزاء ، إذ يمثل ذلك توقيع عقوبة من العقوبات التأديبية المنصوص عليها فى قانون السلطة القضائية ، وذلك فيما يتعلق بالدعوى التأديبية ، بينما يمثل ذلك فى دعوى المخاصمة ، الحكم على القاضى بدفع تعويض إلى الخصم ، وهذا يكفى وحدة لنفى الصفة التأديبية عن دعوى المخاصمة (4) 0
الـرأى الثانـى :
وذهب جانب آخر من الفقه إلى اعتبار دعوى المخاصمة، طريق من طرق الطعن غير العادية ، وذلك لأنه يترتب على الحكم بقبول المخاصمة بطلان الحكم ، فضلا أن القانون الفرنسى ينظم هذه الدعوى بعد قواعد الالتماس بإعادة النظر (5) 0
ورد جانب من الفقه على ذلك :
أن الهدف المباشر من دعوى المخاصمة ، هو تعويض الخصم الذى أصابه ضرر بسبب خطأ القاضى فى أداء وظيفته وليس الهدف منها الطعن فى الحكم وذلك لما يأتى :
___________
(1) الوسيط د/ رمزى سيف بند 42 ص 59 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 123 0
(2) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 285 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 168 0
(4) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 285 ، المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى ص 30 بند 24 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 168 ، المرافعات المدنيــة والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 47 ص 56 0
- 174 -
( أ ) أن دعوى المخاصمة توجه إلى القاضى مباشرة لا إلى الحكم الذى أصدره كما فى دعوى الطعن فأنها توجه إلى الحكم لا إلى القاضى 0
(ب) أن المدعى عليه فى دعوى المخاصمة هو القاضى ، بعكس دعوى الطعن التى يختصم فيها المحكوم له ( المستأنف ضده ) لا القاضى (1) 0
(جـ) أن الطعن فى الأحكام يفترض دائما صــدور حكــم مــن محكمــة ما ، أما دعوى المخاصمة فترفع على القاضى ولو لم يكن قد أصدر حكمه فى الموضوع مثل حالة انكار العدالــة (2) 0
الرأى الثالـــث :
ذهب جمهور الفقه (3) - وهــو ما نرجحه - إلى أن دعوى المخاصمة ما هى إلا دعوى مسئولية لا ترمى إلى الطعن فى الحكم ، وإنما إلى الحصول على تعويض الضرر الناتج للخصم من خطأ القاضى (4) ، لأن القانون يقضى فى حالة الحكم بصحة المخاصمة أن تحكم المحكمة على القاضى المخاصم بالتعويضات وبالمصاريف ، وتكون الدولة مسئولة عما يحكم به على القاضى من هذه التضمينات ويكون للدولة حق الرجوع على القاضى بعد ذلك ، وعلى ذلك تعتبر دعوى المخاصمة دعوى تعويض أصلية على القاضى وعلى الدولة ، ودعوى تابعة لها ببطلان الحكم أو التصرف الصادر من القاضى (5) 0
____________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 168 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 47 ص 56 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 110 ص 205 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 168 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 243 ، الوسيط د/ رمزى سيف ص 61 0
(4) قانون المرافعات الكويتى د/ رمزى سيف طبعة سنة 1974 بند 25 ص 34 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 26 ص 32 0
(5) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 126 ، وانظر حكم محكمة استئناف الإسكندرية بجلسة 31/5/ 1959 فى الدعوى رقم 106 س 10 ق مجلة إدارة قضايا الحكومة - السنة الثالثة - العدد الثالث - ص 259 0
- 175 -
وقد أخذ المشرع المصرى بهذا الرأى إذا اعتبر دعوى المخاصمة دعوى تعويض الخصم المضرور من عمل القاضى فاعتبرها دعوى مسئولية ترفع من الخصم المضرور على القاضى المنسوب إليه الخطأ فى عمله ، وهذا ما أكدته المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 بقولها " وليست المخاصمة من المسائل العارضــة ، كرد القضاة والخبراء ، وإنما هى دعوى تعويض مستقلة ، ترفع من أحد الخصوم على القاضى لسبب من الأسباب التى بينها القانون ) (1) 0
المطلب الثانى
التطور التاريخى لدعوى المخاصمـة
عرفت مسئولية القاضى منذ القانون الرومانى ، فقد كانت تقع عليه بعض الواجبات ، كواجب الحضور للقضاء ، وعدم القضاء فى أيام معينة ، وإصدار الحكم فى ميعاد معين ، وكان يترتب على تخلف أى واجب من هذه الواجبات مسئوليته وتحميله مخاطر الخصومة ، وبالتالى كانت تعد لخصومة موجهة ضده ، ثم بعد ذلك يصدر الحكم ضده ، وظل الأمر كذلك حتى أعطى البريتور للخصم الحق فى رفع دعوى تعويض على القاضــى ، تختلف بحسب ما إذا كان خطأ القاضى ناشئا عن مجرد إهمال أم عن عمــد ، بشرط ألا يكون الحكم غير قابل للإلغاء عن طريق الطعن فيـــه (2) 0
وكذلك قد عرفت القوانين الجرمانية نظام مسئولية القاضى ، وبصفة خاصة قانون ساليك حيث كان القاضى الذى أصدر الحكم يقف مدافعا عن الحكم الذى أصدره (3) 0
_______________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 126 ، وانظر حكم محكمة استئناف الإسكندرية بجلسة 31/5/ 1959 فى الدعوى رقم 106 س 10 ق مجلة إدارة قضايا الحكومة - السنة الثالثة - العدد الثالث - ص 259 0
(2) طرق التنفيذ د/ عبد الحميد أبو هيف بند 1350 ص 908 ، المسئولية المدنية للقضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 13 ص 18 0
(3) المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 13 ص 18 0
- 176 -
وفى القوانين الحديثة ،لا يستمد نظام مخاصمـة القاضى مصدره التاريخى من القانون الرومانى ، أو القوانين الجرمانية ، وإنما من القانون الفرنسى القديم (1) حيث كان القاضى فى القانون الفرنسى القديم مسئولا عن الحكم الذى يصدره ، وكان المحكوم عليه يطعن على الحكم ويخاصم القاضى فى ذات الوقت ، وكان القاضى يحضر أمام المحكمة العليا ليتولى الدفاع عن حكمه الذى أصدره ولينفى المسئولية عن نفسه ، الذى ما لبث فى مرحلة لاحقه ، أن استقل الطعن فى الحكم عن دعوى المخاصمة ، التى تقررت لأسباب محددة (2) 0
وقد أخذ القانون المصرى نظام مخاصمة القاضى من القانون الفرنسى (3) 0
المطلب الثانى
نطاق دعوى المخاصمـة
الفرع الأول
النطاق الموضوعى لدعوى المخاصمة
يتحدد النطاق الموضوعى لدعوى مخاصمة القاضى بالمسئولية المدنية عن خطئه فى أداء وظيفته أو بسببها ، ومن ثم فلا محل لتطبيق نظام مخاصمة القاضى بالنسبة لمسئوليته الجنائية ، فإذا ارتكب القاضى فعلا يعد جريمة أثناء أدائه لعمله ، طبقت بصدده القواعد العامة ، ويحاكم جنائيا وفق القواعد العامة ، مع مراعاة الأحكام الخاصة بهم الواردة فى المادة (108) من قانون السلطة القضائية رقم 146 لسنة 1972 والمعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984م (4) 0
____________
(1) المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 13 ص 19 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 47 ص 59 0
(3) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 279 0
(4) الوجيز فى قوانين المرافعــات د/ أمينة النمر بند 37 ص 49 ، أصول المرافعات د/ أحمد مسلم بند 55 ص 51 ، الوسيط د/ رمزى سيف ص 63 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 27 ص 35 0
- 177 -
أيضا لا محل لتطبيق نظام مخاصمة القاضى على مسئولية القاضى التأديبية فهى تختلف عن نظام مخاصمة القاضى فى أنها مسئولية إدارية لا مدنية (1) 0
كذلك لا يسرى نظام مخاصمة القاضى على مسئولية القاضى عن ارتباطاته التعاقدية وأخطائه التقصرية الخاصة بحياته العادية خارج نطاق عمله ووظيفته القضائية ، فإذا أخل القاضى بالتزام عقدى ، فإنه يجوز مقاضاته لهذا السبب وفقا للقواعد العامة ، وإذا ارتكب القاضى خطأ تقصيريا فى حياته العادية ، فإنه يجوز رفع دعوى تعويض ضده وفقا للقواعد العامة (2) 0
ويشترط أن يكون الخطأ الذى ارتكبه القاضى أثناء عمله مما يتعلق بعمله القضائى أو الولائى أو الإدارى ، فليس كل خطأ يرتكبه القاضى أثناء عمله يخضع لنظام المخاصمة ، وإنما يجب أن يكون الخطأ مما يتعلق بعمله القضائى أو الولائى أو الإدارى ، أما أعماله العادية فإنها تخضع للقواعد العامة ، حتى ولو كان بسبب عمله أو أثنائه وذلك كما إذا كان القاضى يقود سيارته أثناء ذهابه إلى مأمورية رسمية ، فصدم شخصا أو أصابه فإنه يخضع للقواعد العامة ، ولا يستفيد من النظام الخاص لدعوى المخاصمة (3) 0
الفرع الثانى
النطاق الشخصى لدعوى المخاصمة
ترفع دعوى المخاصمة على القاضى أيا كانت درجته أو المحكمة التى يعمل بها سواء كان يعمل بالمحكمة الجزئية أو المحكمة الابتدائية أو الاستئنافية أو محكمة النقض (4) 0
وعلى ذلك يجوز مخاصمة القاضى بالمحكمة الابتدائية أو الرئيس بها أو المستشار بمحكمة الاستئناف أو النقض ، وسواء أكانت المحكمــة مدنيــة أم جنائيـــة علــى الرغــم مـــن أن قانون
______________
(1) أصول المرافعات د / أحمــد مسلم بند 55 ص 51 ، الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر بند 37 ص 49 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 27 ص 36 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 0
(3) أصول المرافعــات د/ أحمــد مسلـــم بند 55 ص 51 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 280 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 112 ص 209 0
- 178 -
الإجراءات الجنائية قد خلا من النص على مخاصمة القاضى الجنائى (1) 0
ويجوز مخاصمة القاضى منفردا كما يجــوز مخاصمة الدائرة بأكملها ، ولو كانت بمحكمة النقض ، ولكن لا تجوز مخاصمة الهيئتين العامتين مجتمعتين بمحكمة النقض إذ القول بذلك يترتب عليه جعل دعوى المخاصمة بدون محكمة تنظرها (2) كما لا يجوز المخاصمة ضد القضاة والمستشارين الذين فصلوا فى دعوى المخاصمة ، لأن القانون لم ينظم طريقا للمخاصمة فى الحكم الصادر منها (3) 0
كما يخضع لنظام مخاصمة القاضى القضاه الذين يعملون بالمحاكم الاستثنائية دون الأعضاء الأخرين الذين إن اشتركوا فى إصدار أحكام قضائية إلا أنهم ليسوا قضاه ، وذلك لأن القاضى الذى توجه إليه دعوى المخاصمة ليس من يقوم بأى عمل قضائى ولكنه يقصد به القاضى فى مفهوم السلطة القضائية (4) 0
كذلك يخضع لنظام مخاصمة القاضى قضاة مجلس الدولة وهيئة المفوضين حيث نص المشرع فى المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 على أنه ( تطبق الإجراءات المنصوص عليها فى هذا القانون ، وتطبق أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد فيه نص ، وذلك إلى أن يصدر قانون الإجراءات الخاص بالقسم القضائى " 0
وعلى ذلك ، تطبق أحكام قانون المرافعات فى حالة عدم وجود نص ينظم المسألة فى قانون مجلس الدولة ، ولذا فقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا ، على أن القواعد المتعلقة بالمخاصمة لا تتعارض مع نظام مجلس الدولة ، وأوضاعه الخاصة ، والتالى تطبق على أعضاء مجلس الدولة ، سواء فى ذلك القضاه أو أعضاء هيئة المفوضين ، وذلك لأن نظام المخاصمة قرره المشرع أصلا رغبة منه فى عدم ترك هؤلاء الأعضاء مسئولين مسئولية مدنية عــن أعمالهم أثناء تأديــة وظائفهـم ، حتى
____________
(1) رد القضاه فى المواد الجنائية د/ حامد الشريف طبعة 1993 ص 36 وما بعدها 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 112 ص 209 0
(3) بحث الخطأ المهنى الجسيم ومخاصمة رجــال القضاء ، لإسماعيل علم الدين منشور فى مجلة قضايا الدولة السنة 17 العدد الرابع ص 973 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 112 ص 209 0
يمكن تهيئة الجو الملائم للعمل بحرية واطمئنان (1) 0
كذلك يخضع قضاة المحكمة الدستورية العليا وهيئة المفوضين أمامها لنظام المخاصمة حيث نص المشرع فــى المـــادة (15) من قانون المحكمة الدستوريــة العليا رقم 48 لسنة 1979 على أن ( تسرى فى شأن عدم صلاحية عضو المحكمة وتنحيته ورده ومخاصمته الأحكام المقرره بالنسبة إلى مستشارى محكمة النقض ، وتفصل المحكمة الدستورية العليا فى طلب الرد ، ودعوى المخاصمة بكامل أعضائها ، عدا العضو المشار إليه ومن يقوم لديه عذر ، ويراعى أن يكون عدد الحاضرين وترا ، بحيث يستبعد أحدث الأعضاء ، ولا يقبل رد أو مخاصمة جميع أعضاء المحكمة أو بعضهم بحيث يقل عدد الباقى منهم عن سبعة ) (2) 0
كما نص المشرع فى المادة (24/2) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 فى شأن هيئة المفوضين أمامها على أن ( تسرى فى شأن ضمانات وحقوق وواجبات رئيس وأعضاء هيئات المفوضين ، الأحكام المقرره بالنسبة لأعضاء المحكمة ) (3) 0
من هاتين المادتين سالفتى الذكر يتضح لنا أن قضاة المحكمة الدستورية العليا وهيئة المفوضين أمامها يخضعون لنظام مخاصمة القاضى كما هو الحال بالنسبة للقضاة أمام المحاكم العادية (4) 0
وذهب جانب من الفقه إلى عدم إمكانية تطبيق أحكام دعوى المخاصمة على قضاة مجلس الدولة وهيئة المفوضين وذلك لأن نص المادة (494) مرافعات الخاصة بالمخاصمة ، إنما تقرر أحكاما موضوعية ، فى حين أن مقتضى نص المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة سالفة الذكر هو الإحالة فيما لم يرد فيه نص على الأحكام الإجرائية والشكلية فى قانون المرافعات ، وكذلك الشأن فيما يتعلق بقواعد الاختصاص وإجراءات دعوى المخاصمة ، إذ لا يمكن القول بانعقاد الاختصاص بمخاصمتهم لجهة القضاء العادى ، لما فــى ذلك مـن إخلال استقلال كــل من جهتى
____________
(1) المسئولية عن أعمال السلطة القضائية د/ رمزى الشاعر - الطبعة الثانية سنة 1983 دار النهضــة ص 218 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 34 ص 41 0
(2) راجع نص المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 0
(3) راجع نص المادة (24/2) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 0
(4) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 50 0
- 180 -
القضاء ، كما لا يمكن القول بانعقاد الاختصاص عن طريق القياس لمحكمة القضاء الإدارى أو المحاكم التأديبية والمحكمة الإدارية العليا ، وذلك لأن طبيعة التنظيم القضائى فى كل من الجهتين مختلف ، وهذا ما انتهى اليه القضاء الإدارى من عدم تطبيق أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد فيه نص خاص فــى قانون مجلس الدولــة ، إذا كانت تتعارض نصا أو روحا مع قانون مجلس الدولة ، سواء فى الإجراءات أو فى أصول النظام القضائى بالمجلس (1) 0
الرد على هذا الرأى :
ورد جانب من الفقه على هذا الرأى ، بأنه لا يوجد فى قواعد المخاصمة ما يتعارض مع قانون مجلس الدولة ، وذلك لتوافر العلة التى قرر المشرع من أجلها نظام المخاصمة بالنسبة لجميع القضاة سواء أكانوا لدى المحاكم العادية أم الإدارية ، كما أنه لا يوجد ما يمنع من أن تتم المساءلة أمام القضاء العادى ، إذ لا يترتب علــى ذلك إخــلال باستقلال جهتى القضاء فى الدولـــة (2) 0
كما يســرى نظــام مخاصمة القاضى علــى أعضــاء النيابة العامة حيث نص المشرع فى المــادة (494) مرافعات علــى أنــه ( تجــوز مخاصمــة القضــاه وأعضاء النيابة فى الأحوال الآتيـــة .... " (3) 0
فأعضاء النيابة العامة بجميع درجاتهم حتى النائب العام يخضعون لنظام المخاصمة (4) . وذلك لأن الحكمة التى من أحلها تقرر نظام المخاصمة ، وهى توفير الضمانات للقاضى فى عمله واحاطته بسياج من الحماية ، بجعله فى مأمــن مـــن كيـد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته
_______________
(1) القضاء الإدارى د/ محمــود عاطــف البنا ، طبعـــة دار الفكر العربى سنة 1975 ، 1976 ص 236 وما بعدهــا 0
(2) المسئولية عن أعمال السلطة القضائية د/ رمزى الشاعر ص 221 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 35 ص 43 0
(3) يراجع نص المادة (494) من قانون المرافعات المصرى 0
(4) الوسيـط د/ فتحــى والى بنــد 112 ص 209 ، الوجــيز فـــى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 50 بند 37 0
- 181 -
وهيبته برفع دعاوى عادية لمجرد التشهير به تتوافر أيضا بالنسبة لأعضاء النيابة العامة التى تعتبر هيئة مكملة للقضاء (1) 0
ومما هو جدير بالذكر أن أعضاء النيابة الإدارية لا يخضعون لنظام المخاصمة ، وإنما تطبق عليهم القواعد العامة للمسئولية المدنية ، كسائر الموظفين فى الدولة (2) 0
المطلب الرابع
حالات دعوى المخاصمــة
حدد المشرع حالات مخاصمة القاضى على سبيل الحصر ، فإذ لم تتوافر إحدى هذه الحالات لم تجز مخاصمة القاضى (3) . ولا يجوز القياس عليها أو التوسع فيها (4) 0
فنص المشرع فى المادة (494) مرافعات على أنه :
( تجوز مخاصمة القضاه وأعضاء النيابة العامة فى الأحوال الآتية :
1- إذا وقع من القاضى أو عضو النيابة فى عملهما غش أو تدليس أو عذر أو خطأ مهنى جسـيم 0
2- إذا امتنع القاضى من الإجابة على عريضة قدمت له أو من الفصل فى قضية صالحة للحكم وذلك بعد إعذاره مرتين على يد محضر يتخللهما ميعاد أربع وعشرين ساعة بالنسبة الأوامر على العرائض وثلاثة أيام بالنسبة إلى الأحكام فى الدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية وثمانية أيام فى الدعاوى الأخرى ، ولا يجوز رفع دعوى المخاصمة فى هذه الحالة قبل مضى ثمانية أيام على آخر إعذار 0
______________
(1) نقض مدنى جلسة 29/3/1962 - مجموعة أحكام النقض س 13 ص 360 مشار إليه فى المسئولية المدنية للقضاه ، أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى ص 46 هامش (3) 0
(2) بحث الخطأ المهنى الجسيم ومخاصمة رجال القضاء - لإسماعيل علم الدين ص 955 سبق الإشارة إليه 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 0
(4) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب - دار الفكر العربى سنة 1975 ، 1976 ص 191 0
- 182 -
3- فى الأحوال الأخرى التى يقضى فيها القانون بمسئولية القاضى والحكم عليه بالتعويضات ويلاحظ أن حالات المخاصمة تتعلق بالنظام العام (1) 0
وسنتناول هذه الحالات من خلال الآتـى :
الحالة الأولى
إذا وقع من القاضى فى عمله غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهنى جسيم
( أ ) المقصود بالغش :
يقصد بالغش كسبب من أسباب مخاصمة القاضى أنه تغيير القاضى للحقيقة عمدا لتحقيق مصلحة له أو لأحد الخصوم أو الشهود سواء كان التغيير فى الألفاظ أو فى المعانى (2) 0
كما وصفته محاكم الاستئناف المختلطة قديما بأنه :
( ارتكاب الظلم عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو بدافع كراهية أحد الخصوم أو محابته ، كما إذ حرف القاضى عن قصد ما أدلى به أحد الخصوم أو شاهده من أقوال (3) 0
وعرفته محكمة استئناف إسكندرية حديثا بأنه انحراف القاضى أو عضو النيابة فى عمله عما يقتضيه القانون قاصدا هذا الانحراف وذلك إما إيثارا لأحد الخصوم أو نكاية فى خصم أو تحقيقا لمصلحة خاصة للقاضى (4) 0
(ب) المقصود بالتدليس :
يرى جانب من الفقه أن التدليس نوع من الغش لكن الغش يزيد عليه أنه تغيير الحقيقة فيه يكون باستعمال طرق احتيالية أى بالحيلة والخداع ، فكل غش تدليس وليس كل تدليس غش ، مما حدا بالمشرع إلى النص على الغش والتدليس كسبب من أسباب المخاصمـــة ، ليواجه انحراف
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 0
(3) استئناف مختلط فى 11/7/1949 مجلة التشريع والقضاء السنة 61 ص 136 مشار إليه فى المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 0
(4) محكمة استئناف إسكندرية دائرة (12) تجارى جلسة 14/2/1993 دعوى مخاصمة رقم 10 لسنة 47 ق غير منشور مشار إليه فى مجلة النيابة العامة - العدد السابع السنة الثامنة يوليو 2000 ص 69 0
- 183 -
القاضى فى الصورة الحادة القاسية ، وفى الحالة التى قد لا تصل إلى هذه الدرجة ، حتى لا يفلت القاضى من المسئولية بدعوى عدم النص على هذه الصورة (1) 0
وذهب جانب من الفقه - بحق - أنه حتى على فرض صحة هذا التمييز ، فقد كان يكفى النص على التدليس ، فكل عمل مشوب بالغش يعد تدليسا ، ولذا فالمعول عليه فى هذا الصدد ، أن يثبت انحراف القاضى عن قصد ، أى عن سوء نية لديه (2) 0
ويرى جانب من الفقه - وهو ما نرجحه - إلى أن الغش والتدليس لفظان مترادفان يغنى الواحد منهما عن الآخر من حيث الغرض والعلة هى أن الرابط بينهما هو سوء النية (3) بمعنى تعمد الانحراف عن قصد (4) . لذلك كان الأجدر بالمشرع أن يقتصر على التدليس ، لأنه يشمل الغش إذ أن كل غش تدليس (5) . ويكفى فى هذا الصدد توافر سوء النية حتى يتحقق هذا السبب ولا يلزم أن يكون القاضى قد لجأ إلى استخدام طرق احتيالية (6) غير أنه يجب إثبات نية الانحراف لدى القاضى (7) 0
وقد يحدث الانحراف فى مرحلة التحقيق أو فى مرحلة الحكم ، ومثاله فى مرحلة التحقيق أن يعمد القاضى إلى تغيير شهادة شاهد أو إتلاف المستندات المودعه لديه أو تغيرها،أو إخفائها ، ومثاله فى مرحلة الحكم،بأن يعمد رئيس الدائرة إلى التغيير فى مسودة الحكم ، ويتصور الانحراف
___________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 130 ، المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 55 ص 61 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 44 ص 63 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 ، المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف - ص 296 0
(4) قانون المرافعات د/ نبيل عمر بند 33 ص 47 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 0
(6) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 285 0
(7) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 0
- 184 -
من القاضى ولو تعلق الأمر بعمل له فى أدائه سلطة تقديرية (1) 0
(جـ) المقصود بالغـدر :
يقصد بالغدر كل تصرف يصدر من القاضى يتعمد به الحصول لنفسه أو لغيره على منفعة مادية على حساب الخزانة العامة إضرارا بأحد الخصوم مستعينا فى ذلك بما له من سلطة ، فهو صورة من صور انحراف القاضى عن العدالة (2) 0
ويرى جانب من الفقه أن النص على الغدر كسبب من أسباب مخاصمة القاضى الغرض منه مواجهة ما يأمر به القاضى من رسوم يتقاضاها لنفسه من الخصوم أكثر مما يستحقها ، أما فى العصر الحالى فالقاضى يتقاضى راتبه من الدولة لا من الخصوم ولا يحصل على أى رسم لنفسه ، فلم يعد لهذه الحالة ما يبررها (3) 0
ورد جانب من الفقه علــى هــذا الرأى بأنه محل نظر لأنه إذا كان المشرع قديما يواجه بصورة ( الغدر) ما يحصله القاضى لنفسه من رسوم زائدة ولما انتهت هذه المسألة تنتهى صورة الغدر ، فإن صورة الغدر كفعل خاطىء من القاضى يستوجب مخاصمته مازال موجودا ، إذ من المتصور أن ينحرف القاضى فى أداء عمله غدرا بطلبه منفعة مادية أو مالية له أو لغيره لا ترقى إلى مرتبة الرشوة المجرمه قانونا (4) 0
وعلى ذلك ، فالغش والتدليس والغدر كسبب لمخاصمة القاضى يجمع بينهما جامع واحد وهو أن هذه الأفعال تصدر من القاضى بقصد وبسوء نية لاعتبارات خاصة تتنافى مع النزاهة والعدالة ولا يكفى الخطأ من القاضى لقيام هذه الأسباب ، وإنما يجب أن يتحقق قصد من القاضى لأضرار بأحد الخصوم (5) 0
_______________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 206 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 171 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 206 0
(4) الوجيز فى المرافعات د / محمد محمود إبراهيم ص 131 0
(5) الوسيط د / أحمــد السيــد صــاوى بند 62 ص 109 ، الوجيز فــى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 130 0
- 185 -
( د) المقصود بالخطأ المهنى الجسيم :
يقصد بالخطأ المهنى الجسيم أنه تجاوز القاضى للصواب بدرجة كبيرة نتيجة تفريطه فى عمله وواجباته ، فهو خطأ ظاهر وواضح لا يقع فيه قاض إلا إذا كان على درجة كبيرة من الجهل والاستهتار وعدم الحيطة وذلك كإغفال الوقائع الثابتة فى ملف الدعوى أو الجهل الفاضح بالمبادىء القانونية (1) 0
وعرفه البعض أنه الخطأ الفاحش الذى يستبعد صدوره من قاضن عادى فى إدراكه وحيطته واهتمامه بعمله (2) 0
ولما كان إثبات سوء نية القاضى وقصده الخبيث فىالإضرار بأحد الخصوم أمرا صعبا فى إثباته الأمر الذى دعا المشرع إلى النص صراحة فى قانون المرافعات الحالى على اعتبار وقوع خطأ مهنى جسيم من القاضى كسببا من أسباب مخاصمته (3) 0
فالخطأ المهنى الجسيم لا يشترط فيه سوء نية القاضى أو قصده المحاباه أو الانتقام بل يكفى إثبات أن ما فعله القاضى يعتبر خطأ جسيما ، كما إذا أغفل تسبيب حكم أصدره أو تسبب من غير قصد فى ضياع مستند معين بإهماله ، وهذا ما يميز الخطأ المهنى الجسيم عن الغش والتدليس والعذر إذ يشترط فيهم لاعتبارهم سببا من أسباب المخاصمة أن يتوافر سوء النية لدى القاضى على العكس من الخطأ المهنى الجسيم فيعتبر سببا من أسباب المخاصمة حتى ولو لم يتوافر فيه سوء نية القاضى (4) 0
ومن ناحية أخرى فإن الخطأ المهنى غير الجسيم لا يعتبر سببا من أسباب مخاصمة القاضى ، وكذلك الخطأ الذى يقع من القاضى الذى يهتم بعمله اهتمام الإنسان العادى ، وذلك حتى يطمئن القاضى فى عمله ولا يتهيب التصرف أو الحكم فى الدعوى ، لذلك يخرج عن إطار الخطأ
________________
(1) الوسيط د/ فتحى ولى بند 111 ص 206 0
(2) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم عبد العظيم جبره طبعة سنة 1976 ص 98 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 90 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 206 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 61 ص 110 ، الوجــيز فــى المرافعات د / محمــد محمــود إبراهيم ص 134 0
- 186 -
الجسيم الخطأ فــى تقدير الوقائع أو تكييفها أو فى تفسير القانون ولو كان مخالفا لما أجمع عليه الفقـــه (1) 0
وتقدير مدى جسامة الخطأ وما إذا كانت يخضع محكمة الموضوع فى تقديره لرقابة محكمة النقض من عدمه ؟
قد اختلف الفقه القانونى المصرى فى ذلك إلى رأيين هما :
1- ذهب جانب من الفقه إلى أن تلك المسألة من المسائل غير القانونية التى لا تخضع فيها محكمة الموضوع لرقابة محكمة النقض (2) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 207 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 91 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ الأصل هو عدم مسئولية القاضى عما يصدر منه من تصرفات أثناء عمله لأنه إنما يستعمل فى ذلك حقا خوله له القانون وترك له السلطة التقديرية فيه ، إلا أن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء فنص فى المادة (494) مرافعات على أسباب مخاصمته على سبيل الحصر ومن بينها إذا وقع خطأ مهنى جسيم وهو الخطأ الفادح الذى ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادى أو لإهماله فى عمله إهمالا مفرطا وصفته المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات السابق بالخطأ الفاحش الذى لا ينبغى أن يقع منه فيخرج من دائرة هذا الخطأ تحصيل القاضى لفهم الواقع فى الدعوى ، وتقديره لأقوال الشهود ... ] 0
يراجع الطعن رقم 598 لسنة 57 ق جلسة 4/6/1987 س 38 ع2 ص 778 مشار إليه فى موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات فى 15 عام من سنة 1982 حتى سنة 1997 للمستشار أحمد هبه الطبعة الأولى سنة 1997 ص 993 ] وكذلك قضت محكمة النقض : [ الأصل فى التشريع أن القاضى غير خاضع فى نطاق عمله للمساءلة القانونية ، والاستثناء أن الشارع جوزها وحصرها فى نطاق ضيق ، محكم بالنص على أسبابها فى المادة (494) مرافعات وقد وزان المشرع بهذا التشريع بين حق القاضى فى توفير الضمانات له فلا يتحسب فى قضائه إلا وجه الحق ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه أو يستنفد الجهد فى الرد على من ظن الجوزية وآثرا لكيد له ، وبين حق التقاضى فى الإطمئنان بأن قاضية مقيد بالعدل فى حكمه ، فإن جنح عنه لم تغلق الأبواب فى وجهــه ، فله أن ينزله منزلة الخصومة يدين فيها قضائه ويبطل أثره ، وهذا كله يجد حده الطبيعــى فـــى أن القضاء ولاية تقدير وأمانة تقرير وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا يسقط بها منطق العدل ، وإنما يسقطه الجور والانحراف فى القصد ) يراجع الطعن رقم 1236 س 51 ق جلسة 29/3/1987 س 38ع1 ص 487 مشار إليه فى المرجع السابق ص 394] 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 108 0
- 187 -
2- وذهب جانب آخر من الفقه - وهو ما نرجحه - إلى أن هذه المسألة مسألة قانونية تخضع محكمة الموضوع فى تقديرها إلى رقابة محكمة النقض لأنه وصف قانونى يخلعه القاضى على واقعه معينة ويطبق حكم القانون عليها ، فهو تكييف قانونى يخضع كسائر التكييفات القانونية لرقابة محكمة النقض (1) 0
ومن حالات تطبيق القضاء المصرى للخطأ المهنى الجسيم كسبب من أسباب مخاصمة القاضى هو اعتباره الجهل الفاضح بالمبادىء الأساسية للقانون جهل لا يغتقر ولا شفيع للقاضى فيه حيث قضت محكمة استئناف المنصورة فى هذا الصدد بأنه [ يتوافر خطأ مهنى جسيم لدى الدائرة المخاصمة لكونها قد حكمت بعدم قبول تدخل المخاصم خصما منضما للمستأنف عليها مع إلزامه بالمصاريف وذلك على سند من أن هذا الخصم المخاصم لم يطعن بالاستئناف على الحكم الصادر برفض تدخله أمام محكمة أول درجة ، هذا فى حين أن حكم محكمة أول درجة قد قبل تدخل هذا المخاصم ولم يرفضه وهذا فضلا أن القانون يجيز التدخل الانضمامى لأول مرة فى الاستئناف استثناء من الأصل ... ] (2) 0
الحالة الثانية
إنكــــــــــــار العدالــــــــة
( أ ) المقصود بإنكار العدالـة :
يقصد بإنكار العدالة ، رفض القاضى صراحة أو ضمنا الفصل فى الدعوى ، أو تأخيره الفصل فى الدعوى ، رغــم صلاحيتها للفصل فيها ، أو رفضه أو تأخيره البت فى إصــدار الأمر المطلــوب على عريضة (3) 0
وجوهر حالة إنكار العدالــة أنهـــا وردت على سبيل الحصر فى حالتين لا يجوز القياس عليهما (4) وهما :
___________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 207 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 91 0
(2) يراجع حكم محكمة استئناف المنصورة جلسة 2/2/ 1978 - مجلة قضايا الدولة العدد الثانى سنة 1978 ص 107 بند 227 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 11 ص 208 0
(4) الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 138 0
- 188 -
الحالة الأولى : إذا طرح على القاضى عريضة فيمتنع القاضى عن البت فيها ، والعرائض التى تقدم إلى القاضى على نوعين هما :
( أ ) عرائض أوامر الأداء (1) 0
(ب) العرائض الوقتية (2) ، إذ يجب على القاضى أن يصدر فيهما أمرا ليس حكما وهذا هو معنى " الإجابة على عريضة " وبالتالى إذا قدم للقاضى عرائض أخرى ليست من قبيل ما تقدم كطلب تقدير أتعاب خبير مثلا وأمتنع القاضى عن الإجابة فلا تصح مخاصمته على هذا الأساس ، لأن اصطلاح عريضة يقصد به الأوامر التى يصدرهــا القاضى على عرائض بمقتضى سلطته الولائيـــة 0
الحالة الثانية : إذا طرحت على القاضى دعوى وكانت صالحة للحكم فيها وامتنع القاضى عن الفصل فيها (3) 0
والعلة التى من أجلها أجاز المشرع مخاصمة القاضى فى هذه الحالة ، ترجع إلى أن القاضى يكون بذلك قد خالف واجبا أساسيا من واجبات وظيفته ، وهو تحقيق القانون وإقامة العدالة ، وتطبيق الحماية القانونية المعروضة عليه (4) 0
وعلى ذلك يعتبر القاضى منكرا للعدالة ، إذا امتنع عن إصدار حكم أو أمر حتى ولو لم يجد نصا يطبقه ، إذ يجب عليه أن يبحث عن القاعدة القانونية الواجبة التطبيق (5) ولذلك إذا أصدر القاضى حكما بعدم الاختصاص ، أو عدم القبول أو بالبطلان أو أى حكم آخر غير منهى للخصومة (6) فإنه يكـــون قـــد باشر وظيفتـه فــى الدعوى وفصل فيها بصدور هذا الحكم (7)
____________
(1) انظر المادة (210) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 0
(2) انظر المادة (194) مرافعات والمستبدلة له بالقانون رقم 23 لسنة 1992 0
(3) الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 138 0
(4) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 173 0
(5) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 62 ص 111 0
(6) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 288 0
(7) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 ، قانون المرافعات د/ نبيل عمر بند 33 ص 47 0
- 189 -
كذلك لا يعتبر القاضى منكرا للعدالة مجرد تأخيره الفصل فى الدعوى ، أو تأجيلها طالما كان لهذا ما يبرره ، كما إذا احتاجت الدعوى لمزيد من التحقيق أو ألم بالقاضى سبب شخصى كمرض منعه من الفصل فيها (1)0
وعلى ذلك يشترط لمخاصمة القاضى فى هذه الحالة امتناعه عن إصدار حكم أو أمر ، وثبوت أن هذا الامتناع ليس له ما يبرره (2) 0
(ب) كيفية إثبات امتناع القاضى أو تأخيره الفصل فى الدعوى :
لم يترك المشرع إثبات امتناع القاضى أو تأخيره الفصل فى الدعوى وفقا للقواعد العامة ، ولذلك لا يجوز إثباته بشهود يقدمهم الخصم ، أو بقرائن يستند إليهم وإنما يجب إتباع طريق محدد بغيره لا يعتبر القاضى منكرا للعدالة (3) 0
وهذا الطريق المحدد هو الاعذار بأن يعذر الخصم القاضى مرتين على يد محضر وبشرط ألا تقل الفترة بين الاعذارين عن مدة أربع وعشرين ساعة وذلك بالنسبة للأوامر على العرائض ، وثلاثة أيام بالنسبة للدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية ، وثمانية أيام فى الدعاوى الأخرى ، ولا يعتبر القاضى منكرا للعدالة إلا بعد مضى ثمانية أيام على آخر إعذار (4) 0
ويشترط لقبول مخاصمة القاضى فى هذه الحالة أن يظل القاضى ممتنعا عن الفصل فى الدعوى حتى صدور حكم فى دعوى المخاصمة ، فإن صدر الحكـم بقبول المخاصمة ، أصبح القاضى غير
_____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 208 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 62 ص 111 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 172 ، مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 208 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 139 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 173 0
(4) انظر نص المادة (494/2) مرافعات والتى تنص على أنه ( تجوز مخاصمة القضاه وأعضاء النيابة فى الأحوال الآتية : 1- .................. 2- إذا امتنع القاضى من الإجابة على عريضة قدمت له أو من الفصل فى قضية صالحه للحكم وذلك بعد اعذاره مرتين على يد محضر متخللها ميعاد أربع وعشرين ساعة بالنسبة إلى الأوامر على العرائض وثلاثة أيــام بالنسبة إلى الأحكام فى الدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية ، وثمانية أيام فى الدعاوى الأخرى 0
ولا يجوز رفع دعوى المخاصمة فى هذه الحالة قبل مضى ثمانية أيام على آخر إعذار ] 0
- 190 -
صالح لنظر الدعوى التى خوصم بشأنها ، أما إذا كان القاضى قد فصل فى الدعوى التى رفعت بشأنها دعوى المخاصمة ، وقبل صدور حكم فى دعوى المخاصمة ، كانت دعوى المخاصمة غير مقبولة لأن العبرة بتوافر شروط وجود حق الدعوى " شروط القبول " هو عند رفعها واستمرارها حتى صدور الحكم فيها (1) 0
الحالة الثالثـة
كل حالة أخرى يحكم فيها المشرع بمسئولية القاضى
والحكم عليه بالتعويضات
نص المشرع المصرى على حالات أخرى ، قضى فيها بمسئولية القاضى والحكم عليه بالتضمينات ، كما إذا تأخر القاضى عن إيداع مسودة الحكم المشتملة على أسبابه فى الميعاد الذى نص عليه القانون (2) 0
وكذلك ما نص عليه المشرع ، من ضرورة إيداع نسخة الحكم الأصلية - الموقعة من رئيس الجلسة وكاتبها - المشتملة على وقائع الدعوى والأسباب والمنطوق ، ملف الدعوى فى خلال أربع وعشرين ساعة من إيداع المسودة فى القضايا المستعجلة ، وسبعة أيام فى القضايا الأخرى ، وإلا كان المتسبب فى التأخير ملزما بالتعويضات (3) 0
_____________
(1) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح ص 92 0
(2) انظر المادة (175) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 والتى تنص على أنه ( يجب فى جميع الأحوال أن تودع مسودة الحكم المشتملة على أسبابه موقعة من الرئيس ومن القضاه عند النطق بالحكم وإلا كان الحكم باطلا ويكون المتسبب فى البطلان ملزما بالتعويضات إن كان لها وجـه " 0
(3) انظر المادة (179) من قانون المرافعات والتى نصت على أنه ( يوقع رئيس الجلسة وكاتبها نسخة الحكم الأصلية المشتملة على وقائع الدعوى والأسباب والمنطوق ، وتحفظ فى ملف الدعوى ، وذلك خلال أربع وعشرين ساعة من إيداع المسودة فى القضايا المستعجلة ، وسبعة أيام فى القضايا الأخرى وإلا كان المتسبب فى التأخير ملزما بالتعويضات"0
- 191 -
المطلب الخامس
إجراءات دعوى المخاصمة والمحكمة المختصة بنظرهـا
وضع المشرع قواعد خاصة لدعوى المخاصمة ، وذلك بنصه على إجراءات محدده يجب إتباعها عند رفع دعوى المخاصمة ، وهى تختلف عن إجراءات دعاوى التعويض العادية ، وتمثل هذه الإجراءات ، المظهر الوحيد للحماية المقررة للقاضى فيما يتعلق بمسئوليته عن أعمال وظيفتــه (1) 0
ويتضح ذلك فى أن المشرع قد أوجب رفع دعوى المخاصمة أمام محكمة الاستئناف أو النقض - حسب الأحوال - مهما كانت قيمة الدعوى ، وذلك حتى لا يفصل فيها قاضى أقل مرتبة من القاضى المخاصم ، كما أجاز للمحكمة العليا أن تتصدى لموضوع الدعوى الأصلية التى رفعت دعوى المخاصمة بمناسبتها ، مع أنه قد ألغي نظام التصدى ، كما أوجب الحكم على المدعى بغرامة إذا فضل فيما يدعيه ، تفاديا للدعاوى الكيدية التى ترفع على القاضى للتشهير به (2) 0
ومن ناحية أخرى ، يلاحظ أن إجراءات دعوى المخاصمة ، إجراءات صعبة ومعقده ، وذلك للحد من الدعاوى التى يرفعها المبطلون والمتشاكسون من المتقاضين (3) فضلا عن ذلك أنها تنظر على مرحلتين ، زيادة فى الانضباط ، لتوفير أكبر قدر ، من الضمانات للقاضى المخاصم ما لم يحكم بعدم جوازها (4) 0
( أ ) طريقة رفع دعوى المخاصمـة :
ترفع دعوى المخاصمة بتقرير فى قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها القاضى المخاصم أو عضو النيابة ، يوقعه الطالب أو من يوكله فى ذلك توكيلا خاصا ، وذلك إذا كان القاضى المخاصم مــن قضــاة المحاكــم الابتدائية أو أحــد أعضــاء النيابة بهـا ، وكذلك إذا كان القاضى
_____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 99 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د / أحمد أبو الوفا بند 52 ص 62 0
(3) قانون المرافعات الكويتى د/ رمزى سيف بند 28 ص 39 0
(4) بحوث فى قواعد المرافعات والقضاء فى الإسلام د/ عبد العزيز خليل إبراهيم بديوى - دار الفكر العربى سنة 1978 ص 168 0
- 192 -
المخاصم مستشارا بمحكمة الاستئناف (1) 0
وأما إذا كان القاضى المخاصم مستشارا بمحكمة النقض فإن دعوى المخاصمة ترفع أيضا بموجب تقرير فــى قلــم كتــاب محكمة النقض بالقياس رغم أن المشرع لم ينص على ذلك صراحــة (2) 0
وضمانا لجدية دعوى المخاصمة أوجب المشرع أن يشتمل تقرير المخاصمة على أوجه المخاصمة وأدلتها ، وأن يودع مع التقرير الأوراق المؤيدة بها ، وأن يودع المخاصم عند التقرير مبلغ خمسمائة جنيه على سبيل الكفالة (3) 0
ب - ميعاد رفع دعوى المخاصمـة :
لم يحدد المشرع ميعادا محددا يجب أن ترفع فيه دعوى المخاصمة وبالتالى تطبق عليها القواعد الخاصة بتقادم دعاوى المسئولية المدنية ، فتتقادم بمضى ثلاث سنوات من اليوم الذى يعلم فيه المضرور بحدوث الضرر ، وبالشخص المسئول عنه ، وتسقط دعوى المخاصمة فى كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع ، فإذا كانت ناشئة عن جريمة وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة ، فإنها لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية (4) 0
____________
(1) انظر المادة (495/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 1999 والتى تنص على أنه ( ترفع دعوى المخاصمة بتقرير فى قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها القاضى أو عضو النيابة يوقعه الطالب أو من يوكله فى ذلك توكيلا خاصا ، وعلى الطالب أن يودع خمسمائة جنيه على سبيل الكفالة " 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 50 ص 59 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 290 0
(3) انظر المادة (495/1) مرافعات والمعدل بالقانون رقم 18 لسنة 99 سالفة الذكر 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 63 ص 112 ، وانظر نص المادة (172) مدنى والتى نص على أنه :
1- تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذى علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه ، وتسقط هذه الدعوى فى كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع 0
2- على أنه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة ، وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة فى الفقرة السابقة ، فإن دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية ) 0
- 193 -
على أنه يلاحظ أن مدة التقادم لا تبدأ فى حالة المخاصمة بسبب إنكار العدالة إلا بعد مضى ثمانية أيام على آخر إعذار (1) 0
(جـ) المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمـة :
يتوقف تحديد المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمة على ما إذا كان القاضى المخاصم من مستشارى محكمة النقض أم من غير مستشاريها ، فإذا كان المخاصم من غير مستشارى محكمة النقض ، فإن المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمة هى محكمة الاستئناف التابع لها القاضى المخاصم أو عضو النيابة (2) 0
أما إذا كان القاضى المخاصم من مستشارى محكمة النقض فإن المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمة هى إحدى دوائر محكمة النقض فى غرفة المشورة (3) 0
وإذا كان القاضى المخاصم بمجلس الدولة فترفع الدعوى أمام محكمة القضاء الإدارى ، إذا كان عضوا بالمحاكم الإدارية أو التأديبية أو محكمة القضاء الإدارى ، أما إذا كان مستشارا بالمحكمة الإدارية العليا ، فيقدم التقرير إلى المحكمة الإدارية العليا ، وبالنسبة لأعضاء المحكمة الدستورية العليا ، فإن التقرير بالمخاصمة يقدم إلى المحكمة الدستورية العليا ذاتها (4) 0
( د ) المراحل التى تمر بها دعوى المخاصمة :
تمر دعوى المخاصمة بمرحلتين على التفصيل الآتى :
___________
(1) الوسيط د / فتحى والى بند 111 ص 209 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 63 ص 112 0
(2) انظر المادة (495/1) مرافعات والمعدلــة بالقانون رقم 18 لسنة 99م والتى ثم ذكرها ص 192من نفس البحث 0
(3) انظر المادة (496/1) مرافعات والتى تنص على أنه : ( 1- ....................
2- وإذا كان القاضى المخاصم مستشارا بمحكمة النقض تولت الفصل فى جواز قبول المخاصمة إحدى دوائر هذه المحكمة فى غرفة المشورة " 0
(4) المسئولية عن أعمال السلطة القضائية د/ رمزى الشاعر ص 231 ، والمسئولية المدنية للقضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 68 ص 85 ، ويراجع المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 والتى تنص على أنه ( تسرى فى شأن عدم صلاحية عضو المحكمة وتنحيته ورده ومخاصمته . الأحكام المقرره بالنسبة لمستشارى محكمة النقض ..... ] 0
- 194 -
1- المرحلة الأولى : مرحلة قبول الدعوى :
تقتصر سلطة المحكمة فى هذه المرحلة على بحث مدى صحة الإجراءات المطلوبة وتوافر شروط قبول دعوى المخاصمة ، وذلك بالتحقق من مراعاة الأوضاع الشكلية التى استلزمها القانون لرفع دعوى المخاصمة ، واتصال أوجه المخاصمة بالدعوى ، وذلك بالكشف من ظاهر الأوراق عن مدى قيام إحدى حالات المخاصمة المنصوصة عليها قانونا (1) 0
وينعقد الاختصاص فى هذه المرحلة لإحدى دوائر محكمة الاستئناف التابع لها القاضى المخاصم أو عضو النيابة يعينها رئيس محكمة الاستئناف بعد تبليغ صورة تقرير المخاصمة إلى القاضى أو عضو النيابة وللنيابة العامة (2) . لأن دعاوى المخاصمة من الدعاوى التى يجوز للنيابة العامة أن تتدخل فيها (3) 0
وإذا انتهت المحكمة إلى عدم جواز قبول دعوى المخاصمة ، فإنه يجب الحكم على المدعى فيها بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد عن ألفى جنيه ومصادرة الكفالة مع التعويضات إن كان لها وجـه (4) 0
وإذا قضت المحكمة بقبول المخاصمة ، فإن القاضى المخاصم يعتبر غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ هذا الحكم ، ويبطل كل إجراء يتخذه القاضى فى الدعوى من هذا الوقت ، ويحدد الحكم الصادر بقبول دعوى المخاصمة جلسة لنظر موضوع المخاصمـة (5) وبالتالى لا يترتب على مجرد
_____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد العظيم جبره ص 100 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 141 0
(2) المادة (495 / 1 ) مرافعات والمعدله بالقانون رقم 18 لسنة 99 والتى سبق ذكرها ص 192 من هذا البحــث 0
(3) انظر المادة (89) مرافعات والتى نصت على أنه ( فيما عدا الدعاوى المستعجلة يجوز للنيابة العامة أن تتدخل فى الحالات الآتية : ......................
4- دعاوى رد القضاه وأعضاء النيابة ومخاصمتهم ) 0
(4) انظر المادة (499/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 99 والتى تنص على أنه ( إذا قضت المحكمة بعدم جواز المخاصمة أو برفضها حكمت على الطالب بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه وبمصادرة الكفالة مع التعويضات إن كان لها وجـه ... ) 0
(5) انظر المادة (498) مرافعات والتى تنص على أنه ( يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ الحكم بجواز قبول المخاصمة ) 0
- 195 -
رفع هذه الدعوى ، أى أثر على صلاحية القاضى المخاصم لنظر الدعوى المخاصم من أجلها ، ويعتبر القاضى غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ الحكم بقبول دعوى المخاصمة (1) 0
2- المرحلة الثانية : مرحلة الفصل فى موضوع المخاصمة فى هذه المرحلة يزيد المشرع من ضمانات القاضى فى مواجهة الخصوم ، ولذلك عقد الاختصاص بنظر موضوع دعوى المخاصمة إلى هيئات تختلف باختلاف درجة القاضى المخاصم ، فإذا كان المخاصم أحد قضاة المحكمة الابتدائية أو أحد أعضاء النيابة لديها،فإن الاختصاص بنظر موضوع المخاصمة ينعقد إلى دائرة أخرى من دوائر محكمة الاستئناف التابع لها القاضــى غــير الدائرة التى فصلت فىقبول المخاصمة (2) وذلك تحقيقــا للحيــدة ، وتفاديا من تأثر الدائرة باتجاه سابق فى موضوع المخاصمة (3) 0
أما إذا كان المخاصم مستشارا فــى إحــدى محاكم الاستئناف أو النائب العام ، أو المحامى العام ، ينعقد الاختصاص بنظر موضوع المخاصمة إلى دائرة خاصة لمحكمة الاستئناف مؤلفه من سبعة مستشارين بحسب ترتيب أقدميتهم (4) 0 وذلك حتى لا يكون هناك اتجاه خاص فى اختيارهم ، أو لدفع مثل هذا الوهم إن حل فى أذهان الخصوم (5) 0
وإذا كان القاضىالمخاصم مستشار بمحكمة النقض،انعقد الاختصاص بنظر موضوع المخاصمة
_______________
(1) قانون المرافعات د/ نبيل عمر بند 36 ص 50 0
(2) انظر المادة (497/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( إذا حكم بجواز قبول المخاصمة وكان المخاصم أحد قضاة المحكمة الابتدائية أو أحد أعضاء النيابة لديها ، حدد الحكم جلسة لنظر موضوع المخاصمة جلسة علنية أمام دائرة أخرى من دوائر محكمة الاستئناف .... " 0
(3) قواعد المرافعات فى التشريع المصرى د/ محمد العشماوى، د/ عبد الوهاب العشماوى طبعة سنة 1957 ، 1958 المطبعة النموذجية جـ 1 بند 135 ص 181 0
(4) المادة (497/2) مرافعات والتى تنص على أنه ( وإذا كان المخاصم مستشارا فى إحدى محاكم الاستئناف أو النائب العام أو المحامى العام فتكون الإحالة على دائرة خاصة مؤلفه من سبعة مستشارين بحسب ترتيب أقدميتهم ) 0
(5) قواعد المرافعات د/ محمد وعبد الوهاب العشماوى جـ 1 بند 135 ص 181 0
- 196 -
إلى دوائر محكمة النقض مجتمعة (1) 0
أما إذا كان القاضى المتخاصم مستشارا بمحكمة النقض تولت الفصل فى جواز قبول المخاصمة إحدى دوائر هذه المحكمة (2) وفى كلتا الحالتين يكون نظر دعوى المخاصمة فى غرفة المشورة فى أول جلسة تعقد بعد ثمانية أيام التالية لتبليغ صورة التقرير إلى القاضى المخاصم ، ويقوم قلم الكبتاب بإخطار المدعى بالجلسـة (3) 0
وفى الجلسة المحدده ، تحكم المحكمة فى جواز قبول المخاصمة بعد أن تئمع المدعى أو وكيله والقاضى ، وأقوال النيابة العامة ، إن تدخلت فى الدعوى كطرف منضم (4) 0
وإذا كانت المحكمة فى هذه المرحلة ولايتها قاصرة على الفصل فى تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى ، وجواز قبولها ، فإن ذلك لا يحجبها عن تمحيص الأوجه والأدلة التى ساقها الخصوم ، لنتبين منها مدى جديتها وارتباطها بأسباب المخاصمة ، وما إذا كانت منتجة فى طلب المخاصمة أم لم ترق إلى هذا الحد ، حتى يتاح لها الحكم بجواز قبولها أو عدمه دون التصدى لموضوعها الذى أوجب المشرع تركه لهيئة أخرى (5) 0
وإذا وجهت دعوى المخاصمة إلى دائرة بأكملها من دوائر محكمة النقض ، فإن دعوى المخاصمة ، تحال إلى دائرة أخرى من دوائر محكمة النقض للنظر فى جواز قبولها ، وإذا حكمت بجواز قبولها ، تحال الدعوى للفصل فيها إلى جميع دوائر محكمة النقض مجتمعة على ألا يكون من بينها الدائرة الموجه إليها المخاصمة (6) 0
_____________
(1) انظر المادة (497/3) مرافعات والتى تنص على أنه ( .... أما إذا المخاصم مستشارا بمحكمة النقض فتكون الإحالة إلى دوائر المحكمة مجتمعة " 0
(2) المادة (496/2) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 193 من هذا البحث 0
(3) انظر المادة (495/3) مرافعات والتى تنص على أنه ( ..... وتعرض الدعوى على إحدى دوائر محكمة الاستئناف بأمر من رئيسها بعد تبليغ صورة التقرير إلى القاضى أو عضو النيابة وتنظر فى غرفة المشورة فى أول جلسة تعقد بعد ثمانية الأيام التالية للتبليغ ، ويقوم قلم الكتاب بإخطار الطالب بالجلسة ) 0
(4) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 290 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص241 0
(5) الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 64 ص 113 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 178 0
- 197 -
هـ – الحكم فى دعوى المخاصمة وأثاره :
يترتب على الحكم بعدم جواز المخاصمة فى المرحلة الأولى أو برفضها فى المرحلة الثانية وجوب الحكم على المدعى فيها بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد عن ألفى جنيه ، ومصادرة الكفالة وجواز الحكم عليه بالتعويضات اللازمة إن كان لها وجه (1) . ويترتب على الحكم بجواز مخاصمة القاضى فى المرحلة الأولى عدم صلاحية القاضى المخاصم بنظر الدعـــوى المخاصم بشأنها ، ويبطل كل إجراء يتخذه القاضى فى الدعوى يعد الحكم بجواز مخاصمن (2) كما يترتب على الحكم بصحة المخاصمة فى المرحلة الثانية الحكم على القاضى المخاصم بمصروفات الدعوى والتعويض اللازم لجبر الضرر الذى أصاب المدعى فى دعوى المخاصمة (3) . على أنه يلاحظ أن الحكم الصادر فى دعوى المخاصمة سواء فى المرحلة الأولى أو الثانية يعتبر حكما نهائيا ، لا يجوز الطعن فيه إلا بطريق النقض ، أما الحكم الصادر من محكمة النقض فى دعوى المخاصمة لا يجوز الطعن فيه بأى طريق (4)
(1) انظر المادة (499/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 99 سبق ذكرها ص 194 0
(2) انظر المادة (498) مرافعات سبق ذكرها ص 194 من نفس البحث 0
(3) المادة (499/2) مرافعات 0
(4) المادة (500) مرافعات والتى تنص على أنه ( لا يجوز الطعن فى الحكم الصادر فى دعوى المخاصمة إلا بطريق النقض ) ويراجع أيضا الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 143 0
- 198 -
المبحث الثالث
الموازنة بيــن الشريعة والقانون
من خلال العرض السابق يتضح لنا أن :
1- الأصل فى الفقه الإسلامى عدم جواز مخاصمة القاضى ، حماية للقاضى ، وحماية للمصلحة العامة ، وحتى لا يتهيب القاضى القيام بأعماله ، طالما كان هذا القاضى مأمونا فى أحكامه ، عدلا فى أحواله ، بصيرا بقضائه ، إلا إذا كان القاضى متهما فى أحكامه ، أو غير عدل ، أو جاهلا بقضائه ، فتجوز مخاصمته 0
كذلك فى القانون الوضعى الأصل عدم جواز مخاصمة القاضى إلا فى حالات معينة نص عليها المشرع وذلك حماية للقاضى من عبث الخصوم ، كما أنه رسم طريقا معينا لمخاصمة القاضى وتطبق بشأنها قواعد خاصة تختلف عــن القواعــد العامة التى تطبق على دعاوى المسئولية ، ينبغى على المدعى إتباعها عند مخاصمة القاضى وإلا كانت دعوى المخاصمة غير مقبولة ، وبذلك يتفق القانون الوضعى مع الشريعة الإسلامية فى عدم جواز مخاصمة القاضى إلا( زائده) فى حالات وردت على سبيل الحصر ، لا يجوز القياس أو التوسع فيها ، وتكون الشريعة الإسلامية لها فضل السبق ، حيث إنها شريعة صالحة لكل زمان ومكان
2- أن القاضى فى الفقه الإسلامى ، لا يسأل عن تعويض الضرر الذى لحق أحد الخصوم ، إلا إذا تعمد الجور فى أحكامه ، ويكون الضمان من ماله الخاص ، أما فى حالة الخطأ غير العمدى فهو لا يسأل عن تعويض الضرر ، ويكون الضمان من بيت مال المسلمين ، أما فى القانون الوضعى يسأل القاضى مدنيا عن تعويض الضرر المترتب عن خطئه فى عمله ، مسئولية شخصية ، تقع على كاهل القاضى فى مواجهة الخصوم ، ويمكن الرجوع على الدولة بالتعويض ، ويكون للدولة الحق فى الرجوع على القاضى لاقتضاء ما أوفت به نيابة عنه 0
- 199 -
الفصل الثالث
حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى
والقانون الوضعى
من المسلم به أنه لا يكفى حتى يتحقق للقاضى استقلاله وحيدته ، حمايته من الحكومة ومن الخصوم أنفسهم ، وإنما يتعــين أيضــا حمايته مــن نفسه لأن القاضى بشر يوجد فيه جانب الخير والشر ، وقد يطغى جانب الشر علــى جانب الخير ، ويسعى إلى تحقيق مصالح شخصية لنفسه أو لأقاربه مستغلا فى ذلك سلطة القضاء ، ولذلك حماية للقاضى من نوازع الشرفيه كإنسان ، ومحافظة عليه حتى يكون فى المكان اللائق به ، سنتحدث بمشيئة والله وتوفيقه فى هذا الفصل عن الضمانات المقررة فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى لحماية القاضى من نفسه وفيه مبحثـان :
• المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى 0
• المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى القانون الوضعى 0
• المبحث الثالث : الموازنة بين الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
- 200 -
المبحث الأول
ضمانات حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى
اهتم الفقه الإسلامى فى وضع ضمانات لحماية القاضى من نفسه ، لأن النفس إمارة بالسوء ، سواء كانت فى حالة هدوئها أو فى حالة ثورانها ، وتعكر صفوها ، وذلك تنزيها للقاضى وخوفا على سمعته من الريب والشك والتهم ، وسنتناول تلك الضمانات فى مطلبين هما :
• المطلب الأول : عدم صلاحية القاضى لنظر بعض القضايا 0
• المطلب الثانى : وجـوب اعتدال حالة القاضــى النفسيــة والظروف المحيطة به أثناء
نظر الدعــوى 0
المطلب الأول
عدم صلاحية القاضى لنظر بعض القضايا
لمـا كان القاضى قد يتأثر بمصالحه الشخصية وعواطفه تجاه أقربائه وعائلته ، وقد يميل لأحد أطـراف الخصومة ممن ترتبط به معه مصالح مهما حاول التحلى بالنزاهة والحيدة ، وهذا أمر فطرى يخضع ويستكين له عادة معظم الناس ، ولهذا أراد المشرع أن يصون القاضى ويحميه من هذا التأثر ، فوضع له حدودا وضوابط ومنعه من تعديها أو مسها ، لإبعاده عن مظنة التأثر والميول والتهم ، وهذه الحدود والضوابط كلها تدور حــول منع القاضى من النظر والفصل فى أية قضية يتضح من ظروفها أن القاضى لن يكون فيها محايدا (1) . لأن الفقه الإسلامى اهتم بصلاحيــة القاضــى ونزاهته وحيدته ، وذلك بإبعاده عــن كل مايؤدى إلى شبهة الاتهام أو الحــيز (2) 0
ولذلك حدد الفقه الإسلامى حالات معينة يكون القاضى فيها غير صالح لنظر الدعوى وسنوضح هذه الحالات على النحو الآتـى :
_____________
(1) السلطة القضائية وشخصية القاضى د/ محمد عبد الرحمن البكر - الطبعة الأولى سنة 1408 هـ سننة 1988م - الزهراء للإعلام العربى ص 237 0
(2) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 264 0
- 201 -
الحالة الأولى : عدم جواز قضاء القاضى لنفسـه :
أجمع الفقه الإسلامى على عدم جواز قضاء القاضى لنفسه (1) لأنه متهم فى ذلك (2) وقد استثنى الفقهاء من عدم جواز قضاء القاضى لنفسه حالات نوضحها فيما يلى :
1- تأديب القاضى للخصوم ، فلا يعتبر حكما لنفسه فى هذه الحالة ، لأن له الحق فى تأديب الخصوم إذا أساءوا الأدب عليه فى حكمه ، لئلا يستخف به ويستهان فلا يسمع حكمه ، لأن الجرأة على القاضى فيها تهوين لأمره ، وداعية إلى الضعف من استبقاء الحقائق فى الأحكام فالمعاقبة فى مثل هذا أولى من التجاوز والعفو 0
2- الحكم للمحجور عليه بالوصية ، وإن تضمن حكمــه استيلائه على المال المحكوم به وتصرفه فيه
3- الأوقاف التى شرط النظر فيها للحاكم ، أو صار فيها النظر إليه بطريق العموم ، لانقراض ناظرها الخاص ، له الحكم بصحتها وإن تضمن استيلاؤه عليه وتصرفه فيه 0
4- الحكم بانتقال ملك ما إلى بيت المال ، وإن كان يصرف عليه رزقه منه (3) 0
الحالة الثانية : عدم جواز قضاء القاضى لأصوله أو لفروعـه 0
اختلف الفقه الإسلامى فى حكم نظر القاضى فى القضايا التى يكون أحد أطرافها من أصوله أو فروعه إلى رأيين همـا :
الـرأى الأول :
ذهــب جمهــور الفقهــاء الحنفيــة (4) والمالكيــة فى المشهــور عندهــم (5) والشافعيـــة فـــــــى
____________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 12 ، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين جـ 4 ص 357 ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 82 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 483 0
(2) نهاية المحتاج جـ 8 ص 259 0
(3) نهاية المحتاج جـ 8 ص 259 ، إعانة الطالبين فى حل ألفاظ فتح المعين تأليف السيد البكرى بن السيد محمد الدمياطى ، طبعة مصطفى الحلبى سنة 1356 ، سنة 1938 جـ 4 ص 235 0
(4) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 12 ، تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندى - دار الكتب العلمية بيروت ، جـ 3 ص 371 ، رد المحتار على الدر المختار جـ 4 ص 356 0
(5) تبصرة الحكام . لابن فرحون جـ 1 ص 81 ، حاشية الدسوقى لمحمد بن عرفه الدسوقى على الشرح الكبير للدردير - طبعة دار إحياء الكتب العربية - عيسى الحلبى جـ 4 ص 152 0
- 202 -
الصحيــح (1) والحنابلة (2) إلى عدم جواز قضاء القاضى لأصوله وإن علوا أو لفروعه وإن سفلــوا 0
الرأى الثانى :
ذهب بعض المالكية (3) وبعض الشافعية (4) إلى جواز أن يقضى القاضى لأصوله أو فروعه ويكون قضاؤه لهم بالبينه 0
أدلة الرأى الأول :
أولا : بالقياس على الشهادة ، وبيان ذلك :
أنه لا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن سفلوا ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا لأن كلآ منهم متهم بهذه الشهادة ، لوجود الميل الطبيعى بينهما ، فكذلك لا يصح للقاضى أن يحكم لأحد أصوله أو فروعه ، كسائر من لا تقبل شهادته لهم لأنهم أبعاضه ، فيشبه قضاؤه لهم قضاءه لنفسه وهو ممنوع من ذلك (5) 0
ثانيـا : من المعقول : وبيان ذلك :
أن قرابة الأصول والفروع يغلب على الظن فيها أنها ربما تحمل القاضى على الميل والهوى والمحاباة إذا ماتخاصموا إليه ، فربما طغى الجانب العاطفى فيخرج القاضى عن حياده ، أو ربما تطرقت إليه الشبهات من الخصم الآخر واتهمه بالمحاباة ، فمنع من القضاء لأصوله أو فروعه لوجود التهمة (6) 0
___________
(1) مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 257 0
(2) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 383 0
(3) تبصرة الحكام جـ 1 ص 81 ، حاشية الدسوقى جـ 4 ص 152 0
(4) مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 257 0
(5) مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 257 0
(6) رد المحتار على الدر المختار جـ 4 ص 357 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 76 ، الحصانة القضائية فى الفقه الإسلامى د/ على محمد منصور عليوه - الطبعة الأولى سنة 1416 هـ سنة 1996م ص 64 0
- 203 -
أدلة الرأى الثانى :
استدل أصحاب الرأى الثانى القائل بجواز قضاء القاضى لأصوله أو فروعه لعدم وجود التهمة وبيان ذلك أن القاضى يحكم للخليفة وهو أقوى تهمة من تهمة من يشهد له لتوليته إياه (1) 0
الرأى الراجح :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى الفقه الإسلامى فى حكم قضاء القاضى لأصوله أو فروعه ، فإنى أرى ترجيح الرأى الأول - رأى الجمهور - القائل بعدم جواز قضاء القاضى لأصوله أو فروعه - كآبائه وأجداده وأبنائه وأحفاده - حماية للقاضى من نفسه وبعدا به عن الشبهات ، لقوة أدلة هذا الرأى ، فضلا عن أن القضاء أقوى من الشهادة ، والقاضى ممنوع من الشهادة لهم فمن باب أولى يمنع من القضاء لهم (2) ، أما التهمة القوية التى يستند إليها أصحاب الرأى الثانى عند القضاء للخليفة ، فهذه التهمة غير موجودة لأنه سبق وأن ذكرنا أن الخليفة لا يملك عزل القاضى الذى ولاه بدون مصلحة تبرر عزلــه حسب الرأى الراجح فى الفقه ، فلا تهمة إذن 0
الحالة الثالثة : وجود صلة مودة بين القاضى وأحد الخصوم 0
اعتبر الفقه الإسلامى أنه فــى حالة وجود صلة مودة بين القاضى وأحد الخصوم فيكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ويجوز للخصم الآخـر أن يرده عــن نظر الدعــوى (3) ويتحقـق
___________
(1) تبصرة الحكام جـ1 ص 81 ، حاشية الدسوقى جـ 4 ص 152 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 0
(2) أدب القاضى للماوردى جـ 2 ص 414 0
(3) 1- أ - يقصد بالرد لغــة :
يأتى الرد فى اللغة بمعنى الدفع أو المنع ، كما فى لقوله تعالى ( بل تأتيهم بغته فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ولاهم ينظرون ) أية رقم (40) سورة الأنبياء ، وقد يأتى بمعنى الوضع كما فى قوله تعالى ( جاءتهم رسلهم بالبيانات ، فردوا أيديهم فى أفواههم " الآية رقم (9) من سورة إبراهيم ، وقد يأتى بمعنى الرجوع كما فى قولــه تعالى - ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ) - الآية رقم (59) من سورة النساء ، وقد يأتى بمعــنى الإرتداد أو النكوص ، كمــا فــى قوله تعالى - ( قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ) الآية رقم (71) من سورة الأنعام 0
وعلى ذلك ، فالرد فى اللغة يستعمل فى عدة معان ، منها الدفع والمنع ، أو الوضع أو الرجوع أو الارتداد والنكوص ، يراجع فى ذلك مختار الصحاح للرازى ص 140 ، القاموس المحيط للفيروز أبادى جـ 1 ص 294 0 =
- 204 -
ذلك فى : حالتــين همــا :
1- ضيافة أحد الخصوم للقاضى سواء أكانت الضيافة عامة أم خاصة (1) لأنه يؤدى ذلك إلى الارتباب فى القاضى ، وقد نصت على ذلك " المادة (1797) من مجلة الأحكام العدلية بقولها ( لا يذهب القاضى إلى ضيافة أحد الخصمين ) 0
2- إهداء أحد الخصوم للقاضى ، لأن الهدية دليل المودة ، وبالتالى لا يحكم القاضى لمن تلقى منه هدية ، أيا كانت قيمتها ، وسواء أخذها القاضى أم أعطيت لولده (2) 0
الحالة الرابعة : وجود عداوة بين القاضى وأحد الخصوم :
اتفق الفقه الإسلامى ، على أنه لا يجوز للقاضى أن يحكم على من لا تقبل شهادته عليه ، أى على من تكون بينه وبين القاضى عداوة بشرط أن تقوم البينة على هذه العداوة (3) 0
______________
= ب - تعريف الرد فى الاصطلاح الشرعى :
لم يعرف فقهاء الإسلام الرد ، بالرغم من ذكرهم لحالاته ومعرفتهم لنظامه ، حيث كان يختص بالنظر فى دعاوى الرد ، قاض يطلق عليه ، صاحب الرد : وظيفته النظر فيما استرا به القضاه وردوه عن أنفسهم ، ويؤيد ذلك ما ورد فى كتاب تاريخ قصاة الأندلس " وللحكام الذين تجرى على أيديهم الأحكام ست خطط ، أولها القضاء ... وصاحب رد ، ويسمى صاحب رد ، بما رد عليه من الأحكام ... وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرا به الحكام ، وردوه عن أنفسهم ، يراجع فى ذلك تاريخ قضاة الأندلس - تأليف - أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن - النياهى المالقى الأندلسى ، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الخامسة سنة 1403 هـ سنة 1983 ص 5 0
(1) تبصرة الحكام جـ 1 ص 31 ، وسنتحدث عن الحكم حضور القاضى للولائم وقبوله للدعوات الخاصة والعامة تفصيلا وبيان موقف الفقه الإسلام منها فى الباب الثانى ضمن ضمانات نزاهة القاضى من هذا البحث 0
(2) المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 82 ، معين الحكام للطرابلسى ص 15 ، 16 ،آدب القضاء لابن ابى الدم ص 114 وستحدث عن موقف الفقه الإسلامى من أخذ القاضى للهدية فى الباب الثانى ضمن ضمانات نزاهة القاضى 0
(3) رد المحتار على الدر المختار جـ 5 ص 357 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 85 0
- 205 -
الحالة الخامسة : وجود صلة خاصة للقاضى مع أحد الخصوم :
كذلك من حالات عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى حالة وجود صلة خاصة بين القاضى وأحد الخصوم كما لو كان القاضى وكيلا لأحد الخصوم أو وصيا عليه أو قيميا عليه أو زوجا له أو شريكه فى المال الذى سيحكم به ، فلا يجوز للقاضى الجلوس للفصل فى الدعوى التى تربطه بأحد الخصوم صلة خاصة لأن القضاء لهؤلاء قضاء ، لنفسه (1) ولذلك نصت المادة (1808) من مجلة الأحكام العدلية على أنه ( يشترط أن لا يكون المحكوم له أحدا من أصول القاضى وفروعه ، وأن لا يكون زوجته وشريكه فى المال الذى سيحكم به وأجيره الخاص ومن يتعيش بنفقته بناء عليه ليس للقاضى أن يسمع دعوى أحد من هؤلاء ويحكم له ) (2) 0
الحالة السادسة : سبق إبداء القاضى لرأى فى الدعوى :
إذا كان القاضى قد أفتى فى القضية المطروحة عليه ، فإنها تكون سببا فى عدم صلاحية القاضى لنظر هذه القضية ، فليس للقاضى أن يفتى أحد الخصوم ، أو أن يبدى رأيه فى مسألة مرفوعه ، فإن أبدى رأيه فليس له أن يحكم فيها ، ولذلك عندما سئل شريح القاضى عن مسألة الحبس قال ( إنما أقضى ولست أفتى ) (3) 0
الأثر المترتب على توافر حالة من الحالات السابقة :
إذا توافرت حالة من الحالات السابقة أصبح القاضى غير صالح لنظر الدعوى وممنوعا من سماعها ، وإذا استمر القاضى رغم ذلك فى مباشرة الدعوى وأصدر حكما فيها كان حكمه باطـــلا (4) 0
___________
= وذهب بعض الفقه إلى جــواز قضاء القاضى لعدوه وعليه ، على خلاف الشهادة ، لأن أسباب الحكم ظاهره ، وأسباب الشهادة خافية ، فانتفت التهمة عنه فى الحكم ، وتوجهت إليه فى الشهادة . يراجع الأحكام السلطانية للماوردى ص 76 0
(1) رد المحتار عل الدر المختار جـ 4 ص 357 ، تبصرة الحكام جـ 8 ص 82 ، معين الحكام للطرابلسى ص 35 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص 73 0
(2) يراجع مجلة الأحكام العدلية - الطبعة الأولى سنة 1999 - الناشر مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع - ص 226 0
(3) المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 85 0
(4) حاشية ابن عابديــن جـ 4 ص 357 ، السلطــة القضائية وشخصية القاضى د/ محمد عبد الرحمن البكر ص 238 0
- 206 -
وفضلا عن ذلك يجوز للخصوم طلب رد القاضى لأن الفقه الإسلامى لم يميز بين عدم الصلاحية والرد ، ورتب على مخالفة ذلك عدم نفاذ الحكم وبطلانه ، وذلك حرصا على مبدأ حياد القاضى وإبعادا له عن مجرد الشبهات (1) 0
المطلب الثانى
وجوب اعتدال حالة القاضى النفسية والظروف
المحيطة به أثناء نظر الدعوى
اهتم الفقه الإسلامى فى وضع ضمانات لحماية القاضى من نفسه ، ومن التأثيرات النفسية ، لأن الإنسان بفطرته وطبيعته تتأثر نفسه بالظروف المحيطة بها ، وبما يحزنها ويزعجها ، ويترتب على ذلك أن القاضى يقلق ويضجر ، فيغضب ، وثور فيختل فهمه وإداركه ، مما يترتب عليها انشغال قلب القاضى بهذه الظروف ، ويكون ذهنه غير خال لإقامة العدل بين الناس ، ولذلك اشترط الفقهاء فــى الفقه الإسلامى على القاضى أن يتجنب القضاء فى الظروف التى تعكر صفوه ، وتخل بسلامة إدراكه للقضية المطروحه عليه ولذلك قالوا ينبغى للقاضى إذا أراد الجلوس للقضاء أن يخرج وهو علــى أعدل الأحوال ، لا جائع ، ولا عطشان ، ولا وهو يدافع الأخبثين ، ولا كسلان ، ولا غضبان ، وأن يتجنب القضاء فى كل حال يسوء فيها خلقه (2) 0
وكتب عمر بــن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى (3) - رضى الله عنهما - فى هذا الشأن قوله
____________
(1) القضاء ونظام الإثبات فى القه الإسلامى والأنظمة الوضعية د/ محمود محمد هاشم طبعة سنة 1988 ص 303 ، يراجع أيضا بحث نظام رد القضاة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى - أستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى - منشور فى المجلة العلمية بكلية الشريعة والقانون بطنطا - العدد الرابع عشر سنة 1422 هـ سنة 2001م بند 9 ص 322 0
(2) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 13 ، تحفة الفقهاء للسمرقندى جـ 3 ص 372 ، المبسوط للسرخسيى جـ 16 ص 64 ، 78 ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ1 ص 35 ، منهاج الطالبين وعمدة المفيتين لأبى زكريا النووى - الطبعة الأولى سنة 1329 هـ مطبعة الجمالية حـ 1 ص 134 ، المحلى لابن حزم جـ 10 ص 241 ، المختصر النافع فــى فقه الإمامية تأليف الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلبى ص 280 0
(3) هو عبد الله بن قيس بن سليمان الأشعرى أبو موسى ، هاجر إلى الحبشة ، ولى الكوفة فى عهد عمر ، توفى سنة 42 هـ يراجع خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 178 0
- 207 -
( .............. وإياك والغضب والقلق والضجر ، والتأذى بالناس عند الخصومة والتنكر عند الخصومات .... ] وقال الشيخ أبو إسحاق فى فضل هذا الكتاب : هو أجل كتاب فإنه بين آداب القضاه وصفة الحكم ، وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس (1) 0
والأصل فى نهى الفقهاء القاضى عن القضاء فى حالة الغضب ما روى أن أبا بكره (2) كتب إلى ابنه - وكان بسجستان - بأن لا تقض بين اثنين وأنت غضبان ، فإنى سمعت رسول الله - r - يقول ( لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) (3) 0
ومع أن هذا النص وارد فى النهى عن القضاء فى حالة الغضب ، إلا أن الفقهاء ألحقوا به كل ما يشغل النفس من الهم والحزن ، والنعاس ، والعطش ، والجوع والشبع ، والمرض ، ومدافعة الأخبثين ، وقالوا أيضا لا ينبغى للقاضى أن يقضى وهو يمشى أو وهو راكب على الدابة ، لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال ، إذ يكون قلبه مشغولا بما هو فى المشى والسير ، فلا يتفرغ إلى النظر فى الأدلة ، ولأنه من الاستخفاف بالقضاء فلا يصح ، ولكنهم قالوا لا بأس أن يقضى وهو متكىء لأن التكاءه نوع من الجلسة ، وطباع الناس تختلف فى ذلك ، ومن الناس من يعتدل حالة بذلك ، فلا بأس لأن الرسول- r - كان ينظر فى الخصومة أحيانا وهو متكىء (4) 0
وقال ابن دقيق العبـد (5) ، فــى ذلك أن النص وارد فــى المنع مــن القضاء حالـة الغضب ،
______________
(2) سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 19 0
(2) هو نفيع بن الحارث بن كلده الثقفى ، وأبو بكرة كناه بها الرسول - r -، وروى عنه كثير من الأحاديث بعضها فى الصحيحين ، ومن روى عنه أولاده عبد الرحمن ، وعبد الله ومسلم وعبد العزيز ، ومات سنة 51 هـ ، يراجع خلاصة التهذيب ص 346 0
(3) انظر صحيح البخارى بفتح البارى – لابن حجر – جـ 13 حديث رقم 7158 ، 13 - باب هل يقضى القاضى أو يفتى وهو غضبان ؟ ص 146 0
(4) بدائع الصنائع جـ 7 ص 13 المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 119 ، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للعلامة فخر الدين الزيلعى - الطبعة الأولى سنة 1314هـ المطبعة الكبرى الأميرية جـ 4 ص 178 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 391 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 254 0
(5) هو القاضى محمد بن على بن وهب أبو الفتح تقى الدين القشيرى ولد سنة 625هـ ، من أكابر العلماء بالأصول ، مجتهد ، وأصل أبيه من منفلوط ، من تصانيفه أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ، وشرح الأربعين النووية ، يراجع الأعلام - لخير الدين بن محمود بن محمد بن على الزركلى الدمشقى - الطبعة الثامنة سنة 1959م سنة 1378 هـ 0
- 208 -
وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر وعدم استيفاء الحكم على الوجه الصحيح ، وقال أيضا ، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغيير الفكر كالجوع والعطش المفرطين ، وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر ، وهو قياس مظنة على مظنة ، فإن كل واحد من الجوع والعطش مشوشا للفكر ، وكأن الغضب إنما خص لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره (1) 0
وعقب ابن حجر العسقلانى على قول ابن دقيق العبد سالف الذكر فقال ( وقول الشيخ وهو " قياس مظنة على مظنة " صحيح وهو استنباط معنى دل عليه النص ، فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه أن الحكم لا يكون إلا فى حالة استقامة الفكر ، فكانت علة النهى المعنى المشترك وهو تغير الفكر والوصف بالغضب ، يسمى علة ، بمعنى أنه مشتمل عليه ، فالحق به ما فى معناه كالجائع (2) 0
وإذا كان الفقه الإسلامى نهى القاضى عن الحكم فى حالة الغضب وفى كل حال يسوء فيها خلقــه كما سلف البيــان ، لكنهم اختلفــوا إذا قضى القاضى فى حالة الغضب هل ينفذ حكمه أم لا ؟ إلى رأيـن :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القاضى لو حكم فى حالة الغضب صح حكمه وينفذ إن صادف الحق مع الكراهة وذلك لأنهم حملوا النهى فى الحديث على الكراهة لأن النهى ليس لذات الغضب ، وإنما لوصف قد يؤدى إليه وهو تشويش الفكر الذى قد يؤدى إلى الظلم ، فإن صادف الحكم الصواب تبين أن ذلك الوصف لم يتحقق (3) 0
واستدلوا أيضا على صحة القضاء حالة الغضب بمـــا روى أن رجــلا من الأنصار خاصم الزبير (4) رضـى الله عنه إلى الرسول- r - فى سقى نخل له ، وكانت أرض الزبير أقــــرب إلى الماء
_____________
(1) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 311 0
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر جـ 13 ص 147 0
(3) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 311 ، فتح البارى بشرح صحيح البخاري جـ 13 ص 146 0
(4) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدى ، حوارى رسول اللهr- - ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة توفــى سنة 36 هـ ، يراجـــع خلاصـــة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 103 0
- 209 -
من أرض خصمه ، فقال رسول الله - r - للزبير ( اسق أرضك ، ثم أرسل الماء إلي جارك ) فقال الرجل : لأجل أنه ابن عمتك ، فتلون وجه الرسول- r - ، وقال للزبير ( اسق ثم إحبس الماء حتى يبلغ الجدر ) (1) 0
ووجه الدلالة من الحديث ظاهــره وهــى أن الرسول- r - قضى وهو غضبان فدل ذلك على الجواز 0
ويمكن أن يرد على ذلك : أن الرسول- r - وإن كان قضى وهو غضبان إلا أن الرسول- r - معصوم من الخطأ ، فعصمته - r - مانعة مــن إخراج الغضــب لـــه عن الحق بخلاف غيره من القضــاه (2) 0
الرأى الثانى : ذهب الصنعانى (3) والشوكانى (4) وبعض الحنابلة (5) إلى عدم نفوذ حكم القاضى فى حالة الغضب 0
لأنه منهى عنه بنص الحديث الصحيح ، ومقتضى النهى فساد المنهى عنه (6) 0
الرأى الراجح :
أرى أن ما ذهب إليه أصحاب الرأى الثانى - بعض الحنابلة ومن معهم - من تحريم الحكم الصادر من القاضى فى حالة الغضب وعدم نفاذه هو الراجح فى نظرى لأن فى ذلك ضمان لعدالة القضاء أكثر مما ذهب إليه الرأى الأول ، ولأن المنهى عند الإطلاق يقتضى التحريم ، ولم يوجد صارف يصرفه إلى الكراهــة ، فضــلا أن ذلك فيــه حمايـــة للقاضى مـن نفسه ومن نوازع الشرفيه فمنع القاضى من القضاء فى حالة الغضب وفى كل حالة يسوء فيها خلقه تعتبر حماية للقاضى حتى لا يشك أحد فى نزاهته 0
___________
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر 42 - كتاب المساقاه رقم الحديث 2359 - 2360 طبعة دار المعرفة بيروت - لبنان جـ 5 ص 34 0
(2) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 312 0
(3) سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 120 0
(3) نيبل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 312 0
(5) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 395 0
(6) نيــل الأوطــار للشوكانى جـ 8 ص 312 ، سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 120 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 395 0
توقيع : المستشار القانونى/ابراهيم خليل
المبحث الثانى
ضمانات حماية القاضى من نفسه
فى القانون الوضعى
إذا كان المشرع يحمى القاضى من تدخل الحكومة ومن الخصوم أنفسهم ، فإن القاضى فى حاجة أيضا إلى حماية المشرع من نفسه ، لأن القاضى مهما كان متحليا بالنزاهة والحيدة ، قد يتأثر بميوله ومصالحه الشخصية لدوافع يذعن لها عادة أغلب الناس ، لهذا يجب حمايته من التأثر بهذه الميول ، حتى نظمئن إلى أن قضائه بعيد ا عن الشبهات ، وهو ما يشيع الطمأنينة فى نفوس المتقاضين (1) 0
لهذا حرص المشرع على تقرير الضمانات التى تكفل حماية القاضى من نفسه ونزاهة ، وتحول دون تأثر القاضى فى قضائه بمصالحه الشخصية أو بعواطفه الخاصة (2) 0
ويهد نظام عدم الصلاحية ، والرد ، والتنحى ، من أهم الضمانات التى تكفل نزاهة القاضى ، وتبعده عن مجال التأثر بالاعتبارات الخاصة التى قد تنأى به مقتضيات العدالة (3) وسنتحدث فى هذا المبحث عن تلك الضمانات من خلال المطالب الآتية :
• المطلب الأول : حالات عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظـــر الدعــوى 0
• المطلب الثانى : حالات عدم صلاحية القاضى النسبية لنظــــر الدعوى 0
• المطلب الثالث : حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى 0
___________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 53 ص 63 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 113 ص 210 0
(3) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 36 0
- 211 -
المطلب الأول
حالات عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظر الدعوى (1)
يتمثل نظام عدم الصلاحية المطلقة فى النص على حالات معينة (2) ، إذا ما تحققت إحداها ، فقد القاضى صلاحيته لنظر الدعــوى ، ووجب عليه أن يتنحى عن نظرها ولو لم يرده أحد الخصوم ، فإذا استمر القاضى رغم ذلك فى نظر الدعوى ، كان حكمه باطلا ، وقابلا للطعن عليه ، حتى ولو كان صادرا من محكمة النقض (3) 0
وليس المقصود بعدم الصلاحية هنا عدم الصلاحية الفنية التى تجعل القاضى غير صالح للاستمرار فى وظيفته وتؤدى إلى عزله بواسطة مجلس تأديب خاص بالقاضى ، وإنما يقصد بها أن القاضى يكون غير صالح لنظر دعوى معينة افترض المشرع فيهـا أنه لن يكون محايدا عند نظرها ،
_____________
(1) انظر فى ذلك المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 299 ، بحث نظام رد القضاه بين الشريعة والقانون - لأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى ص 313 0
(2) انظر المادة (146) مرافعات والتى تنص على أنه ( يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ممنوعا من سماعها ولو لم يرده أحد الخصوم فى الأحوال الآتية :
1- إذا كان قريبا أو صهرا لأحد الخصوم إلى الدرجة الرابعة 0
2- إذا كان له أو لزوجته خصومه قائمة مع أحد الحصوم فى الدعوى أو مع زوجته 0
3- إذا كان وكيلا لأحد الخصوم فى أعماله الخصوصية أو وصيا عيه أو قيميا أو مظنونة وراثته له ، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة يوصى أحد الخصوم أو بالقيم عليه ، أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصة أو بأحد مديريها وكان بهذا العضو أو المدير مصلحة شخصية فى الدعوى 0
4- إذا كان له أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلا عنه أو وصيا أو قيميا عليه مصلحة فى الدعوى القائمة 0
5- إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم فى الدعوى ، أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق ل نظرها قاضيا أو خبيرا أو محكما ، أو كان قد أدى شهادة فيها " 0
(3) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 55 ص 65 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 مكرر ص 212 0
- 212 -
لكنه يكون صالحا لنظر ماعداها من الدعاوى (1) 0
ونظــام عــدم صلاحيـــة القاضـى لنظر الدعوى ، نظام استحدثه المشرع فى قانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 ، فالقوانين السابقــة لــم تكــن تعرف إلا نظام رد القاضى ، وأغلب أسباب عدم صلاحية القاضى فى القانون الملغى ، كانت فى القوانين السابقة عليه أسبابا للـرد ، ثم صدر قانون المرافعات الحالى ، فأخذ بهذا النظام الذى استحدثه القانون الملغــى (2) 0
وحالات عدم الصلاحية المطلقة وردت على سبيل الحصر فى القانون الوضعى ومن ثم لا يجوز التوسع فى تفسيرها ، ولا القياس عليها (3) 0
وهذه الحالات منها ما ورد فى قانون المرافعات ، ومنها ما ورد فى قوانين أخرى ، ونقوم يذكرها على النحو التالى من خلال الفروع التالية :
الفرع الأول
حالات عدم الصلاحية الواردة
فى قانون المرافعات (4)
أولا : حالات عدم الصلاحية المبنية على وجود صلة بين القاضى وأحد الخصــوم 0
الحالة الأولى : وجود قرابة أو مصاهرة إلى الدرجة الرابعة بين القاضى وأحد الخصوم (5) 0
____________
(1) قانون المرافعــات المدنيــة والتجاريــة د / أحمــد خليــل طبعــة 1996 دار الجامعــة الجديـــدة للنشـر ص 48 0
(2) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 53 ص 63 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 49 ص 72 0
(3) الوسيط د / فتحى والى بند 14 ص 212 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 50 ص 99 0
(4) وهذه الحالات نصت عليها المادة (146) مرافعات ، وكذلك المادة (165) مرافعات ، والمادة (498) مرافعــات 0
(5) انظر المادة (146/1) مرافعات والتى سبق ذكرها ص211 من هذا البحث 0
- 213 -
ووجه عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى هذه الحالة ظاهر لأن القرابة أو المصاهرة بين القاضى وأحد الخصوم حتى الدرجة الرابعة يغلب على الظن فيها حمل القاضى إلى الميل الأحد الخصوم ، هذا يخل بما يجب أن يكون عليه القاضى من حيدة ونزاهة (1) 0
وتعتبر المصاهرة كسبب من أسباب عدم الصلاحية قائمة حتى ولو بعد انحلال الزواج الذى نتجت عنه المصاهرة بالطلاق أو الخلع أو بالوفاة (2) وذلك لأن روابط المصاهرة تمتد حتى بعد الوفاة ، ولأن النص الذى قرر المصاهرة جاء عاما ، ولم يخصص بشرط قيام المصاهرة فعلا (3) 0
ويــرى بعض الفقه أن رابطة المصاهرة تنتهى بالوفـاة أو بانحلال عقد الزواج بالطلاق أو بالخلع ، وذلك استنادا إلى حــالات عــدم الصلاحيــة وردت على سبيل الحصر ، والاستثناء لا يجوز التوسع فيه ، ك ما أن المشرع يقصد المصاهرة القائمة لا المنقضية (4) 0
وتنتج هذه الرابطة أثرها حتى ولو كان القاضى قريبا أو صهرا للخصمين معا ، إذ قد تكون علاقته بأحدهما علاقة عطف ومودة ، وبالآخر علاقة بغض وكراهية (5) 0
__________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 146 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد :
أن [ المصاهرة التى تجعل القاضى غير صالح لنظر الدعوى هى التى تكون فى النطاق الذى يتم بالنص إلى الدرجة الرابعة ، وكانت المصاهرة المدعى قيامها بين المطعون عليه ورئيس الدائرة التى أصدرت الحكم المطعون فيه تجوز هذه الدرجة ، فإنه لا يكون ممنوعا من نظرها ، وكان سبب النعى على الحكم المطعون فيه بالبطلان أنه علم بعد صدور الحكم أن رئيس الدائرة التى أصدرته هو أخ لزوجة عم المطعون عليه ) انظر الطعن رقم 90 س 30 ق نقض مدنى جلسة 20/2/1966 0
(2) الوسيط د / فتحى ولى بند 114 مكرر ص 213 ، تقنين المرافعات فى ضوء الفقه والقضاء للأستاذ/ محمد كمال عبد العزيز - الطبعة الثالثة سنة 1995 ص 878 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 98 0
(4) انظر فى عرض هذا الرأى والنقد الموجه إليه . قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 252 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 146 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 69 ص 83 هامش 1 0
(5) الوسيط د/ فتحى والى بند 114م ص 213 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 878 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 0
- 214 -
الحالة الثانية : وجود صلة خاصة بين القاضى وأحد الخصوم :
وتتحقق هذه الحالة ، إذا كان القاضى وكيلا لأحد الخصوم فى أعماله الخصوصيه ، أو وصيا عليه أو قيميا أو مظنونة وراثته له ، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة يوصى أحد الخصوم أو بالقيم عليه ، أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصمة أو بأحد مديريها ، وكان لهذا العضو أو المدير مصلحة شخصه فى الدعوى (1) 0
والعلـة فى عدم الصلاحية فى هذه الحالة هي العناية والعاطفة اللتين يتصف بها الوكيل أو النائب عن عديم الأهلية ، وذات العلة متوفرة فى باقى صور هــذه الحالــة ، وهذا لا يتفق مع ما يجب أن يتصف به القاضى من النزاهة والحيدة وعدم التحيز لأحد الخصوم (2) 0
هذا ، ويجب أن تكون الوكالة أو الوصية أو القوامة قائمة عند نظر الدعوى ، فإذا كانت قد أنقضت قبل رفع الدعوى ، فإنها لا تمنع القاضى من نظر الدعوى (3) 0
ومن ناحية أخرى ، يقصد بمظنة الإرث ، أن يكون القاضى ممن يمتون لأحد الخصوم بسبب من أسباب الإرث ، ولو وجد من يحجبه عنه أو يحرمه منه ، إذ قد يزول سبب الحجب أو الحرمان قبل وفاة الخصم (4) . والحكمة من ذلك هو أن مظنة إرث القاضى لأحد الخصوم تجعل للقاضى مصلحة فى كسب مودة هذا القريب واسترضائه حتى لا يحرمه من الميراث (5) 0
ولذا إذا كان الإرث قد تحقق فعلا قبل رفع الدعوى فلا يصلح مانعا من نظر الدعوى ، كما أن مظنة إرث أحد الخصوم للقاضى فلا يعد مانعا من نظر الدعوى (6) 0
___________
(1) انظر المادة (146/3) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من هذا البحث هامش 2 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 147 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 114م ص 213 ، الوجيز فى المرافعات د / محمد محمود إبراهيم ص 111 ، وفى ذات المعنى حكم محكمة النقض مدنى فى الطعن رقم 243 س 32 قضائية جلسة 27/10/1966 - مجموعة أحكام النقض س 17 ص 1592 0
(4) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 214 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 99 0
(6) قانون المرافعات د / محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 255 ، قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 147 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 214 0
- 215 -
ويلاحظ أن الوكالة التى تجعل القاضى غير صالح لنظر الدعوى هى التى تكون عن أحد الخصوم ، فلا تتحقق عدم الصلاحية إذا كان محامى أحد الخصوم وكيلا عن القاضى ، لأن المحامى لا يعتبر طرفا فى الخصومة التى وكل فيها حيث أن طرف الخصومة هو الذى يمثله المحامى (1) 0
ثانيـا : حالات عدم الصلاحية المبنية على وجود كراهية بين القاضى وأحد الخصوم:
الحالة الأولى : إذا كان للقاضى أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم فى الدعوى أو مع زوجته (2) 0
والحكمة من جعل هذه الحالة سببا من أسباب عدم الصلاحية لنظر الدعوى أن الخصومات تثير الأحقاد ، وتحمل على التشفى مما يخشى معه انحراف القاضى عن طريق العدالة أو اتهامه بذلــك (3) 0
ويشترط لتحقق هذه الحالة ، أن تكون الخصومة قد نشأت بين القاضى أو زوجته مع أحد الخصوم أو زوجته قبل قيام الدعوى المعروضة على القاضى ، وأن تظل قائمة إلى حين عرض الدعوى على القاضى ، أما إذا نشأت الخصومة بعد عرض الدعوى على القاضى فإنها تكون سببا من أسباب الرد (4) وبالتالى إذا كانت الخصومة قد نشأت وانقضت قبل عرض الدعوى على القاضى ، فلا تكون سببا من أسباب عدم الصلاحية أو الرد (5) 0
____________
(1) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 880 ، وانظر فى ذات المعنى حكم محكمة النقض فى الطعن رقم 1447 سنة 50 قضائية جلسة 7/6/1984 - مجموعة أحكام سنة 50 قضائية جلسة 7/6/1984 - مجموعة أحكام النقض سنة 35 ص 1564 0
(2) انظر المادة (146/2) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من البحث هامش 2 0
(3) قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 50 0
(4) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، والمرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 54 ص 63 0
(5) المرافعات المدنية والتجارية د / أحمد أبو الوفا بند 54 ص 63 ، ويرى بعض الفقه عكس ذلك حيث يرى أن سبب عدم الصلاحية يكون قائما حتى ولو انتهت الخصومة فعلا قبل رفع الدعوى ، لأن العلة وهى الكراهية لا تزال قائمة ، انظر قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 99 0
- 216 -
وفضلا عما تقدم يشترط فى الخصومة القائمة حتى تكون سببا لعدم الصلاحية أن تكون خصومة قضائية ، لذا فالشكوى للجهة الإدارية أو النيابة العامة لا تكون سببا لعدم الصلاحية ولكنها تصلح سببا للرد ، لأنها تؤدى إلى العدواة التى تؤثر على حياد القاضى (1) 0
الحالة الثانية : رفع دعوى تعويض على طالب الرد (2) 0
إذا كان القاضى قد طلب رده ، فرفع دعوى تعويض على طالب الرد أو قدم ضده بلاغا إلى جهة الاختصاص ، فبمجرد رفع القاضى دعوى التعويض على طالب الرد ، زالت صلاحيته لنظر الدعوى التى قدم عنها طلب الرد (3) 0
والحكمة التى من أجلها ألحق المشرع هذه الحالة بحالات عدم الصلاحية وليس بأسباب الرد ، أن المشرع رأى أن القاضى باختصاصه طالب الرد يكون قد أصبح خصما له لأن وجود خصومة بين القاضى والخصم قد يخرجه عن حياده ومن ثم تضحى حالة مماثلة للحالة التى نص عليها المشرع فى الفقرة الثانية من المادة (146) مرافعات (4) 0
الحالة الثالثة:الحكم بجواز قبول دعوى المخاصمة المرفوعة ضد القاضى(5) 0
إذا رفعت على القاضى دعوى المخاصمة ، وحكــم بجـواز قبولها ، فإنه يكون غــير صالح لنظر
____________
(1) شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعم الشرقاوى المطبعة العالمية سنة 1956 جـ 1 ص 209 هامش (22) نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 221 هامش (1) ، قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 146 هامش (4) ، وذهب بعض الفقه إلى عكس ذلك حيث يرون أنه لا يقصد بالخصومة هنا الخصومة أمام القضاء فحسب ، بل يشمل الخصومات الناشئة عن المنازعات أمام الجهات أخرى كالنيابة العامة والشكاوى ، انظر فى ذلك تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 879 ، قواعد المرافعات د/ محمد العشماوى و د/ عبد الوهاب العشماوى جـ 1 بند 13 ص 148 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 99 0
(2) انظر المادة (165) مرافعات والتى تنص على أنه (إذا رفع القاضى دعوى تعويض على طالب الرد أو قدم ضده بلاغا لجهة الاختصاص زالت صلاحيته للحكم فى الدعوى وتعين عليه أن تنحى عن نظرها ) 0
(3) الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 50 ص 100 0
(4) التعليق على قانون المرافعات للديناصورى وعكاز ص 444 0
(5) انظر المادة (498 ) مرافعات والتى تنص على أنه ( يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ الحكم بجواز قبول المخاصمة ) 0
- 217 -
الدعوى التى حصلت المخاصمة بسببها ، وذلك من يوم الحكم بجواز قبول المخاصمة (1) 0
ثالثا : حالات عدم الصلاحية المتعلقة بموضوع النزاع :
الحالة الأولى : وجود مصلحة فى الدعوى القائمة للقاضى أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن هو وكيلا عنه أو قيما أو وصيا عليه (2) 0
والحكمة من جعل المشرع هذه الحالة من حالات عدم الصلاحية لكى تشمل ما قد تقصر سائر الحالات السابقة عن تناوله ، فقد تكون الدعوى المطروحة على القاضى مرفوعه من أو على غير ممن عددهم المشرع فى البنود الثلاثة الأولى من المادة (146) مرافعات ولكن توجد للقاضى أو لزوجته أو أحد أقاربه أو أصهاره مصلحة من ورائها ، كالدعوى التى تقام من أحد المساهمين فى شركة يساهم فيها القاضى ، أو أحد من أولئك ، ويكون من شأن موضوع الدعوى أن يحقق له أولهم مصلحة وإن كانت غير ظاهرة ، لذا نص المشرع على تلك الحالة قضاء على كل شبهة ودفعا لكل مظنة ولو بعدت (3) 0
هذا ويقصد بالأقارب والأصهار ، من ليسوا خصوما فى القضية المعروضة على القاضى لأن هذا الفرض قد عالجته المادة (146/1) مرافعات ، كما يقصد بالمصلحة ، أن يوجد أحد هؤلاء فى مركز قانونى ، بحيث يستفيد من الحكم الصادر فى الدعوى ، كما لو كانوا مساهمين فى الشركة المختصمة (4) 0
وعلى ذلك ، فوجود مصلحة للقاضى أو لزوجته أو لأحد الأشخاص السابق ذكرهم ، ولو لم يكونوا خصوما فى الدعوى القائمة ، من شأنه الإخلال بحيدة القاضى (5) 0
_______________
(1) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص301 ، بحث نظام رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى ص 377 0
(2) انظر المادة (146/4) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من نفس البحث هامش 2 0
(3) تضنين المرافعات أ / محمــد كمــال عبــد العزيز ص 880 ، قواعد المرافعات د/ محمد العشماوى ، د/ عبد الوهاب العشماوى بند 15 ص 150 0
(4) قانون القضاء المدنى د / عزمــى عبد الفتاح جـ 1 ص 100 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 214 0
(5)قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 148 0
- 218 -
ويشترط لتحقيق عدم الصلاحية فى هذه الحالة أن يثبت أن القاضى كان عالما بذلك ، وأنه عندما يحكم فى القضية عل نحو معين ، فإن ذلك يفيد أحدا ممن ذكرتهم المادة ، وبالتالى إذا كان القاضى لا يعلم أن أحدا من هؤلاء سوف يستفيد ، فلا يمكن القول أنه فقد حياده ، وذلك لأن المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى قد ذكرت أن " المعنى الجامع فى هذه الأسباب هو كونها معلومة للقاضى ويبعد أن يجهلها " وتكون المصلحة سببا لعدم الصلاحية ، سواء أكانت موجودة قبل نظر القاضى للدعوى أو قامت بعد ذلك ، لأن القانون لم يشترط أن تكون قائمة وقت نظر الدعوى (1) 0
الحالة الثانية : سبق إبداء القاضى لرأى فى الدعوى 0
يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ، ممنوعا من سماعها ، ولو لم يرده أحد الخصوم ، إذا كان قد أفتى أو ترافع عـــن أحــد الخصوم فىالدعوى ، أو كتب قيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق لــه نظرهــا قاضيا أو خبيرا أو محكما ، أو كان قد أدى شهادة فيها (2) 0
والحكمة من عدم الصلاحية فى هذه الحالة ترجع إلى أن الافتاء فى الدعوى أو الكتابة فيها أو المرافعة عن أحد الخصوم يدل دلالة واضحة على الميل إلى جانب من حصل الإفتاء أو الكتابة أو المرافعة لمصلحته ، فضلا عما فيه من معنى إظهار الرأى الذى يدعوا إلى التزامه مما يتنافى مع ما يجب أن يكون عليه القاضى من الحرية فى تكوين رأيه على ضوء ما يجرى فى مواجهة الخصوم من تحقيق وما يقدمونه من أدلة (3) 0
ولا يعتبر موجبا لعدم الصلاحية أن يكون القاضى قد أبدى رأيه فى موضوع قانونى يتفق مع موضوع الدعوى كأن يكون أدلى برأى علمى فى مؤلف أو بحث وإلا كان مؤدى ذلك منع القاضى من التأليف والبحث العلمى (4) 0
___________
(2) قانون القضاء المدنى د / عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 100 0
(2) انظر المادة (146/5) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من نفس البحث 0
(3) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، 75 0
(4) المرافعات المدنيــة والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 54 ص 64 ، الوجيز فى المرافعات د / محمد إبراهيم ص 114
- 219 -
هذا ، ويشترط توافر إحدى هذه الأمور فى نفس الدعوى ، وبالتالى إذا كان فى دعوى أخرى ، فلا يصلح سببا لعدم الصلاحية ، حتى ولو كان هناك ارتباط ما يبين الدعويين ، ولذا فنظر القاضى للدعوى المستعجلة لا يعتبر سببا لعدم صلاحيته لنظر الدعوى الموضوعية (1) 0
وقد يسبق للقاضى نظر الدعوى ، ومع ذلك يكون صالحا لنظرها ، وذلك إذا نص المشرع على أن طريق طعن معين يمكن أن يقدم إلى نفس القاضى الذى أصدر الحكم المطعون فيه ، كما هو الحال بالنسبة لالتماس إعادة النظر ، فإن القاضى يكون صالحا لنظر الدعوى بالرغم من سبقه نظرها (2) 0
ويلاحظ أنه ليس من الضرورى لقيام عـــدم الصلاحية فى هذه الحالة بسبب سبق أداء الشهادة ، أن تكون شهادة القاضى قد وردت على ذات الخصومة المطروحة إمامة ، وإنما يكفى أن يكون قد شهد فى خصومة أخرى تعتبر الخصومة الحالية استمرار لها أو تكون مرتبطة بها ارتباطا وثيقا ، ولكن لا يكفى أن يكون القاضى قد اكتفى فى شهادته بأنه لا يعرف شيئا ، أو إذا كان قد أعلن للشهادة بقصد منعة مــن نظر الدعوى أو إذا كان أحد الخصوم نوى دعوته للشهــادة (3) 0
الفرع الثانى
حالات عدم الصلاحية الواردة فى قانون السلطة القضائية
الحالة الأولى : وجود صلة قرابة بين القضاة أعضاء الدائرة الواحدة :
نص المشرع على هذه الحالة فى المادة (75/1) من قانون السلطة القضائية والتى تنص على أنه ( لا يجوز أن يجلس فى دائرة واحدة ، قضاة بينهم قرابة أو مصاهرة ، حتى الدرجة الرابعة بدخول الغايــة .... "
____________
(1) الوسيط د / فتحى والى بند 14م ص 215 ، وانظر حكم نقضى فى ذات المعنى نقض مدنى جلسة 14/12/1966 - مجموعة أحكام النقض س 17 ص 1900 -
(2) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص76، المرافعــات المدنيــة والتجاريـــة د / أحمــد أبو الوفا بند 54 ص 64 0
(3) قتنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 886 ، 887 ، قواعد المرافعات د / محمد العشماوى ، د/ عبد الوهاب العشماوى جـ 1 ص 152 0
- 220 -
وهذا المانع ورد على سبيل الاستثناء ، فلا يقاس عيه ، ولذا لا يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ، لمجرد كون القاضى قريبا لقاضى التحقيق الذى ندبته النيابة لتنفيذ ما أمرت به غرفة الاتهام بإجرائه من استجواب المتهمين (1) 0
ويكفى لقيام هذه الحالة ، أن تتحقق القرابة أو المصاهرة بين عضوين من أعضاء الدائرة ، ولو كانا معا أقلية ، وذلك لضمان استقلال القاضى فى رأيه وعدم تأثره بآراء قريبة أو صهره (2) . وكذلك لضمان خلوه من المؤثرات الذاتية التى يمكن أن تؤثر فى رأيه نتيجة صلة القربى أو المصاهرة فتخرجه عن تجرده وموضوعية وهما أساس حياده (3) 0
الحالة الثانية : وجود صلة قرابة بين القاضى وممثل النيابة أو الممثل القانونى لأحد الخصوم حتى الدرجة الرابعة :
نص المشرع على هذه الحالة فى المادة (75/2) من قانون السلطة القضائية والتى تنص على أنه ( لا يجوز أن يكون ممثل النيابة أو ممثل أحد الخصوم أو المدافع عنه ممن تربطهم الصلة المذكورة بأحد القضاه الذين ينظرون الدعوى ، ولا يعتد بتوكيل المحامى الذى تربطة بالقاضى الصلة المذكورة إذا كانت الوكالة لاحقة لقيام القاضى بنظر الدعوى " 0
والحكمة من عدم الصلاحية فى هذه الحالة ما تؤدى إليه هذه الصلة من التأثير على حياد القاضى (4) 0
ويشترط لتحقيق هذه الحالة ، أن تكون وكالة المحامى سابقة على رفع الدعوى أو معاصرة لها وأن يكون المحامى قد شرع فعــلا فــى مباشـــرة أعمال وظيفته ، وبالتالى لا يكفى فى توافر عدم
________________
(1) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 887 ، وانظر فى ذات المغنى نقض جنائى جلسة 26/6/1956 - مجموعة أحكام النقض الجنائى س 7 ص 910 0
(2) الوسيط د / فتحى والى بند 114م ص 213 0
(3) الموجز فى أصول وقواعد المرافعات د / أحمد ماهر زغلول طبعة سنة 1992 ، 1993 جـ 1 بند 80 ص 133 ، بحث نظام رد القضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى ص 383 بند 61 0
(4) الوسيط د / فتحى والى بند 14 م ص 213 0
- 221 -
الصلاحية ، مجرد قيام الصلة بين المحامى الموكل عن الخصم والقاضى (1) أو تكون الوكالة لاحقه لقيام القاضى بنظر الدعوى ، وذلك لمنع التحايل الذى يعمد إليه بعض الخصوم بقصد تنحية القاضى عن نظر الدعوى وذلك بأن يعمد الخصم الراغب التنحية أثناء نظر الدعوى إلى توكيل محام له صلة بالقاضى (2) 0
الفرع الثالث
الأثر المترتب على توافر إحدى حالات عدم الصلاحية
متى تحققت إحدى حالات عدم الصلاحية السالف بيانها أصبح القاضى بقوة القانون غير صالح لنظر الدعوى التى توافرت فيها إحدى هذه الحالات وممنوعا من سماعها ، ولو لم يرده أحد الخصوم عن نظرها ، ويجب على القاضى أن يتنحى من تلقاء نفسه عن نظرها ، فلو نظرها القاضى رغم ذلك كان حكمه باطلا ولو اتفق الخصوم على نظر القاضى لهذه الدعوى ويجوز الطعن فى هذا الحكم بطرق الطعن المقررة (3) وزيادة فى الاطمئنان والتحوط لسمعة القضاء نص المشرع على أنه إذا وقع هذا البطلان فى حكم صدر من محكمة النقض جاز للخصم أمامها سحب الحكم وإعادة نظر الطعن ، وهذا استثناء من الأصل العام الذى يجعل أحكام محكمة النقض بمنأى عن الطعن (4) 0
هذا ، ويلاحظ أن بطلان حكم النقض لعدم الصلاحية هو الحالة الوحيدة التى أجاز فيها المشرع سحب حكــم محكمة النقض ، ومن ثم لا يجوز العدول عن حكم النقض إلا فى هذه الحالــة (5) 0
______________
(1) الموجز فى أصول وقواعد المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 132 هامش (2) ، بحث رد القضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 63 ص 384 0
(2) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 73 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 213 0
(3) انظر المادة (147) مرافعات والتى تنص على أنه ( يقع باطلا عمل القاضى أو قضاؤه فى الأحوال المتقدمة الذكر ولو تم باتفاق الخصوم ، وإذا وقع هذا البطلان فى حكم صدر من محكمة النقض جاز للخصم أن يطلب منها إلغاء الحكم وإعادة نظر الطعن أمام دائرة أخرى ) 0
(4) انظر المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 887 0
- 222 -
المطلب الثانى
حالات عدم صلاحية القاضى النسبية لنظر الدعوى
والمعروفة " بنظام رد القاضى "
سبق وأن ذكرنا أن من أهم الضمانات التى تكفل حماية القاضى من نفسه ونزاهته ، وتبعده عن مجال التأثر بالاعتبارات الخاصة التى قد تنأى به عن مقتضيات العدالة ، نظام عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظر بعض الدعاوى ، والرد ، والتنحى (1) . وقد تحدثنا فى المطلب الأول عن نظام عــدم الصلاحيــة المطلقـــة وحالاتها ، وفـى هذا المطلب سنتحدث عن نظام رد القاضى وما يتعلق به من أحكام من خلال الفروع الآتية :
• الفرع الأول : التعريف بنظام رد القاضى ، والتميز بينه وبين نظام عدم الصلاحية المطلقة 0
• الفرع الثانى : نطاق نظام رد القاضى 0
• الفرع الثالث : حالات رد القاضى ، وميعاده وإجراءاته 0
• الفرع الرابع : الأثر المترتب على تقديم طلب الرد 0
• الفرع الخامس : الخكم فى طلب الرد والطعن فيه 0
الفرع الأول
التعريف بنظام رد القاضى فى القانون الوضعى
والتميز بينه وبيـن نظام عدم الصلاحية المطلقة
أولا : تعريف الرد والهدف منـه :
( أ ) يقصد بـرد القاضى عن الحكم لدى فقهاء القانون الوضعى، منع القاضى من نظر الدعوى ، كلما قام سبب يدعوا إلى الشك فى قضائه فيها بغير ميل أو تحيز ، إذا لم يمتنع القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى (2) 0
____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 36 0
(2) شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعــم الشرقـــاوى جـ 1 بند 111 ص 213 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 49 ص 71 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 225 0
- 223 -
وعرفه البعض بأنه يقصد به وجود أسباب يترتب على توافر إحداها ، أن يكون للخصم الحق فى طلب رد القاضى (1) 0
( ب ) الهدف من نظام رد القاضى :
يهدف نظام رد القاضى ، إلى حسن قيام القاضى بوظيفته ، إذ قد تحيط بالدعوى المطروحة على القاضى ظروف وملابسات تثير الشك لدى الخصوم فى انحياز القاضى لصالح أحد الخصوم ، ورغبة من المشرع فى بث الاطمثنان فى نفوس المتقاضين ، وحرصا منه على حسن قيام القاضى بوظيفته ومن التأثر بهذه الظروف فقد نص على حالات معينة يجوز فيها للخصوم أن يطلبوا رد القاضى عن نظر الدعوى (2)
ثانيـا : التميز بين نظام الرد وعدم الصلاحية :
1- يتميز نظام رد القاضى عن عدم الصلاحية فى أن حالاته أقل خطورة وتأثيرا على حياد القاضى من حالات عدم الصلاحية ، ولذلك جعل المشرع عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى حالة توافر إحدى حالات الرد يتوقف على طلب الخصوم أو أحدهم (3) 0
2- أنه يترتب على توافر إحدى حالات الرد يلتزم القاضى بأن يخبر المحكمة بذلك ، لكى تأذن له بالتنحى عن نظر الدعوى ، ويكون للخصوم الحق فى طلب تنحى القاضى عن نظر الدعوى ومع ذلك إذا لم تنحى القاضى عن نظر الدعوى من تلقاء نفسه ولم يطلب أحد الخصوم تنحيه عن نظر الدعوى وأصدر حكمه كان حكما صحيحا (4) ، على عكس ما لو توافرت إحدى حالات عدم الصلاحية المطلقة سالفة الذكر حيث يترتب عليها عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى بقوة القانون ، حتى ولو اتفق الخصوم على نظره لدعوى ، فلو استمر القاضى فى نظر الدعوى رغم توافر إحدى حالات عدم الصلاحية وأصــدر حكمه فى الدعوى كان حكمه باطلا
_______________
(1) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى د/ عبد الحكم شرف ص 301 0
(2) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر بند 27 ص 38 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 51 ص 101 0
(4) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 49 ص 72 0
- 224 -
ويجوز الطعن عليه بطرق الطعن المقررة ، حتى ولو كان صادرا من محكمة النقض ، فيجوز للخصم أن يطعن على هذا الحكم الصادر من محكمة النقض أمام دائرة أخرى (1) 0
الفرع الثانى
نطاق نظام رد القاضى
أولا : قضاة المحاكم العاديـة :
يجوز تقديم طلب الرد ضد أى قاضى يتبع أى محكمة من محاكم القضاء العادى ، مهما كانت درجته ، أى سواء كان قاضيا فى المحكمة الابتدائية ، أم محكمة الاستئناف ، أم محكمة النقض ، وكذلك يجوز رد القاضى ولو كان منتدبا من محكمة أخرى (2) 0
على أنه يلاحظ أنه لا يجوز طلب رد جميــع قضاة أو مستشــارى المحكمــة أو بعضهم ، بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى ، الأصلية أو طلب الرد (3) 0
كذلك يسرى نظام الرد على أعضاء هيئة مفوضى الدولة وذلك بالرغم من أنهم لا يتولون الفصل فى الدعوى الإدارية ، لأن لهم دورا فى تحضير الدعوى الإدارية ، وللـرأى الذى يبدونه فى التقرير أثر فى تكوين اقتناع المحكمة (4) 0
ويرى بعض الفقه ، أن المفوض يعتبر بالنسبة للقاضى الإدارى ، كعضو النيابة العامة بالنسبة للقاضى العادى ، وبالتالى إذا كـان المفوض طرفا منضما فى الدعوى ، جاز رده قياسا على ما هو
_____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 85 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 114م ص 212 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 107 0
(3) انظر المادة (164) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (23) لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( لا يجوز طلب رد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة أو بعضهم بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى الأصلية أو طلب الرد ، هذا ، وجاء بالمذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 23 لسنة 1992 أنه ( حظر المشروع فى المادة (164) طلب رد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة أو بعضهم بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى الأصلية أو طلب الرد ، إذ من غير المستساغ أو المتصور أن تتوافر فــى جميع قضاة أو مستشارى المحكمة سببا من أسباب الرد التى وردت فى القانون على سبيل الحصر .... " 0
(4) انظر بحث رد القضاه بين الشريعة والقانون لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 25 ص 340 وقد أشار سيادته إلى حكم المحكمة الإدارية العليا فى 17/12/1955 س 1 ص 312 0
- 225 -
مطبق بالنسبة لأعضاء النيابة العامة ، وما عدا ذلك فلا يجوز رد أعضاء هيئة المفوضين ، رغم أن طبيعة الذى يقومون به من عمل قد يؤثر فى عمل القاضى الإدارى (1) 0
ثانيـا : قضاة المحاكم الإداريـة :
كذلك يسرى نظام الرد على أعضاء مجلس الدولة ، ويعتبر فى هذا الصدد ، قضاة المحاكم الإدارية ، كقضاة المحاكم الابتدائية ، أما مستشارى محكمة القضاء الإدارى فتطبق عليهم ذات القواعد الخاصة برد مستشارى محكمة الاستئناف ، أما مستشارى المحكمة الإدارية العليا (2) وأعضاء المحكمة الدستورية العليا فتطبق فىشأنهم القواعد الخاصة بمستشارى محكمة النقض (3) .
ثالثا : أعضاء النيابة العامــة :
كذلك يطبق نظام الرد على أعضاء النيابة العامة بجميع درجاتهم وذلك فى الحالات التى تتدخل فيها فى الدعوى كطرف منضم سواء أكان انضمامها جوازيا أم وجوبيا ، وهذا ما نص عليه المشرع فى المادة (163) من قانون المرافعات الحالى والتى جرى نصها على أنه ( تتبع القواعد والإجراءات المتقدمة عند رد عضو النيابة إذا كان طرفا منضما لسبب من الأسباب المننصوص عليها فى المادتين 146 ، 148) 0
____________
(1) رد مخاصمـة أعضـاء الهيئات القضائيــة د / علـــى عــوض حسن طبعة سنة 1999 دار الفكر بند 130 ص 235 0
(2) انظر المادة (53) من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 والتى تنص على أنه ( تسرى فى شأن رد مستشارى المحكمة الإدارية العليا القواعد المقررة لرد مستشارى محكمة النقض ، وتسرى فى شأن رد مستشارى محكمة القضاء الادارى والمحاكم التأديبية للعاملين من مستوى الإدارة العليا ، القواعد المقررة لرد مستشارى محاكم الاستئناف . وتسرى فى شأن رد أعضاء المحكم الإدارية والمحاكم التأديبية الأخرى القواعد المقررة لرد القضاه " 0
(3) انظر المادة (15) من القانون رقم (48) لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا والتى نصت على أنه ( تسرى بشأن عدم صلاحية عضو المحكمة وتنحيته ورده ومخاصمته ، وتفصل المحكمة الدستورية العليا فى طلب الرد ودعوى المخاصمة بكامل أعضائها عدا العضو المشار إليه ومن يقوم لديه عذر ويراعى أن يكون عدد الأعضاء الحاضرين وترا ، بحيث يبعد أحدث الأعضاء ، ولا يقبل رد أى مخاصمة جميع أعضاء المحكمة أو بعضهم بحيث يقل عدد الباقين منهم عن سبعة ، ويسرى فى شأن رد أعضاء المحكمة الدستورية العليا القواعد النصوص عليها فى قانون المرافعات ... ) 0
والحكمة من ذلك يرجع إلى أن النيابة العامة باعتبارها طرفا منضما فى تلك القضايا مطالبة بتمام الحيدة فى إبداء رأيها ، ومهما قيل أن رأى النيابة غير ملزم للمحكمة إلا أنه لا جدال فى أن هذا الرأى كثيرا ما يكون له تأثير فى وجهة النظــر عند الحكم ، وهذا الضرر يكفى لتبرير ردها ، إذا كان ثمة من الأسباب ما يسنده (1) 0
رابعا : المحكمـون :
لما كان التحكيم يعتبر قضاء ، وحكم المحكمين يعتبر عملا قضائيا (2) لذا يسرى نظام الرد على المحكم (3) ، وذلك حتى يتمتع بثقة الخصوم فيطمئنوا إلى قضائه (4) 0
غير أنه يلاحظ أنه لا يجوز طلب رد المحكم إلا إذا كان سبب الرد قد قام بعد الاتفاق على اختياره أو كان الخصم طالب الرد لا يعلم بسبب الرد إلا بعد هذا الاتفاق (5) وذلك لأنه إذا كان سبب الرد قائما قبل الاتفاق على التحكيم وكان الخصم يعلم به عند ذلك ، فإنه باختياره هذا الشخص محكما يكون تنازل عن حقه فى طلب رده (6) 0
ويقدم طلب رد المحكم إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر الدعوى وليس إلى هيئة المحكمين ويجب تقديم هذا الطلب خلال خمسة أيام على الأكثر من قيام سبب الرد أو من علم الخصم طالب الرد بهذا السبب (7) 0
ومع ذلك سواء قدم طلب الرد المحكم أو لم يقدم فإن للمحكم - شأنه شأن القاضى - أن يتنحى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى مع ملاحظة عدم جواز تنحيه إلا لسبب معقول (8) 0
____________
(1) انظر المذكرة الايضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 عن المادة (333) والمقابلة للمادة (163) من قانون المرافعات الحالى ، وانظر أيضا تقنين المرافعات د/ محمد كمال عبد العزيز ص 941 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 24 ص 56 0
(3) قانون التحكيم الكويتى د / عزمى عبد الفتاح طبعة سنة 1990 ص 216 0
(4) إجراءات التنفيذ د/ أحمد أبو الوفا بند 60 ص 83 0
(5) انظر المادة (503/3) مرافعات 0
(6) الوسيط د/ فتحى والى بند 415 ص 936 0
(7) المادة (503/3) مرافعات 0
(8) الوسيط د/ فتحى والى بند 415 ص 936 0
- 227-
الفرع الثالث
حالات رد القاضى ، وميعاده وإجراءاته
أولا : حالات رد القاضى :
بادىء ذى بد اختلف الفقه القانونى حول ذكر المشرع لحالات الرد هل وردت على سبيل الحصر أم لا؟
فذهب بعض الفقه إلى أن المشرع قد أورد حالات رد القاضى على سبيل الحصر ولا يجوز القياس عليها (1) 0
وذهب بعض الفقه إلى أن المشرع وإن كان قد نص على حالات الرد على سبيل الحصر ، إلا أن إحدى هذه الحالات قد وردت بصيغة عامة جعلت الحصر غير جامد ، وهى الحالة الأخيرة من نص المادة (148/4) مرافعات (2) ، وبذلك يكون المشرع قد اتخذ طريقا وسطا فى النص على حالات رد القاضى (3) 0
وسنتناول هذه الحالات على النحو التالى :
الحالة الأولى : إذ كان للقاضى أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التى ينظرها (4) 0
يشترط لتحقق هذه الحالة حتى تكون سببا من أسباب الرد ما يلـى :
1- أن تكون هناك دعوى مماثلة للقاضى أو لزوجته للدعوى التى ينظرها ، ويقصد بالتماثل هنا أن يكون موضوع وسبب الدعويين واحد ، وأن تثير دعوى القاضى أو زوجته نفس المسألـــة
_____________
(1) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 0
(2) انظــر المـــادة (148/4) مرافعـــات والتى تنص علـــى أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- ............... 2- ................. 3- .......................
4- إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عــداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل ) 0
(3) الوسيط د / فتحى والى بند 115 ص 216 0
(4) انظر المادة (148/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية :
1- إذا كان له أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التى ينظرها .... " 0
- 228 -
القانونية التى تثيرها الدعوى المطلوب رده عن نظرها (1) 0
ويرجع ذلك إلى أن القاضى سيميل إلى القضاء فى الاتجاه الذى يتفق مع مصلحته مدفوعا فى ذلك بشعوره الطبيعى وبالرغبة فى إنشاء سابقة قضائية يستند إليها فى دعواه (2) 0
2- أن تكون دعوى القاضى أو زوجته قائمة بالفعل أمام القضاء (3) 0
ويكفى فى هذا الصدد ، أن تكون صحيفة الدعوى قد أودعت قلم كتاب المحكمة ولو انقضت ثلاثة أشهر دون إعلانها ، طالما لم يتم الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن (4) 0
وعلى هذا ، لا يكفى النزاع الذى لم يرفع بعد إلى القضاء ولو كان النزاع جديا (5) 0
ومما هو جدير بالذكر أن الأمر يقتصر فى هذه الحالة هنا على القاضى وزوجته فحسب ، فلا يمتد سبب الرد ليشمل الأقارب والأصهار ، ويتحقق سبب الرد ، متى وجدت دعوى مماثلة ، سواء أكان للقاضى مصلحة أم لا (6) 0
وفى الواقع كما يرى بعض الفقه - بحق - أنه يصعب على الخصوم معرفة هذا السبب من أسباب الرد ، بل قد يستحيل ذلك ، لذلك تبدو فائدة التنحى الوجوبى من القاضى الذى نصت
_______________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 ، المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 ، وانظر حكم محكمة النقض فى هذا الشأن أن [ دعوى النفقة تختلف فى موضوعها وسببها عن دعوى التطليق ، لاختلاف المناط فى كل منهما ، فبينما تقوم الأولى على سند من احتباس الزوجة لزوجها ، وقصرها عليه لحقه ومنفعته بحيث لا يحق لها أن تنشز عن طاعته إلا بحق ، أما الثانية تؤسس على ادعاء الإساءة واستحكام النفور والفرقة بين الزوجين ) [ نقض مدنى رقم 2 لسنة 45 قضائية جلسة 28/4/1976 ( أحوال شخصيــة ) 0
(2) الوسيط د / رمزى سيف بند 51 ص 77 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 154 0
(3) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ث 891 0
(4) قوانين المرافعات د/ أمينة النمر جـ 1 ص 110 هامش (51) بحث رد القصاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 47 ص 364 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 891 ، التعليق على قانون المرافعات - للديناصورى وعكاز ص 249 التعليق على المادة (148) مرافعات 0
(4) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 106 0
- 229 -
عليه المادة (149) مرافعات ، ولذا كان يحسن اعتبار هذه الحالة ضمن الواجبات المهنية ، وأن ينص عليها فى قانون السلطة القضائية ، كحالة عدم جواز جلوس قضاة بينهم قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة بدخول الغاية (1) 0
الحالة الثانية : وجود خصومة لاحقه على رفع الدعوى بين القاضى أو زوجته وبين أحد الخصوم أو زوجته (2) 0
يشترط لتحقق هذه الحالة حتى تكون سببا من أسباب الرد ما يلى :
1- أن تكون الخصومة قد نشأت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضى ، لأنه إذا كانت الخصومة سابقة علــى رفع الدعوى ، فإنها تعتبر من أسباب عدم الصلاحية المطلقة (3) طبقا للمادة (146/2) (4) 0
2- ألا يكون المقصود مــن رفــع هـــذه الدعوى رد القاضى عن نظر الدعوى ، وذلك حتى لا يتخذ الخصوم مـــن هــذا السبب وسيلــة للمشاكسة والتحايل بقصد الوصول إلى رد القاضــى (5) 0
ويقصد بالخصومة فى هذه الحالة ما ينشأ عن رفع الدعوى أمام القضاء ، وما ينشأ عن تقديم الشكاوى الادارية والخلافات الاجتماعية ، لأن المشرع لم يقل خصومة أمام القضاء كما نص المشرع فى المادة (148/2) مرافعات . فالمقصود هو الخصومة بالمدلول الاجتماعى وليس المدلول الاجرائى (6) 0
____________
(2) د/ عزمى عبد الفتاح - المرجع السابق - جـ 1 ص 106 0
(2) انظر المادة (148/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- ….. ، أو إذا حدث لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم أو زوجته بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضى مالم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه ) 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 147 0
(4) انظر المادة (146/2) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من نفس البحث 0
(5) المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 ، الوسيط د / فتحى والى بند 115/ 13) 0
(5) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 0
- 230 -
الحالة الثالثة : وجود خصومة بين مطلقة القاضى التى له منها ولد أو أحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب وبين أحد الخصوم أو زوجتـه (1) 0
والعلة من ذلك أن وجود خصومة بين هؤلاء الأشخاص الذين تربطهم بالقاضى رابطة قوية وبين أحد الخصوم من الممكن أن تؤثر على حياد القاضى (2) 0
ويشترط لتحقق هذه الحالة ما يلـى :
1- أن يكون طرف الخصومة من أقارب القاضى المحددين فى النص على سبيل الحصر ، ولذلك يعتبر قريبا للقاضى – كما يقرر النص – مطلقته التى له منها ولد ، ويستوى فى ذلك أن يكون الطلاق رجعيا أم بائنا ، كما يستوى فى الولد أن يكون ذكرا أم أنثى ، وبالتالى يخرج عن نطاق القرابة مطلقة القاضى التى ليس له منها ولد (3) 0
ويلاحظ أنه وإن كانت المصاهرة تشمل كل من ترطبه بصلة القرابة غير أن المشرع قصر المصاهرة فى هذا الخصوص على تلك التى تقوم على عمود النسب ، وهى ما كانت القرابة فيه منسوبة إلى الأب وإن علا والابن وإن نزل (4) 0
2- ويشترط كذلك أن تتخذ الخصومة شكل دعوى أمام القضاء لأن المشرع فى المادة (148/2) مرافعات حدد المقصود بالخصومة ووصفها بأنها الخصومة أمام القضاء دون غيرها من الخصومات أمام الجهات الإدارية وذلك خلافا لنص المادة (147/2) مرافعات (5) 0
ويستوى فى الخصومة أن تكون سابقة على الدعوى المذكورة ، أو لاحقة عليها ، على أنه يجب فى هذه الحالة الأخيرة ألا تكون الخصومة قد أقيمت بعد الدعوى المنظورة بقصـــد رد القاضى عن
____________
(1) انظر المادة (148/2) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- .....
2- إذا كان لمطلفته التى له منها ولد أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم فى الدعوى أو مع زوجته ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضى بقصد رده ) 0
(2) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 223 0
(3) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 طبعة سنة 1992 - 1993 ص 86 0
(4) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 وأشار سيادته إلى حكم محكمة القضاء الإدارى فى جلسة 2/4/1953 - مجموعة القضاء الادارى س 7 ص 821 0
(5)قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 ، و انظر المادة (147/2) مرافعات والتى سبق زكرها صـ224 من نفس البحث هامش 3 0
- 231 -
نظرها ، منعا للتحايل والمشاكسة من جانب الخصوم (1) 0
الحالة الرابعة : وجود صلة مودة بين القاضى وأحد الخصوم (2) 0
وبتحقق وجود صلة قوية بين القاضى وأحد الخصوم بإحدى الأمور التى حددها المشرع على سبيل الحصر ولا يترك الأمر فيها لتقدير المحكمة (3) 0
وتتمثل تلك الأمور فـى :
1- إذا كان أحد الخصوم خادما للقاضى 2- اعتياد القاضى مؤاكلة أحد الخصوم 0
3- اعتياد القاضى ومساكنة أحد الخصوم 4- قبول القاضى هدية من أحد الخصوم (4) 0
والفكرة المشتركة بين هذه الأمور وجعلها سببا من أسباب الرد هى أن وجود علاقة شخصية بين القاضى وأحد الخصوم ، أو مؤاكلته أو مساكنته أو تلقى الهدايا منه ، يعتبر دليل على الصداقة والمودة مما يخشى معه ميل القاصى فى الحكم لصالحه (5) 0
ويقصد بالخادم كل من تربطه بالقاضى رابطة تبعية كالوكيل والكاتب والسكرتير والعامل ، ولكن لا يمتد إلى المزارع أو المستأجر (6) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 154 ، المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 0
(2) انظر المادة (148/3) مرافعات والتى تنص على أنه :
( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- ............... 2- .................
3- إذا كان أحد الخصوم خادما له ، أو كان هو قد اعتاد مؤاكلة أحد الخصوم أو مساكنته ، أو كان تقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده ... ) 0
(3) النظام القضاءين والاختصاص د/ أمينة النمر طبعة سنة 1984 ص 66 0
(4) انظر المادة (148/3) مرافعات سالفة الذكر 0
(5) مبادىء القضاء المدنى د/ وجـــدى راغـــب - طبعة دار الفكر العربى الطبعة الأولى سنة 1986 ص 199 0
(6) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
- 232 -
ويقصد باعتياد مؤاكلة القاضى لأحد الخصوم ، تكرار دعوة كل منهما صاحبه للطعام وإجابة كل منهما الدعوى مـرات ولو كانت المشاركة فى الطعام على مائدة الغير (1) فلا يتحقق الاعتياد إذا أكل القاضى مع أحد الخصوم مرة أو أكثر فى حفل عام دعا إليه غيرهما ولا يصلح سببا للرد (2) 0
وبالتالى فالاجتماع العارض بــين القاضى وأحــد الخصــوم علــى مائدة الغير ، لا يعد سببا للــــرد (3) 0
ويقصد باعتياد المساكنة أن يسكن كل من القاضى وأحد الخصوم معا فى مسكن واحد على سبيل الاعتياد (4) فلا يكفى أن ينزلا ليلة فى فندق ولو فى حجرة واحدة ، أو يسكنا معها فى مبنى واحد وكل منهما فى شقة مستقلة (5) ويرى بعض الفقه أنه يقصد بالمساكنة الجوار ، لأنه إذ سكن القاضى مدة طويلة بجوار الخصم فإنه قد توجد صلة مودة قد تكون أشد قوة من صلة القربى ، أما مجر السكن فى بناية واحدة دون جوار ، فلا يتحقق به معنى المساكنة الذى يقصده المشرع (6) 0
وكذلك يعد قبول القاضى الهدية من أحد الخصوم سببا من أسباب الرد حتى ولو لم تتوافر أركان جريمة الارتشاء (7) ولا يشترط أن يقدم الهدية لشخص القاضى وإنما يكفى أن يكون هو المقصود بتقديمها كأن تقدم الهدية إلى زوجته أو ابنه أو أحد أقاربه أو أصهاره أو أصدقائه لأن الهدف من تقديم الهدية لهؤلاء توصيلها للقاضى فى النهاية (8) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 0
(3) الوسيط د/ رمزى سيف بند 51 ص 78 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 125 ص 217 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 0
(7) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 51 ص 77 0
(8) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 ، قانون المرافعــات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 265 0
- 233 -
ويشترط فى الهدية حتى يكون فى قبولها سببا من أسباب الرد أن تكون ذات قيمة حقيقية ، وبالتالى لا تعتبر هدايا فى هذا الخصوص ، لعب الأطفال التى تقدم لأولاد القاضى إذ كانت تافهة القيمـــة (1) 0
كما يشترط أن يكــون القاضى قد قبل الهدية ، فإذا كان قد رفضها ، فإن هذه الواقعة بذاتها لا تصلح سببا للرد (2) 0
الحالة الخامسة : وجود بين القاضى وأحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل (3) 0
والحكمة من جعل المشرع هذه الحالة من حالات الرد ، لكى تشمل كل الأحوال التى يثور فيها الشك حول قدرة القاضى على الحكم بغير ميل أو تحيز إلى أحد طرفى الخصومة ، ومن ثم يجوز رد القاضى لعداوة شخصية ولو لم تنشأ عنها قضية ، أو لمودة وثيقة ولو لم تنشأ من الزوجية أو القرابة أو المصاهرة ، أو المؤاكلة (4) 0
___________
(1) قانون القضاء المدنى د/ عزمــى عبد الفتاح جـ 1 ص 104 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 264 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
ويرى بعض الفقه عكس ذلك ، حيـث يرون أن الهدية تعتبر سببا للرد ، أيا كانت قيمتها . وهذا ما يراه المشرع المصرى ، حيث جعل قبول القاضى آية هدية سببا للرد ، وذلك نظرا لما لسمعه القاضي من حاسية بالغة ، ولذلك حرص على أن ينأى به عن مواطن الشبهات ، انظر فى ذلك نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 227 ، شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعم الشرقاوى جـ 1 بند 112 ص 214 ، بحث رد القضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 38 ص 355 هامش (2) 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 155 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 264 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
(3) انظر المادة (148/4) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : ....
4- إذا كان بينه وين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعة الحكم بغير ميل ) 0
(4) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 0
- 234 -
ويشترط فى العداوة ، أو المودة حتى تكون سببا من أسباب الرد أن تكون شخصية ، فلا يكفى اتفاق القاضى ، أو اختلافه مع الخصم فى آرائه الفكرية أو السياسية (1) 0
كما يشترط أن تكون العداوة أو لمودة سابقة على رفع الدعوى ، ولا يعتد بهما إذا افتعلهما الخصم بعد رفع الدعوى ، لتنشأ سببا للرد (2) 0
كذلك يجب أ ن تكون المودة أو العدواة من القوة بحيث يستنتج منها أنه لا يمكن للقاضى أن يحكم بغير ميل ، أى أن يكون من شأنها أن تدفعه إلى القضاء بغير حق (3) 0
وعلى ذلك لا تصلح سببا لرد القاضى ، الكراهية التى قد يتصورها الخصم بينه وبين أحد قضاه الهيئة التى تنظر الدعوى ، وذلك من أسلوبه فى السير فى الدعوى ، وكذلك بالنسبة للمودة التى لا يستخلصها الخصم إلا من أسلوب القاضى فى معاملة خصمه (4) 0
وتقدير المودة والعدواة متروك للمحكمة حسب ظروف وملابسات الدعوى (5) 0
ثانيـا : الأثر المرتب على توافر إحدى حالات الرد :
إذا توافرت إحدى حالات الرد سالفة الذكر أوجب المشرع على القاضى التزام بأن يخبر المحكمة بذلك لكى تأذن له بالتنحى عن نظر الدعوى (6) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 0
(2) قانون القضــاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 107 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 265 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 218 0
(4) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 62 ص 86 ، بحث رد القضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 49 ص 367 0
(5) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 218 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ تقدير وجود عداوة بين القاضى وأحد الخصوم يراجح معها عدم استطاعته بغير ميل مما يميز طلب رده طبقا لما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (148) مرافعات ، أو نفى ذلك من المسائل التى تستقل بتقديرها محكمة الموضوع بلا معقب عليها لمحكمة النقض فى ذلك متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة تستند إلى أصل ثابت فى الأوراق .... [ نقض مدنى جلسة 18/1/1990 ، الطعن رقم 2335 لسنة 0 قضائية 0
(6) انظر المادة (149) مرافعات والتى تنص على أنه :
- 235 -
بالإضاقة إلى حق الخصوم فى طلب تنحية القاضى عن نظر الدعوى ، إلا أن المشرع لم ينص على بطلان عمل القاضى إذا لم يتنح من تلقاء نفسه ، ولم يرده أحد الخصوم ، وبالتالى يعد الحكم الصادر فى الدعوى صحيحا ، ولا يجوز التمسك ببطلانه (1) 0
وذلك لأن حالات الرد أقل خطورة من حالات عدم الصلاحية المطلقة على حياد القاضى ، ولذلك جعل المشرع عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى حالة توافر إحدى حالات الرد نسبية تتوقف على طلب الخصم (2) 0
ثالثا : ميعاد الرد وإجراءاته :
( أ ) ميعاد تقديم طلب الرد :
لم يضع القانون ميعادا زمنيا لتقديم طلب الرد ، ومن ثم فالأصل أن يقدم طلب الرد فى أى وقت ولكن المشرع وضع قيد إجرائيا (3) 0
وهو أنه يجب أن يتم تقديم طلب الرد ، قبل إبداء أى دفع شكلى أو موضوعى ، أو أى دفاع آخر فى الدعوى ، وإلا سقط الحق فيه (4) ، وذلك لأن التكلم فى الموضوع ، أو إبداء أى دفع شكلى يتنافى حتما مع طلب الرد لأنه يعتبر رضاء منهم يتولى القاضى الفصل فى الدعوى (5) 0
____________
= ( على القاضى فى الأحوال المذكورة فى المادة السابقة أن يخبر المحكمة فى غرفة المشورة أو رئيس المحكمة الابتدائية - على حسب الأحوال - بسبب الرد القائم به وذلك للإذن له بالتنحى ، ويثبت هذا كله فى محضر خاص يحفظ بالمحكمة ) 0
(1) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 216 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 41 ص 72 0
(2) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 51 ص 101 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 116 ، بحث رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 11 ص 326 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 109 0
(4) انظر المادة (151/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجب تقديم طلب الرد قبل تقديم أى دفع أو دفاع وإلا سقط الحق فيه ) 0
(5) المرافعات د / أحمد أبو الوفــا بند 57 ص 67 ، التعليق على قانون المرافعات للديناصورى وعكاز ص442 0
- 236 -
أما إذا كان طلب الرد موجها إلى قاض منتدب بالمحكمة ، لإجراء من إجراءات الإثبات ، فإنه يجب تقديم طلب الرد خلال ثلاثة أيام من ندبه ، إذا كان الندب صادرا فى حضور طالب الرد ، أو فى خلال ثلاثة أيام من تاريخ إعلان الندب إليه إذا كان صادرا فى غيبته (1) 0
غير أنه يلاحظ أنه يجوز تقديم طلب الرد بعد هذه المواعيد فى حالتين هما ، إذا كان حدوث سبب الرد فى تاريخ لاحق على إنتهاء هذه المواعيد ، وإذا أثبت طالب الرد أنه لم يعلم بسبب الرد إلا بعد إنتهاء تلك المواعيد (2) 0
(ب) الجزاء المترتب على عدم تقديم طلب الرد فى الميعاد :
يترتب على عدم تقديم طلب الرد فى الميعاد سالف الذكر ، سقوط حق الخصم فى طلب رد القاضى ، باعتبار أن السقوط هو الجزاء المقرر لمخالفة الميعاد الإجرائى المحدد قانونا للخصم ، ويستثنى من ذلك حالتان هما ، إذا حدث سبب الرد بعد الميعاد المتقدم ، وإذا أثبت الخصم أنه لم يعلم بسبب الرد إلا بعد مضى الميعاد (3) 0
هـذا ، ويلاحظ أن ميعاد التمسك برد القاضى ، وكذلك سقوط الحق فى الرد يتعلقان بالنظام العام ، وذلك على الرغم من كون نظام الرد ذاته مقرر لمصلحة الأشخاص لأن الفرض منهما تعجيل الفصل فى الدعوى ، وتفادى تعطيلها ، وهى اعتبارات تمس الصالح العام ، ومن ثم تقضى المحكمة بعدم قبول طلب الرد المقدم بعد الميعاد ، وبسقوط حق الرد من تلقاء نفسها ، ويجوز التمسك بهما فى أية مرحلة تكون عليها الإجراءات (4) 0
_____________
(1)انظر المادة (151/2) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( ... فإذا كان الرد فى حق قاضى منتدب فيقدم الطلب خلال ثلاثة أيام من يوم ندبه إذا كان قرار الندب صادر فى حضور طالب الرد ، فإن كان صادرا فى غيبته تبدأ الأيام الثلاثة من يوم إعلانه .... ) 0
(2) انظر المادة (151/3) مرافعات والتى تنص على أنه ( ... ويجوز طلب الرد إذا حدثت أسبابه بعد المواعيد المقررة ، أو إذا أثبت طالب أنه لم يعلم بها إلا بعد مضى تلك المواعيد ... " 0
(3) النظام القضائى والاختصاص د/ أمينة النمر بند 38 ص 69 ، بحث رد القضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 83 ص 406 0
(4) د/ أمينة النمر - المرجع السابق بند 38 ص 69 0
- 237 -
( جـ ) طريقة تقديم طلب الـرد :
يقدم طلب الرد بموجب تقرير فى قلم كتاب المحكمة التى يتبعها القاضى المطلوب رده ، يوقعه طالب الرد بنفسه أو وكيله المفوض فى ذلك بتوكيل خاص يرفق بالتقرير ، ويجب على طالب الرد عند التقرير بالرد أن يرفق به كافة المستندات والأوراق المؤيدة له ويجب عليه أن يودع عند التقرير مبلغ ثلاثمائة جنيه سبيل الكفالة وذلك ضمانا لجدية طلب الرد (1) 0وعلى هذا لا يجوز إبداء طلب الرد شفويا فى الجلسة (2) 0
وإذا كان الرد واقعا فى حق قاض جلس أول مرة لسماع الدعوى بحضور الخصوم جاز الرد بموجب مذكرة تسلم لكاتب الجلسة ، وعلى طالب الرد تأييد الطلب . بقلم الكتاب فى اليوم نفسه أو فى اليوم التالى وإلا سقط الحق فيه (3) 0
وإذا لم يبد طالب الرد طلبه بتقرير فى قلم كتاب المحكمة فإن الرد لا يكون قد تحقق ، ويكون للمحكمة المضى فى نظر الدعوى (4) 0
( د ) المحكمة المختصة ينظر طلب الـرد :
تختلف المحكمة المختصة بنظر طلب الرد والفصل فيه ، بحسب ما إذا كان المطلوب رده قاضيا بالمحاكم الجزئيــة ، والابتدائية ، وما إذا كــان قاضيا بمحاكم الاستئناف ومحكمة النقض على النحو التالى :
1- بالنسبة للقضاة بالمحاكم الجزئية والابتدائية ، فإن الاختصاص بنظر طلب الرد والفصل فيه ، ينعقد لإحدى دوائر محكمة الاستئناف التى تقع فى دائرة اختصاصها المحكمة الابتدائية التى يتبعها
_______________
(1) انظر المادة (153) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (18) لسنة 1999 والتى نصت على أنه ( يحصل الرد بتقرير يكتب بقلم كتاب المحكمة التى يتبعها القاضى المطلوب رده ، يوقعه الطالب نفسه أو وكيله المفوض فيه بتوكيل خاص يرفق بالتقرير ، ويجب أن يشتمل الرد على أسبابه وأن يرفق به ما قد يوجد من أوراق ومستندات مؤيدة له.وعلى طالب الرد أن يودع عند التقرير بالرد ثلاثمائة جنيه على سبيل الكفالة ... ) 0
(2) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 269 0
(3) انظر المادة (154) مرافعات 0
(4) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 619 وأشار سيادته إلى حكم نقض جلسة 26/3/1951 - م ق ج - 23 - 903 ] 0
- 238 -
القاضى المطلــوب رده (1) 0
فإذا كان القاضى المطلوب رده منتدبا من محكمة أخرى ، فإن الاختصاص بنظر طلب الرد يظل منعقدا لمحكمة الاستئناف التى تقع فى دائرة اختصاصها المحكمة المنتدب للعمل بها ، دون محكمة الاستئناف التى تقع بدائرة اختصاصها المحكمة المنتدب منها (2) 0
2- وبالنسبة للمستشارين بمحاكم الاستئناف ومحكمة النقض ، فتختص كل محكمة برد قضاتها عن طريق دائرة أخرى غير الدائرة التى يكون القاضى المطلوب رده عضوا فيها (3) حتى لا يكون القاضى خصما وحكما فى وقت واحد (4) 0
غير أنه يلاحظ أنه لا يجوز طلب رد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة أو بعضهم بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى الأصلية (5) 0
وعلى هذا ، إذ شمل طلب الرد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة بحيث لا يبقى منهم عدد كاف لنظر الدعوى الأصلية أو طلب الرد ، قام رئيس المحكمة بحفظ الأوراق لاستحالة اتخاذ الإجراءات التى يتطلبها القانون فى شأن طلب الرد (6) 0
___________
(1) انظر المادة (153/3) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( ويختص بنظر طلب رد أحد قضاة المحاكم الجزئية أو الابتدائية بإحدى دوائر محاكم الاستئناف التى تقع فى دائرة اختصاصها المحكمة الابتدائية التى يتبعها القاضى المطلوب رده ... ) 0
(2) انظر المادة (158)( مرافعات والتى تنص على أنه ( إذا كان القاضى المطلوب رده منتدبا من محكمة أخرى أمر رئيس المحكمة بإرسال تقرير الرد ومستنداته إلى المحكمة التابع هو لها لتطلعه عليها وتتلقى جوابه عنها ثم تعيدها إلى المحكمة الأولى لتتبع فى شأنه الأحكام المقررة فى المواد السابقة ) 0
(3) انظر المادة (153/4) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (23) لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( تختص بنظر طلب رد المستشار بمحكمة الاستئناف أو بمحكمة النقض ، دائرة بمحكمة الاستئناف أو بمحكمة النقض حسب الأحوال غير الدائرة التى يكون المطلوب دره عضوا فيها " 0
(4) قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 157 0
(5) انظر المادة (164) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (23 لسنة 1992 ) والتى سبق ذكرها ص 324 من نفس البحث هامش (2) 0
(6) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 943 0
- 239 -
(هـ ) كيفية إجابة القاضى على وقائع الرد وأسبابه :
أوجب المشرع على قلم كتاب المحكمة المختصة ، بعد تقديم طلب الرد إليه ، أن يرفع تقرير الرد إلى رئيس المحكمة ، خلال أربع وعشرين ساعة مرفقا به بيان بما قدم من طلبات رد فى الدعوى ، ويجب على رئيس المحكمة أن يطلع القاضى المطلوب رده على التقربر فورا ، وأن يرسل صورة منه إلى النيابة العامة (1) 0
وإذا كان القاضى المطلوب رده منتدبا من محكمة أخرى أمر رئيس المحكمة بإرسال تقرير الرد ومستنداته إلى المحكمة التابع لها هذا القاضى لتطلعه عليها وتتلقى جوابه عنها ، ثم تعيدها إلى المحكمة الأولى لاتخاذ التصرف المناسب ، وفقــا للقواعـــد التى نص عليهــا القانون فى هذا الصــدد (2) 0
ويجب على القاضى المطلوب رده ، أن يجيب كتابه على وقائع الرد وأسبابه خلال الأربعة أيام التالية لاطلاعه على التقرير ، فإذا كانت الأسباب تصلح قانونا للرد ، ولم يجب عليها القاضى المطلوب رده فى الميعاد المحدد ، أو اعترف بها فى إجابته ، واقتنع بها رئيس المحكمة فإنه يصدر أمر بتنحى القاضى (3) 0
____________
(1) انظر المادة (155) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( يجب على قلم كتاب المحكمة رفع تقرير الرد إلى رئيسها مرفقا به بيان بما قدم من طلبات الرد فى الدعوى وما تم فيها ، وذلك كله خلال أربع وعشرين ساعة وعلى الرئيس أن يطلع القاضى المطلوب رده على التقرير فورا ، وأن يرسل صورة منه إلى النيابة " 0
هذا ، والميعاد المنصوص عليه فى الفقرة الأولى هو ميعاد تنظيمى لا يترتب على مخالفته البطلان ، انظر تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز / ص 920 ، قانون المرافعــات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 269 0
(2) انظر المادة (158) مرافعات والتى سبق ذكر ص 238 من هذا البحث 0
(3) انظر المادة (156) مرافعات والتى نصت على أنه (على القاضى المطلوب رده أن يجيب بالكتابة على وقائع الرد وأسبابه خلال أربعة الأيام التالية لاطلاعه 0
وإذا كانت الأسباب تصلح قانونا للرد ولم يجب عليها القاضى المطلوب رده فى الميعاد المحدد ، أو اعترف بها فى إجابته أصدر رئيس المحكمة أمرا بتنحيه ) 0
- 240 -
أما إذا كانت أسباب الرد غير قانونية ، أو لم يقتنع بها رئيس المحكمة أو أجاب القاضى خلال الميعاد وأنكر أسباب الرد ، ورفض الاعتراف بوجود أى سبب منها ، فإن إجراءات الفصل فى الطلب تستمر وفقا لما رسمه القانون (1) 0
وتقوم الدائرة التى تنظر طلــب الرد بتحقيقــه فـــى غرفــة المشورة ، وتحكم فيه فى موعد لا يتجاوز شهرين من تاريخ التقرير ، وذلك بعد سماع أقوال طالب الرد وملاحظات القاضى عند الاقتضاء ، وكذلك سماع أقوال ممثل النيابة إذا تدخلت فى الدعوى ، ويمتنع على المحكمة التى تنظر طلب الرد استجواب القاضى أو توجيه اليمين إليه (2) صونا لكرامة القاضى واحترامه وذلك بهدف إحاطته بالضمانات التى تكفل له الاحترام لأن فى كثير من الأحيان يؤدى ذلك إلى تجريح القاضى وإحراجـه (3)
و - مدى جواز التنازل عن دعوى الـرد :
بداية اختلف الفقه القانوني حول مدى جواز تنازل طالب الرد عن دعوى الرد بعد التقرير بها على النحو التالى :
___________
(1) انظر المادة (157) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( فى غير الأحوال المنصوص عليها فى المادة السابقة تتخذ الإجراءات التالية :
أ - إذ كان المطلوب رده أحد قضاة المحاكم الجزئية أو الابتدائية ، قام رئيس المحكمة الابتدائية بإرسال الأوراق إلى رئيس محكمة الاستئناف المختصة فى اليوم التالى لانقضاء الميعاد 0
ويتولى رئيس المحكمة المختصة بنظر طلب الرد وفقا لأحكام المادة (153) تعيين الدائرة التى تنظر الطلب وتحديد الجلسة التى ينظر فيها 0
ب - يقوم قلم الكتاب المختص بإخطار باقى الخصوم فى الدعوى الأصلية بالجلسة المحدده لنظر طلب الرد ، وذلك لتقديم ما قد يكون لديهم من طلبات رد طبقا لنص الفقرة الأخيرة من المادة (152) .... " 0
(2) انظر المادة (157 / جـ ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( .... (جـ) تقوم الدائرة التى تنظر طلب الرد بتحقيق الطلب فى غرفة المشورة ثم تحكم فيه ، فى موعد لا يجاوز شهرين من تاريخ التقرير وذلك بعد سماع أقوال طالب الرد ، وملاحظات القاضى عند الاقتضاء ، أو إذا طلب ذلك ، وممثل النيابة إذا تدخلــت فــى الدعوى ولا يجوز فى تحقيق طلب الرد استجواب القاضى ، ولا توجيه يمين إليه ) 0
(3) انظر المذكرة الإيضاحية للقانون رقــم 95 لسنة 1976 ، قانون القضاء المدنى د / محمـود هاشم جـ 1 ص 162 0
- 241 -
1- الرأى الأول : ذهب بعض الفقه إلى القول بعدم جواز تنازل طالب الرد عن دعواه بعد التقرير بها ، وذلك لأن دعوى الرد ليست من الدعاوى التى يجوز لرافعها أن يتنازل عنها فى أية حالة تكون عليها ، بل هى نوع خاص ، وهى شبيهة بالدعوى العمومية ، فإذا ما رفعت تعلق بها حق القضاء ، وحق القاضى المطلوب رده ، ومــن ثم يتعين السير فى إجراءاتها حتى يفصل فيها ، ولو قرر المدعى تنازله عنها ، بل ولو قبل القاضى المطلوب رده التنازل وذلك لأن المصلحة العامة تقتضى أن يحكم فى موضوعها صيانة للقضاء من الريب والشبهات وحرصا على دوام احترامه ، فضلا عن أن الحكم فيها يبعد القاضى عن الشك المحيط به (1) 0
وتفريعا على ذلك ، يرى البعض أن غياب الخصوم فى دعوى مخاصمة القاضى ، لا يؤدى إلى شطب الدعوى بل يجب على المحكمة نظرها ، إذ القول بغير ذلك يؤدى إلى قيام الخصوم بالتحايل على مقتضيات النظام العام ، فيتخلفوا عن الحضور ، ثم تشطب الدعوى ، ولا يتم تعجيلها ، فتعتبر كأن لم تكن (2) 0
الرأى الثانى : وذهب بعض الفقه إلى أنه يجوز التنازل عن طلب الرد ، وذلك لأن رد القاضى حق مقرر شرع لمصلحة الخصم له أن يتمسك به أو يتنازل عنه (3) 0
كما أن النزول عن الطلب الرد ، قد يكون أحيانا ، أصون لهيبة القاضى وكرامته (4) 0
والواقع أن هذا الخلاف قد حسم بصدور القانون رقم 95 لسنة 1976 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 ، بمقتضاه أضيفت فقرة جديدة للمادة (159) يفهم منها جواز تنازل طالب الرد عن دعوى الرد حيث نصت المادة (159/3) منه على أنه فى حالة التنازل عن طلب الرد تحكــم المحكمـــة بمصــادرة الكفالــة ) (5) ، كما أضاف المشرع فى
___________
(1) المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 59 ص 71 0
(2) بحث رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 109 ص 429 وقد أشار سيادته فى الهامش إلى حكم نقض مدنى جلسة 29/1/ 1985 فى الطعن رقم 21 لسنة 41 ق 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 160 ، تقــنين المرافعـــات أ / محمــد كمال عبد العزيز ص 930 0
(4) الوسيط د/ رمزى سيف بند 64 ص 83 0
(5) هذا ، وقد استبدلت بالقانون رقم (23) لسنة 1992 ، ثم عدلت بالقانون رقم 18 لسنة 1999 وقد نصت على أنه ( تحكم المحكمة عند رفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو إثبات التنازل عنه علبى طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه ومصادرة الكفالة ..... " 0
- 242 -
القانون رقم 95 لسنة 1976 سالف الذكر مادة جديدة وهى المادة (162) مكرر تفيد نفس المعنى السابق والتى تنص على أنه ( إذا قضى برفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، لا يترتب على تقديم أى طلب آخر وقف الدعوى الأصلية ) 0
إذن المشرع أخذ بالرأى الثانى وهو جواز التنازل عن دعوى الـرد 0
الفرع الرابع
الأثر المترتب على تقديم طلب الرد
فرق المشرع فى الأثر المترتب على تقديم طلب الرد بين طلب الرد الأول ، وطلب الرد التالى للطلب الأول :
أولا : الأثر المرتب على تقديم طلب الرد الأول :
يترتب على تقديم طلب الرد فى الميعاد القانونى ، وقف الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه نهائيا ، ويتم الوقف بقوة القانون دون حاجة إلى صدور حكم بذلمك ، وقطعا لأساليب التلاعب بحق رد القاضى ، أجاز المشرع لرئيس المحكمة التى يتبعها القاضى أن يندب قاضيا ليحل محل القاضى الذى طلب رده ، وأن يستمر نظر الدعوى الأصلية فى طريقها المعتاد ، كما يأخذ طلب الرد طريقة للفصل فيه دون أن يؤثر على استمرار الدعوى الأصلية ، باعتبار أن القاضى المطلوب رده قد أصبح بعيدا عنها ، وبذلك لا يؤثر طلب الرد على سير الدعوى ، ومن ثم لا يتخذ وسيلة للتعطيل وإطالة أمد التقاضى (1) 0
_______________
(1) انظر المادة (162) مرافعات ، والمعدلة بالقانون رقم (23) لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( يترتب على تقديم طلب الرد ، وقف الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه ، ومع ذلك يجوز لرئيس المحكمة ندب قاضى بدلا من طلب رده " ، وأنظر المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 23 لسنة 1992 0
هذا ، وكانت هذه المادة قبل تعديلها تنص على أنه ( يترتب على تقديم طلب الرد وقف الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه نهائيا ، ومع ذلك يجوز للمحكمة فى حالة الاستعجال ، وبناء على طلب الخصم الآخر ، ندب قاضى بدلا ممن طلب رده 0
كذلك يجوز طلب الندب إذا صدر الحكم الابتدائى برفض طلب الرد وطعن فيه بالاستئناف " 0
وطبقا للتعديل الجديد أصبح لا يشترط لانتهاء حالة الوقف أن يصير الحكم الصادر فى طلب الرد نهائيا ، كما أنه يجوز طبقا للتعديل الجديد لرئيس المحكمة أن يندب قاضى ليفصل فى الدعوى الأصلية ، فى أى =
- 243 -
وبناء على ما تقدم ، إذا لم تندب المحكمة التى يتبعها القاضى المطلوب رده ، قاضيا للفصل فى الدعوى الأصلية ، ولم يصدر قرار بتنحية القاضى المطلوب رده، فإن السير فى هذه الدعوى ، لا يكون بعد الحكم فى طلب الرد (1) 0
ثانيـا : الأثر المترتب على تقديم طلبات الرد التالية للطلب الأول :
فيما يتعلق بالأثر المترتب على تقديم طلبات الرد التالية فقد نص المشرع على أنه إذا قضى برفض طلب الرد الأول ، أو سقوط الحق فيه ، أو عدم قبوله ، أو بإثبات التنازل عنه ، لا يترتب على تقديم أى طلب رد آخر ، وقف الدعوى الأصلية (2) وذلك منعا لتحايل الخصوم الذين يتعمدون تعطيل الفصل فى الدعوى الأصلية ، عن طريق طلبات الرد المتعاقبة (3) 0
وعلى هذا لا يترتب على تقديم طلب الرد التالى وقــف الدعوى الأصلية متى قدم هذا الطلب بعد القضاء فى الطلب الأول برفضه ، أو بعدم سماعه ، أو بعدم قبوله ، أو بإثبات التنازل عنه ، حتى ولو كان الطلب الأول مقدما من خصم آخر ضــد قــاض آخر ، لأن النص جاء عاما مطلقا بقصد الحد من تكرار وقف الدعوى بسبب تكرار طلبات الرد ، وذلك بقصر الأثر الواقف المترتب على مجرد التقرير بالرد على طلب الرد الأول دون الطلبــات الأخـرى التى تقدم
_____________
= حالة ولو لم تتوافر حالة الاستعجال ، ودون حاجة لتقديم طلب بذلك ، كما هو الحال قبل التعديل ، انظر فى ذلك قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 61 هامش (1) ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 937 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 270 0
ويرى بعض الفقه أنه كان الأولى بالمشرع أن يبقى على شرط الاستعجال أى وجود حالة ضرورة تقتضى الفصل فى الطلب الأصلى بسرعة ، انظر فى ذلك : قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 110 ، وانظر فى عرض ذلك دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 77 ص 98 هامش (1 ، 3 ) 0
(1) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر جـ 1 ص 34 ص 44 0
(2) انظر المادة (162) مكرر مرافعات والمضافة بالقانون رقم 95 لسنة 1976 والت نصت على أنه ( إذا قضى برفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، لا يترتب على تقديم أى طلب رد آخر وقف الدعوى الأصلية ..... " 0
(3) انظر المذكرة الإيضاحية للقانون المرافعات رقم 95 لسنة 1976 0
- 244 -
بعـــد الفصــل فيـــه (1) 0
ويشترط لعدم وقف الدعوى الأصلية بسبب تقديم طلب الرد التالى لسبق تقديم طلب رد آخر فى الدعوى نفسها من خصم آخر ، أن يكون الطلب السابق ( الأول ) قد حكم فيه قبل تقديم طلب الرد التالى برفضه ، أو بسقوط الحق فيه أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، أما إذا قدم قبل صدور حكم فى طلب الرد الأول ، فإنه يترتب عليه وقف الدعوى الأصلية عملا بالمادة (162) مرافعات ، ولذلك فإنه إذا قضى بشىء من ذلك فى طلب الرد الأول بعد تقديم طلب الرد الثانى وقبل الفصل فيه ، فإن وقف نظر الدعوى يستمر حتى يقضى فى طلب الرد التالى ، كما يشترط أيضا - أن يكون طلب الرد السابق قد حكم فيه - قبل التقرير بطلب الرد التالى - برفضه أو بسقوط الحق فيه ، أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، أما إذا كان قد قضى فيه بغير ذلك كما لو حكم ببطلان طلب الرد أو بعدم الاختصاص بنظره ، فإن تقديم طلب رد من غير الخصم طالب الرد الأول يترتب عليه وقف نظر الدعوى الأصلية (2) 0
____________
(1) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 940 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ نص المادة (162) مرافعات والمادة (162) مكررا المضافة بالقانون رقم 95 لسنة 1976 يدل - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - على أن المشرع قصد من استحداث النص الأخير - وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية - علاج الحالات التى قد يعمد فيها الخصوم إلى تعطيل سير الدعوى الأصلية عن طريق طلبات الرد المتعاقبة وذلك بأن جعل وقف السير فيها يقع بقوة القانون كأثر لأول طلب رد موجه إلى قاضى ينظرها ، فإذا قضى فى هذا الطلب يرفضــه أو بسقـوط الحق فيه أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، فإن أى طلب آخر بالرد من أى من الخصوم ولو كان موجها إلى قاضى آخر لا يترتب على مجرد تقديمه وقف السير فيها وإنما يكون وقفها فى هذه الحالة جوازيا للمحكمة ...] الطعن رقم 489 لسنة 55 قضائية جلسة 14/1/1987 - م نقض م - 38 - 102 مشار إليه فى تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 940 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 940 0
- 245 -
الفرع الخامس
الحكم فى طلب الرد والطعن فيـه
يجب على الدائرة التى يعهد إليها بنظر طلب الرد ، أن تحكم فيه فى موعد لا يجاوز شهرين من تاريخ التقرير بالرد (1) ويعتبر هذا الميعاد من قبل المواعيد التنظيمية التى لا يترتب على مخالفتها البطلان ، وإنما يقصد به حث القضاة الذين ينظرون طلبات الرد على سرعة الفصل فيها ، حتى لا يطول أمد النظر فى القضايا الأصلية التى أثيرت فى شأنها طلبات الرد (2) 0
أولا : الحكم الصادر فى طلب الرد لا يخرج عن أحد فرضـين :
1- الفرض الأول : القضاء بالـرد :
إذا قضت المحكمة برد القاضى ، ترتب على ذلك استبعاد القاضى الذى صدر الحكم برده عن نظر الدعوى (3) ويسترد طالب الرد فى هذه الحالة الكفالة التى سبق وأن أودعها فى قلم كتاب المحكمة عند التقرير بالرد (4) وأصبح القاضى غير صالح لنظر الدعوى (5) 0
أما بالنسبة للمصروفات فقد اختلف الفقه القانونى بصددها على النحو التالى :
1- الرأى الأول : ذهب بعض الفقه إلى أنه إذا حكم بقبول طلب الرد ، فإن المصروفات يتحملها القاضى الذى حكم برده ، وذلك إعمالا للقواعد العامة (6) 0
____________
(1) انظر المادة (157/ جـ ) والتى سبق ذكرها ص 240 من هذا البحث هامش 2 .
(2) دروس فــى المرافعــات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 طبعة سنة 1992 ، 1993 ص 99 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 920 ، بحث رد القضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 111 ص 436 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 113 0
(4) د/ عزمى عبد الفتاح - المرجع السابق جـ 1 ص 113 0
(5) قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 63 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 162 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 112 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 934 0
- 246 -
2- الرأى الثانى : وذهب بعض الفقه إلى أنه إذا حكم بقبول طلب الرد ، فإن المصروفات فى هذه الحالة يتحملها طالب الرد ، ولا يحكم بها على القاضى، لأنه لم يرتكب خطأ بمعنى الصحيح (1) كما لا يحكــم بهــا علـى الخصم الآخر، لأنه لا شأن له بخصومة الرد (2) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا رأى الفقــه القانونى فيمن يتحمل المصروفات فى حالة الحكم بقبول رد القاضى ، فإنى أرى ترجيح ما ذهب إليه الرأى الأول من تحمل القاضى مصروفات طلب الرد وذلك لأن القاضى فى هذه الحالة يعتبر خاسر الدعوى والقواعد العامة تقتضى بأن الذى يتحمل مصروفات الدعوى هو خاسر الدعوى والخصم المحكوم عليها فيها وذلك طبقا لنص المادة (184) مرافعات (3) 0
2- الفرض الثانى : القضاء برفض طلب الرد :
إذا قضت المحكمة برفض طلب الرد ، أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، ففى هذه الحالة تحكم المحكمة على طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه ، ومصادرة الكفالة التى سبق وأن أودعها فى قلم كتاب المحكمة عند التقرير بالرد ، إلا إذا كان طلب الرد مبنيا على قيام عداوة أو مودة بين القاضى وأحد الخصوم يرجح معها عدم استطاعة القاضى الحكم بغير ميل ، ويحكم برفض طلب الرد ، فعندئذ يجوز زيــادة مبلغ الغرامة إلى ثلاثة آلاف جنيــه (4) 0
________________
(1) قانون المرافعات د/ نبيل إسماعيل عمر - منشأة المعارف بالإسكندرية سنة 1994 ص 23 0
(2) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا طبعة سنة 1990 بند 64 ص 90 هامش (2) ، وانظر فى عرض ذلك بالتفصيل بحث رد البقضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 113 ص 437 0
(3) انظر المادة (184) مرافعات والتى نصت على أنه ( يجب على المحكمة عند إصدار الحكم الذى تنتهى به الخصومة أمامها أن تحكم من تلقاء نفسها فى مصاريف الدعوى ويحكم بمصاريف الدعوى على الخصم المحكوم عليه فيها .......... " 0
(4) انظر المادة (159/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (18) لسنة 1999 والتى نصت على أنه ( تحكم المحكمة عند رفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو إثبات التنازل عنه ، على طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه ومصادرة الكفالة ، وفى حالة ما إذا كان الرد مبنيا على الوجه الرابع من المادة (148) من هذا القانون ، يجوز إبلاغ الغرامة إلى ثلاثة آلاف جنيه " 0
- 247 -
وذلك منعا للخصوم من إساءة استعمال الحق المخول لهم فى هذه الحالة من حالات الرد وقد يتخذونها وسيلة للتجنى على القضاة واتهامهم بغير الحق (1) 0
هذا ، وتتعدد الغرامة الواجب الحكم بها ، بتعدد القضاه المطلوب ردهم (2) ومع ذلك يعفى طالب الرد من الغرامة إذا ثبت تنازله عن طلب الرد فى الجلسة الأولى ، أو إذا كان التنازل بسبب تنحى القاضى المطلوب رده ، أو نقله ، أو انتهاء خدمته (3) وذلك تشجيعا لطالب الرد على التنازل عنه (4) 0
وقد أضاف المشرع ، حالة التنازل عن طلب الرد إلى حالات الحكم بالغرامة ، لأن بعض الخصوم بعد أن يصلوا إلى غرضهم فى تعطيل الفصل فى الدعوى الأصلية بطلب الرد يعمدون إلى التنازل عن الطلب ، ومن هنا رأى المشرع أن لا يعفى طالب الرد من الغرامة إلا إذا قرر بتنازله عن الطلب فى الجلسة الأولى ، حثا منه على إنهاء نزاع يعلم من آثاره أنه لا ظل له من الحقيقـــة (5) 0
كما أن للقاضــى بالإضافة إلى ما تقدم المطالبة بالتعويض ، إذا سبب له طلب الرد ضررا أدبيــا (6) 0
هذا ، ويخضع طلب التعويض المرفوع من القاضى ضد طالب الرد للقواعد العامة فى المسئولية التقصيرية فــى ضوء الضوابط التى تحكم إساءة استعمال حـق التقاضى ، فيتعين أن يثبت فى حق
_____________
(1) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 58 ص 70 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 32 0
(2) انظر المادة (159/2) مرافعات والتى نصت على أنه ( ... وفى كل الأحوال تتعدد الغرامة بتعدد القضاه المطلوب ردهم " 0
(3) انظر المادة (159/3) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( ... ويعفى طالب الرد من الغرامة فى حالة التنازل عن الطلب فى الجلسة الأولى ، أو إذا كان التنازل بسبب تنحى القاضى المطلوب رده ، أو نقله ، أو انتهاء خدمته ) 0
(4) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 273 0
(5) المذكــرة الإيضاحيــة للقانون رقــــم 23 لسنة 1992 ، تقنين المرافعـــات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 929 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 113
طالب الرد ما يشكل خطأ وفقا لهذه الضوابط بأن يكون طلب الرد بما حواه أو أبدى فيه من دفاع ، قد انطوى على ما ينال من نزاهة القاضى أو حيدته ، أو سمعته وذلك حتى يتحقق المقصود بإساءة استعمال حق التقاضى من استعماله استعمالا كيديا بغية الأضرار بالقاضى ، فإن لم يتوافر الخطأ بهذا المفهوم فى جانب طالب الرد انهار أساس دعوى التعويض ، كما يتعين أن ثبت أن القاضى قد لحقه ضرر من جراء تقديم طلب الرد بالضوابط التى تحكم المقصود بالضرر فى نطاق المسئولية التقصيرية ، ثم يتعين أن تقوم رابطة السببية بين ذلك الخطأ وهذا الضرر ، ويقع على عاتق القاضى طالب التعويض عبء إثبات توافر هذه الأركان الثلاثة (1) 0
هـذا ، ويترتب على الحكم برفض طلب الرد ، أو عدم قبوله ، أو سقوط الحق فيه ، أو بطلانه ، أن تعود الخصومة الأصلية - التى أوقفت عند تقديم طلب الرد - إلى سيرها الطبيعى أمام نفس القاضى ، لأن طلب رد القاضى عن نظر الدعوى ، لا يعتبر خصومة حقيقية تجعل القاضى غير صالح لنظر الدعوى (2) إلا إذا كان القاضى الذى طلب رده قد رفع دعوى تعويض على طالب الرد ، أو قدم ضده بلاغا لجهة الاختصاص ، فإن هذا يزيل صلاحيته لنظر الدعوى والحكم فيها ، ويتعين عليه أن يتنحى عن نظـر الدعوى (3) 0
وإذا استمر القاضى رغم ذلك فى نظر الدعوى ، فإن عمله يقع باطلا ، طبقا لنص المادة (147) مرافعات ، وهذا البطلان ينصب على ما أصدره القاضى من قرارات أو أحكام سابقة على الفصل فى الموضوع ، أو أحكام نهائية تالية لرفعــه دعــواه بالتعويض ، أو تقديمه بلاغا لجهة
____________
(1) التقنين المدنى فى ضوء القضاء والفقه أ / محمد كمال عبد العزيز مكتبة نادى القضاه الجزء الأول فى الالتزامات - التعليق على المادة (163) مدنى ص 552 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 944 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن : [ من حق القاضى الذى تقرر برده أن يلجأ إلى القضاء للحكم على طالب الرد بالتعويض إعمالا للقواعد العامة التى تقضى بمساءلة من انحرف عن استعمال حق التقاضى عن الأضرار التى نجمت عن ذلك ] [ الطعن رقم 183 لسنة 55 قضائية جلسة 5/1/1981] المرجع السابق ص 943 0
(2) قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 63 ، قواعد المرافعات د/ محدد العشماوى ، د/ عبد الوهاب العشماوى جـ 1 ص 273 0
(3) انظر المادة (165) مرافعات والتى سبق ذكرها ص من نفس البحث 0
- 249 -
الاختصاص ، أما أعمال القاضى السابقة على ذلك فإنها تكون صحيحة ، لأن سبب عدم الصلاحية لم ينشأ بعـد (1) 0
ثانيـا : الطعن فى الحكم الصادر فى طلب الـرد :
بعد أن ألغى المشرع بالقانون رقم 23 لسنة 1992 المعمول به اعتبارا من 1/10/1992 المادتان (160 ، 161) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 (2) . أصبح الطعن فى الحكم الصادر فى طلب الرد يخضع للقواعد العامة للطعن باعتبارها هى الأصل ما لم يرد ما يدل على خلافها (3) 0
وبناء على ما تقدم يلاحظ الآتى :
1- لا يجوز الطعن بالاستئناف فى الحكم الصادر فى طلب رد القاضى بالمحاكم الجزئية والابتدائية ، والمستشارين بمحاكم الاستئناف ، لأن هذه الأحكام تصدر من محكمة الاستئناف ، فلا تقبل الطعن فيها بالاستئناف (4) . لصيرورة الحكم نهائى (5) 0
2- كذلك لا يجوز الطعن بالمعارضة فى الحكم الصادر فى طلب الرد ، لأن الحكم يصدر بدون مرافعة ، وبالتالى ليس لحضور الخصوم أو غيابهم أى تأثير فيه ، كما أن المادة (325) من قانون المرافعات الملغى ، كانت تنص على أن الفصل فى طلب الرد يكون علـى وجــه السرعـة ،
_____________
(1) التعليق على قانون المرافعات للديناصورى وعكاز ص 444 التعليق على المادة (165) 0
(2) وفى هذا الصدد ، كانت المادة (160) مرافعات قبل إلغائها تنص على أنه ( يجوز لطالب الرد استئناف الحكم الصادر فى طلبه برد قاضى محكمة المواد الجزئية ، أو قضاة المحكمة الابتدائية ، ولو كان موضوع الدعوى مما يحكم فيه نهائيا . ويكون الاستئناف بتقرير يكتب تعلم كتاب المحكمة التى أصدرت الحكم وذلك خلال خمسة الأيام التالية ليوم صدوره " 0
وتنص المادة (161) مرافعات قبل إلغائها على أنها ( على قلم كتاب محكمة الاستئناف عرض الأوراق على رئيس المحكمة لاحالتها إلى إحدى دوائرها لتنظرها وتصدر حكمها فيها على الوجه المبين بالمادة (157) .... " 0
(3) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 102 0
(4) د/ أحمد ماهر زغلول - المرجع السابق جـ 1 ص 102 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 925 0
- 250 -
وهذا يقتضى أن يكون الحكم الصادر ، غير قابل للطعن فيه بالمعارضة (1) 0
3- أيضا لا يجوز الطعن بأى طريق فى الأحكام الصادرة فى طلبات رد المستشارين بمحكمة النقض ، لأن هذه الأحكام تصدر من محكمة النقض ، وهى أحكام باته لا يجوز الطعن فيها بأى طريــق (2) 0
4- يحوز الطعن بالنقض فى الأحكام الصادر من محكمة الاستئناف فى طلبات رد القضاه بالمحاكم الجزئية والابتدائية ، والمستشارين بمحاكم الاستئناف (3) 0
ويسرى على الطعن الأحكام المقــررة فى الطعن بالنقض سواء من حيث المواعيد أو الإجــراءات (4) 0
ثالثا : من لـه حق الطعن فى الحكـم :
لما كان المشرع فى المادة (157/ د ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 جعل عدم جواز الطعن بالنقض فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى الأصلية مما يعنى أن المشرع خول لطالب الرد الحق فى الطعن فى الحكم الصادر فى طلب الــرد (5) 0
_____________
(1) شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعم الشرقاوى جـ 1 بند 118 ص 219 ، بحث رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 119 ص 443 0
هذا ويلاحظ أن نظام المعارضة قد ألغى فى المواد المدنية والتجارية بمقتضى القانون رقم (100) لسنة 1962 ، وكذلك ألغى فى مواد الأحوال الشخصية بموجب القانون رقم (1) لسنة 2000 الخاص بتنظيم بعض أوضاع إجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية 0
(2) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 102 ، وانظر نص المادة (272) مرافعات والتى نصت على أنه ( لا يجوز الطعن فى أحكام محكمة النقض بأى طريق من طرق الطعن ) 0
(3) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 102 0
(4) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 926 0
(5) انظر المادة (157/ د ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى تنص على ( .... وفى جميع الأحوال لا يجوز الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى الأصليــة ) 0
- 251 -
ولكن الفقه القانونى قد اختلف حول مدى أحقية القاضى فى الطعن فى الحكم الصادر برده على النحو التالى :
الرأى الأول : ذهب بعض الفقه إلى عــدم أحقية القاضى فى الطعن على الحكم الصادر بــرده ، (1) لأن المشرع قد قصر الحق فى الطعن على طالب الرد وحده ، إذا ما قضى برفض طلبه عملا بالمادة (157/ د) مرافعات ، ولأنه ليس خصمــا حقيقيا فــى طلــب الرد (2) ولأنه لا يتفق مع كرامته أن يصر على نظر دعوى معينة ولو كانت الوقائع المنسوبة إليـه غير صحيحة ، وحسبه فى ذلك أن يرفع دعوى تعويض على طالب الرد (3) 0
الرأى الثانى : وذهب بعض الفقه إلى أحقية القاضى فى الطعن على الحكم الصادر برده وذلك لأن القاضى يعتبر خصما حقيقيا فى خصومة الرد ، وبالتالى من حقه الطعن فى الحكم الصادر برد طبقا للقواعد العامة ، وذلك بالرغم من عدم النص على ذلك صراحة (4) فضلا عن أن نظام الرد لا يهدف فقط إلى كفالة حق المتقاضين فى أن تنظر دعاويهم دون تحيز أو هوى ، وإنما يهدف أيضا إلى حماية القاضى من إتهامات متسرعة لا أساس لها من الحقيقة وبالتالى لا ينبغى مصادرة حق القاضى فى الدفاع عن نفسه بإنكار حقه فى الطعن فى الحكم الصادر برده (5) 0
كما أن طعن القاضى على الحكم الصادر برده لا يتنافى مع كرامته لأن الغرض من ذلك ليس هو التشبث والتمسك بالحكم فى الدعوى ، وإنما دفع ما قد يترتب على الحكم الصادر بالرد من مساس بسمعته خاصة إذا كان مبنى الرد قبول هدية من أحد الخصوم (6) 0
_____________
(1) المرافعات المدنيــة والتجاريــة د/ عبد الحميد أبو هيف بند 997 ص 706 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 274 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 925 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 8 ص 103 0
(3) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 60 ص 71 0
(4) الوسيط د/ رمزى سيف بند 65 ص 83 0
(5) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 103 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم دـ 1 ص 164 0
- 252 -
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا رأى الفقه القانونى فى مدى أحقية القاضى فى الطعن على الحكم الصادر برده - فإنى أرى ترجيح الرأى الثانى القائل بأحقية القاضى فى الطعن وذلك لأن نظام الرد يقوم فى بعض جوانبه على حماية القاضى والحفاظ على هيبته وتوفير الضمانات له ، وإتاحة الفرصة له بالطعن ضمانة من هذه الضمانات 0
المطلب الثالث
حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى
نظم المشرع حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى ولو لم يطلب ذلك أحد الخصوم وهذه الحالات تتمثل فى حالتين على النحو التالى :
الحالة الأولى : حالة توافر حالة من حالات الرد:
سبق وأن ذكرنا فــى المطلب السابق أنه إذا توافرت فى حق القاضى إحدى حالات الرد سالفة الذكر ، ولم يطلب أحد من الخصوم رد القاضى عن نظر الدعوى ، يجوز للقاضى فى هذه الحالة أن يتنحى عن نظر الدعوى والتنحى هنا جوازى للقاضى ومتروك لضميره ، وآية ذلك أنه إذا لم يتنحى عن نظر الدعوى ولم يطلب أحد الخصوم رده ، وأصدر القاضى حكمه فى الدعوى فإن هذا الحكم يكون صحيحا لا بطلان فيه ، بعكس حالات عدم الصلاحية المطلقة (1) 0
وعلى القاضى فى حالة توافر إحدى حالات الرد أن يخبر المحكمة فى غرفة المشورة أو رئيس المحكمة الابتدائية - على حسب الأحوال - بسبب الرد القائم به لكى تأذن له بالتنحى ، ويثبت هذا فى محضر خاص يحفظ بالمحكمة (2) 0
الحالة الثانية : حالة عدم توافر إحدى حالات الـرد :
أجاز المشرع للقاضى التنحى عن نظر الدعوى من تلقاء نفسه فى حالة عدم توافر إحدى حالات الرد آنفة البيان ، وذلك إذا استشعر الحرج مـن نظر الدعــوى لأى سبب من الأسباب ،
_____________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 166 ، الوجيز قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 48 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 894 0
(2) انظر المادة (149) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 234من نفس البحث هامش (6) 0
- 253 -
وإذا أراد القاضى التنحى فعليه أن يعرض أمر تنحيه على المحكمة فى غرفة المشورة ، وذلك عندما تكون الدائرة مشكلة من أكثر من قاض ، أو على رئيس المحكمة وذلك للنظر فى إقراره على التنحى (1) 0
هـذا ، ومن الأسباب التى قد تجعل القاضى يشعر بالحرج أن يكون القاضى قد أبدى رأيا علميا فى مؤلف ، أو بحث يخدم أحد طرفـــى الدعــوى ، أو أن يكون أحد الخصوم صديقا لقريب له (2) 0
والحكمة من تعليق المشرع تنحى القاضى عن نظر الدعوى على إقرار المحكمة أو رئيسها له بالتنحى رغبة منه حتى لا يكون هــذا التنحى وسيلـــة لعــدم أداء القاضى لواجبه فى نظر الدعوى (3)
هذا ، ويلاحظ أن القرار بتنحية القاضى هو قرار إدارى وليس حكما مما يخبر به الخصوم ، ولا يجوز الطعن فيه (4) 0
______________
(1) انظر المادة (150) مرافعات والتى نصت على أنه ( يجوز للقاضى فى غير أحوال الرد المذكورة ، إذا استشعر الحرج من نظر الدعوى لأى سبب ، أن يعرض أمر تنحيه على المحكمة فى غرفة المشورة ، أو على رئيس المحكمة للنظر فى إقراره على التنحى ) 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 122 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 116 ص 218 0
(4) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 48 بند 36 0
- 254 -
المبحث الثالث
الموازنة بيـن الشريعة والقانون
بخصوص حماية القاضى من نفـسه
منن خلال العرض السابق يتبين لنا الآتى :
أولا : اعتنى الفقــــه الإسلامى بالقاضى ووضع له الضمانات الكفيلة التى تحميه مــن نفســه وذلك يمنعــه من نظر الدعوى كلما قام سبب من أسباب عدم الصلاحية التى ذكرها الفقهاء سالفة الذكر ، بهدف إبعاده عن كل ما يؤدى إلى شبهة الاتهام أو التحيز ، فإذا توافرت إحدى حالات عدم الصلاحية فى حق القاضى أصبح القاضى غير صالح لنظر الدعوى وممنوعا من سماعها وإذا استمر القاضى رغم ذلك فى مباشرة الدعوى وأصدر حكما فيها ، كان حكمه باطلا ، مستحقا للفسخ ، وفضلا عن ذلك إذا لم يتنح القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى جاز للخصوم طلب رد القاضى ، حيث إن الفقه الإسلامى لم يميز بين حالات عدم الصلاحية والرد ، ورتب على مخالفة ذلك عدم نفاذ الحكم وبطلانه . وذلك على العكس من القانون الوضعى حيث تبين لنا من العرض السابق لضمانات حماية القاضى من نفسه فى القانون الوضعى وجدنا أن المشرع المصرى منع القاضى من نظر الدعوى كلما قام سبب يدعو إلى الشك فى قضائه فيها بغير ميل أو تحيز ، إلا أن المشرع المصرى فرق بين حالات عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى ، وذلك على أساس أن هناك حالات تضعف لها النفس عادة ولا يستطيع القاضى الحكم فيها بغير ميل أو تحيز ، وهناك حالات أخرى أقل تأثيرا على حياد القاضى ولذلك قسم المشرع المصرى حالات عدم الصلاحية إلى ما يلـى :
1- عدم الصلاحية المطلقة لنظر الدعوى 0
2- عدم الصلاحية النسبية لنظر الدعوى " والمعروفة بنظام رد القاضى " 0
وبناء على ذلك فرق فى الأثر المرتب على توافرها :
حيث يترتب على توافر إحدى حالات عــدم الصلاحيــة المطلقة ، جعل القاضى ممنوعا من سماع الدعوى بقوة القانون ، حتى ولو لم يرده أحد الخصوم ، بحيث إذا استمر القاضى فى نظر الدعوى ، رغــم تحقــق إحــدى هــذه الحــالات ، وأصدر حكمه ، فإن حكمه يكون باطلا ، ولا يصحح هذا البطلان اتفاق الخصــوم أو تراضيهم علــى استمــرار القاضى فــى نظر الدعوى وذلك لتعلق حالات عدم الصلاحية المطلقة بالنظام العام ، ويكون للخصوم الحق فى التمسك بهذا البطلان والطعن على الحكم 0
- 255 -
أما بالنسبة لحالات عدم الصلاحية النسبية أى ( حالات رد القاضى ) فيرتب على توافر إحداها التزام القاضى بأن يخبر المحكمة بتوافر إحدى حالات الرد لكى تأذن له المحكمة بالتنحى عن نظر الدعوى ، ويكون للخصوم الحق فى طلب تنحى القاضى عن نظر الدعوى ، ومع ذلك إذا لم يتنح القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى ولم يطلب أحد الخصوم تنحيته عن نظر الدعوى ، وأصدر حكمه كان حكما صحيحا . وذلك لأن هذه الحالات أقل خطورة من حالات عدم الصلاحية المطلقة على حياد القاضى ، ولذلك جعل المشرع عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى تلك الحالات نسبية تتوقف على طلب الخصوم أو أحدهما ) وبناء على ما تقدم نجد أن كلا من عدم الصلاحية المطلقة والنسبية تعتبر سببا للـرد إلا أن الأثر بينهما يختلف فالأولى يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى بقوة القانون أما الثانية فتتوقف على طلب الخصم ، الأولى يترتب على مخالفتها بطلان الحكم ، أما الثانية فلا يترتب على مخالفتها البطلان 0
من هذا كله يتبين لنا أن الفقه الإسلامى جعل الأثر فى حالة توافر إحدى حالات عدم الصلاحية واحدا ، وهو بطلان الحكم ، إذا ما شابته شبهة من شأنها أن تطعن فى نزاهة القاضى وحيدته ، وأن حكمه فى هذه الحالة لايتمتع بالحماية التى تتمتع بها الأحكام القضائية ، فالفقه الإسلامى وحد بين أسباب الرد وعدم الصلاحية على العكس من المشرع المصرى الذى فرق بينهما ، وكان ينبغى علىالمشرع المصرى أن يوحد بينهما ، وذلك عملا على تبسيط الإجراءات وتوحيدها ، حتى يتفق مع الشريعة الإسلامية ، حيث إنها شريعة صالحة لكل زمان ومكــان 0
ثانيـا : أن الفقه الإسلامى لم يشترط دفع كفالة مالية عند طلب أحد الخصوم رد القاضى عن نظر الدعوى وذلك تحقيقا لمبدأ كفالة حق التقاضى للناس كافة ، وذلك بعكس القانون الوضعى حيث اشترط المشرع إذا أراد أحد الخصوم رد القاضى عن نظر الدعوى أن يدفع كفالة مالية معينة فى قلم الكتاب عند التقرير بالرد وذلك ضمانا لجدية دعوى الرد وحماية للقاضى من دعاوى الرد الكيدية 0
ثالثا : أن الفقه الإسلامى وضع ضمانات أخرى تحمى القاضى من نفسه ومن نوازع الشرفيه كإنسان حيث أوجب عليه عدم الجلوس لنظر الدعوى إلا إذا كان فى أحسن حال من التأثيرات النفسية،وأوجب عليه عدم القضاء فىالحالات التىيسوء فيها خلقه لأن ذلك يضمن وجود قضاء عادل يشيع الطمأنينة بين الناس،علىالعكس من القانون الوضعىالذى لم يتعرض لذلك وهذا يعتبر قصورا فى التشريع الوضعى ، إذ ينبغى عليه أن يتعرض لمثل هذه لحالات وينص صراحة على عدم القضاء فى الحالات التى يسوء فيها خلق القاضى لما لها من أثر على إصدار حكمه 0
- 256 -
الباب الثاني
( ضمانــات نزاهــــــة القاضـــي )
***********
تمهيــد :
لما كانت ضمانات نزاهة القاضي من المبادئ والأسس الهامة التي لابد من توافرها لقيام أي نظام قضائي عادل وذلك ضمانا لحسن سير القضاء ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه في هذا الباب عن ضمانات نزاهة القاضي وذلك من خلال الفصول الآتية :
الفصل الأول :
المبادىء التي تقوم عليها نزاهة القاضي 0
الفصل الثاني :
الأمور التي بها تتحقق نزاهة القاضي 0
الفصل الثالث :
الآداب التي يجب أن يتحلى بها القاضي 0
- 257 -
الفصل الأول
المبادئ التي تقوم عليها نزاهة القاضي
*****************
تمهيــد :
توجد مجموعة من المبادىء الهامة التي يجب أن تقوم عليها نزاهة القاضي وتتحقق بـها سنتحدث عنها بمشيئة الله وتوفيقه تفصيلا في هذا الفصل من خلال المباحث التالية :
المبحث الأول :
مبدأ علانية الجلسات في الفقـــــــــه الإسلامــــــــــــي
والقانون الوضعي
المبحث الثاني :
مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصـــــــــــــــوم
في الفقــــــه الإسلامي والقانون الوضعي 0
المبحث الثالث :
مبدأ حرية الدفاع والمناقشـــــــــــــــــة في الفقــــــــه
الإسلامــــــي والقانون الوضعي 0
المبحث الرابع :
مبدأ مجانية القضاء في الفقــــــــــــــه الإسلامـــــــي
والقانـــون الوضعي
المبحث الخامس :
مبدأ المســـــاواة بين المتقاضــــــــين في الفقـــــه
الإسلامــــي والقانون الوضعي 0
- 258 -
المبحث الأول
مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي
والقانـــون الوضعــي
*********
وسنتحدث في هذا المبحث عن مطلبين هما :
المطلب الأول : مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني : مبدأ علانية الجلسات في القانون الوضعي 0
المطلب الأول
مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي
****************
( 1 ) المقصود بمبدأ علانية الجلسات :
يقصد بعلانية الجلسات أن يتم نظر الدعوى والمرافعة فيها في جلسة علنية مفتوحة للجميع بحيث يكون لكل شخص الحق في حضورها وأن يتابع كل خطواتـها وأن يصدر الحكم في جلسة علنية ، ولذلك آستحب الفقهاء أن يحضر مجلس القضاء جماعة مـــن الفقهاء (1) 0
ونصت المادة ( 1815 ) من مجلة الأحكام العدلية على أنه ( يجرى القاضي المحاكمة علنا ولكن لا يفشى الوجه الذي سيحكم به قبل الحكم ) (2) 0
( 2 ) مدى تحقق مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي :
الأصل في الفقه الإسلامي أن تكون جلسات المحاكمة علنية حتى يعلم الناس بالخصومات فيتدخل فيها من يجد أنـها تتعدى إليه (3) 0
فمبدأ علانية الجلسات من المبادىء الأساسية المستقرة في الفقه الإسلامي يؤكد ذلك الواقع العملي الذي كان عليه قضاء – رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير على الهداية 7 / 271 ، تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 37 0
(2) انظر مجلة الأحكام العدلية – مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى – الإصدار الأول سنة 1999 ص 226 0
(3) القضاء في الإسلام د / محمد سلام مدكور ، مرجع سابق ، ص 49 0
- 259 -
حيث كانوا يجلسون للقضاء في المسجد أو في مكان عام لا يمنع من دخوله أحد وهذا يدل على أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ علانية الجلسات ولذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقضي بين الخصوم في معتكفه وكان الخلفاء الراشدون – رضي الله عنهم – من بعده يجلسون في المساجد للفصل في الخصومات بين الناس (1) ، ومن الوقائع التي تدل على قضاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المسجد ما أخرجه الطبراني مسندا إلى الإمام ابن عباس قال ( بينما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطبنا يوم الجمعة إذ أتى رجل فتخطى رقاب الناس حتى قرب إليه فقال : يا رسول الله أقم علىَّ الحد، فقال : اجلس فجلس ، ثم قام الثانية : فقال يا رسول الله أقم علىَّ الحد ، فقال : اجلس فجلس ثم قام الثالثة فقال يا رسول الله أقم علىَّ الحد ، قال وما حدك قال أتيت امرأة حراما ، فقال – صلى الله عليه وسلم – لعلى وابن عباس وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان- رضي الله عنهم– انطلقوا به فاجلدوه ولم يكن قد تزوج فقيل يا رسول الله ألا تجلد التي خبث بـها ، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : من صاحبتك ؟ قال فلانه فدعاها ثم سألها ، فقالت : يا رسول الله كذب علىَّ والله إني لا أعرفه ، فقال – صلى الله عليه وسلم : من شاهدك ؟ فقال يا رسول الله مالي شاهد فأمر به فجلد حدّ الضربة ثمانين جلده " (2) 0
هذا ، ويقول الإمام السرخسي في المبسوط ( وأحب إلى أن يقضي حيث تقام جماعة الناس يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات لأن ذلك يكون أبعد عن التهمة ولأنه يتمكن كل واحد من أن يحضر مجلسه عند حاجته ولا يشتبه عليه موضعه ولا يحتاج إلى من يهديه إلى ذلك من الغرباء كان أو من أهل المصر " (3) 0
ويوضح علاء الدين الطرابلسي صاحب كتاب معين الحكام الحكمة من الجلوس للقضاء في المسجد وأنه يحقق مبدأ علانية الجلسات فيقول : ( ولأن القضاء في المسجد أنفى للتهمة عن القاضي وأسهل للناس للدخول عليه فأجدر أن لا يحجب عنه أحد 00" (4) 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير على الهداية للكمال ابن الهمام ، الجزء السابع ، ص 269 ، نظرية الدعـــوى د / محمد نعيم عبد السلام ياسين ص 401 0
(2) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام 7 / 269 0
(3) المبسوط للسرخسي جـ 16 المجلد الثامن ص 83 0
(4) معين الحكام للطرابلسي ص 18 0
- 260 -
ولا يعني هذا وجوب أن يكون مجلس القضاء في المسجد بل يجوز أن يكون في دار مستقلة تخصص لذلك وينبغي أن تكون واسعة حتى تسع الخصوم وغيرهم وفي وسط البلد حتى يعرفها كل الناس ولا يشق على أحد الذهاب إليها (1) 0
ومما يؤكد مبدأ علنية الجلسات في الفقه الإسلامي نص أئمة المذاهب على استحباب حضور الفقهاء مجلس القضاء ومشاورتـهم فيما أشكل عليه ولذلك قال الكمال بن الهمام في شرحه لقول صاحب الهداية ويجلس معه من كان يجالسه قبل ذلك لأن في جلوسه وحده تـهمة الرشوة والظلم ، قال وروي أن عثمان – رضي الله عنه – ما كان يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة ، ويستحب أن يحضر مجلسة جماعة من الفقهاء من كل مذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه ، وكان أبو بكر يحضر عمر وعثمان وعليا حتى قال أحمد : يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب ويشاروهم فيما يشكل عليه 000 " (2) 0
وقال بن فرحون في مقام ذكره لما ينبغي للقاضي أن يفعله في سيرته في الأحكام ما نصـه ( ومنها أنـهم قالوا لا يقضي القاضي إلا بحضرة أهل العلم ومشورتـهم لأن الله تعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ( وشاورهم في الأمر ) قال الحسن البصري كان - صلى الله عليه وسلم - مستغنيا عن مشاورتـهم ولكنه أراد أن تصير سنة للحكام (3) 0
وقال أبو اسحاق الشيرازي في المهذب (4) ، والمستحب أن يحضر مجلسه الفقهاء ليشاورهم فيما يشكل عليه ، لقوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر 0000 ) (5) 0
وقال ابن قدامة الحنبلي ( قال أصحابنا يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب حتى إذا حدثت حادثة يفتقر إلى أن يسألهم عنها سألهم ليذكروا أدلتهم فيها وجوابـهم عنها فإنه أسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه (6) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشيتا قليوبي وعميرة مرجع سابق الجزء الرابع ص 303 0
(2) شرح فتح القدير للكمال من الهمام 7 / 269 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 37 0
(4) المهذب للشيرازي مطبعة دار إحياء الكتب العربية الجزء الثاني ص 297 0
(5) سورة آل عمران الآية رقم ( 159 ) 0
(6) المغني لابن قدامة 11/ 398 0
- 261 -
وإذا كان الفقهاء قد استحبوا حضور أهل العلم والفقه في مجلس القضاء ليشاورهم القاضي في المسألة المعروضة عليه إلا أنه إذا دخل على القاضي حصر في جلوس أهل العلم عنده أو شغله عن شيء من أمور المسلمين جلس وحده لأن طباع الناس في ذلك تختلف فمنهم من يمنعه حشمة الفقهاء مما يريده من فصل القضاء ومنهم من يزداد قوة على ذلك ، فإذا كان القاضي ممن يدخله حضر بحضرة الفقهاء جلس وحده ولكن هذا في حق القاضي المعروف بالفقه ، والعدالة ، لأنه بالفقه يؤمن غلطه وبالعدالة يؤمن جوره (1) 0
أما إذا كان القاضي بليدا أو أشكل عليه الحكم في القضية تكون مشاورة أهل الفقه والعلم واجبة ولذلك نقل عن القاضي حسين قوله في مغني المحتاج : وإذا أشكل الحكم تكون المشاورة واجبة ، وإلا فمستحبة ) (2) 0
مما سبق يتضح لنا أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ علنية الجلسات وأن هذه العلانية تكفل حسن أداء القاضي لعمله وتؤكد نزاهته كما تثبت في نفوس المتقاضين الثقة والطمأنينة في عمل القاضي 0
( 3 ) حكم اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء وآراء الفقهاء في ذلك :
سبق وأن ذكرنا أن الفقه الإسلامي أخذ بمبدأ علنية الجلسات وذلك عن طريق جعل انعقاد جلسات القضاء في المسجد وذكرنا وقائع عملية للرسول – صلى الله عليه وسلم – وللصحابة - رضوان الله عليهم - من بعده تدل على جلوسهم للقضاء في المسجد ولذلك فقد رأيت اتـماما للفائدة إن نوضح رأي الفقه الإسلامي في حكم اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء حيث إن الفقه الإسلامي قد انقسم في بيان حكم تلك المسألة إلى آراء هي :
الرأي الأول :
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية (3) والمالكية (4) والحنابلة (5) ، إلى جواز اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي 16 / 79 0
(2) مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4 / 391 0
(3) شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام 7 / 269 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون 1/ 34 0
(5) المغني لابن قدامة والشرح الكبير 11 / 397 0
- 262 -
أدلة الجمهور :
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالآتي :
( 1 ) أنه صح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفصل الخصومات بين الناس في معتكفه وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات والإقتداء بـهم واجب (1) ( 2 ) وقال ابن فرحون نقلا عن الإمام مالك في المدونة قوله ( القضاء في المسجد من الأمر القديم وهو الحق والصواب لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس وهو أقرب على الناس في شهودهم ويصل إليه الضعيف والمرأة (2) 0
( 3 ) ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس فلا يكره في المسجد (3) 0
الرأي الثاني :
ذهب الشافعية إلى أنه يكره اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء بصفة دائمة ولكن لا مانع من النظر في قضايا متفرقة في المسجد تحدث بالصدفة من غير أن يتخذ المسجد مجلسا للقضاء بصفة دائمة وكذلك إذا دعت الحاجة إلى الجلوس في المسجد كمالمطر ونحوه وإذا تم اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء مع الكراهة أو عدمها وجب الاحتياط بمنع الخصوم من الخوض فيه بالمشاتمة ونحوها (4) 0
أدلة الرأي الثاني :
استدل أصحاب الرأي الثاني على رأيهم بكراهة اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء أن اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء فيه تضييق على الناس لأن منهم الحائض والجنب وأهل الذمة وهؤلاء يحرم عليهم الدخول إلى المسجد والمكث فيه ، وفيه امتهان المسجد يكثرة اللغط واللجاج وما يقع بين الخصوم من اللجاج كما أن بعض العوام يدخل المسجد ورجله فيها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام 7 / 269 ، بدائع الصنائع للكاساني 7 / 19 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 34 0
(3) نظام القضاء في الشريعة الإسلامية د / عبد الكريم زيدان – الطبعة الثالثة سنة 1998 ، مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان ص 100 0
(4) نـهاية المحتاج للرملي 8 / 253 ، مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4 / 390 وما بعدها 0
- 263 -
بلل وربما كانت غير طاهرة والمساجد ينبغي أن تصان عن كل ذلك (1) ، لقوله تعالــى: ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ) (2) 0
واتخاذ المسجد مجلسا للقضاء فيه امتهان للمسجد إهانة والمساجد بنيت للصلاة والذكر والخصومات تقترن بالمعاصي كثيرا من اليمين الغموس والكذب في الدعاوى (3) 0
الرد على أدلة الشافعية :
رد ابن قدامة الحنبلي على أدلة الشافعية فيما ذهبوا إليه من كراهة اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء لأن فيه تضييقا على الناس لأن فيهم الحائض والجنب وأهل الذمة فقال بالنسبة للحائض إن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته في منزلة أو يخرج لها القاضي في رحاب المسجد ، وأما الجنب فيغتسل ويدخل المسجد ، وأما الذمي فنجاسته نجاسة معنوية وليست بدنية فضلا عن أنه يجوز دخوله المسجد بإذن المسلم (4) 0
الرأي الراجــح :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء في مسألة اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء وأدلة كل رأي ، فإني أرى ترجيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء إلى جواز اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء وذلك لقوة أدلتهم ، ولأن المسجد من أكثر الأماكن تحقيقا لما استحبوة من الخصائص والصفات لمجلس القضاء ، حيث تبنى المساجد عادة في أواسط البلدان ، ويتيسر دخولها للجميع ، وتبعث على الطمأنينة النفسية التي تتيح للقاضي تفكيرا سليما ، ويكفي أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قضى بنفسه بين الخصوم في المسجد وسار الصحابة - رضوان الله عليهم - من بعده على هذا النهج ولنا فيهم الأسوة الحسنة ، فضلا عن أن الحجج والبراهين التي يستند إليها الشافعية من كراهية اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء فقد تم الرد عليها كما سلف البيان ، ويضاف إلى ذلك أن اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء يحث القاضي على التواضع ويحث الخصوم على الرهبة والخشية والخوف من الله ورد الحق إلى صاحبه خشية عقابه 0
ــــــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 35 ، نـهاية المحتاج للرملي 8 / 253 ، مغني المحتـــاج 4 / 391 0
(2) سورة النور الآية رقم 36 0
(3) شرح فتح القدير على الهداية 7 / 269 0
(4) المغني لابن قدامة 11 / 397 0
- 264 -
المطلب الثاني
مبدأ علانية الجلسات في القانون الوضعي
***************************
أولا - المقصود بهذا المبدأ :
يقصد بمبدأ علانية الجلسات أن تحصل تحقيق الدعوى ونظرها والمرافعة فيها والنطق بالحكم في جلسات علنية أي مفتوحة يجوز لمن يشاء أن يحضرها وأن يسمح بنشر الأحكام التي يصدرها القاضي (1)
ومبدأ علانية الجلسات تضمن حق الجمهور في الاطلاع على ما يدور داخل المحاكم وتمكنهم من مراقبة أعمال القاضي وتبعث الثقة في نفوس المتقاضين والطمأنينة إلى عدالة القضاء وتحث القاضي على الاهتمام والعناية مما يؤكد نزاهته في أحكامه مما يزيد احترام الجمهور للقاضي ويبعث على الثقة فيه (2) 0
وعلانية الجلسات تكفل بطريق غير مباشر حقوق الدفاع ، إذ إنـها تمنع تحكم القاضي في الخصومة (3) 0
ثانيا – بما يتحقق مبدأ علانية الجلسات :
يتحقق مبدأ علانية الجلسات بوسيلتين هما :
الأولى : بالسماح لكل شخص دون تمييز بأن يشهد المحاكمة فلا يكفي مجرد حضور الخصوم أو محاميهم أو أقاربـهم ، فهم ليسوا مجرد حضور في المحاكمة وإنما هم أشخاصها والمشاركون في إجراءاتـها ، ولذلك فإن حضورهم في الجلسة لا يتصل بعلانيتها وإنما يتم بالتطبيق لمبدأ آخر سنتحدث عنه فيما بعد تفصيلا وهو ( مبدأ المواجهة بين الخصوم ، وأهمية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرافعات المدنية والتجارية د / عبد الحميد أبو هيف – بند 744 ص 540 ، الوجيز في قوانين المرافعات د / أمينة النمر ص 14 ، المرافعات د / احمد أبو الوفا بند 34 ص 44 0
(2) محاضرات في قانون المرافعات أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 22 ، المرافعات المدنيـة د / عبد الحميد أبو هيف بند 744 ص 540 0
(3) قواعد المرافعات للدكتور / محمد العشماوي – د ، عبد الوهاب العشماوي جـ 1 بند 75 ص 101 0
- 265 -
ذلك أن مبدأ المواجهة لا يقبل التقييد أو الاستثناء ، فإذا جاز للمحكمة أن تقرر سرية الجلسة استثناء – كما سنرى – فإنه لا يجوز للمحكمة أن تمنع بعض أطراف الدعــوى أو أحدهم من حضور الجلسة والمشاركة في إجراءاتـها على الوجه الذي يحــدده القانون (1) 0
الثانية : السماح بنشر ما يجرى داخل الجلسات من إجراءات بكافة طرق النشر ، وفي هذه الحالة فإن ما يجرى في جلسة علنية يكون من حق الجمهور وللصحف أن تنقله ، ويلاحظ أن علانية الجلسة لا تمتد إلى ما يجرى في المداولة فهي سرية بطبيعتها ولا يجوز للقضاء إفشاء أسرارها (2) 0
ثالثا – مدى تحقق مبدأ علانية الجلسات في القضاء المصري :
نظرا لأهمية مبدأ علانية الجلسات فقد اهتم المشرع المصري بـهذا المبدأ اهتماما واضحا ولذلك نص المشرع المصري على هذا المبدأ صراحة في الدستور المصري على أن ( جلسات المحاكم علنية ، إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية ، مراعاة للنظام العام أو الآداب ، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية (3) 0
وكذلك نص المشرع على هذا المبدأ في قانون السلطة القضائية فنص علــى أن ( تكون جلسات المحاكم علنية إلا إذا أمرت المحكمة بجعلها سرية مراعاة للآداب ، أو محافظة على النظام العام ويكون النطق بالحكم في جميع الأحوال في جلسة علنية ) (4) 0
كما نص المشرع المصري على هذا المبدأ في قانون المرافعات فنص على أنه ( تكون المرافعة علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سرا محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو لحرمة الأسرة ) (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح قانون الإجراءات الجنائية د / محمود نجيب حسني – دار النهضة العربية سنـة 1988 ص 805 0
(2) الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية د / أحمد فتحي سرور – دار النهضة العربية – سنـــة 1980 ص 976 0
(3) المادة ( 169 ) من الدستور المصري 0
(4) المادة ( 18 ) من قانون السلطة القضائية 0
(5) المادة ( 101 ) مرافعات 0
- 266 -
ويترتب على الإخلال بـهذا المبدأ بطلان الإجراءات بطلانا مطلقا لتعلقه بالنظام العام (1) 0
كما حرص المشرع على النص على هذا المبدأ صراحة في قانون الإجراءات الجنائية حيث نص على أنه ( يجب أن تكون الجلسة علنية ، ويجوز للمحكمة مع ذلك مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها ) (2) 0
ومع أن المشرع المصري قد نص صراحة على مبدأ علانية الجلسات إلا أن المشرع أجاز للمحكمة إذا اقتضت الضرورة أن تأمر بجعل الجلسة سرية وذلك لاعتبارات تتعلق بالمحافظة على النظام العام أو الآداب أو حماية لحرمة الأسرة وسمعتها أو إذا كانت المرافعة العلنية قد تكشف للجمهور عن وقائع تتأذى الآداب العامة من سماعها أو نشرها وعندئذ يؤمر بإخراج الجمهور من الجلسة إذا كانت قد بدأت علنية ، ولا يسمح بالحضور إلا للخصوم ومحاميهم على أنه يلاحظ أنه أياً كانت الاعتبارات تقتضي جعل الجلسة سرية فإن الحكم يجب أن يصدر دائما بصفة علنية وإلا كان الحكم باطلا (3) ويجب أن يصــدر قرار المحكمة بجعل الجلسة سرية مسببا بذلك سواء رأت المحكمة ذلك أو بناء على طلب الخصوم (4) 0
رابعا – الجزاء المترتب على تخلف مبدأ علانية الجلسات :
يتعين على المحكمة أن تثبت في محضر الجلسة بل وفي الحكم نفسه علانية الجلسة ، وإذا كانت الدعوى قد نظرت في عدة جلسات فيجب أن يتضمن محضر كل جلسة إثبات أن مباشرة الإجراءات الخاصة بنظر الدعوى تم في علانية (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرافعات د / محمد حامد فهمي بند 34 ص 34 0
(2) المادة ( 268 ) إجراءات جنائية 0
(3) تراجع المواد ( 169 ) من الدستور ، ( 18 ) من قانون السلطة القضائية ( 101 ) ، (174) مرافعات ، الوسيط د / فتحي والي بند 272 ص 523 0
(4) المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 29 ص 49 0
(5) الإجراءات الجنائية في التشريع المصري ، د / مأمون سلامة – طبعة دار النهضة العربية سنة 1996 ، 1997 ، جـ2 ص 97 0
- 267 -
هذا ، وقد اختلف الرأي القانوني حول الجزاء المترتب على تخلف إثبات علانية الجلسة في المحضر أو الحكم ) 0
والرأي الراجح في الفقه والقضاء المصري إلى أن إغفال هذا البيان لا يترتب عليه بطلان ، فالأصل في القانون المصري أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى ، وكل ما لصاحب الشأن أن يثبت وبكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت ، وذلك إذا لم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو الحكم (1) 0
" الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة
لمبدأ علانية الجلسات "
*****************
سبق وأن ذكرنا أن علانية الجلسات من المبادىء الأساسية المستقرة في الفقه الإسلامي وأن الذي يؤكد علانية الجلسات في الفقه الإسلامي هو الواقع العملي الذي كان عليه قضاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه من بعده حيث كانوا يجلسون للقضاء في المسجد أو في مكان عام لا يمنع من دخوله أحد ، كذلك ذكرنا من مظاهر علانية الجلسات في الفقه الإسلامي استحباب الفقهاء حضور العلماء مجلس القضاء ليشاورهم فيما أشكل عليه 0
وإذا ما قارنا ذلك بالقانون الوضعي نجد أن المشرع في القانون الوضعي أيضا يأخذ بمبدأ علانية الجلسات إلا إذا اقتضت الضرورة جعل الجلسة سرية ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبدأ علانية الجلسات ، ويكون الفقه الإسلامي لـه فضل السبق في الأخذ بـهذا المبدأ 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرجع السابق جـ 2 ص 98 ، شرح قانون الإجراءات الجنائية د / محمود نجيب حسني – ص 809 شرح قانون الإجراءات الجنائية د / محمود محمود مصطفى – مطبعة جامعة القاهرة سنة 1976 ص 384 ، هذا وقضت محكمة النقض في هذا الصدد : أن ( مجرد خلو محضر الجلسة أو الحكم من ذكر العلانية لا يصح أن يكون موجبا لنقض الحكم ما لم يثبت الطاعن أن الجلسة كانت سرية من غير مقتضى ، لأن الأصل في الإجراءات قد أهملت أو خولفت ) ( نقض جلسة 25/4/ 1929 ، مجموعة القواعد القانونية جـ 1 فقرة ( 241 ) ص 282 ) 0
- 268 -
المبحث الثاني
حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم
في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
***************************
تمهيــد :
مما لا شك فيه أن من المبادىء الهامة التي تقوم عليها ضمانات نزاهة القاضي مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم وذلك بأن يتم كل إجراء أو تعديل في الدعوى في مواجهة الخصم الآخر ولا يجوز أن يتم ذلك في غيبته حتى لا يتخذ ذلك وسيلة إلى الطعن في نزاهة القاضي وذلك بمحاباة أحد الخصوم وذلك في السماح له باتخاذ إجراءات الخصومة في غيبة الخصم الآخر ونظرا لأهمية هذا المبدأ فسوف نتحدث عنه تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه من خلال مطلبين هما :
المطلـــب الأول :
حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني :
حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في القانون الوضعي 0
- 269 -
المطلــب الأول
مبدأ حصول الإجراءات في مواجهه الخصوم
في الفقــــه الإسلامــي
************
أولا – المقصود بهذا المبدأ :
يقصد بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم أن يتم كل إجراء من إجراءات الخصومة التي يقوم بـها أحد الخصوم في مواجهة الخصم الآخر وأن يعلنه بـهذا الإجراء حتى يمكن من الرد على خصمه حماية لمصلحته (1) 0
وهذا المبدأ يعطي للخصم الفرصة للرد على كل طلب يوجهه إليه خصمه إن كان لديه رد كما يعطي للخصم الحق في مناقشة خصمه في دفاعه ومن ثم فلا يؤخذ خصم على غرة وهو أمام القضاء (2) 0
ويعتبر مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم من مقتضيات مبدأ المساواة بين الخصوم لأن في سماع الدعوى في غيبة أحد الخصوم تفضيلا له عليه وحرمانا للآخر من سماع أقوال خصمه والرد عليها والدفاع عن رأيه (3) 0
ثانيا – مدى تحقق مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في الفقه الإسلامي :
الأصل في الفقه الإسلامي أن تتخذ جميع الإجراءات في مواجهة الخصم الآخر ولا يجوز للقاضي أن يسير في إجراءات نظر الدعوى مع غيبة أحد الخصوم عن مجلس القضاء مع حضوره في البلد وعدم علمه بالدعوى ، فلا ينبغي للقاضي السماح لأحد الخصوم بالدخول عليه دون خصمه لا في مجلس قضائه ولا في خلوته ولا ينبغي أن يسمع بينه في غيبة الخصم الآخر (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير 7 / 293 ، تبصرة الحكام 1 / 42 0
(2) التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب ص 56 0
(3) نظرية الدعوى : أ0 د / محمد نعيم ياسين – مرجع سابق ص 406 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 42 ، شرح فتح القدير 7 / 274 .
- 270 -
وتحقيقا لمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في الفقه الإسلامي ذهب جانب من الفقه الإسلامي إلى أنه لا يجوز للقاضي أن يقرأ كتاب قاض آخر يتضمن شهادة على مدعي عليه إلا بحضوره ، لأنه بمنزلة أداء الشهادة فلابد من حضوره (1) 0
بل ذهب جانب من الفقه الإسلامي إلى أبعد من ذلك فقالوا إذا سمعت البينة في حضور المدعي عليه ثم غاب المدعي عليه وزكيت البينة وطلب المدعي من القاضي الحكم له لا بحكم له بشيء وذهب إلى هذا الرأي محمد بن الحسن من الحنفية (2) 0
وإذا كان الأصل في الفقه الإسلامي حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم فإنه مع ذلك إذا امتنع المدعي عليه من الحضور أمام القضاء تعنتا ولددا في الخصومة جاز للقاضي النظر في الخصومة والسير في إجراءات الدعوى حتى وإن ظل المدعي عليه غائبا طالما تم إعلانه بالحضور أمام القاضي ليدفع دعوى خصمه وكان امتناعه دون مبرر إذ لا يجوز أن يكون هذا المبدأ سلاحا يستعمله أهل الباطل لأكل أموال الناس وحقوقهم (3) 0
ثالثا – حكم القضاء على الغائب :
سبق وأن ذكرنا أن الأصل في الفقه الإسلامي حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم ولا يجوز اتخاذ أية إجراء في غيبة الخصم الآخر وذلك حماية لمصلحته حتى يتمكن من الرد على خصمه فيما يدعيه عليه وذكرنا أيضا أن جانبا من الفقه الإسلامي ذهب إلى جواز الحكم على الغائب طالما تم إعلانه إعلانا صحيحا بالدعوى ولم يحضر دون مبرر فقد وجدت إتماما للفائدة أن نعرض إلى موقف الفقه الإسلامي من القضاء على الغائب تفصيلا وأدلة كل رأي مع الترجيح وذلك من خلال النقاط التالية :
أولا – المقصود بالغائب لغة واصطلاحا :
( أ ) يقصد بالغائب لغة :
هو اسم فاعل من الفعل الثلاثي " غاب " بمعنى بعد عن المكان ، وهو خلاف شهد وحضر ، والمصدر غيابا ، وغيبة وغيبـا ( بفتح وكسر الغين ) ، و ( غيابة الجب ) قعرة ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الهداية وشرح العناية عليها ضمن شرح فتح القدير 7 / 293 0
(2) روضة القضاة للسمناني 1 / 295 ، وما بعدها 0
(3) تبصرة الحكام 1 / 42 ، نظرية الدعوى أ 0 د / محمد نعيم ياسين 2 / 407 0
- 271 -
وغابت الشمس غيابة ( أي هبطت ، والمغايبة خلاف المخاطبة ، واغتابه اغتيابا وقع فيه والاسم ( الغيبة ) بالكسر وهي أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه فإذا كان صدقا سمى غيبة وإن كان كذبا سمى بـهتانا (1) 0
( ب ) يقصد بالغائب اصطلاحا :
يراد بالغائب في هذا الشأن الخصم المدعي عليه حال وجوده في بلد المحكمة لكنه ممتنع عن الحضور إليها ولا يقدر القاضي على إحضاره ، إما لسلطته وتعززه وإما لاختفائه وتستره ، ويراد به أيضا الخصم المدعي عليه إذا كان خارج بلد المحكمة (2) 0
أما إذا كان الخصم المدعي عليه في البلد التي يوجد بـها مجلس القضاء وامتنع عن الحضور إليها لغير تعزر ولا اختفاء ، فهو ليس بغائب باتفاق الفقهاء ، ولا يشمله موضوع القضاء على الغائب بل يجبره القاضي على الحضور لسماع الدعوى والبينة والإجابة عن ذلك إن كان عنده أجابه (3) 0
ثانيا – موقف الفقه الإسلامي من القضاء على الغائب :
يشترط جانب من الفقه الإسلامي لصحة الدعوى حضور الخصم المدعي عليه ، والخصم المدعي عليه إما أن يكون أصيلا ، أو وكيلا عن الأصيل أو وصيا ، أو وليا أو وارثا أو من بينه وبين الغائب اتصال في الحق المدعي به كما لو كفل شخص شخصا آخر بـه في دين فالخصم هنا هو المدين المكفول عنه ، وقد تاب عنه الكفيل لما بينهما من الاتصال في الدين المدعي به عليه بحكم الكفالة ، فلا يصح القضاء على الغائب عند هذا الجانب من الفقه (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح للرازي – مرجع سابق ص 265 ، باب الغين مادة غيب 0
(2) بحث القضاء على الغائب د / حسن عبد الغني أبو غدة – منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – السنة الخامسة عشرة – العدد الأربعون – ذو القعدة سنة 1420 هـ مارس 2000 ص 66 ، وقد أشار سيادته في الهامش رقم ( 6 ) إلى فتح القدير 2 / 400 ، نـهاية المحتاج 8 / 255 0
(3) معين الحكام للطرابلسي ص 59 ، 60 ، القوانين الفقهية لابن جزي ص 197 0
(4) القضاء في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور / محمد رأفت عثمان ص 107 0
- 272 -
ولذلك فقد اختلف الفقه الإسلامي في مسألة القضاء على الغائب إلى رأيين هما :
الرأي الأول :
ذهب جانب من الفقه الإسلامي إلى أنه لا يصح القضاء بشيء على الغائب وعلى رأس هذا الرأي الإمام أبو حنيفة حيث نقل عنه قوله ( ولا يقضي على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه كالوكيل والوصي ، أو يكون ما يدعي على الغائب سببا لما يدعي على الحاضر كمن ادعى عينا في يد غيره ( الحاضر ) أنه اشتراها من فلان الغائب ) (1) 0
وكذلك ذهب إلى هذا الرأي ابن شبرمه حيث نقل عنه قوله ( لا يقضي على غائــب ) (2) وبه قال ابن الماجشون من المالمكية (3) 0
أدلة هذا الرأي :
( 1 ) قول الله تبارك وتعالى } وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون { (4) 0
وجه الدلالة من الآية :
أن الآية الكريمة ذمتهم لإعراضهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ، فدل هذا على أنـهم يجب عليهم أن يحضروا للحكم ، ولو نفذا الحكم مع الغيبة لم يجب الحضور ولم يستحقوا الذم فدل هذا على عدم جواز الحكم على الغائب (5) 0
الرد على هذا الاستدلال :
ورد على هذا الاستدلال بأنه لا منافاة بين ذمهم على عدم الحضور لأنه واجب عليهم وبين نفوذ الحكم عليهم عند الغيبة ، فيمكن أن يجتمع الأمران : الذم على عدم الحضور ونفوذ الحكم مع الغيبة (6) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 4 / 191 ، الطبعة الأولى المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة 1314 هـ ، بدائع الصنائع للكاساني 7 / 12 0
(2) المحلى لابن حزم 10 / 241 مرجع سابق 0
(3) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 472 0
(4) الآية رقم 48 سورة النور 0
(5) القضاء في الإسلام أ 0 د / محمد رأفت عثمان ص 110 ، وقد أشار سيادته في الهامش رقـم (1) إلى أدب القاضي لابن أبي الدم القسم الدارس المحقق الكتاب 1 / 158 0
(6) القضاء في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور : محمد رأفت عثمان ص 110 0
- 273 -
الدليل الثاني :
حديث أم سلمة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال : ( إنما أنا بشر وانكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقصى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء ، فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار " (1) 0
وجه الدلالة من الحديث :
استدل القائلون بعدم صحة القضاء على الغائب بـهذا الحديث بقوله – صلى الله عليه وسلم – ( فأقضي له على نحو ما أسمع ) وهذا يدل على أن القاضي لا يحكم إلا بما يسمع من الخصمين من بينه أو إقرار أو إنكار بحسب ما أحكمته السنة ، فإذا حكم على الغائب خالف هذا لأنه لم يسمع كلامه (2) 0
وقال ابن رشد في كتابه المشهور بداية المجتهد ونـهاية المقتصد أن هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب (3) 0
الرد على الاستدلال بهذا الحديث :
يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث في ضوء ما ذكره الأمام الشوكاني عن هذا الحديث : أن الخصمين حضرا معا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – وحكم بحسب ما سمع منهما والتنصيص على السماع لا يمنع أن يكون غيره طريقا للحكم وبالتالي فليس في الحديث ما يدل على منع الحكم على الغائب بل هو مسكوت عنه (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري ( الجامع الصحيح ) دار التعاون بمكة المكرمة 9 / 32 ، صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي – الطبعة الأولى دار إحياء التراث العربي – بيروت سنة 1375 هـ -1950 م ص 31 0 جـ3
(2) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني – دار إحياء التراث العربي – بيروت – 24 / 2572 0
(3) بداية المجتهد لابن رشد – دار الكتب العلمية ، بيروت – الطبعة العاشرة سنة 1408 هـ - سنة 1988 ، 2 / 472 0
(4) نيل الأوطار للشوكاني 8 / 318 وما بعدها 0
- 274 -
كما رد ابن حزم الظاهري على الحنفية في استدلالهم بـهذا بقوله كيف تناقضون هذا الأصل في منع الحكم على الغائب وتجيزون الحكم بالنفقة على الغائب الذي لا يعرف مكانه وتقولون : يحكم بـها القاضي لمن ادعى استحقاقها كزوجته وأولاده الصغار وأبويه الفقيرين وبناته الأبكار ؟
بل كيف تحكمون على المرتد إذا لحق بدار الحرب بأنه ميت وهو حيَّ غائب وتجيزون قسمة ماله على ورثته (1) 0
الدليل الثالث :
حديث علي – كرم الله وجه – قال بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى اليمن قاضيا ، فقلت يا رسول الله ، ترسلني وأنا حديث السن ، ولا علم لي بالقضـاء ؟ فقال : إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر ، كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء قال : فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد " (2) 0
وجه الاستدلال بهذا الحديث :
أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – نـهى عليا – كرم الله وجهه –عن الحكم لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر ، والحكم على الغائب حالة هكذا : يقض للمدعي في غيبة المدعي عليه فهو قضاء لأحدهما قبل سماع كلام الآخر وهذا نـهى عنه الرسول – صلى الله عليه وسلم (3) 0
وكذلك قال ابن رشد إن هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 242 0
(2) مسند الإمام أحمد الطبعة الأولى المكتـــب الإسلامـي بيروت سنة 1389 – 1969 م ، 1 / 143 ، 150 ، سنن الترمذي ( الجامع الصحيح ) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي – الطبعة الثانية لمصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1388 هـ - 1968 م 3 / 609 0
(3) بدائع الصنائع للكاساني 6 / 340 ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجـــر 13 / 183 0
(4) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 472 0
- 275 -
الرد على الاستدلال بهذا الحديث :
( 1 ) أن هذا الحديث ضعيف وغير صالح للاحتجاج به لأن في سنده رجالا منهم المدلس ، والمجهول والمطرح كما بين ابن حزم ذلك مفصلا (1) 0
ولا ينبغي أن يسلم لابن حزم بـهذا نظرا لقول الترمذي عن هذا الحديــــث " هذا حديث حسن " (2) 0
بل إن ابن حجر أورد هذا الحديث – وهو يعرض لأدلة المانعين للقضاء على الغائب وقال عنه :" هو حديث حسن ، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما (3) 0
( 2 ) أن هذا الحديث يحمل على حالة ما إذا كان الخصمان حاضرين عند القاضي فلا ينبغي لـه حينئذ الحكم بمقتضى البينة (4) ، حتى يسمع من المدعي عليه وهذا بخلاف الحكم على الغائب فلم يمنعه هذا الحديث ولم يعرض له مطلقا ولذلك قال ابن حجر " قال ابن العربي : حديث على إنما هو مع إمكان السماع فأما مع تعذره بمغيب فلا يمنع الحكم كما لو تعذر – بإغماء أو جنون أو حجر ، أو صغر ) (5) الدليل الرابع :
ما أورده ابن حزم بسنده ، أنه أتى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – رجل قد فقأت عيناه فقال له عمر : تحضر خصمك ، فقال له : يا أمير المؤمنين أما بك من الغضب إلا ما أرى ؟ فقال لـه عمر : فعلك قد فقأت عيني خصمك معا ، فحضر خصمه ، قد فقئت عيناه معا ، فقال - عمر رضي الله عنه - إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء (6)0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(2) سنن الترمذي 3 / 609 0
(3) فتح الباري لابن حجر 13/ 183 0
(4) المراد بالبينة هي الشهادة ، وقيل هي اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ، ومن خصها بالشاهدين أو بالشهود لم يوف مسماها حقه ، ولم تأت البينة في القرآن الكريم مرادا بـها الشاهدان وإنما أتت مرادا بـها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة ، انظر في ذلك الطــرق الحكمية لابن القيم ص 15 0
(5) فتح الباري 13/ 183 0
(6) المحلى لابن حزم 10 / 242 0
- 276 -
ووجه الاستدلال واضح في امتناع عمر - رضي الله عنه - ، من الحكم على الغائب قبـل حضوره 0
الرد على الاستدلال بقصة عمر – رضي الله عنه - :
أجاب ابن حزم عن قصة عمر - رضي الله عنه - مع الرجل الذي فقئت عينه بأنـها قصة ضعيفة لوجود راويين مجهولين في سندها وهما محمد الغفاري وابن أبي ذئب الجهني ولا يدري من هما ، فضلا عن انقطاع السند في موضع آخر وبين ذلك مفصلا وأضاف قائلا : ولو صح هذه الخبر عن عمر – رضي الله عنه – فليس فيه إلا أن لا يقضي على غائب بمجرد دعوى خصمه وهذا أمر متفق عليه وهذا حق لا ننكره وليس هو محل النزاع (1) 0
الدليل الخامس :
يستند أصحاب الرأي القائل بعدم صحة القضاء على الغائب بمجموعة أخبار وآثار تناقلها بعض التابعين كقول شريح القاضي : ( لا يقضي على غائب ) وقوله أيضـــا : ( لا أغرى حاضرا بغائب ) ، وقول عمر بن عبد العزيز - قال لقمان : إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه في يده ، فلا تقض له حتى يأتي خصمه ) (2) 0
فهذه الأخبار وهذه الآثار التي تناقلها بعض التابعين تدل على منع القضاء على الغائب 0
الرد على هذا الاستدلال :
أجاب ابن حزم على هذا الاستدلال بأن ما نقل عن شريح في سنده راو ضعيف وهو مجالد ومع الضعف لا يصح الاحتجاج به ، ولو سلمنا جدلا بصحة هذا الخبر فليس قول أحد حجة إلا قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – وقد ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحة القضاء على الغائب كما سيأتي في أدلة الرأي الثاني القائل بصحة القضاء على الغائب (3) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(2) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(3) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
- 277 -
وأما ما ذكره عمر بن عبد العزيز عن لقمان ، فأين لقمان من أيام عمر ؟ ثم ليس فيه إلا أن لا يقضي على غائب بدعوى خصمه فقط (1) 0
الدليل الخامس : من المعقول :
( 1 ) لو جاز الحكم على الغائب ، لم يكن الحضور واجبا عليه (2) 0
الرد على ذلك :
معارضة هذا المعقول بمعقول آخر وهو ضرورة حفظ أموال الناس ، بعد قيام البينة العادلة على ثبوتـها ، وهذا ما يتضمنه الحكم على الغائب (3) 0
( 2 ) شرع القضاء لقطع المنازعة بين الخصمين ، ولا منازعة من المدعي عليه لكونه غائبا ، فإذا قضى عليه كان الحكم على واحد حاضر وهذا لا يجوز (4) 0
الرد على ذلك :
أن هذا لا يمنع الحكم على الغائب لأن حجته إذا – حضر – معتبرة وقائمة فتسمع ويعمل بمتقضاها ولو أدى ذلك إلى نقض الحكم السابق (5) 0
الرأي الثاني :
ذهب جمهور الفقهاء المالكية ما عدا بن الماجشون (6) والشافعية والحنابلة (7) والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه والاوزاعي وابن سيرين والليث (8) إلى صحة القضاء على الغائب 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(2) فتح الباري لابن حجر 13/ 183 0
(3) حاشية الباجوري على شرح ابن القاسم مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1343 جـ 2 / 349 ، المبدع في شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي – المكتب الإسلامي – بيروت سنة 1400 هـ - 1980 م جـ 10 / 90 0
(4) القضاء في الفقه الإسلامي أ 0 د / محمد رأفت عثمان – ص 111 0
(5) فتح الباري لابن حجر 13 / 183 0
(6) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 472 ، القوانين الفقهية ص 196 0
(7) فتح الباري 13/ 183 ، حاشية الباجوري 2 / 349 ، المغني 11 / 484 0
(8) فتح الباري 13/ 183 0
- 278 -
قال القرافي المالكي ( فإن تعذر إحضاره أي المدعي عليه لكونه غائبا أو حاضرا فهرب ، وليس مع الطالب بينة لم تسمع دعواه ، لعدم الفائدة أو معه سمع البينة وحلفه على عدم الإبراء ونحوه وحكم " (1)
وقال ابن قدامة الحنبلي " من ادعى حقا على غائب في بلد آخر ، وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بـها عليه ، فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشرائط ، وبـهذا قال ابن شبرمه ، ومالك ، والأوزاعي ، والليث وسوار ، وأبو عبيد ، وإسحــــاق وابن المنذر (2) 0
قال الأسيوطي الشافعي (3) : ( إذا ادعى رجل على غائب عن مجلس الحكم بحق فإن لم يكن مع المدعي بينة بما ادعاه ، لم يسمع الحاكم دعواه ، لأنه لا فائدة في سماعها ، وإن كان معه بينة بما ادعاه نظر في المدعي عليه ، فإن كان غائبا عن البلد وجب على الحاكم أن يسمع الدعوى عليه والبينة ، وكذلك لو كان المدعي عليه حاضرا في البلد مستترا أو متعززا أو متواريا ، لا يصل المدعي إليه فإنه يجب على الحاكم أن يسمع الدعوى والبينة عليه ، وكذلك لو حضر المدعي عليه مجلس الحكم فلما ادعى عليه أنكر ، فلما أراد المدعي إقامة البينة عليه قام المدعي عليه وهرب فإن الحاكم يسمع البينة عليه ، وإذا كان المدعي عليه حاضرا في البلد غائبا عن مجلس الحكم غير ممتنع عن الحضور فلا يجوز سماع الدعوى عليه والبينة من غير حضوره وهو المذهب (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذخيرة للقرافي تحقيق محمد بوخبزه الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي – بيروت سنة 1994 جـ 10 / 113 0
(2) المغني لابن قدامة 11 / 484 0
(3) هو أبو بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان الخضري السيوطي – فاضل مصري – له علم بالعربية وفقه الشافعية – عرض عليه قضاء مكة فأبى ، وهو والد الإمام عبد الرحمن السيوطي ، ولد في أسيوط وتوفى بالقاهرة سنة 855 هـ سنة 1451 م ، ومن أهم مؤلفاته : حاشية على أدب القضاء للغزي ، وحاشية على شرح الألفية لابن المصنف لم يتم كتابـها – انظر كتاب الإعلام – لخير الدين الزركلي – المجلد الأول ص 79 مرجع سابق 0
(4) جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود للأسيوطي ( الشافعي ) الطبعة الأولى مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة 1374 هـ سنة 1955 م جـ 2 ص 360 0
- 279 -
أدلة الرأي الثاني :
استدل أصحاب الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بما يلي :
الدليل الأول :
قولـه تعالى:} يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله {(1) ، وقوله تعالى : } وأقيموا الشهادة لله { (2) 0
وجه الدلالة من الآيتين :
أن الله أمر المؤمنين بالحكم بالحق والقيام بالقسط والعمل بالشهادة لجميع الناس سواء الحاضرين منهم والغائبين ، ولذلك قال ابن حزم في هاتين الآيتين إن الله تعالى لم يخص حاضرا من غائب فصح وجوب الحكم على الغائب كما هو على الحاضر (3) 0
الرد على الاستدلال بهاتين الآيتين :
أن هاتين الآيتين عامتان وليستا في محل النزاع وهو القضاء على الغائب لذا لا يصح الاستدلال بـهما هنا (4) 0
الدليل الثاني :
ما روي عن عائشة -رضي الله عنها - أن هند بنت عتبة ( زوجة ) أبي سفيان - رضي الله عنه - قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن آخذ من ماله ، قال - صلى الله عليه وسلم- : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (5) 0
وجه الدلالة من الحديث :
أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قضى على الغائب وذلك حين أجاز لهند بنت عتبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الآية رقم 135 من سورة النساء 0
(2) الآية رقم 2 من سورة الطلاق 0
(3) المحلى لابن حزم 10 / 243 ، 244 ، مرجع سابق 0
(4) بحث في القضاء على الغائب د / حسن عبد الغني أبو غده – منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – السنة الخامسة عشرة – العدد الأربعون ذو القعدة سنة 1420 هـ مارس سنة 2000م ص 82 0
(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 / 183 0
- 280 -
زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف وهو غائب (1) ، وقال ابن المنذر وهذا حكم منه بالنفقة ، وأبو سفيان ليس بحاضر ولم ينظر حضوره (2) ، وقال ابن فرج القرطبي : فيه من الفقه : القضاء على الغائب (3) 0
الرد على الاستدلال بهذا الحديث :
رد الحنفية القائلون بعدم صحة القضاء على الغائب أن هذا الحديث ليس فيه قضاء على الغائب وذلك لوجود أبي سفيان – رضي الله عنه- حينئذ بمكة غير متوار ولا ممتنع وإنما هي فتوى وجوابـها ، فهند لم تدع الزوجية ولم تقم البينة ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم استحقاقها للنفقة فلا يكون قضاء على غائب بل هو فتوى (4) 0
الرد على المناقشة :
أجاب القائلون بصحة القضاء على الغائب والمستدلين بحديث هند سالف الذكر على رأيهم على هذه المناقشة أن إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تأخذ هند من مال زوجها ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف كان قضاء وليس إفتاء كما يزعم المخالفون بدليل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال بـها : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " ولو كانت فتوى لقال لها الرسول – صلى الله عليه وسلم – ( لك أن تأخذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) أو لا بأس عليك أن تأخذي ، أو نحو ذلك لأن المفتي لا يقطع ، فلما قطع الرسول –صلى الله عليه وسلم - يقوله " خذي " كان حكما وقضاء وليس إفتاء (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغني لابن قدامة 11 / 485 ، المحلى لابن حزم 10/ 244 ، أسنى المطالب شرح روضة الطالب للشيخ زكريا الأنصاري بـهامشة حاشية الرملي مطبعة المكتبة الإسلاميـــة – بيروت 4 / 315 0
(2) حاشية الرملي بـهامش أسنى المطالب المرجع السابق 4 / 315 0
(3) أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن فرج القرطبي المالكي – تحقيق قاسم الرفاعي الطبعة الأولى دار القلم بيروت – سنة 1408 هـ - 1987 ص 109 0
(4) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني 24/ 256 ، نظرية الدعوى د / محمد نعيم ياسين 2 / 391 ، القضاء في الفقه الإسلامي أ 0 د / محمد رأفت عثمان مرجع سابق ، ص 109 0
(5) نـهاية المحتاج للرملي 8 / 268 ، المغني لابن قدامة 11 / 484 ، الذخيرة للقــــرافي 10/ 113 0
- 281 -
الدليل الثالث : من الإجماع :
استدل أصحاب الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم بجواز القضاء على الغائب حيث صح عن عمر وعثمان رضي الله عنهما " القضاء على الغائب " 0
والدليل على ذلك أنه فقد رجل في عهد عمر - رضي الله عنه – فجاءت امرأته إليه فقضى لـها أن تتربص أربع سنوات وأربعة أشهر وعشرا ثم إذا شاءت تزوجت ، فهذا قضاء من عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – على الغائب ولم يعلم لـه مخالف من الصحابة -رضوان الله عليهم - فصار إجماعا (1) 0
الدليل الرابع :
استدل أصحاب هذا الرأي على رأيهم كذلك بأقضية وأحكام الصحابة ومشاهير التابعين حين رفعت إليهم قضايا لها بينات على غائبين فحكموا بـها عليهم ومن ذلك :
( 1 ) قضاء عمر على سعد – رضي الله عنهما - : حيث بلغ عمر أن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهما – اتخذ بابا وقال : انقطع الصوت ؟ ، فأرسل إليه عمر محمد بن مسلمة – رضي الله عنهما – فحرق الباب وأخرج سعدا فأجلسه للناس ، فاعتذر إليه سعد وحلف أنه ما تكلم بذلك 0
( 2 ) وكذلك قضاء عمر على أبي موسى -رضي الله عنهما – حيث روي أن كان هناك رجل في العراق ذو صوت ونكاية في العدو فلما غنم المسلمون أعطاه أبو موسى الأشعري وكان أميرا – بعض سهمه فأبى أن يأخذه إلا جميعا فضربه عشرين سوطا وحلق رأسه فجمع الرجل شعره ورحل إلى عمر فاشتكى ، فقضى عمر على أبي موسى أن يقصه من نفسه 0 ثم عفا الرجل 0
( 3 ) قضاء عثمان وعلى ابن طالب - رضي الله عنهما – لزوجة المفقود وأن تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا ثم إذا شاءت تزوجت (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 245 ، الذخيرة للقرافي 10 / 114 ، حاشية الرملي بـهامش أسنى المطالب 4 / 315 0
(2) المحلى لابن حزم 10 / 25 0
- 282 -
الدليل الخامس :
من المعقول : وبيان ذلك أنـهم :
قالوا : القضاء على الغائب أولى بالجواز من القضاء على الصغير وعلى الميت – وهذا ما سلم به الحنفية – مع عجز الصغير والميت عن الدفع والطعن ، فإذا جاز الحكم عليهما ، فليجز على الغائب أيضا (1) ، لأن حقه في الطعن والدفع إذا جاء محفوظ وحجته قائمة ، فتسمع ويعمل بـها باتفاق العلماء – ولو أدى إلى نقض الحكم السابق (2) 0
الرأي الراجــح :
أرى مع جانب آخر من الفقه (3) ترجيح الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بعد محاولات إحضاره ما دامت البينة موجودة ، لكي لا تضيع حقوق الناس ، والعصر الذي نعيش فيه شاهد على حالات كثيرة يستولى فيها بعض الناس على أموال الآخرين لاستثمارها ظاهرا – في تجارة أو غيرها ، ثم يهرب ، فهل تضيع حقوق الناس بحجة عدم القضاء على الغائب أم ينظر القاضي في القضية ويطلب البينة ، فإذا قامت البينة حكم القاضي بمقتضاها 0
ولأننا لو منعنا القضاء على الغائب لفتحنا الباب واسعا أمام ضياع الحقوق والتهرب من أدائها ، مادام مجرد امتناع الخصم عن الحضور يعد مانعا من القضاء عليه سواء كانت لـه حجة مقبولة ، ودفع معتبر أو لم يكن لـه ، وهذا ما دعا الأحناف أنفسهم إلى الخروج على أصل المنع 0 والحكم على الغائب في بعض القضايا فهم يقولون : " من غاب بحيث لا يعرف مكانه فإنه ينفق من ماله على زوجته وأصاغر ولده ، وعلى أكابر ولده إن كانوا زمني ، وعلى بناته الأكابر إن كانوا غير زمنات ، وعلى أبويه الزمنيين من طعامه وثيابه ودراهمه ودنانيره ، وأيضا قضوا على المرتد إذا لحق بدار الحرب بأنه ميت وقسموا ما له على ورثته وهذا هو عين القضاء على الغائب (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نـهاية المحتاج للرملي 8 / 268 0
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 183 0
(3) القضاء في الفقه الإسلامي أ 0 د / محمد رأفت عثمان ص 111 0
(4) المحلى لابن حزم 10 / 242 0
- 283 -
فضلا عن أن مجمل ما تمسك به الأحناف هو أن القضاء على الغائب فيه إهدار لحجة الخصم وقد أشرنا قبل ذلك أن الغائب إذا حضر بعد الحكم وله دفع يقبله القاضي فإن ذلك يقبل منه ويعاد النظر في الدعوى من جديد 0
ثالثا – حكم نصب المسخر ( أي الوكيل ) عن الغائب :
لما كانت دعوى المدعي عند الفقهاء لابد لها من جواب ، إما بالإقرار أو بالإنكار من المدعي عليه ، فإن أقر المدعي عليه بالحق المدعي به ألزم بأدائه إلى المدعي ، وإن أنكر سمعت بينه المدعي ، ولما كانت الدعوى على الغائب لا يتوافر فيها الجواب من قبل المدعي عليه بالإقرار أو بالإنكار مما أدى إلى اختلاف الفقه الإسلامي في حكم نصب المسخر عن الغائب تكون مهمته إنكار المدعي به ، حيث ذهب بعض الحنفية إلى أن الخصم الموجود في بلد المحكمة إذا تواري ، أو امتنع وتعزز عن الحضور إلى مجلس القاضي لزم القاضي أن ينصب له وكيلا يمثله في المحكمة يقال له المسخر – بفتح الخاء – تكون مهمته إنكار المدعي به ، وقال آخرون : ليس هذا لازما بل يفوض إلى رأي القاضي ، إلا أن أكثر الحنفية منعوا نصب المسخر لأن الخصم الغائب قد يكون مقرا فيكون إنكار المسخر كذبا ، ولذلك قال الكاساني " لا يجوز القضاء عندنا على الغائب ، إذا لم يكن عنه خصم حاضر ، والخصم الحاضر : هو الوكيل ، والوصي والوارث ، ومن كان بينه وبين الغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى لأن الوكيل والوصي نائبان عنه بصريح النيابة ، والوارث نائب عنه شرعا وحضره النائب كحضرة المنوب عنه " (1) 0
وبـهذا يتضح أن نصب القاضي للمسخر غير جائز عند الحنفية لما فيه من تجاوز أخلاقي ، وتجاوز حقوقي عن الغير دون إذنه ، أما الشافعية فقد انقسموا في حكم نصب القاضي المسخر عن الغائب إلى رأيين :
الأول : وهو الأصح عندهم أن القاضي لا يلزمه نصب مسخر ينكــر عن الغائب لأنه قد يكون الغائب مقرا فيكون إنكار المسخر كذبا وهو ما عليه المحققون في المذهب 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الصنائع للكاساني 6 / 341 ، شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام 7 / 390 0
- 284 -
الثاني : يلزم القاضي نصب مسخر عن الغائب لتكون البينة على إنكار المنكر لأن الدعوى تستدعي جوابا ، وقد تعذر جواب الغائب ، فمن ينصبه القاضي يقوم مقامه منكرا إذ أسوأ أحوال الغائب الإنكار ، فإذا أجاب المسخر بالإنكار سمعت بينة المدعي بالحق المدعي به (1) 0
هذا ، ونصب المسخر – كما قال أحد الباحثين (2) – هو إغراق في الحرص على الشكليات يشبه المهزله ، وإلا فما الذي يمنع من سماع البينة ، حتى على تقدير أن الغائب في الواقع مقر ونحن لا نعلم ، وتكون حجة ضرورة – لمكان الغيبة والجهاله – واقعة موقع الاستثناء من الأصل العام الذي يقرر أن البينة لا تقام على مقر ، وأليس هذا أفضل ألف مرة من ذلك السخف الذي لا معنى له ( نصب المسخر؟
رابعا – ضابط الغياب الذي يعتد به في الحكم على الغائب عند القائلين بجواز الحكم على الغائب :
الغائب عن مجلس القضاء لا يخلو أن يكون في البلد أو ضواحيه ، أو يكون خارج البلد بعيدا عنه فإذا كان الغائب في نفس البلد التي بها مجلس القضاء أو بمقر به منه طلب القاضي منه الحضور أو يوكل غيره في الحضور ، ويبلغه ذلك خلال مدة مناسبة ويعلمه بموضوع الدعوى ولا يسمع القاضي البينة ولا يقضي عليه حتى يحضر ، فإن لم يحضر أعلنه مرة ثانية ، فإن تغيب رغم ذلك لغير عذر أحضره القاضي جبرا عنه فإن تواري واستتر أو امتنع وتعزز بسلطة ونحوها حكم القاضي عليه ببينة خصمه إن كانت بينة عادلة وهذا متفق عليه عند القائلين بجواز وصحة القضاء على الغائب (3) 0
أما إذا كان المدعي عليه ( الغائب ) خارج البلد التي يوجد بـها مجلس القضاء وبعيدا عنها فقد اختلف القائلون بصحة القضاء على الغائب في تحديد ضابط الغياب الذي يعتد به في الحكم على الغائب وذلك على النحو التالي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4/407 ، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 279 0
(2) نظام القضاء في الإسلام أ 0 د / إبراهيم عبد الحميد ص 253 0
(3) القوانين الفقهية لابن جزي ص 197 0
- 285 -
أولا – تحديد الغياب عند المالكية :
يقسم المالكية الغياب إلى ثلاثة أقسام :
( 1 ) غياب قريب : وهو الذي يكون الغائب في مكان بعيد عن مجلس القضاء مسيرة يوم ويومين وثلاثة فهذا الغائب يرسل القاضي إليه كتابا مرة أو مرتين يعلمه بالدعوى والمدعي ، فإما أن يحضر أو يوكل غيره فإن لم يفعل سمع القاضي الدعوى وحكم عليه بالبينة في العقارات والعروض والحيوان والديون وكذلك في النسب والطلاق وللقاضي أن يحكم ببيع ماله لوفاء ديونه ، فإذا جاء الغائب بعدئذ وطعن على الحكم لم يقبل منه ذلك لانتفاء عذره في عدم الحضــور (1) 0
( 2 ) غياب بعيد : وهو الذي يكون الغائب خلاله بعيدا عن مجلس القاضي مسيرة عشرة أيام فهذا الغائب لا يرسل إليه القاضي كتابا لطول المسافة بل يسمع القاضي الدعوى ويحكم عليه بالبينة في النسب والطلاق والديون والعروض ما عدا الدعوى التي يطلب فيها المدعي استحقاق عقار الغائب لكثرة مشاحة الناس فيه ، فإذا حضر الغائب بعد الحكم عليه في الدعوى وطعن في الحكم فله ذلك (2) 0
( 3 ) غياب بعيد جدا ( أي منقطع الغيبة ) :
ومثلوا لـه : بأن يكون مجلس القضاء في مكة أو المدينة ، والغائب في افريقيا أو الاندلس أو خراسان ، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض وذلك بعد سماع البينة العادلة فإذا جاء بعدئذ وطعن في الحكم وأتى بالحجة وما يعارض البينة قبل ذلك منه (3) 0
ثانيا – تحديد الغياب عند الشافعية :
انقسم الشافعية في تحديد الغائب إلى ثلاثة أقوال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 87 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 87 ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( بـهامشها الشرح الكبير للدردير مطبعة عيسى البابي الحلبي 4 / 163 0
(3) تبصرة الحكام 1 / 87 ، الشرح الكبير للدردير 4 / 162 0
- 286 -
( 1 ) الغائب هو من يكون في موطن بعيد عن مجلس القاضي ، بحيث يترتب عليه لو حضر أن يعود إلى موطنه ليلا ، فهذا لا يجب عليه الحضور دفعا للمشقة ولكن تسمع عليه الدعوى والبينة ويحكم بموجبها 0
( 2 ) الغائب هو من كان خارج ولاية القاضي فهذا تسمع البينة عليه ويقضي بـها 0
( 3 ) الغائب من كان بعيدا عن مجلس القضاء مسافة القصر (1) 0
ثالثا – تحديد الغياب عند الحنابلة :
حدد الحنابلة مدة الغياب بمسافة القصر فإن كان دونـها لم تسمع الدعـــوى ولا البينة على الغائب ويجب حضوره إلا إذا امتنع واختفى أما إذا كان أبعد من مسافة القصر فتسمع البيئة ويحكم على الغائب (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية قليوبي وعميرة 4 / 313 0
(2) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي مطبعة دار عالم الكتب العلمية – بيروت 6 / 355 0
- 287 -
المطلب الثاني
حصول الإجراءات في مواجهه الخصوم
في القانـون الوضعـي
**************
من المبادئ المقررة في النظام القضائي المصري مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم بحيث يعلمون بها سواء عن طريق اتخاذها في حضورهم كإبداء الدفوع والدفاع والطلبات وتعديلها ، أو عن طريق إعلانـهم بـها إعلانا قضائيا صحيحا ، أو إطلاعهم عليها ، وأساس ذلك ضمان حق الدفاع للخصوم جميعا بإحاطتهم علما بما أتخذ من إجراءات حتى يستطعون الرد عليها بما يناسبها (1) 0
وتحقيقا لهذا المبدأ فقد أوجب القانون على المدعي إعلان المدعي عليه بالطلبات الموجهة إليه ، ومنع المدعي من إبداء طلبات جديدة أو تعديل الطلبات الواردة في صحيفة الدعوى في الجلسة التي يتخلف فيها خصمه ، وكذلك منع المدعي عليه من إبداء طلبــات في غيبة المدعي حيث نص المشرع على أنه ( 0000 ولا يجوز للمدعي أن يبدئ في الجلسة التي تخلف فيها خصمه طلبات جديدة أو أن يعدل أو يزيد أو ينقص في الطلبات الأولــى 000 ) (2) 0
كذلك تحقيقا لهذا المبدأ فقد أوجب القانون على كل خصم تمكين خصمه من الإطلاع على الأوراق التي يقدمها تأييدا لدعواه والرد عليها ، وكذلك على القاضي أن يمتنع بعد قفل باب المرافعة عن سماع أي أقوال من أحد طرفي الخصومة في غيبة الطرف الأخر ، ومن قبول آية ورقة لم يطلع عليها خصمه (3) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصول المرافعات د / محمد محمود إبراهيم – ص 11 ، المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 37 ص 47 0
(2) المادة ( 83 / 2 ) مرافعات 0
(3) المادة ( 168 ) مرافعات ، الوسيط د / فتحي والي ، بند 254 ، ص 482 ، مبادئ المرافعات د / عبد الباسط جميعي ص 189 0
- 288 -
وقضت محكمة النقض في هذا الصدد :
أنه ( لا يجوز للمحكمة – طبقا لنص المادة ( 168 ) مرافعات – أن تقبل أوراقا أو مذكرات من أحد الخصوم دون إطلاع الخصم الآخر عليها وإلا كان العمل باطلا ، وهذا – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أصل من أصول المرافعات ولا يسوغ الخروج على هذا الأصل أن يكون المحكمة التي أصدرت الحكم قد أذنت للطاعنه بإيداع ، مذكرتـها بملف الدعوى دون إعلان الخصم بـها ، إذ ليس من شأن هذا أن يغير من قواعد وضعت كفالة لعدالة التقاضي وعدم تجهيل الخصومة على من كان طرفا فيها ) (1) 0
ويعتبر إخلالا بمبدأ المواجهة بين الخصوم ويثير الشبهات حول نزاهة القاضي قبول المحكمة المذكرات أو المستندات بعد قفل باب المرافعة من أحد الخصوم دون تصريح من المحكمة والتعويل على هذه المذكرات أو المستندات عند إصدارها للحكم ويكون جزاء هذا الحكم هو البطلان (2) 0
وقضت محكمة النقض في هذا الصدد :
أن ( إذا بنى الحكم على ما قدمه الخصم بعد حجز الدعوى للحكم من أوراق دون إطلاع الخصم عليها فإنه يكون باطلا لتحقق إخلاله بحق الدفاع وبأصل من أصول المرافعات التي وضعت كفالة لعدالة التقاضي ولعدم تجهيل الخصومة على من طرفا فيها 00 ) (3) 0
أما إذا لم تأخذ المحكمة بالمذكرات والمستندات المقدمة بعد قفل باب المرافعة ولم تصرح المحكمة بتقديم هذه المذكرات أو المستندات فيكون هذا الحكم صحيح ولا بطـلان فيه 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطعن رقم 230 س 46 ق جلسة 20/ 4 / 1978 س 29 ص 1053 مشار إليه في محاضرات في قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب – الكتاب الأول – النظام القضائي سنة 1993 – 1994 ، ص 37 هامش رقم ( 1 ) 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز 1 / 957 0
(3) الطعن رقم 1637 س 49 ق – م نقض م – ص 34 ، مشار إليه بالمرجع السابــــق ص 957 0
- 289 -
يؤكد ذلك قضاء محكمة النقض : على أنه :
( إذا لم تعول المحكمة في قضائها على المستندات والمذكرات المقدمة بغير تصريح فإنه لا يترتب على مجرد قبولها لها بطلان الحكم ) (1) 0
وإذا كان المشرع المصري قد أخذ بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم إلا أن هذا لا يمنع القاضي عن السير في إجراءات نظر الدعوى إذا امتنع المدعي عليـــه عن الحضور بعد دعوته إلى مجلس القضاء بإعلان صحيح ويجب على القاضي إذا تغيب المدعي عليه ، أن يتحقق من صحة إعلانه بنظر الدعوى فإذا تبين للقاضي بطلان إعلان المدعي عليه وجب عليه تأجيل نظر الدعوى لجلسة أخرى لكي يعلنه المدعي بالجلسة إعلانا صحيحـا (2) 0
واستثناءا من هذا المبدأ فقد أجاز المشرع اتخاذ إجراءات في غير مواجهة الخصوم كأستصدار أمر على عريضة حيث نص المشرع على أنه ( في الأحوال التي يكون فيها للخصم وجه في استصدار أمر يقدم عريضة بطلبه إلى قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة المختصة أو إلى رئيس الهيئة التي تنظر الدعوى 0000 ) (3) 0
وكذلك نص المشرع على أنه استثناء من القواعد العامة في رفع الدعاوى ابتداء ، تتبع الإحكام الواردة في المواد التالية إذا كان حق الدائن ثابتا بالكتابة ، وحال الأداء وكان كل ما يطالب به ديننا من النقود ، معين المقدار ، أو منقولا معبثا بذاته أو بنوعه أو مقــداره 000 ) (4) 0
مما تقدم يتبين لنا أن أخذ المشرع المصري بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهه الخصوم يعتبر من الأسس الهامة التي يقوم عليها نزاهة القاضي لأن علم كل خصم بالإجراءات التي يتخذها الخصم الآخر وإتاحة الفرصة له بالرد عليها يقطع الشك في نزاهة القاضي وعدم محاباته لأحد الخصوم دون الآخر مما يبث ثقة المتقاضين في القاضي وحيدته ونزاهته 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطعن رقم 190 س 51 ق جلسة 2/10/ 1985 مشار إليه ، بالمرجع السابق ص 957 0
(2) المادة ( 85 ) مرافعات 0
(3) المادة ( 196 ) مرافعات ، الوسيط د / فتحي والي بند 254 ص 482 0
(4) المادة ( 201 ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 0
- 290 -
الموازنة بين الشريعة والقانون فيما يتعلق بمبدأ
حصول الإجراءات في مواجهة الخصــوم
***********************
سبق وأن ذكرنا أن الأصل في الفقه الإسلامي أن تتخذ جميع الإجراءات في مواجهة الخصم ، ولا يجوز للقاضي أن يسير في إجراءات نظر الدعوى مع غيبة أحد الخصوم عن مجلس القضاء مع حضوره في البلد وعدم علمه بالدعوى ، كما أشرنا آنفا أنه لا ينبغي للقاضي في الفقه الإسلامي أن يسمح لأحد الخصوم بالدخول عليه دون خصمه لا في مجلس قضائه ، ولا في خلوته ولا ينبغي لـه أن يسمع بينة في غيبة الخصم الآخر ، وبذلك يكون مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي ، وإذا ما قارنا ذلك بالقانون الوضعي نجد أن المشرع المصري أخذ أيضا بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم ، ويعتبره من الأسس الهامة التي يقوم عليها القضاء المصري ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم ويكون للفقه الإسلامي فضل السبق في الأخذ به 0
- 291 -
المبحث الثالث
مبدأ حرية الدفاع والمناقشة في الفقه الإسلامي
والقانــون الوضعــــي
******************
يعتبر مبدأ حرية الدفاع والمناقشة أوسع وأشمل من مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم الذي تحدثنا عنه في المبحث السابق لأن مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم يتطلب حضور المدعي عليه أو نائبه ليكون على علم بما يتخذ ضده من إجراءات أما مبدأ حرية الدفاع والمناقشة فيتطلب إعطاء الخصم بعد حضوره فرصة كافية لإبداء وجهة نظره وأسانيدها والرد على مزاعم خصمه مما يبث الثقة في نزاهة القاضي وحيدته ، ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه عن هذا المبدأ من خلال مطلبين هما :
المطلب الأول :
مبــدأ حرية الدفاع والمناقشة في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني :
مبدأ حرية الدفاع والمناقشة في القانون الوضعي 0
- 292 -
المطلب الأول
مبدأ حرية الدفاع في الفقه الإسلامي
*************************
أولا – المقصود بهذا المبدأ :
يقصد بـهذا المبدأ إعطاء فرصة كافية لكل خصم لإبداء وجهه نظره أمام القضاء فيما قدمه هو والرد على مزاعم خصمه وأدلته ودفوعه ، إمهاله المدة الكافية لتحضير دفاعه وأسانيده (1) وإعطائه الحق في توكيل من يدافع عنه ، قال تعالى : } واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري { (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام 1 / 47 0
(2) سورة طة الآيات أرقام ( 29 ، 30 ، 31 ، 32 ) وروي في تفسير قوله تعالى : } واجعلي لي وزيرا من أهلي { أي معاونا يحمل أعباء ما كلفته ، على أن اشتقاقه من الوزر بالكسر بمعنى الحمل الثقيل لأنه الأصل في ذلك ، وسمى القائم بأمر الملك بذلك لأنه يحمل عنه وزر الأمور وثقلها ، أو هو ملجأ يعتصم برأيه ، وسمى وزير الملك بذلك لأن الملك يعتصم برأيه ويلتجأ إليه في أمره ، فهو فعيل بمعنى مفعول على الحذف والإضافة أي ملجوء إليه ، وأيضا : قال الخليل وأبو عبيدة في تفسير قوله ( اشدد به أزري ) إن المراد بالأزر هو الظهر ، وروي ذلك عن ابن عطيه والمراد أحكم به قوتى وإجعله شريكا في أمر الرسالة حتى تتعاون على أدائها كما ينبغي واختار هارون لأنه كان أطول من موسى عليه السلام وأكثر منه لحما وأكبر سنا ، وقيل إنه كان يكبره بأربع سنين ، وقيل بثلاث وتوفى قبله بثلاث سنين ، وكان عليه السلام ذا تؤده وحلم عظيم ، وليس المراد بالأمر في قوله وأشركه في أمري الرسالة لأن ذلك ليس في يد موسى وإنما المراد أن يجعله معه للإرشاد والدعوى إلى الحق وهذا ما يجب أن يحمل عليه ، وفي الحديث ( إذا أراد الله بملك خيرا قيض لـه وزيرا صالحا إن نسى ذكره ، وإن نوى خيرا أعانه وإن نوى شرا كفه ) وقد كان لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وزراء كما قال ( إن لي وزيرين في الأرض أبو بكر وعمر ، ووزيرين في السماء جبريل وإسرافيل ) فكان من في السماء يمده بالروحانية ، ومن في الأرض يمده بالجسمانية فيكون بذلك قد تحقق قوله تعالى : ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) فنصر الله سماوي ونصر المؤمنين أرضي ، وبالكل يحصل الإمداد 0 انظر في ذلك روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – للعلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي المتوفى سنة 1270 هـ - مكتبة دار التـــراث =
- 293 -
ثانيا – مدى تحقق مبدأ حرية الدفاع في الفقه الإسلامي :
من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي مبدأ حرية الدفاع والمناقشة لأن من المقرر في الفقه الإسلامي أن لكل من أطراف الخصومة حق الإدلاء بحججه وأسانيده في مجلس القضاء والرد على مزاعم خصمه وأدلته ولذلك نص الفقهاء على أنه ينبغي على القاضي أن يعطي كلا من الخصوم الوقت الكافي لتحضير حججه أو دفوعه أو استكمالها ، فإذا ادعى المدعي أنه معه بينة ولكنها غير حاضرة ، فطلب المهلة لإحضارها وجب على القاضي إعطاؤه المهلة الكافية لإحضار بينته وكذلك المدعي عليه إذا طلب مهلة لإحضار البينة التي ترد علي بينة المدعي وجب كذلك على القاضي إعطاؤه المهلة الكافية لإحضار بينته وذلك إعمالا لحق الخصوم في حرية الدفاع (1) 0
وتحقيقا لمبدأ حرية الخصوم في الدفاع لم يجز الفقه الإسلامي للقاضي أن يفصل في الدعوى قبل استيفاء بيانات الخصوم فيها ، حتى ولو أدى ذلك إلى تأجيل إصدار الحكم ، ومن المقرر في الفقه الإسلامي أن على القاضي أن يمنح الخصوم بناء على طلبهم المهل اللازمة لاستعدادهم وتقديم دفاعهم وبياناتـهم وهذه المهلة ترجع إلى تقدير القاضي (2) 0
ولذلك قال ابن فرحون : " وضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد الحكام بحسب من النظر في أمر الخصمين ، وليس فيه حد محدود لا يجاوز إنما هو الاجتهاد " (3) 0
وقال السرخسي في شرحه لكتاب - عمر بن الخطاب - إلى أبي موسى الأشعري حيث قال - عمر بن الخطاب - : ( ومن ادعى حقا غائبا أو بينه ، فاضرب له أجلا ينتهي إليه فإن أحضر بينة ، أخذ حقه ، وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك أجلى للعمي وأبلغ في العذر " قال السرخسي في شرحه لهذا القول العظيم : ( وفيه دليل على أن القاضي عليه أن يمهل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= المركز الإسلامي للطباعة والنشر جـ 16 / 184 ، وانظر أيضا في تفسير تلك الآية تفسير روح المعاني للشيخ إسماعيل حقي البروسي – طبعة دار الفكر جـ 5 ص 379 ، وقيـــل ( واجعل لي وزيرا من أهلي ) أي عونا يستقيم به أمري فالأزر هو العون قال الشاعر :
شددت به أزري وأيقنست أنه : أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه انظر في ذلك أيضا الجامع لإحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت المجلد السادس ص 130 0
(1 ، 2 ) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 47 ، المبسوط للسرخسي 16 / 63 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 171 0
- 294 -
كل واحد من الخصمين ، ويقدر ما يتمكن من إقامة الحجة فيه ، حتى إذا قال المدعي : بينتي حاضرة ، أمهله ليأتي بـها ، فربما لم يأت بـها في المجلس الأول ، بناء على أن الخصـم لا ينكر حقه ، لوضوحه ، فيحتاج إلى مدة ليأتي بـها ، وبعد ما أقام البينة إذا ادعى الخصم الدفع ، أمهله القاضي ليأتي بدفعه ، فإنه مأمور بالتسوية بينهما في عدله وليكن أمهاله على وجه لا يضر بخصمه فإن الاستعجال إضرار بمدعي الدفع ، وفي تطويل مدة إمهاله إضرار بمن أثبت حقه وخير الأمور أوسطها ، قال ، وقوله ( فإن ذلك أجلى للعمي ) أي لإزالة الاشتباه وقوله ( وأبلغ في العذر ) أي للقاضي عند من توجه القضاء عليه لأنه إذا وجه القضاء عليه بعد ما أمهله حتى يظهر عجزه عن الدفع انصرف من مجلسه شاكرا له ، ساكنا ، وإذا لم يمهله ،انصرف شاكيا منه بقول : مال إلى خصمي ولم يستمع حجتي ، ولم يمكني من إثبات الدفع عنده 000 ) (1) 0
يتضح لنا من شرح الإمام السرخسي لقول أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - في كتابه إلى أبي موسى الأشعري والذي يعتبر بحق دستورا للقضاة أن إخلال القاضي بمبدأ حرية الدفاع وعدم إعطاء الخصم الفرصة الكافية لإحضار بينته والرد على دفوع خصمه مما يؤدي إلى إثارة الشك حول نزاهة القاضي وعدم حيدته ويترتب على ذلك أن ينصرف الخصم شاكيا القاضي وذلك بقوله : مال إلى خصمي ولم يستمع حجتي ولم يمكني من إثبات الدفع عنده ، هذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أن مبدأ حرية الدفاع يعتبر من أهم المبادئ التي يقوم عليها نزاهة القاضي ، ومن المبادئ التي يقوم عليها أي نظام قضائي عادل يتحقق فيه مبدأ نزاهة القاضي 0
ومما هو جدير بالذكر أن مبدأ حرية الدفاع والمناقشة يقتصر على إتاحة الفرصة للخصم ليتكلم ويبدي وجهه نظره وأدلته ، فإن هو أصر على عدم الكلام أو قصر في إبداء أدلته ، أو كان خصمه ألحن بحجته منه قضى القاضي وفقا لما هو ثابت أمامه من الأدلة والمستندات لأن الخصم لم يستعمل حقه في الدفاع وحرية المناقشة (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي 16 / 63 0
(2) الشرح الكبير للدردير 4 / 151 ، التنظيم القضائي الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامــد أبو طالب ص 59 0
- 295 -
المطلب الثاني
حرية الدفاع والمناقشة في قانون المرافعات
**************************
يعتبر مبدأ حرية الدفاع والمناقشة من المبادئ الأساسية والمستقرة في القضاء المصري ولذلك نص عليه المشرع صراحة في الدستور المصري حيث نص على أن ( حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول ، ويكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم 0000 ) (1) 0
وحق الدفاع أمام القضاء حق مقرر لجميع أطراف الدعوى سواء كانوا مدعيين أو مدعي عليهم أو متدخلين في الدعوى طالما لهم صفة الخصم في الدعوى ، فللمدعي أن يبدي ما يشاء من أوجه الدفاع تأييداً لدعواه ، وللمدعي عليه وهو في مركز الخصم أن يبدي ما شاء من أوجه الدفاع والدفوع في الدعوى لتفادي الحكم للمدعي بطلباته (2) 0
وبناءا على مبدأ حرية الدفاع لا يستطيع القاضي أن يحكم في الدعوى إلا بعد سماع جميع إطراف الخصومة لأنه بغير سماعهم لا يمكنه معرفة الحقيقة (3) 0
وتأكيدا لأهمية مبدأ حرية الدفاع لم يكتف المشرع بالنص عليه في الدستور المصري بل نص عليه كذلك في قانون المرافعات حيث نص المشرع على أنه ( يجب الاستماع إلى أقوال الخصوم حال المرافعة ، ولا تجوز مقاطعتهم إلا إذا خرجوا عن موضوع الدعوى ، أو مقتضيات الدفاع فيها ، ويكون المدعي عليه آخر من يتكلم ) (4) 0
وبناءا على ذلك يجب على القاضي أن يستمع إلى أقوال الخصوم من حين رفع الدعوى إلى قفل باب المرافعة ولا يقاطعهم أثناء إبداء طلباتـهم أو دفوعهم ، إلا إذا خرجوا عن موضوع الدعوى ، أو تجاوزوا حدود الدفاع المقررة ، وإذا لم تمكن المحكمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المادة ( 69 ) من الدستور المصري الحالي سنة 1971 0
(2) النظام القضائي والاختصاص د / أمينة النمر ص 35 – طبعة سنة 1984 ، واجب القاضي في تحقيق مبدأ المواجهة باعتباره أهم تطبيق لحق الدفاع د / عزمي عبد الفتاح – طبعة دار النهضة سنة 1992 – 1993 ، بند 4 ص 10 0
(3) الوسيط د / فتحي والي بند 254 ص 482 0
(4) انظر المادة ( 102 ) مرافعات 0
- 296 -
الخصوم من إبداء دفاعهم يكون حكمها باطلا لأنـها قد أخلت بحق الدفاع (1) ، وحق الدفاع هو حق جوهري مفترض لا قيام للعدالة بغيره لأن غايته هي تحقيق المساواة في المراكز الإجرائية أمام الخصوم التي أن أختلت أختلت معها فكرة العدالة ذاتـها وهـــو ما يؤدي إلى أوخم العواقب على المجتمع لأنه يجعل قواعد القانون الموضوعي التي تنظم العلاقات بين الأفراد عبثا لا جدوى منه (2) 0
ومما هو جدير بالذكر أن حق الدفاع في القانون المصري يعتبر حقا عاما يتعلق بالنظام العام وهو من المبادئ الهامة في التقاضي ، والتي يكلفها الدستور نظرا لأهميتها ، وتمييزها من حيث التصاقها بجوهر العدالة في التقاضي (3) 0
الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة
لمبــدأ حريــــة الدفـاع
***************
من خلال ما سبق ذكره يتضح لنا أن مبدأ حرية الدفاع من المبادىء المستقرة في الفقه الإسلامي ، حيث إن لكل من أطراف الخصومة حق الإدلاء بحججه وأسانيده في مجلس القضاء والرد على مزاعم خصمه وأدلته ، كذلك المشرع المصري أخذ بـهذا المبدأ وجعله من المبادىء الأساسية التي يقوم عليها القضاء المصري ولذلك نص عليه صراحة في الدستور وجعله من الحقوق التي كفلها القانون للخصوم بالأصالة أو الوكالة ، كما نص عليه في كافة القوانين الوضعية ولا يوجد قانون أغفل النص على هذا المبدأ ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بـهذا المبدأ ويكون للفقه الإسلامي فضل السبق في تقرير هذا المبدأ 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التعليق على قانون المرافعات للديناصوري وعكاز ص 259 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز 1 / 610 0
(3) ضمانات التقاضي – دراسة تحليلة مقارنة – د / آمال الفزايري – توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية – مركز الدلتا للطباعة ص 74 0
- 297 -
المبحث الرابع
مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامي
والقانـون الوضعـي
**************
تمهيــد :
مما لاشك فيه أن مبدأ مجانية القضاء يعتبر من المبادىء الهامة التي تقـــوم عليها نزاهة القاضي وذلك لأن عدم أخذ القاضي أجرا من الخصوم مقابل قضـائه يجعل القاضي في مأمن من إثاره الشبهات حول نزاهته وذلك حتى لا يلجأ البعـض إلى القول بأن القاضي يميل إلى من يأخذ منه أجرا أكبر منه من الآخر ولكن هــذا لا يعني أن القاضي لا يأخذ أجرا مقابل قضائه حيث سبق وأن ذكرنا في الباب الأول عند الحديث عن التوسعة على القاضي في الرزق أن القاضي يعتبر عاملا من عمال المسلمين وأجل عمالهم وأنه يأخذ أجرا على قضاءه من بيت مال المسلمين ( الخزانة العامة ) 0
ونظرا لأهمية هذا المبدأ فسوف نتحدث تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه من خلال مطلبيـن :
المطلب الأول :
مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامــي 0
المطلب الثاني :
مبدأ مجانية القضاء في القانون الوضعي 0
- 298 -
المطلب الأول
مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامــي
********************************
أولا – المقصود بهذا المبـــدأ :
يقصد بـهذا المبدأ أن القاضي لا يأخذ أجرا من الخصوم مقابل قضائه وإنما يأخذ أجره من بيت مال المسلمين ( الخزانة العامة في الدولة ) شأنه في ذلك شأن سائر الموظفين في الدولــة (1) 0
ثانيا – مدي تحقق مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامي :
الأصل في الفقه الإسلامي الأخذ بمبدأ مجانية القضاء وأن القضاة لا يتناولون أجرا من المتقاضين لقاء الفصل بينهم وإنما يرزق القاضي وأعوانه من بيت مال المسلمين وكان أول راتب عين في الإسلام للقاضي هو ما خصصه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعتاب بن أسيد عندما عينه على مكة واليا وقاضيا ، فقد فرض له كل يوم درهمين ، وكان عتاب يقول ( لا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان ) (2) 0
وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدون فكان أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب- هو أول من فصل القضاء عن الولاية ولم ينشأ بيت مال المسلمين إلا في عهده فكان أول من ضبط الأعمال ودون الدواويين في الإسلام وأول من رتب أرزاق القضاة فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة الباهلي خمسمائة درهم في كل شهر ، وكذلك الإمام على بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو المعروف بالزهد والقناعة فقد قال لعامله على مصر في شأن القضــاة ( وأفسح لـه في البذل ما يزيل علته ونقل معه حاجته إلى الناس ) ورتب لشريح خمسمائة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الصنائع للكاساني 7 / 20، تبصرة الحكام 1 / 30، روضة القضاة للسمناني 1 / 87 ، التنظيم القضائي الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب ص 53 0
(2) المدخل في الفقه الإسلامي د /محمد سلام مدكور – الطبعة الرابعة سنة 1969 ص 337 ، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي وتطبيقه في المملكة العربية السعودية للدكتور : محمد مصطفي الزحيلي – مطبعة دار الفكر – دمشق سنة 1402 هـ – 1982 ، ص 94 0
- 299 -
درهم في كل شهر فيكون راتبه في العام ستة آلاف درهم بينما كان الإمام على يكتفي بقصعة ثريد في كل يوم من بيت المال ، وكان عبد الرحمن الخولاني قاضي مصر في زمن واليها عبد العزيز بن مروان جمع بين ولاية القضاء وبين ولاية بيت المال وكان يأخذ في العام ألف دينار 0
ويقول الشيخ محمود بن عرنوس نستخلص من مجموع ما رويناه أن التوسعة على القضاة في أرزاقهم كانت مبدأ عاما من يوم أن وجدت الأرزاق في الدواويين وأنـها كانت تصرف مقدما (1) 0
مما تقدم تبين لنا أن الأصل الذي ساد في النظام القضائي الإسلامي هو مجانية القضاء فالقضاة لا يتقاضون أجرا من الخصوم مقابل الفصل بينهم في المنازعات وذلك حفظا لكرامة وهيبة القضاة والارتقاء بـهم عن كل شبهة حول نزاهتهم وإنما يأخذ أجره من الخزانة العامة للدولة حتى لا يكون القاضي تحت رحمة الخصوم ، فالخصوم في الفقـــه الإسلامي لا يتحملون أي نفقات عند لجوئهم للقاضي للفصل بينهم في الخصومات ، فكل ما يحتاجه القاضي للنهوض بمهمته من أدوات كتابية أو غيرها ، فهي أو ثمنها من بيت مال المسلمين وذلك لكونـها لازمة للقيام بمصالحهم (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ القضاء في الإسلام للشيخ محمود بن عرنوس المطبعة المصرية الأهلية الحديثة بالقاهـرة سنة 1934 ص 29 0 ، وفي ذات المعنى ضمانات القاضي د / آمال الفزايري – مرجع سابق ص 48 0
(2) روضة القضاة للسمناني 1 / 87 ، التنظيم القضائي الإسلامي أ 0 د / حامد أبــو طالب ص 54 0
- 300 -
المطلب الثاني
مبدأ مجانية القضاء في قانون المرافعات المصري
***************************
أولا – مفهوم هذا المبدأ عند فقهاء القانون :
يقصد بـهذا المبدأ أن المتقاضين لا يدفعون لقضاتـهم أجرا على أعمالهم ، لأن القضاة كسائر موظفي الدولة يحصلون على مرتباتـهم وحوافزهم من خزانة الدولة وليس مـن الخصوم ، والالتجاء إلى القضاء يكلف المتقاضين رسوما تحصلها الخزانة العامة والمدعي هو الذي يدفع هذه الرسوم عند رفع الدعوى فإذا كسب دعواه حكم بـها على المدعي عليه ، وإذا خسرها تحملها هو ، وقد قصد بإلزام المدعي يدفع هذه الرسوم عند رفع الدعوى التقليل من الخصومات الكيدية ولكن الخصم الذي خسر الدعوى هو الذي يتحملها في النهاية لأنه هو الذي تسبب في الالتجاء إلى القضاء بما أنكر على خصمه مـن حــق (1) 0
ثانيا – الهدف من تقرير هذا المبدأ :
يهدف المشرع من وراء تقرير مبدأ مجانية القضاء إلى تحقيق عدة اعتبارات تتمثل فيما يلي :
الأول : كفالة نزاهة القضاة والبعد عن المساومة مع الخصوم التي تفسد القضاء وتخرجه عن مجال وظيفته وغايته ومن ثم يطمئن المتقاضين إلى حيدة ونزاهة القضاء 0
الثاني : كفالة سلطة الدولة على إقليمها وممارسة سيادتـها عليه (2) 0
الثالث : تحقيق مبدأ المساواة أمام القضاء وذلك لأن مبدأ مجانية القضاء يعتبر نتيجة حتمية لمبدأ المساواة أمام القضاء وذلك على أساس أن القضاء حق مكفول للناس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرافعات المدنية والتجارية د / أحمد أبو الوفا بند 32 ص 40 ، محاضرات في قانون المرافعات المدنية والتجارية لأستاذنا الدكتور : عبد الحكم شرف ص 4 0
(2) الوجيز في المرافعات د / محمد محمود إبراهيم ص 63 0
301 –
كافة دون تمييز بين مكانتهم أو امكانيهم يحتم تسيره وتوفيره للناس باعتباره خدمة عامة ، فلا يدفع المتقاضون أجر قضاتـهم وإنما تتحمل الدولة هذا الأجر ، حتى لا يحرم الفقير من الالتجاء إلى القضاء (1)
ثالثا – مدى تحقق مبدأ مجانية القضاء في القانون المصري :
من المبادئ المقررة في القانون المصري وفي النظم القضائية الحديثة مبدأ مجانية القضاء باعتبار أن القضاء خدمة عامة ، ويعني هذه المجانية فقط أن الذي يتحمل مرتبات القضاة خزانة الدولة وليس الخصوم ، فليس معنى مجانية القضاء عدم تحمل المتقاضين أي أعباء مالية عند التجائهم إلى القضاء لأن الدولة تفرض على مباشرة إجراءات التقاضي رسوما محددة يدفعها ابتداء من يلجأ إلى القضاء من الخصوم طالبا الحماية القضائية ويتحملها انتهاء الخصم الذي يخسر القضية والهدف من ذلك الحد من رفع الدعاوى الكيدية (2)
وتنظم أحكام الرسوم القضائية في مصر عدة قوانين أهمها :
( 1 ) قانون الرسوم القضائية في المواد المدنية والتجارية رقم 90 لسنة 1944 والمعدل بموجب القوانين رقم 66 لسنة 1964 ، والقانون رقم 96 لسنة 1980 والقانون رقم 8 لسنة 1985 ، 7 لسنة 1995 0
( 2 ) القانون رقم 91 لسنة 1944 وينظم الرسوم في المواد الأحوال الشخصية والمعدل بالقانون رقم 67 لسنة 1964 والقانون رقم 96 لسنة 1980 والقانون رقم 8 لسنة 1985 0
( 3 ) القانون رقم 1 لسنة 1948 والذي ينظم الرسوم المقررة في مسائل الولاية على المال (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسيط د / أحمد السيد صاوي بند 20 ، ص 40 0
(2) الوسيط في المرافعات د / أحمد السيد صاوي بند 22 ص 41 0
(3) قوانين الرسوم القضائية ومنازعاتها في ضوء قضاء النقض للمستشار عبد الرحيم على على محمد الطبعة الأولى سنة 1998 ص 3 0
- 302 -
رابعا – نظام المساعدة القضائية :
وأيا ما كان الحال ، فقد قصد المشرع بإلزام المدعين بدفع الرسوم ابتداء عند رفع دعاواهم هو التقليل من رفع الدعاوى الكيدية ، وأما الفقير الذي لا يملك مصاريف المطالبة بحقه فقد راعاه المشرع وقرر إعفاءه من الرسوم القضائية وقد نظم المشرع إعفاء الفقير الذي يعجز عن سداد الرسوم القضائية في المواد 23 حتى 29 من قانون الرسوم القضائية رقم 90 لسنة 1944 ويشمل هذا الإعفاء رسوم الدعوى والصور والشهادات والمخلصات وغير ذلك من الأوراق القضائية والإدارية ورسوم التنفيذ وأجر نشر الإعلانات القضائية والمصاريف الأخرى التي يتحملها الخصوم ، وحتى لا ينتهز الفقراء منحة الإعفاء ، ويكثرون من الدعاوى بحق وبدون حق اشترط المشرع للإعفاء من الرسوم للعجز تحقق شرطين هما :
( 1 ) أن يثبت عدم قدرة المدعي وعجزه عن سداد الرسوم 0
( 2 ) أن تكون الدعوى المراد رفعها من الطالب محتملة الكسب (1) 0
كيفية تقديم طلب الإعفاء من الرسوم :
يتم تقديم طلب الإعفاء إلى لجنة المساعدة القضائية المختصة بالمحكمة المراد رفع الدعوى أمامها وتشكل هذه اللجنة في محكمة النقض من اثنين من المستشارين ، وفي محكمة الاستئناف من اثنين من المستشارين وفي المحكمة الابتدائية من قاضين ، وفي المحكمة الجزئية ، من قاض وعضو نيابة ، وتفصل اللجنة في طلب الإعفاء بعد الإطلاع على الأوراق المقدمة من طالب الإعفاء إلى كاتب المحكمة ، وتسمع اللجنة من حضر من الخصوم بعد إخطارهم ومن يمثل قلم الكتاب ، والإعفاء من الرسوم شخصى ولا يتعدى أثره إلى ورثة المعفي أو من يحل محله بل يجب على هؤلاء الحصول على قرار جديد بالإعفاء إلا إذا رأت المحكمة استمرار الإعفاء بالنسبة للورثة وإذا زالت حالة العجز أثناء نظر الدعوى أو التنفيذ جاز للخصم أو لقلم الكتاب أن يطلب من اللجنة إبطال الإعفاء ، وإذا حكم على الخصم المعفي من الرسوم وجبت مطالبته بالرسوم أولا فإن تعذر تحصيلها جاز الرجوع بـها على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوانين الرسوم القضائية ومنازعاتها في ضوء قضاء النقض للمستشار عبد الرحيم على محمـد ص 49 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوي – مرجع سابق ص 44 0
- 303 -
الخصم المعفي من الرسوم والمحكوم عليه فيها إذا زالت حالة عجزه (1) 0
خامسا – المعونة القضائية :
لما كان الدستور المصري الصادر في 11 سبتمبر سنة 1971 ينص في المـــادة ( 69 / 2 ) على أن ( يكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم ) وكان الفقير يعجز عن المطالبة بحقه لعدم قدرته على دفع رسوم التقاضي ، ولما كان ذلك يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي الأمر الذي دعا المشرع إلى مراعاة الفقير الذي لا يملك مصاريف المطالبة بحقه وذلك عن طريق تقرير نظام المساعدة القضائية التي تحدثنا عنها آنفا ، وكذلك عن طريق المعونة القضائية والتي سنتحدث عنها فيما يلي :
فالمعونة القضائية أساسها منصوص عليه في قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 حيث ورد فيه فصل رابع عن المساعدات القضائية ، حيث نصت المادة ( 93 ) منه على أن تقوم مجالس النقابات الفرعية بتشكيل مكاتب تابعة لها لتقديم المساعدات القضائية لغير القادرين من المواطنين في دائرة كل منها ، وتشمل هذه المساعدات القضائية رفع الدعاوى والحضور فيها وفي تحقيقات النيابة العامة وإعطاء المشوره القانونية وصياغة العقود ، ويصدر مجلس النقابة العامة نظاما لمكاتب المساعدات القضائية بين فيه كيفية ترتيب هذه المكاتب والمكافآت التي تدفع لهم وبشروط الدفاع عن المواطنين بخدماتـها ، وكذلك يجب على المحامي المنتدب أن يقوم بما يكلف به ولا يسوغ له أن يتنحى إلا لأسباب تقبلها الجهة التي تندبه (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوانين الرسوم القضائية ومنازعاتـها في ضوء قضاء النقض للمستشار / عبد الرحيم على على محمد ، مرجع سابق ص 49 ، 50 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوي – مرجع سابق ص 44 ، 45 ، ويراجع كذلك المواد أرقام 24 ، 25 ، 26 ، 27 ، 28 من قانون الرسوم القضائية رقم 90 لسنة 1944 0
(2) يراجع نصوص المواد من ( 93 حتى 97 ) من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 0
- 304 -
الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة
لمبـدأ مجانيــة القضـاء
******************
من خلال العرض السابق يتضح لنا أن الفقه الإسلامـــي قـــد أخـذ بمبدأ مجانية القضاء على إطلاقه دون قيد أو شرط ، فلم يرد في الفقه الإسلامــي ولا في تاريخ القضاء في الإسلام ما يفيد تناول القاضي أجرا من الخصــوم نظير الفصل في دعاواهم ، وإنما يرزق القاضي وأعوانه من بيت مال المسلمين أي ( الخزانة العامة ) 0
وكذلك أخذ المشرع المصري بمبدأ مجانية القضاء ، فالقاضي في مصر لا يأخذ أجرة من الخصوم مقابل الفصل بينهم في منازعتهم وإنما يأخذ أجره من خزانة الدولة شأنه في ذلك شأن سائر موظفي الدولة ، ولا يفهم من فرض الدولة رسوما معينة على من يريد اللجوء إلى القضاء عدم الأخذ بمبدأ مجانية القضاء لأن هذه الرسوم تؤول إلى خزانة الدولة وتشكل موردا ذا قيمة من مواردها لتواجه به الأعباء الكثيرة الملقاة على عاتقها والهدف من تقرير المشرع لتلك الرسوم هو تفادي الدعاوى الكيدية التي ترفع من الخصم 0
فالمشرع المصري أخذ بمبدأ مجانية القضــاء حرصا منــــه علـى تحقيق نزاهة القاضي وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبـــدأ مجانية القضاء ويكون للفقه الإسلامي فضل السبق في الأخــذ بـهذا المبـــدأ 0
- 305 -
المبحث الخامس
مبدأ المساواة بين المتقاضين أمام القضاء
في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
***********************
تمهيــد :
المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي من أهم المبادىء الأساسية التي تقوم عليها نزاهة القاضي وبه تتحقق ثقة الناس في القضاء ويصبح موضع طمأنينتهم ولهذا المبدأ من أهمية بالغة في النظام القضائي 0
وسوف نتحـدث عن هذا المبدأ تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه مــن خلال مطلبين هما :
المطلب الأول :
مبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضــــــــــــي
في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني :
مبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضــــــــــي
في القانون الوضعي 0
- 306 -
المطلب الأول
مبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي
في الفقــه الإسلامــي
***************
أولا – المقصود بهذا المبـــــدأ :
يقصد بمبدأ المساواة أمام القضاء المساواة بين جميع الناس في حماية حقوقهم المشروعة وإعطاء كل ذي حق حقه وإعطاء كل إنسان الحق في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي لحماية حقه ودفع ما يقع عليه من اعتداء ، ويكون هذا الحق مقررا لجميع المواطنين على السواء وطنيين كانوا أو أجانب بل ويكون مقررا لجميع الناس لا فرق في ذلك بين أبيض وأسود ولا بين عربي أو أعجمي ، فلا تمييز بين الناس في حق اللجوء إلى القضاء بسبب الجنس أو الدين أو اللون أو اللغة ، فالكل أمام القضاء سواء (1) 0
وكذلك يقصد بمبدأ المساواة عدم حرمان أحد من المطالبة بحقه ووجوب سماع الدعوى من أي مدعي على أي مدعي عليه سواء كان المدعي عليه جليلا أم حقيرا ، غنيا أم فقيرا ، فللسوقة العامي أن يدعي على السلطان القاهر (2) 0
ثانيا – مدى تحقق مبدأ المساواة أمام القضاء بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي
في الفقه الإسلامي :
لقد أخذ الفقه الإسلامي بمبدأ المساواة وكفالة حق التقاضي لجميع الناس وذلك لأن الحرمان من حق التقاضي ولو كان في نوع معين من القضايا يعتبر مخالفا :
( 1 ) لنصوص القرآن الكريم وهي :
أ – قولـه تعالى : } إن الله يأمركم أن تؤوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله نعما يعظكم به ، إن الله كان سميعا بصيرا { (3) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التنظيم القضائي الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب ص 51 0
(2) نظرية الدعوى د / محمد نعيم ياسين ص 383، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 135 بند 83
(3) سورة النساء الآية رقم ( 58 ) 0
- 307 -
( ب ) قوله تعالى : } إن الله يأمر بالعدل والإحسان { (1) 0
( جـ ) وقوله تعالى : } لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط { (2) 0
( د ) وقوله تعالى : } يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب { (3) 0
( هـ ) وقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بـهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا { (4) 0
( و ) وقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون { (5) 0
( ز ) وقوله تعالى : } فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهــم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ، ويسلموا تسليما { (6) 0
فهذه الآيات تدل على وجوب إقامة العدل بين الناس وكفالة حق التقاضي للجميــع 0
( 2 ) وكذلك مخالفا لنصوص السنة النبوية الشريفة ومنها :
أ – أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - القاضي الأول كان يفصل في جميع الدعاوى التي ترفع إليه ويحكم بين جميع الخصوم بل ويحذر الخصوم وينبههم ويوقظ ضمائرهم ، فروي عن أم سلمة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لبعض الخصوم ( إنما أنا بشر وإنكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل الآية رقم ( 90 ) 0
(2) سورة الحديد الآية رقم ( 25 ) 0
(3) سورة ص الآية رقم ( 26 ) 0
(4) سورة النساء الآية رقم ( 135 ) 0
(5) سورة المائدة الآية رقم ( 8 ) 0
(6) سورة النساء الآية رقم ( 65 ) 0
- 308 -
تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ) 0 رواه مسلم (1) 0
ب – أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر القضاة بوجوب العدل بين جميع الناس دون تفرقه وأوصاهم بالعدل والعلم ونبههم أن الذي يقضي بغير الحق فجزاؤه النار حيث روي عن أبي بريدة عن أبيه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال ( القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار ، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ) (2 ) 0
( 3 ) وكذلك مخالفا لما ورد عن الصحابة والخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - ومكاتبتهم في شأن القضاء من ذلك :
( أ ) قول أبى بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته مؤكدا كفالة حق التقاضي لكل الأفراد ( ألا إن أقواكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه وأضعفكم عندي قوى حتى أخذ الحق له ) (3)
( ب ) وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة يوصيه بضرورة تحقيق مبدأ كفالة حق التقاضي لجميع الناس والمساواة بينهم في كل صغيرة وكبيرة لا فرق في ذلك بين أمير أو خفير صغير أو كبير شريف أو حقير فقال ( وآسى بين الناس في مجلسك وفي وجهك وفي قضائك ، حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك 000 المسلمون عدول بعضهم على بعض 000 ) (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الإمام مسلم باب الحكم بالظاهر من كتاب الأقضية 2 / 60 ، طبعة عيسى البابي الحلبي 0
(2) رواه ابن ماجه في سننه رقم 3215 جـ 2 / 776 طبعة عيسى البابي الحلبي 0
(3) سيرة ابن هشام ، لأبي محمد عبد الملك بن هشام طبعة مكتبة دار التراث – القاهــــرة جـ 4 / 341، الشيخان الصديق أبو بكر والفاروق عمر للدكتور طه حسين طبعة 1975 ، التربية والتعليم ص 47 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 / 28 ، السنن الكبرى أحمد بن الحسين بن على البيهقي الطبعة الأولى ، سنة 1355 هـ جـ 10 / 109 0
- 309 -
وقال ابن قيم في شرح ذلك : أنه متى خص القاضي أحد المتخاصمين بالدخول عليه أو القيام لـه أو بصدر المجلس أو الإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه ، كان ذلك عنوان حيفه وظلمه ، وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان :
أحدهما : طمعه أن يكون الحكم له فيقوى قلبه وجنانه 0
والثاني : أن الخصم الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته (1) 0
( جـ ) – وقول أمير المؤمنين على بن أبي طالب – رضي الله عنه – وكرم – الله – وجه. في كتابه إلى وإليه على مصر الأشتر النخعي بين فيه الصفات التي يجب توافرها في الشخص الذي يتولى القضاء قال فيه ( اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ، ممن لا يضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصوم ، وأصرهم على تكشف الأمور وأحرصهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ويستميله إغراء وأولئك قليل (2) 0
ولاشك أن صفات القاضي هذه لا تجعل أي فرد يتردد في اللجوء القضاء للحصول على حقه 0
مما سبق عرضه يتأكد لنا مبدأ كفالة حق التقاضي في الفقه الإسلامي ، أما وجوب تمتع الخصوم بمبدأ المساواة أمام القاضي فإضافة إلى ما سبق ذكره نجد الفقه الإسلامي يذخر بالمواقف والمشاهد الإسلامية التي تؤكد حرص الفقه الإسلامي على وجوب تحقق مبدأ المساواة بين الخصوم من ذلك :
( 1 ) روي أن في عهد خلافة أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - جاء مصري فشكا إليه واليها - عمرو بن العاص - ، وزعم أن الوالي أجرى الخيل ، فأقبلت فرس المصري فحسبها محمد بن - عمرو بن العاص - فرسه وصاح : فرس ورب الكعبة ، ثم إقتربت وعرفها صاحبها فغضب محمد بن عمرو ووثب على الرجل يضربه بالسوط ويقول لـه " خذها وأنا ابن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية طبعة سنة 1389 هـ - 1969 م جـ 1 / 92 0
(2) القضاء في الإسلام : علم وقيم – المستشار عثمان حسين عبد الله – دار الاعتصام ص 31 ، وقد أشار سيادته إلى القرآن والمنهج العلمي للمستشار عبد الحليم الجندي ص 303 0
- 310 -
الأكرمين ، وبلغ ذلك أباه فخشى أن يشكوه المصري إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فحبسه زمنا ، ومازال محبوسا حتى أفلت وقدم إلى الخليفة لا بلاغه شكواه 000 " 0
وقال أنس بن مالك راوي القصة : فوالله ما زاد - عمر بن الخطاب - على أن قال لـه إجلس 000 ومضت فترة إذا به قد استقدم عمرا وابنه محمد من مصر فقدما ومثلا في مجلس القصاص 0 فنادى عمر : أين المصري ؟ دونك الدرة فاضرب بـها ابن الأكرمين فضربه حتى أثخنه ونحن نشتهي أن يضربه ، فلم ينزع حتى أحببنا أن يتزع من كـــثرة ما ضربه ، وعمر يقول له اضرب ابن الأكرمين0 ثم قال : أجلسها على صلعة عمرو ، فوالله ما ضربك أبنه إلا بفضل سلطانه ، قال عمرو فزعا: يا أمير المؤمنين قد أستوفيت وأشتفيت ، وقال المصري معتذرا : يا أمير المؤمنين ضربت من ضربني ، فقال عمر أمـا والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه ، والتفت إلى عمــرو مغضبا يقول لـه تلك القوله الخالدة التي ما قالها حاكم قبله " أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتـهم أماتـهم أحرارا ؟ (1) 0
فهذا الموقف وإن دل على شيء فإنما يدل على أن سيدنا - عمر بن الخطاب - قام بتحقيق مبدأ المساواة بين الخصوم على أكمل وجه ولم يمتنع عن توقيع الجزاء على المخطأ حتى ولو كان ذا مكانة أو سلطة في الدولة وحتى ولو كان هو الوالي كما فعل مع - عمر وبن العاص -والى مصر في ذلك الوقت لأن أمير المؤمنين - عمر ابن الخطاب - كان لا يخشى أحد إلا الله ولذلك عندما أرسل إلى - عمرو بن العاص - بالحضور ليحقق في شكوى المصري وكلمه عمرو بن بالعاص فقال لـه مستفهما أتقتص من الوالي إذا أدب رجلا من رعيته ؟ قال عمر أجل ، وما لي لا أفعل وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقتص من نفسه ، وكان كثيرا ما يقول للرعية : أيما رجل مسه عامله بأذى ، فليرفع ذلك إلى أقصصه من واليه (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حياة الصحابة للعلامة الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي – المكتب الثقافي ودار الحديـث للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى سنة 1413 هـ - 1993 ، الجزء الثاني ، ص 245 ، عبقرية عمر تأليف عباس محمود العقاد – منشورات المكتبة العصرية – صيــدا – بيروت ص 118
(2) الشيخان الصديق أبو بكر والفاروق عمر – للدكتور طه حسين طبعة سنة 1975 التربية والتعليم طبعة مدرسية موجزة ص 184 0
- 311 -
( 2 ) ورود عن الشعبي أنه قال ( كان بين - عمر رضي الله - ، وأبي بن كعب رضي الله عنه حائطا يدعيانه جميعا ، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ، فأتياه فضربا الباب ، فسمع زيد صوت - عمر رضي الله عنه - ، فاستقبل فقال : ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين ، فقال في بيته يؤتي الحكم ، فوسع لـه زيد عن صدر فراشه ، فقال : ههنا يا أمير المؤمنين ، فقال لـه عمر : جرت في أول القضاء ، ولكن أجلس مع خصمي ، فجلسا ، فادعى أبي وأنكر عمر ، فقال زيد لأبي : أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره ، فحلف عمر ، ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرضي المسلمين عنده سواء (1) 0
( 3 ) روي البيهقي عن الشعبي قال : خرج أمير المؤمنين على بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرفها على ، فقال هذه درعي بيني وبينك قاضي المسلمين فأتيا شريحا ، فلما رأي القاضي عليا قام من مجلسه وأجلسه وجلس شريح أمامة إلى جنب النصراني ، فقال لـه على لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول ( لا تساووهم في المجالس ) أقض بيني وبينه يا شريح فقال شريح ما تقول يا أمير المؤمنين ، فقال هذه درعي ذهبت مني منذ زمان فقال شريح ما تقول يا نصراني ، فقال ما أكذب أمير المؤمنين ولكن الدرع درعي ؟ فقال شريح لأمير المؤمنين هل من بينة ؟ فقال له على صدق يا شريح ، مالي بينة ، فقضى بالدرع للنصراني ، فأخذه ومشى وأمير المؤمنين ينظر إليه –000 إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول إني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء ، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه فيقضي عليه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين فلمـا أسلم أعطاه على الدرع وحمله على فرس عتيق ، قال الشعبي : فقد رأيته يقاتل المشركين عليـه (2) 0
من الموقف السابق يتضح لنا أن الإمام على بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ، قد أعطى مثالا رائعا في تحقيق مبدأ المساواة أمام القضاء عمليا ، فرغم كونه أمير المؤمنين إلا أنه حين يختصم مع نصراني يجلس مع خصمه في ساحة القضاء وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي جـ 16 / 73 ، نظرية الدعوى د / محمد نعيم ياسين ص 386 0
(2) مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4 / 400 ، نـهاية المحتاج للرملي 8 / 261 0
- 312 -
لا تفرق بين الناس أمام القضاء بحسب الأصل أو النسب أو السلطة ، يؤكد ذلك أن القاضي شريح قد حكم للنصراني بالدرع رغم أنـها غير مملوكة له وذلك لأن أمير المؤمنين قد عجز عن الأيتان بالبينة وإزاء ذلك كله لا يسع النصراني إلا أن يعلن إسلامه اعترافا بالحق وإجلالا للمساواة والعدل 0
هذا ، وقد سار قضاة الإسلام على هذا النهج السديد ، نـهج التسوية بين الخصوم الذي أوصى به – عمر بن الخطاب – وغيره من الخلفاء الراشدين ، وقد حفظ لنا التاريخ نماذج ساطعة من أخذ القضاة بالتسوية بين الخصوم حتى ولو كان أحدهم هو أمير المؤمنين ، فقد روي أن بعض الناس أقاموا دعوى على الخليفة أبي جعفر المنصور عند قاضي المدينة محمد بن عمران ، عندما قدم أبو جعفر حاجا ، فاستدعاه القاضي وأجلسه مع خصومه وقضى عليه لهم وأمره بإنصافهم ، ولما انصرفوا قال له المنصور : جزاك الله عن دينك وعن بيتك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء (1) 0
وكذلك روي أن المهدي أمير المؤمنين ، محمد بن المنصور تقدم مع خصوم له ، وهو أمير المؤمنين إلى قاضي البصرة ، - عبد الله بن الحسن - العنبري فلما رآه القاضي مقبلا أطرق إلى الأرض حتى جلس المهدي مع خصومه مجلس المتحاكمين ، فلما انقضت الحكومة بينهم قام القاضي فوقف بين يديه ، فقال له المهدي : والله لو قمت حين دخلت عليك لعزلتك ، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك (2) 0
من كل ما تقدم وهو قليل من كثير يتضح لنا أن الإسلام ينظر إلى العدل كأساس للحياة الآمنة المستقرة وينظر إلى المساواة كأساس للعدل وعلى ذلك فمبدأ المساواة بين الخصوم في مجلس القضاء لم يكن مبدأ نظريا فحسب وإنما طبق على الكافة دون أدنى اعتبار لتفاوت منازل الخصوم حتى ولو كانوا من غير المسلمين ، ومن هنا أصبح القضاء الإسلامي بحق قضاء المساواة وذلك كله يترتب عليه تحقيق نزاهة القاضي وحيدته 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 130 ، هامش (1) ، نظام القضاء في الشريعة الإسلاميـــة د / عبد الكريم زيدان ص 116 بند 204 مرجع سابق 0
(2) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 129 0
- 313 -
المطلب الثاني
مبدأ المساواة وكفالة حق التقاضـــي
في قانون المرافعات المصري
********************
أولا – أهمية هذا المبدأ ومفهومة في الفقه القانوني :
يعتبر مبدأ المساواة أمام القضاء من أهم المبادىء التي يقوم عليها النظام القضائي وذلك لأنه به يتحقق ثقة الناس في القضاء ويصبح موضع طمأنينتهم ويعتر أول لبنة يقوم عليها أي صرح قضائي عادل لأن تحقيق المساواة أمام القضاء يستوجب كفالة حق المواطنين دون تمييز في الالتجاء إلى القضاء (1) 0
ويقصد بمبدأ المساواة وكفالة حق التقاضي أن للأشخاص حق المطالبة بالحماية القانونية أمام القضاء أيا كان مضمونـها أو ميعادها فالقضاء هو حصن الحريات في الدولة يلجأ إليه الأشخاص لاقتضاء مالهم من حقوق أو رد الاعتداء عليهــا أو التعويــض عن هذا الاعتداء ومن وسائل هذه الحماية مباشرة الدعوى بين الأفراد مهما تفاوتـت منازلهم (2) 0
ثانيا – مدى تحقق مبدأ المساواة وكفالة حق التقاضي في القانون المصري :
يعتبر مبدأ المساواة أمام القضاء من أهم المبادىء التي يؤسس عليها النظام القضائي في مصر ، ويتفق الفقه القانوني على أن تحقيق المساواة أمام القضاء يستوجب كفالة حق المواطنين دون تمييز في الالتجاء إلى القضاء ، ولذلك يرفض بعض الفقه القانوني وجود المحاكم الخاصة الموجودة في نظام القضاء المصري مثل محاكم أمن الدولة ( المؤقتة ) التي أنشئت تطبيقا لقانون الطوارىء رقم 162 لسنة 1958 ، والمحكمة الخاصة بمحاكمة رئيس الجمهورية ( المادة ( 58 من الدستور ) والمحكمة الخاصة بمحاكمة الوزراء
(1) الوسيط د / أحمد السيد صاوي ص 31 ، ضمانات التقاضي دراسة تحليله مقارنة د / آمال الفزايري بند 14 ص 45 0
(2) النظام القضائي والاختصاص د / أمينة النمر ص 33 0
- 314 -
( المادة 160 من الدستور ) لأن وجود مثل هذه المحاكم يعتبر خروجا على مبدأ المساواة (1) 0
ولقد نص المشرع صراحة على كفالة حق التقاضي والمساواة بين المواطنين في حق الالتجاء إلى القضاء وذلك في الدستور المصري الصادر في 11 سبتمبر سنة 1971 والمعدل سنة 1980 حيث نص المشرع على أنه ( التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة ، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي 000 ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء ) (2) 0
ويعتبر هذا النص تتوبجا لمرحلة طويلة من التطور الذي لحق بمبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي (3) 0
وكذلك نص الدستور المصري على مبدأ المساواة في موضع آخر فنص المشرع على أنه ( المواطنين لدى القانون سواء ، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ) (4) 0
مما تقدم يتبين لنا أن القانون المصري قد أخذ بمبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي فلجميع الأشخاص على السواء الحق في الحماية القانونية لا فرق في استعمـال هذا الحق بين شخص وآخر مهما تفاوتت منازلهم ، ولا يختلف اختصاص المحاكم إلا بسبب قيمة الدعوى أو نوع النزاع دون النظر لأشخاص المتقاضين وذلك لأن الأخــــذ بمبدأ المسـاواة أمام القضاء يحقق نزاهة القاضي باعتبار أن المساواة هي المظهر الملمـوس لمبدأ حياد القاضي (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسيط د / أحمد السيد صاوي بند 18 ص 35 ، ضمانات التقاضي د / آمال الفزايري بند 14 ص 45 0
(2) المادة ( 68 ) من الدستور المصري 0
(3) المساواة أمام القضاء وكفالة التقاضي ، عبد الغني بسيوني عبد الله – مطبعة منشأة دار المعارف بالإسكندرية سنة 1983 ص 135 0
(4) المادة ( 40 ) من الدستور المصري 0
(5) مبادئ المرافعات أ 0 د / عبد الباسط جميعي ص 181 ، 182 ، ضمانات التـقاضي د / آمال الفزايري بند 14 ص 45 ، محاضرات في قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور : حامد أبو طالب الكتاب الأول – النظام القضائي ص 31 0
315 –
الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة لمبدأ المساواة
بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي
************************
مما سبق ذكره يتأكد لنا أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي وقد ذكرنا آنفا كثيرا من المواقف للقضاة في الفقه الإسلامي ظهر منها أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي على إطلاقه وذلك لأن الفقه الإسلامي جعل العدل أساس لتحقيق الحياة الآمنة المستقرة وجعل المساواة أساسا لتحقيق العدل فمبدأ المساواة من المبادىء المستقرة في الفقه الإسلامي ولذلك يعتبر القضاء في الفقه الإسلامي بحق قضاء المساواة 0
كذلك أخذ المشرع المصري مبدأ المساواة أمام القضاء وجعله من أهم المبـادىء التي يؤسس عليها النظام القضائي المصري ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي وذلك لما لهذا المبدأ من أهمية بالغة في تحقيق نزاهة القاضي وحيدته ولكون الفقه الإسلامي له فضل السبق في الأخذ بـهذا المبدأ 0
- 316 -
الفصـل الثانـي
كيفية تحقق ضمانات نزاهة القاضي
************************
تمهيــد :
لما كان القضاء من أجل المهن قدرا وأعزها مكانة وأشرفها مركزا لأن به تحفظ الحقوق والأنفس وبين الحلال والحرام وهو من وظائف الأنبياء والمرسلين ولذلك قال تعالى: ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) (1) 0
ولكي يقوم القاضي بـهذه الوظيفة على أكمل وجه يجب أن يتصف بالنزاهة وتتحقق هذه النزاهة من خلال المباحث الآتية :
المبحث الأول :
قطع ما يؤدي إلى المحابـــــاة في الفقـــــه الإسلامــــي
والقانـــــون الوضعـــي 0
المبحث الثاني :
عدم مباشرة القاضي للبيع والشــــراء بنفســـــــه
لنفسه ولغيره في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي 0
المبحث الثالث :
عدم قضاء القاضي بعلمه في الفقــــه الإسلامـــــــي
والقانـــــون الوضعـــــــي 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ( ص ) الآية رقم ( 26 ) 0
- 317 -
المبحث الأول
قطـع ما يؤدي إلى المحابــــاة
***********************
تمهيــد :
القاضي في محل ولايته يعتبر ممثل العدالة ، فحرى به أن يربأ بنفسه عن المحاباة في قضائه فلا يميل لخصم ولا يقضي لـه لقرابة ولا لرغبة ولا لرهبة لأن الحكم في الإسلام لا يعرف المجاملة ولا المحسوبية فيجب على القاضي أن ينأى بنفسه عن أخذ أي شيء من الخصوم تثير الشك حول نزاهته التي يجب أن يتمتع بـها وتدعوه إلى محاباة أحد الخصوم على غيره ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه في هذا المبحث عن طرق قطع ما يؤدي إلى محاباة القاضي لأحد الخصوم وذلك من خلال المطالب الآتية :
المطلب الأول :
عدم قبول القاضي للرشوة وموقف الفقه الإسلامــــــــي
والقانون الوضعي من ذلك 0
المطلب الثاني :
عدم قبول القاضي للهدايــــــــــا من الخصــوم وموقف
الفقه الإسلامي والقانون الوضعي 0
المطلب الثالث :
عـــدم حضور القاضي للولائم وقبول الدعوات الخاصـــة
وموقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من ذلك 0
- 318 -
المطلب الأول
عدم قبول القاضي للرشوة
وموقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
*********************************
تمهيــد :
سبق وأن ذكرنا عند الحديث عن رزق القاضي أن الرأي الراجح في الفقه الإسلامي أنه يجوز للقاضي أخذ أجرا على عمله من بيت مال المسلمين ( خزانة الدولة ) لأنه عامل من عمال المسلمين بل من أجل عمالهم وأشرنا أيضا إلى أنه يجب التوسعة على القاضي في الرزق وأن يعطي من المال ما يكفيه هو وأسرته حتى لا يتطلع إلى ما عند الناس وحتى يتفرغ لأداء الواجب الملقي على عاتقه وهو الفصل بين الناس في الخصومات وهو هادىء البال وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء 0
لذلك سنتحدث بمشيئة الله في هذا المطلـــب عن موقف الفقـــه الإسلامي والقانون الوضعي من أخذ القاضي للرشوة وأثر ذلك على قضائــــه من خلال ما يلي :
الفــــرع الأول :
موقف الفقه الإسلامي من أخذ القاضي للرشوة وأثر ذلك 0
الفـرع الثاني :
موقف القانون المصري من أخذ القاضي للرشوة وأثر ذلك 0
- 319 -
الفـرع الأول
موقف الفقه الإسلامي من أخذ القاضي للرشوة
وأثــر ذلـك على قضائـــه
********************
أولا – تعريف الرشوة لغة وشرعا :
( أ ) تعريف الرشوة لغة :
مأخوذة من الرشاه وهو الحبل الذي يربط به الدلو لينزع الماء من البئر ، والرشوة بكسر الراء وضمها والجمع ( رشا ) ومنها رشا الفرخ إذا مد عنقه إلى أمه لتؤكلـــه ، و ( ارتشى ) أخذ الرشوة ، و ( استرشى ) في حكمه أي طلب الرشوة عليه ، و ( أرشاه ) أعطاه الرشوة ) (1) 0
( ب ) تعريف الرشوة شرعا :
هي : ما يبذل للقاضي من مال أو غيره ليحكم بغير الحق أو ليمتنع عن الحق ، وقيل هي إعطاء مال ونحوه إلى مسئول لقضاء مصلحة بعيدة المنال لمعطي المال ، ونحوه سواء أكانت موصلة إلى حق أو إلى باطل (2) 0
والمتأمل في التعريف اللغوي والشرعي للرشوة يجد أن بينهما مناسبة وهي أن المرتشي يمد عنقه إلى الراشي لينال منه الرشوة ، والرشوة حبل يمده الراشي لينزع به غير الحـق 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح للرازي – باب الراء ص 143 ، الروضة الندية شرح الدرر البهية ، لأبي الطبيب صديق بن حسن بن على الحسني البخاري – مكتبة دار التراث جـ 2 ص 251 ، نظام القضاء في الإسلام د / إبراهيم عبد الحميد ص 99 0
(2) مغني المحتاج للشربيني الخطيب جـ 4 / ص 392 ، نـهاية المحتاج للرملي جـ 8 ، ص 255 ، الروضة الندية شرح الدرر البهية لأبي الطبيب صديق بن على الحسني البخــاري – حقيقة وراجعه عبد الله بن إبراهيم الأنصاري – طبع على نفقة الشئون الدينيــــــة جـ 2 ص 362 0
- 320 -
ثانيا – موقف الفقه الإسلامي من أخذ القاضي للرشوة :
لا خلاف بين الفقهاء على أن الرشوة حرام مطلقا لا يجوز قبولها ويتأكد تحريمها بالنسبة للقاضي ، بل إن الرشوة تعتبر كبيرة من أكبر الكبائر التي تؤدي بمرتكبها إلى الفسق وعدم الصلاحية للولاية (1) والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والمعقـول : نذكر منها :
أ – من الكتــاب :
( 1 ) قوله تعالى :
} ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بـها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من
أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون { (2) 0
وجه الدلالة من الآية :
لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام أي لا تصانعوهم بـها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم (3) 0
( 2 ) روي في تفسير قوله تعالى : } أكالون للسحت { (4) 0
أي أكالون للرشوة ، حيث حكى ابن رسلان في شرح السنن عن الحسن وسعيد بن جبير أنـهما فسرا قوله تعالى : ( أكالون للسحت ) بالرشوة ، وحكى عن مسروق عن ابن مسعود أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة ؟ فقال : " لا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته فيهدي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة الندية شرح الدرر البهية لأبي الطيب صديق البخاري جـ 2 ص 363 ، القضاء في الإسلام أ 0 د / إبراهيم عبد الحميد ص 100 ، كتاب الكبائر للإمام أبي عبد الله محمد شمس الدين الذهبي الدمشقي – دار الوعي حلب ص 99 ، القضاء في الإسلام للمستشار محمود الشربيني ص 156 0
(2) سورة البقرة الآية رقم ( 188 ) 0
(3) كتاب الكبائر للإمام أبي عبد الله محمد شمس الدين الدمشقي ص 99 0
(4) سورة المائدة آية رقم ( 42 ) 0
- 321 -
لك فإن أهدى لك فلا تقبل ، وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد التابعين ( القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر (1) 0
( 3 ) قولـه تعالى : } يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكــــــــــــم رحيما { (2) 0
( 4 ) وقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين { (3) 0
فهذه الآيات وهي قليل من كثير توضح لنا أن من طرق الكسب الخبيثة والمحرمة الرشوة فهي أكل لأموال الناس بالباطل ، وأخذ الرشوة عنوان على خسة النفس وتجردها من الشرف والكمال لأنها خلل فى نظام المجتمع البشري وفساد في بنيانه ، وآخذ الرشوة مستهين بالقانون غير محرم له (4) 0
ب – ومن السنة النبوية الكريمة :
لقد وضح الرسول - صلى الله عليه وسلم- أن الإسلام قد حرَّم إعطاء الرشـــوة للحكام وأعوانـهم من القضاه خاصة كما حرَّم على القضاه أن يقبلوها إذا بذلت لهـــم ، وحذر على غيرهم أن يتوسط بين الآخذين والدافعين أي بين الراشي والمرتشي مــن ذلك ما يلي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار للشوكاني جـ 8 ، ص 306 ، الروضة الندية شرح الدرر البهيــة جـ 2 ، ص 363 0
(2) سورة النساء الآية رقم ( 29 ) 0
(3) سورة المائدة الآية رقم ( 87 ) 0
(4) انعزال وعزل القاضي د / رشدي شحاته أبو زيد – الطبعة الأولى – دار الفكــر العربي – ص 199 0
- 322 -
( 1 ) ما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم (1) 0
( 2 ) وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعنة الله على الراشي والمرتشي ) (2) 0
( 3 ) وعن ثوبان قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتش والرائشي يعني الذي يمشى بينهما ) (3) 0
فهذه الأحاديث تدل على أن أخذ القاضي للرشوة حرام في كل الأحوال سواء أخذها ليحكم لصاحبها بالحق أو ليمتنع من الحكم بالحق أو ليتوصل بها إلى أخذ حق غيره ، دون فرق بين هذه الحالات لأن الآخذ فاسق بـهذا الأخذ ومرتكب للإثم أما الراشي الذي يعطي الرشوة فهو مرتكب للحرام أيضا إذا أراد بـها التوصل إلى حق غيره أو منــع القاضي من الحكم بالحق ، وإما إذا كان الراشي لا يصل إلى حقه إلا بالرشوة فقد أجاز بعض الفقهاء ذلك والحرمة على الآخذ دون المعطي لأنه دفعها لاستيفاء حقه فهي كجعل الآبق ، وذهب بعض الفقهاء إلى الحرمة على المعطى أيضا لأنـها توقع الحاكم أو القاضـي في الإثم (4) 0
جـ : ومن المعقــول :
أن الأصل أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه وقد انضم إلى هذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الترمذي في سننه – 13 – كتاب الأحكام ، 9 – باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم – الجزء الثالث ص 613 ، رقم الحديث 1336 ، الطبعة الثالثة سنة 1396 هـ - 1976م ، وقال حديث حسن صحيح ولم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي ، تحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي 0
(2) سنن أبي داود – طبعة مصطفى الحلبي 2 / 192 0
(3) سنن إبن ماجه – طبعة عيسى الحلبي 2 / 775 رقم الحديث 2313 0
(4) سبل السلام للصنعاني 4 / 124 0
- 323 -
الأصل كون الدافع إنما دفعه لأحد أمرين : إما لينال به حكم الله إن كان محقا وذلك لا يحل لأن المدفوع في مقابله أمر واجب أوجب الله عز وجل على الحاكم الصدع به فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئا من الحطام ؟ وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلا فذلك أقبح لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور فهو أشد تحريما من المال المدفوع للبغي في مقابلة الزنا بـها لأن الرشوة يتوصل بـها إلى أكل مال الغير الموجب لإحراج صدره والإضرار به بخلاف المدفوع إلى البغي فالتوسل به إلى شيء محرم وهو الزنا لكنه مستلذ للفاعل والمفعول به وهو أيضا ذنب بين العبد وربه (1) 0
ثالثا – أثر الرشوة على قضاء القاضي :
إذا أخذ القاضي الرشوة بطل قضاؤه في القضية التي قضى فيها بالرشوة حتى وإن كان قضاؤه فيها موافقا للحق ، كما يبطل قضاؤه أيضا في غيرها من القضايا لأنه ينعزل في نفس اللحظة التي تناول فيها الرشوة ، حيث اختلت عدالته وأصبح كالأجير عند الراشي يعمل لحسابه لا لحساب المسلمين (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار للشوكاني 8 / 306 0
(2) نظام القضاء في الإسلام أ د / إبراهيم عبد الحميد ص 101 ، 102 0
هذا الموضوع منقول من الاستاذ و المستشار القانوني إبراهيم خليل .. حسب القانون المصري
جامعة الأزهر
كلية الشريعة والقانون بطنطا
الدراسات العليا
قسم الفقه المقارن
****
حماية القاضى وضمانات نزاهته
دراسة مقارنة
" بيـن الفقه الإسلامى وقانون المرافعات المدنية "
رسالة لنيل درجة التخصص ( الماجستير )
فى الفقه المقارن
مقدمـة من
الباحث / عادل محمد جبر أحمد شريف
تحت إشـراف
المشرف الشرعى المشرف القانونى
أ.د / محمد عبد الفتاح البنهاوى د. / السعيـــــــد محمــــــــــد الأزمـــــــــــــازى
أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن أستاذ قانون المرافعات المساعد
وعميد كلية الشريعــة والقانون بكلية الشريعة والقانون بطنطا
بتفهنا الأشراف جامعـة الأزهر جامعة الأزهر
1423 هـ / 2003م
- ب -
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
********
{ السيرة الذاتية للباحث }
*******
• الاسـم / عادل محمد جبر أحمد شريف 0
• الوظيفة / مستشار مساعد بهيئة قضايا الدولة .
• الباحث حاصل على ليسانس الشريعة والقانون من كلية الشريعة والقانون بطنطا دور مايو 1995 قسم الشريعة والقانون بتقدير عام جيدا جيـدا 0
• الباحث حاصل على درجة التخصص ( الماجيستير ) فى الفقة المقارن بالقانون الوضعى من كلية الشريعة والقانون بطنطا بتقدير عام جيد جدا عام 2003 م ، وموضوعها(حماية القاضى وضمانات نزاهته دراسة مقارنة بين الفقة الإسلامى وقانون المرافعات المدنية ) .
• الباحث حاصل على درجة العالمية ( الدكتوراة ) فى الفقة المقارن بالقانون الوضعى بكلية الشريعة والقانون بطنطا مع مرتبة الشرف الثانية عام 2006م وموضوعها ( الإنقضاء الموضوعى للخصومة المدنية دراسة مقارنة بين الفقة الإسلامى والقانون الوضعى ) 0
• عنوان الباحث : المنصورة – مساكن الميناء خلف مضرب الشناوى شارع حافظ إبراهيم منزل المستشار عبد الشافى نصار - رقم 10 الدور الرابع – ت: 0121096715 .
• تاريخ ومحل الميلاد : 6/7/1971 دماص ميت غمر دقهلية
• الحالة الاجتماعية : متزوج ويعول ولدين
- جـ -
{ شكر وتقديــر }
*****
يتقدم الباحث بأسمــى آيات الحــب والاحــترام والتقدير والعرفان بالجميل إلى كل من ساهم وساعد فى هذا العمل المتواضع ، ويخص بالذكــر أستاذه الفاضــل الأستاذ الدكتور / محمد عبد الفتاح البنهاوى - أستاذ الفقه المقارن وعميد كلي’ الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف جامعة الزهر فله كل الحب والتحيه والعرفان بالجميل على ما قام به من توجيه ومساعدة الطالب وقبوله الأشراف والمراجعة وإخراج البحث فى صورته النهائية ، كما يتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور / السعيد محمد الأزمازى عبد الله أستاذ قانون المرافعات المساعد بكلية الشريعة والقانون بطنطا جامعة الأزهر ، فله كل التحية والتقدير وأسمى مشاعر الحب على ما قام به من توجيه الطالب ومساعدة وقبوله الإشراف ومراجعة الطالب فى مراحله النهائية فى مراحله النهائية حتى خرج البحث بالصورة المشرفة واللائقة ، كما يتقدم الباحث بأسمى آيات الحب والاحترام والتقدير إلى أستاذه الفاضل الأستاذ الدكتور / عبد الحكم أحمد شرف - أستاذ ورئيس قسم القانون الخاص وأستاذ قانون المرافعات بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة جامعة الأزهر لقبوله مناقشة هذه الرسالة وإمداد الباحث بالتوجيهات فله كل الحب والتحيه ، كما يتقدم الباحث بأسمــى آيات الحــب والاحترام والتقدير إلى أستاذه الفاضل الأستاذ الدكتور / عبد الفتاح عبد الله البرشومى - أستاذ الفقه المساعد بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة لقبوله مناقشة هذه الرسالة وإمداد الباحث بالتوجيهات بالإضافة إلى ما سبق إمداده به من توجيهات أثناء الدراسة التمهيدية فله كل التحية والتقدير وأسمى مشاعر الحب علىما قام به من توجيه الطالب ومساعدته وقبوله مناقشة تلك الرسالة ، كما يتقدم بأسمى آيات التقدير والاحترام إلى العاملين بمكتبات جامعة الأزهر حيث ساهموا بجهد وافر فى حصول الطالب على المراجع والمصادر العلمية التى إستعان بها فى إنجاز هذا العمل 0
فللجميع أسمى آيات الحب والتقدير والاحترام وجزى الله كل من ساهم وساعد فى إخراج هذا العمل البسيط 0
مع تحيات الباحث
عادل محمد جبر أحمد شريف
- د -
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
*******
{ المقدمــــة }
****
الحمد لله ، الحاكم العادل ، القاضى بالقسط يوم الفصل ، نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد الشاهد والمبشر والنذير ، المنزل عليه قوله تعالى " فَلاَ وَرَبُكَ لاَ يُؤمِنوُنَ حَتٌى يُحَكِموُكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمٌ لاَ َيجِدُوا فِى أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمٌا قَضَيتَ وَيسَلِموُا تَسلِيمًا " (1) 0
وبعـد :
فإن الشريعة الإسلامية وسائر الشرائع السماوية قد جاءت لتحقيق مصالح الناس ، ولا شك فى أن وجود القضاء فى المجتمع الإنسانى هو إحدى الوسائل المحققة لهذه المصالح ، فيه تحمى الحقوق وتصان عن الانتهاك ، فالقضاء منصب هام لتحقيق العدل ومنع الظلم ، وإرساء الحق ، ولمكانته السامية الجليلة تولاه الرسل فحكموا بين الناس وولوه غيرهم ، قال تعالى ( يَا دَاوُدُ إِنًا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فىِ الأَرضِ فَأحكُم بَينََ اَلُنًاسِ بِاُلحَقِ ) (2) 0
ولذلك قال الإمام السرخسى ( إعلم بأن القضاء بالحق أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات وبه أمر كل بنى مرسل حتى خاتم الأنبياء (3) 0
والقضاة هم أهم العناصر البشرية التى تظهر فى العملية القضائية ، وهم مصابيح مضاءة تنير طريق الحق ، ودروعا متينة ، تمنع الظلم وتكبته ، فيجب أن تتوافر لهم الضمانات التى تكفل حمايتهم ، وتحقق استقلالهم وتضمن حيدتهم فى إصدار أحكامهم حتى يكونوا آمنين فى حاضرهم مطمئنين على مستقبلهم 0
ونظرا لأهمية توافر الحماية بالنسبة للقاضى وأتصافه بالنزاهة والحيدة ، فهذا سبب اختيارى لموضوع هذا البحث ، وعنونته بعنوان : " حماية القاضى وضمانات نزاهته - دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامى وقانون المرافعات المدنية " 0
وهاهى خطة البحث :
________________
(1) سورة النساء الآية رقم (65) 0
(2) سورة ( ص ) الآية رقم ( 26 ) 0
(3) المبسوط - محمد بن أحمد أبى بكر شمس الأئمة السرخسى ، الطبعة الثانية سنة 1313 هـ - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت جـ 16 ص 59 0
- هـ -
{ خطـة البحث }
بعون الله - تعالى - وتوفيقه أتناول هذا الموضوع فى فصل تمهيدى وبابيين وخاتمـه 0
أما الفصل التمهيدى فهو بعنوان : التعريف بالقضاء وأهميته العملية وحكم تولية 0
ويشتمل على ثلاثة مباحث هـى :
المبحث الأول : فى تعريف القضاء لغـة واصطلاحا فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وتمييزه عما يشابهه من الولايات الأخرى 0
المبحث الثانى : فى مشروعية القضاء وأهميته العملية باعتباره سلطة داخل المجتمع 0
المبحث الثالث : فى حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة والأفراد 0
وأما البابين فيشتملان على ما يأتـى :
الباب الأول
بعنوان :
حماية القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
ويشتمل على ثلاثة فصول هـى :
• الفصل الأول : فى حماية القاضى من السلطات فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وفيه أربعة مباحث هـى :
المبحث الأول : فى كيفية اختيار القاضى وشروط تعيينه فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثانى : فى مبدأ استقلال القضاء فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثالث : تأمين القاضى على مقومات حياته فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الرابع : فى حجية الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثانى : حماية القاضى من الخصوم فىالفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامى 0
ويشتمل على ثلاثة مطالب هـى :
- و -
المطلب الأول : حق القاضى فى تأديبه الخصوم 0
المطلب الثانى : عدم جواز مخاصمة القاضى 0
المطلب الثالث : عدم مسئولية القاضى عن خطئه غير المتعمد 0
المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى القانون الوضعى " نظام مخاصمة القاضـــى " 0
ويشتمل على خمسة مطالب هى :
المطلب الأول : مفهوم وطبيعة دعــوى المخاصمــة 0
المطلب الثانى : التطور التاريخى لدعوى المخاصمـة 0
المطلب الثالث : نطاق دعوى المخاصمــة 0
المطلب الرابع : حالات دعوى المخاصمة 0
المطلب الخامس : إجراءات دعوى المخاصمة والمحكمة المختصة بنظرها 0
• الفصل الثالث : حماية القاضى من نفسه فىالفقه الإسلامىوالقانون الوضعى 0
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى 0
وفيه مطلبان :
المطلب الأول : عدم صلاحية القاضى لنظر بعض القضايا 0
المطلب الثانى : وجــوب اعتدال حالة القاضى النفسية والظروف المحيطة به أثناء نظر
الدعوى 0
المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى القانون الوضعى 0
ويشتمل على ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : حالات عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظـــر الدعــوى 0
المطلب الثانى : حالات عدم صلاحية القاضى النسبية لنظــــر الدعوى 0
المطلب الثالث : حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى 0
- ز -
الباب الثانى
ضمانات نزاهة القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
ويشتمل على ثلاثة فصول :
• الفصل الأول : المبادىء التى تقوم عليها نزاهة القاضــى فـــى الفقـــه الإسلامى
والقانون الوضعى 0
وفيه خمسة مباحث :
المبحث الأول : مبدأ علنية الجلسات فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثانى : مبدأ حصـــول الإجـراءات فى مواجهة الخصوم فى الفقه الإسـلامى والقانون
الوضعـــى 0
المبحث الثالث : مبدأ حرية الدفاع فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الرابع : مبدأ مجانية القضاء فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الخامس : مبدأ المساواة بين المتقاضين فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثانى : كيفية تحقق ضمانات نزاهة القاضى 0
ويشتمبل على ثلاثة مباحث هـى :
المبحث الأول : قطع ما يؤدى إلى المحاباة فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : عــدم قبـــول القاضــى للرشوة ، وموقف الفقــه الإسلامى والقانون
الوضعــى 0
المطلب الثانى : عــدم قبـــول القاضـــى للهدايا من الخصوم وموقف الفقه الإسلامى
والقانون الوضعى 0
المطلب الثالث : عـدم حضور القاضى للولائم وقبول الدعوات الخاصة وموقف الفقه
الإسلامى والقانون الوضعى 0
- ح -
المبحث الثانى : عــدم مباشــرة القاضــى للبيع والشراء بنفســــه لنفسه ولغيره وموقف الفقه
الإسلامى والقانون الوضعى 0
المبحث الثالث : عـدم قضــاء القاضى بعلمـه الشخصى الذى أكتسبه من خارج مجلس القضاء
وموقف الفقه الإسلامى والقانون الوضعى من ذلك 0
• الفصل الثالث : الآداب والواجبات التى يجب أن يتحلى بها القاضى 0
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : الآداب والواجبات التى يجب أن يتحلى بها القاضـــى فى الفقه الإسلامى 0
المبحث الثانى : الآداب والواجبات التى يجب أن يتحلى بها القاضى فى القانون الوضعى 0
وقد ذكرت آراء الفقهاء وأدلتهم فيما تعرضنا لــه مـن مسائل ، ودليل كل رأى ، ثم بينت ما ظهر لى رجحانه - من وجهة نظرى - دون تعصب لرأى أو مذهب ، وذلك بأسلوب سهل وبعبارة واضحة حتى يسهل الفهم والوصول للمراد ، ويتحقق الهدف المنشود 0
وأما الخاتمـة : فتشتمل على أهم نتائج البحث والتوصيات 0
والله أسال أن يجنبنى الزلل ، وأن يرزقنى الصواب فى القول والعمل إنه سميع مجيب 0
************************
************
***
- 1 -
الفصل التمهيدى
فى
التعريف بالقضاء وأهميته العملية وحكم توليه
تمهيد
مما لاشك فيه أن ولاية القضاء من أهم الولايات شأنا وأعظمها أثرا وأعلاها مرتبة فى المجتمع الإسلامى وذلك لأن القاضى بعمله النبيل ورسالته المقدسة يهىء للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل إنسان على نفسه وماله وعرضه فيجب أن يكون القاضى بمنأى عن كل تأثير أو تدخل يؤدى إلى ميل ميزان العدالة فى يده أو انحرافه فى إمساكه بحياد ونزاهـة 0
وبادىء ذى بدء أشير إلى تعريف القضاء وأهميته العملية وحكم توليه فى فصل تمهيدى وذلك قبل الحديث عن موضوع البحث وهو حماية القاضى وضمانات نزاهته وذلك من خلال المباحث الآتية :
المبحث الأول : فى تعريف القضاء لغة واصطلاحا وتمييزه عما يشابهه من الولايات الأخرى 0
المبحث الثانى : فى مشروعية القضاء وأهميته العملية باعتباره سلطة داخل المجتمع 0
المبحث الثالث : حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة والأفراد 0
- 2 -
المبحث الأول
تعريف القضاء لغة واصطلاحا وتمييزه عما
يشابهه من الولايات الأخرى
وفيه مطلبـان :
المطلب الأول : تعريف القضاء لغـة واصطلاحـا فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
المطلب الثانى : تمييز القضاء عما يشابهه من الولايات الأخـرى 0
المطلب الأول
تعريف القضاء لغـة واصطلاحا
فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
وفيه فرعـان :
الفرع الأول
تعريف القضاء لغة واصطلاحا فى الفقه الإسلامى
أولا : تعريف القضاء لغـة :
جاء لفظ القضاء فى اللغة بعدة معان تتقارب فى جملتها ومرجعها (1) 0
1- جاء القضاء فى اللغة بمعنى إحكام الشىء وامضائه والفراغ منه : قال تعالى (ثم اقضوا إلى ولا تنظرون (2) 0
أى افرغوا من أمركم وأمضوا ما فى أنفسكم 0
2- وورد القضاء فىاللغة بمعنى حكم وأمر :قال تعالى(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه )(3).
3- وأتى بمعنى الفعل : كقوله تعالى ( فاقض ما أنت قاض ) (4) 0
__________________
(1) لسان العرب - لمحمد بن بكر بن منظور المصرى - المتوفى سنة 711 هـ دار بيروت للطباعة والنشر سنة 1375 هـ 1956 جـ 2 ص 47 ، 48 ، مختار الصحاح للإمام محمد بن أبى بكر الرازى طبعة دار الحديث سنة 1421 هـ 2000م ص 294 0
(2) سورة يونس الآية رقم (71) 0
(3) سورة الإسراء الآية رقم (23) 0
(4) سورة طـه الآية رقم (72) 0
- 3 -
4- وجاء بمعنى الأداء والإنهاء : كقوله قضى فلان دينه أى أداه وأنهاه 0
وكقوله تعالى ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ) (1) وقوله ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض ) (2) 0
أى فرغتم من أدائها 0
وقوله ( فإذا قضيتم مناسككم ) (3) أى أديتم مناسككم 0
5- وورد بمعنى الإلزام:كقوله تعالى ( فلما قضينا عليه الموت ) (4) أى حكمناه وألزمناه 0
6- وأتى بمعنى الصنع والتقدير : قال تعالى ( فقضاهن سبع سموات فى يومين ) (5) أى صنعهن وقدرهن وخلقهن ، يقال قضى الشىء قضاءً " إذا صنعه وقدره 0
7- وجاء بمعنى الفصل مطلقــا : كقولــه تعالى ( إن ربك يقضــى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم ) (6) 0
أى يفصل بينهم بحكمـه 0
وقال الراغب الأصفهانى (7) :
القضاء فصل الأمر قولا كان ذلك أو فعلا وكل منهما على وجهين إلهى وبشرى فمن القول الإلهى قوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (8) . أى أمر بذلك ، ومن الفعل الإلهى قوله تعالى ( والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء ) (9) 0
_________________
(1) سورة النساء الآية رقم (103 ) 0
(2) سورة الجمعة الآية رقم (10) 0
(3) سورة البقرة الآية رقم (200) 0
(4) سورة سبأ الآية رقم (4) 0
(5) سورة فصلت الاية رقم (12) 0
(6) سورة النمل الآية رقم (78) 0
(7) المفردات فى غريب القرآن لأبى القاسم الحسين بن محمد الأصفهانى الطبعة سنة 1377هـ مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبى ص 406 وما بعدها 0
(8) سورة الإسراء الآية رقم (23) 0
(9) سورة غافر الآية رقم (20) 0
- 4 -
ومن القول البشرى نحو قضى الحاكم بكذا ، فإن حكم الحاكم يكون بالقول ، ومن الفعل البشرى قوله تعالى ( فإذا قضيتم مناسككم ) (1) 0
والقضاء بالمد أصله " قضائى " لأنه من قضيت فأبدلت الياء همزه لمجئيها بعد الألف الساكنة والقضاء مفرد ، ويجمع على أقضية ، وهو مصدر لقضى الثلاثى ، أما قضية فتجمع على قضايا فتكون قضايــا أصــلا جمعهــا قضائى تحركت الهمزة وانكسر ما قبلهــا فقلبت إحداهمــا ألفــا وفتح ما قبلها للتخفيف فصارت قضايــا ، وكل قول مقطوع به كقولك هو كذا أو ليس بكذا يقال لـــه قضيـــة ، ومــن هذا يقال قضيــة صادقة وقضية كاذبة (2) 0
وصفوة القول أن القضاء فى اللغة يأتى على وجوه تتقارب فى جملتها ومرجعها كلها إلى انقضاء الشىء وتمامه والفراغ منه (3) 0
ثانيـا : تعريف القضاء فى الاصطلاح :
اختلف الفقهاء حول تعريف القضاء فى الاصطلاح ويرجع هذا الاختلاف لاختلافهم حول حقيقة القضاء هل هو صفة حكمية تلازم موصوفها وتوجب نفاذ حكمه أم هو فعل يقوم به القاضى ، وهل يشمل القضاء التحكيم والفتيا أم لا 0
وبادىء ذى بدء أعرض لأقوال الفقهاء حول حقيقة القضاء فى الاصطلاح أولا ثم أقوم بترجيح التعريف الذى يظهر معنى القضاء 0
أولا : تعريف القضاء عند الحنفيـة :
عرف فقهاء المذهــب الحنفــى القضــاء بتعريفات كثيرة منهـــــا أنه : فصل الخصومات وقطع
________________
(1) سورة البقرة الآية رقم (200) 0
(2) المفردات فى غريب القرآن لأبى القاسم الحسين بن محمد الأصفهانى مرجع سابق ص 406 ، النظم المستعذب فــى شــرح غريب المهذب - لمحمد بن أحمد بن بطال الركبى - مطبعة مصطفى الحلبى جـ 2 ص 289 0
(3) بلغة السالك لأقــرب المسالك إلى مذهــب الإمام مالك - أحمد بن محمد الصاوى المالكى - طبعة دار الفكر - المجلد الثانى ص 305 0
- 5 -
المنازعات على وجه بخصوص ، ليخرج فصل الخصومات من الأمير والمحكم (1) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف غير مانع من دخول غيره فيه لأنه يدخل فيه الصلح بين الخصمين كما يؤخذ على هذا التعريف أنه غير جامع لاقتصاره على القضايا التى تكون محل نزاع ومخاصمة مع أنه قد توجد قضايا تخلو من الخصومة كالوصية على السفية 0
وعرفه العلامة قاسم وهو من فقهاء الحنفية :
أنه إنشاء إلزام فى مسائل الاجتهاد المتقاربة فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا (2) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف غير جامع لأن القاضى كما يحكم فى مسائل الاجتهاد يحكم فى غيرها 0
وعرفه بعض الحنفية بأنه : الإلزام فى الظاهر على صيغة مختصة بأمر ظن لزومه فى الواقع شرعــا (3) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف بالخاصة فيكون غير معتبر لأن القضاء عندهم يراد به الإلزام ويقال له الحكم لما فيه من منع الظالم عن الظلم ورده عن غيه 0
وهناك تعريفات أخرى للقضاء عند الحنفية لم أذكرها لأنها فى جملتها ومرجعها تعود إلى الإلزام وإلى ما سبق بيانه صرفنا نظرا عنها خشية الإطالة 0
_______________
(1) شرح فتح القدير على الهداية للكمال بن الهمام الحنفى المتوفى سنة 681 هـ طبعة دار الفكر جـ 7 ص 252 ، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر للحلبى عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المعروف بشيخى زاده المتوفى سنة 1087 هـ طبعة سنة 1328 هـ دار الطباعة العامرة المكتبة الخاصة جـ 2 ص 150 ، حاشية الطحاوى على الدر المختار طبعة بيروت سنة 1275 هـ جـ 3 ص 172 0
(2) البحر الرائق شرح كنز الدقائق - لعبد الله بن أحمد النسفى زين العابدين بن نجيم الحنفى المتوفى سنة 970 هـ طبعة دار الكتاب الإسلامى جـ 6 ص 277 ، المحيــط البرهانى للإمــام محمـــود بن أحمـد بن عبد العزيز بن شمر بن مازه المتوفى سنة 616 هـ وهو مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 482 فقه حنفى جـ 8 ص 129 ، رد المختار على الدر المحتار ( حاشية ابن عابدين ) الطبعة الثانية سنة 1407هـ سنة 1987م - دار إحياء التراث العربى للطباعة والنشر - بيروت لبنان جـ 4 ص 296 0
(3) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) مرجع سابق جـ 4 ص 296
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيـا : تعريف القضـاء عند المالكيـة :
عرف فقهاء المذهب المالكى القضاء بتعريفات كثيرة منها :
1- عرفه ابن رشد (1) من المالكية بأنه : الإخبار عن حكم شرعى على سبيل الإلزام (2) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه تعريف غير مانع لأنه لا يمنع من دخول غيره فيه إذ قد يدخل فيه الإمام الأعظم " رئيس الدولة " 0
كما يؤخذ عليه أنه عرف القضاء بأنه إخبار عن حكم شرعى والإخبار يحتمل الصدق والكذب ، وإنما القضاء هو إنشاء على سبيل الإلزام 0
2- وعرفه الدردير (3) أنه:حكم حاكم أو محكم بأمر ثبت عنده كدين وحبس وقتل وجرح وضرب وسب وترك صلاة ونحوها وقذف وشرب وزنا وسرقة وغصب وعدالة وضدها وذكورة وأنوثة وموت وحياة وجنون وعقل وسفه ورشد وصغر وكبر ونكاح وطلاق ونحو ذلك ليرتب على ما ثبت عنده مقتضاه أو حكمه بذلك المقتضى مثل لو ثبت عنده دين أو طلاق فالحكم تارة بالدين أو الطلاق ليرتب على ذلك الغرم أو فراقها وعدتهــا أو الحكم بالغـــرم أو الغراق لما ثبت
__________________
(1) هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المالكى القرطبى ( 405 - 520 هـ ) زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب ، عرف بصحة النظر وجودة التأليف ، ودقة الفقه ، كثير التصانيف من أهمها بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، انظر الديباج المذهب فى معرفة أعيان علماء المذهب المالكى لقاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن على بن محمد بن فرحون المالكى (799هـ ) مطبعة المعاهد بالقاهرة – الطبعة الأولى سنة 1351 هـ ص 278 0
(2) تبصرة الحكام فى أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون مطبوع بهامشه فتح العلى المالك فى الفتوى على مذهب الإمام مالك مطبعة عيسى الحلبى سنة 1378 هـ جـ 1 ص 12 ، مواهب الجليل شرح مختصر خليل - لمحمد بن محمد المعروف بالحطاب ، مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى سنة 1329 هـ وبهامشه التاج والإكليل لمختصر خليل جـ 6 ص 86 0
(3) هو أحمد بن محمد بن أحمد العدوى أبو بركات الشهير بالدردير ، فاضل من فقهاء المالكية ، ولد فى بنى عدى بمصر – وتعلم بالأزهر ، وتوفى بالقاهرة من أشهر كتبه أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك ، وكتاب منح القدير فى شرح مختصر خليل ، تحفة الأخوان فى علم البيان ، انظر كتاب الأعلام ( قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ) لخير الدين الزركلى - طبعة دار العلم للملايين - بيروت - لبنان - الطبعة الرابعة المجلد الأول ص 244 0
- 7 -
عنده حسب ما يقتضيه الحال من الرفع له (1) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع من دخول غيره فيه حيث إنه يدخل فيه التحكيم وهو ليس من أفراد المعرف 0
ثالثـا : تعريف القضاء عند الشافعيـة :
عرف فقهاء المذهب الشافعى القضاء بتعريفات كثيرة نذكر منها :
1- عرفه بعضهم : أنه رفع الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى (2) 0
ويؤخذ علىهذا التعريف أنه غير مانع لأنه يدخل فيه حكم المحكم وهو ليس من أفراد المعرف0
2- كما عرفه بعضهم : أنه إلزام من له الإلزام بحكم الشرع (3) 0
ويؤخذ على التعريف أنه غير مانع من دخول غيره فيه لأنه يدخل فيه الإمام الأعظم " رئيس الدولة " وهو ليس من أفراد المعـرف 0
3- وعرفه إمام الحرمين (4) : أنه إظهار حكم الشرع فى الواقعة من مطاع (5) 0
__________________
(2) بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوى مرجع سابق جـ 2 ص 305 0
(2) مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للشربينى الخطيب – طبعة سنة 1352 هـ سنة 1933م دار إحياء التراث العربى - بيروت - لبنان جـ 4 ص 372 0
(3) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين محمد بن أبى العباس الشهير بالشافعى الصغير المتوفى سنة 1004 هـ مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبى البابى جـ 8 ص 235 0
(4) هو عبد الملك بن الشيخ أبو عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه ، أبو المعالى الجوينى ، وجوين من قرى نيسابور ، الملقب بإمام الحرمين ، لمجاورته بمكة أربع سنين ، وكان مولده فى تسع عشرة وأربعمائة ، سمع الحديث وتفقه على والده الشيخ أبى محمد الجوينى ، كما تفقه على يد القاضى حسين،وصنف فى كل فن ، ومن تصانيفه : الشامل فى أصول الدين ، والبرهان فى أصول الفقه ، وتلخيص التقريب ، وقال الحافظ أبو جعفر:سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازى يقول لإمام الحرمين: يا فقيه أهل المشرق والمغرب : أنت اليوم إمام الأئمة ، ويوم موته غلقت الأسواق وكسر تلاميذه أقلامهم - وكانوا أربعمائة - ومحابرهم ، ومكثوا كذلك سنة ، وقد رثى بمراثى كثيرة ، فمن ذلك قول بعضهم :
قلوب العالمين علـــى المقالـى \ وأيام الورى شبـــه الليالى
أيثمر غصن أهل العلم يوما \ وقد مات الإمام أبـو المعالى
انظر البداية والنهاية – للحافظ ابن كثير – تحقيق أحمد عبد الوهاب فتيح – دار الحديث بالقاهرة جـ 12 ص 138 0
(5) حاشيتا قليوبى وعميرة - دار الفكر - بيروت - لبنان - سنة 1412 هـ – 1995م – جـ 4 ص 296 0
- 8 -
وهناك تعريفات أخرى للقضاء فى الاصطلاح للمذهب الشافعى لم أذكرها لأنها فى جملتها ومرجعها لا تخرج عن كون القضاء هو فصل الخصومة بين المتخاصمين بحكم الله تعالى 0
رابعـا : تعريف القضاء عند الحنابلـة :
عرف فقهاء الحنابلة القضاء بتعريفات كثيرة منها :
1- عرفه بعضهم أنه : الإلزام بالحكم الشرعى وفصل الخصومـات (1) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع من دخول غيره فيه حيث يدخل فيه حكم المحكم وهو ليس من أفراد المعرف 0
خامسا : تعريف القضاء عند الظاهريـة :
يؤخذ من قول ابن حزم الظاهرى (2) ، المسألة الأولى من كتاب القضاء ( ولا يحل الحكم إلا بما أنزل الله تعالى على لسان رسوله - r "- (3) 0
أى أن تعريف القضاء عنده هو الحكم بين المتخاصمين بما أنزل الله 0
سادسا : تعريف القضاء فى المذهب الزيدى :
عرف فقهاء الزيدية القضاء أنه إلزام ذى الولاية بعد الترافع 0
___________________
(1) كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتى المتوفى سنة 1051 هـ ، الناشر مكتبة النصر الحديثة ، الرياض ، المكتبة الخاصة جـ 6 ص 285 ، منتهى الإرادات فى جمع المقنع مع التنقيح وزيادات ، للعلامة تقى الدين محمد بن أحمد الفتوحى الشهير بابن النجار المتوفى سنة 972 هـ طبعة سنة 1381 هـ سنة 1962 ، مطبعة دار الجيل للطباعة جـ 2 ص 517 0
(2) هو الإمام الحافــظ العلامــة ، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد بن سفيان بن يزيد ، مولى يزيـــد بن أبى سفيان صخر بن حرب الأموى ، اصل جده من فارس ، وولد بن حزم بقرطبة فى رمضان سنة 384 هـ ، كان أديبا ، طبيبا ، شاعرا فصيحا ، له فى الطب والمنطق كتب كثيرة ، وكان من بيت وزارة ورياسة ووجاهة ، ومال وثروة ، وكان قارئا للقرآن الكريم واشتغل بالعلوم النافعة الشرعية ، وبرز فيها وفــاق أهــل زمانه ، ويقال إنه صنف أربعمائة مجلد ، وتوفى وعمره 90 سنة تقريبا 0 انظر البداية والنهاية جـ 12 ص 99 وما بعدها 0
(3) المحلى لابن حزم الظاهرى تحقيق أ / أحمد محمد شاكر طبعة دار التراث جـ 9 ص 362 0
- 9 -
وكذلك عرف الإمام الصنعانى (1) القضاء بأنه إلزام ذى الولاية بعد الترافع (2) 0
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع لأن الإلزام كما يكون من القاضى يكون من غيره كالوالى والمحتسب وكذلك ذكر الإمام الصنعانى تعريفا آخــر للقضــاء لغيره من العلماء فقال : " وقيل هو الإكراه بحكم الشرع فى الوقائع الخاصة لمعين أو جهة " ثم بين الإمام الصنعانى أن المراد بالجهة كما لو حكم القاضى لبيت المال ( الخزانة العامة للدولة ) أو عليه (3) 0
سابعـا : التعريف المختـار :
بالنظر فى التعريفات سالفة الذكر للقضاء نجد أنها تجتمع فى بعض القيود كالفصل فى الخصومات بين الناس وتفترق فى البعض الآخر نظرا لاختلاف أنظار الفقهاء 0
والقضاء فى حد ذاته هو قطع للنزاع بين الخصوم بحكم الشرع ولكن حكم الشرع كما يصدر من القاضى يصدر كذلك من المفتى لأنه بالفتوى يخبر عن حكم الشرع 0
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (4) رحمه الله - ( والقاضى اسم لكل من قضى بين اثنين ، وحكم بينهما سواء كان خليفة أو سلطانا أو نائبا أو وليا أو كان منصوبا ليقضى بالشرع أو نائبا له حتى الذى يحكم بين الصبيان فى الخطوط إذا تخايروا (5) 0
____________________
(1) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح الحسنى الكحلانى ثم الصنعانى أبو إبراهيم المعروف بالأمير ( سنة 1099 - 1182 هـ ) أصيب بمحن كثيرة من الجهلاء والعوام ، وكان من المجتهدين ، له نحو مائة مؤلف منها سبل السلام شرح بلوغ المرام لابن حجر فى الحديث ، وتوضيح الأفكار فى مصطلح الحديث ، انظر : الأعلام - خير الدين الزركلى جـ 6 ص 263 0
(2) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار تأليف الإمام أحمد بن يحيى المرتضى المتوفى سنة 840 هـ مطبعة دار الكتاب الإسلامى جـ 6 ص 109 ، سبل السلام تأليف السيد الإمام محمد إسماعيل الكحلانى ثم الصنعانى المعروف بالأمير - دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جـ 4 ص 115 0
(3) سبل السلام للصنعانى - المرجع السابق جـ 4 ص 115 0
(4) هو شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقى - ( 661 - 728 هـ ) كان إماما فقيها مجتهدا محدثا مفسرا ، ناصرا للسنة ومحاربا للبدعة ، أو ذى كثيرا ، ومات وهو فى السجن ، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب الإيمان ، والفتاوى المصرية . انظــر الذيــل علــى طبقـــات الحنابلة - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلى - مطبعة السنة المحمدية سنة 1372 هـ سنة 1952 م جـ 2 ص 387 0
(5) السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية لابن تيمية الطبعة الثانية سنة 1371 هـ دار الكتاب العربى ص 13
- 10 -
ومن هنا نرى أن ابن تيمية يوسع دائرة القضاء حتى جعله شاملا لما يحدث بين الصبيان فى شئونهم التى قد لا يهتم بها لحقارتها فى نظر البعض ولكنها ذات أهمية عندهم أى الصبيان لأن العدل ينمى قدراتهم ويهذب شخصياتهم 0
ويرجح ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن القضاء بمعناه الاصطلاحى هو ( فصل الخصومات وقطع المنازعات بالحكم الشرعى على وجه مخصوص " لأنه يخرج المفتى والإمام والأمير والمحكم وذلك لأن ذكر على ( وجه مخصوص ) مع ( فصل الخصومات ) يفهم منه معنى الإلزام فيخرج المفتى وكذلك يخرج الإمام لأن الإلزام منه يكون على وجه عام على خلاف حكم القاضى ، فضلا عن أن هذا التعريف يعد أكثر مناسبة للمعانى اللغوية للقضاء التى سبق ذكرها وهى الإنهاء والإلزام والفراغ (1) 0
الفرع الثانى
تعريف القضاء فى القانون الوضعى
إذا أردنا أن نعرف القضاء فى القانون الوضعى فهذا يعنى تعريف قانون المرافعات لأنه هو العلم الذى يدرس شئون القضاة والتقاضى من أصول وأوضاع ويهتم بدراسة النظام القضائى ولذلك سوف نقوم بتعريف قانون المرافعات وخصائصه على النحو التالـى :
أولا : تعريف قانون المرافعـات :
أ - عرفه بعض الفقه بأنه : مجموع الأصول ، والأوضاع ، والإجراءات التى يجب على المتقاضين مراعاتها للحصول على حقوقهم ، كما يجب على المحاكم اتباعها لإقامة العدل بين الناس (2) 0
ب - وعرفه بعض الفقه ، بأنه القانون الذى يعــنى بتنظيم السلطة القضائية ، وترتيبها ، وبيان اختصاص المحاكم المختلفة ، والإجراءات الواجب اتباعها أمامها (3) 0
__________________
(1) القضاء فى الكتاب والسنة لأستاذنا الدكتور / محمد أنيس عباده مطبعة السعادة سنة 1396 هـ ص 8 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية والنظام القضائى فى مصر ، تأليف الأستاذ الدكتور / عبد الحميد أبو هيف - مطبعة الاعتماد سنة 1340 هـ سنة 1921م بند 1 ص 26 0
(3) الوسيط فى شرح قانون المرافعات - دكتور رمزى سيف طبعة سنة 1968 بند 2 ص 8 0
- 11 -
وعرفه البعض بأنه مجموعة القواعد القانونية المنظمة للقضاء المدنى فى سكونه وحركته (1) 0
وعرفه البعض بأنه مجموعة القواعد القانونية التى تنظم القضاء المدنى ، وتبين وظيفتة ، ووسيلة أدائه لهذه الوظيفة (2) 0
وعرفه البعض ، بأنه مجموعة القواعد التى تنظم السلطة القضائية ، من حيث تعيين أنواع المحاكم وتشكيلها ، وتحدد اختصاصاتها ، وتبين الإجراءات الواجب إتباعها أمامها ، لكى تضمن للأفراد كيفية الالتجاء للقضاء لحماية حقوقهم (3) 0
وعرفه البعض بأنه : قواعد قانونية تنظم نشاط السلطة العامة ، فى خدمة قوانين علاقات الأفراد وتنظم إلتجاء الأفراد إلى تلك السلطة (4) 0
وعرفه البعض - وهو ما نرجحه - بأنه مجموعة القواعد التى تبين التنظيم القضائى فى الدولة وتحدد اختصاص المحاكم ، والتى تنظم الإجراءات والمواعيد الواجبة الإتباع والمحاكمة والفصل فى الخصومات وتنفيذ الأحكام (5) 0
ثانيـا : موضوع قانون المرافعـات :
تشتمل دراسة قانون المرافعات على ما يلى :
1- قوانين النظام القضائى : هى مجموعة القوانين التى تهتم ببيان المبادىء التى يقوم عليها النظام القضائى فى الدولة ومحاكمه ، وتشكيلاته ، وكذلك بتنظيم السلطة القضائية وبيان شروط تعيين القضاة وكل ما يتعلق بحقوقهم وواجباتهم والضمانات المقررة لهم 0
__________________
(1) قانون القضاء المدنى د. محمود محمد هاشم - الطبعة الثانية سنة 1991 م جـ 1 بند 5 ص 9 0
(2) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د. فتحى والى دار النهضة المصرية سنة 1980 - بند 3 ص 5 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية - د. أحمــد أبو الوفــا - الطبعة الثالثة سنة 1950 دار المعارف بالإسكندرية بند 3 ص 11 0
(4) أصول المرافعات د. أحمد مسلم - دار الفكر العربى بند 19 ص 20 0
(5) محاضرات فــى قانون المرافعــات المدنية والتجاريــة لأستاذنا الدكتور عبد الحكم شرف سنة 1416 هـ سنة 1994م ص 7 وما بعدها 0
- 12 -
2- مجموعة القواعد والقوانين التى تتعلق بالاختصاص :
وهى التى تعنى بتحديد اختصاص المحاكم المختلفة بنظر الدعاوى سواء كان اختصاص ولائى أو نوعى أو قيمى أو محلـى 0
3- قوانين وقواعد إجراءات التقاضى : وهى مجموعة القوانين المتعلقة بالإجراءات والأوضاع الواجب اتباعها فى رفع الدعاوى أمام القضاء وكيفية السير فى الدعاوى والتحقيق ، والفصل فيها وكيفية الطعن فيما يصدر فيها من أحكام 0
4- قواعد التنفيذ الجبرى : وهى القواعد المتعلقة بالإعمال الفعلى لقواعد القانون والتى تحدد السندات التنفيذية التى يجرى التنفيذ بمقتضاها ، والحق المراد التنفيذ اقتضا له ، والأموال الجائز التنفيذ عليهــا ، وما يجب اتباعه من إجراءات للحصول على هذه الحماية التنفيذيــة (1) 0
ثالثا : أهمية قانون المرافعـات :
يعتبر من متطلبات التعريف بقانون المرافعات بيان أهمية هذا العلم ، وتوضيح وبيان الدور الذى يقوم به قانون المرافعات ، فإنه يقوم بدورين أساسين دور اجتماعى ودور اقتصادى نوضحها فيما يلـى :
أ - الدور الاجتماعـى :
ويتمثل ذلك فى أنه يكفل حماية الحقوق لأصحابهـا ، ويوضح لهم الوسيلة القانونية للدفاع عنها ، وتوقيع الجزاء على من يعتدى عليها ، لأن الفرد عندما يعلم أنه إذا لم يحترم حقوق غيره ويقوم بأدائها على أحسن وجه سوف يتعرض للجزاءات التىحددها ووضحها قانون المرافعات ، فإن ذلك يعتبر كفيلا على احترام الفرد لحقوق غيره وبذلك يشيع السلام والأمن بين أفراد المجتمع ويتمتع كل فرد بحقوقه ومنع الغير من الاعتداء عليها (2) 0
_________________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د. أحمد أبو الوفا بند 3 ص 11 ، قانون القضاء المدنى - محمود هاشم جـ 1 بند 7 ص 12 وما بعدها ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د. أحمد السيد صاوى طبعة سنة 1981م دار النهضة العربية للنشر بند 2 ص 6 ، المرافعــات المدنيــة والتجاريـة - د. عبد الحميد أبو هيف بند 4 ص 28 0
(2) الوسيط د. رمزى سيف بند 3 ص 9 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم أحمد شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى الطبعة الأولى سنة 1998 بند 16 ص 13 0
- 13 -
ب - الدور الاقتصادى :
قانون المرافعات يعتبر القانون المنظم للقضاء والتقاضى وله دور بالغ على الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى مختلف مظاهرها ، فإذا كان التنظيم القضائى محكما ، وكانت قواعد وإجراءات التقاضى ميسورة ، وكان تنفيذ الأحكام القضائية مقدسا لدى الأفراد ولدى الحكام ، شاعت الطمأنينة فى النفوس وأمن الناس فى معاملتهم ، ونشطت الحياة الاقتصادية التى ترتكز على الائتمان ومن ثم يزدهر الاقتصاد فى الدولة (1)
رابعا : خصائص قانون المرافعات :
تتميز قواعد قانون المرافعات - فى مجملها - بأنها قواعد آمرة ، وشكلية ، وفورية التطبيق ، ونوضح ذلك فيما يلـى :
أولا : قواعد آمـرة (2) :
تعتبر قواعد قانون المرافعات فى جملتها قواعد آمرة ، لأنها وضعت لتنظيم مرفق هام من مرافق الدولة وهو مرفق القضاء ، إذ لا يعقل أن يترك للخصوم حق اختيار الجهة القضائية التى يعرضون عليها نزاعهم ، أو تترك لهم حرية رفع دعاواهم بالطريقة التى يريدونها وإنما يكون ذلك عن طريق قواعد آمرة حددهــا المشرع لا يجوز لهم الاتفاق على ما يخالفها لتعلقها بالنظام القضـائى (3) 0
فغالبية قواعد قانون المرافعات آمرة ومع ذلك يوجد فى قانون المرافعات قواعد مكملة كالقواعد التى تتعلق بالمصلحة الخاصة وغير متعلقة بالنظام العام (4) 0
__________________
(1) محاضرات فى قانون المرافعات أ.د/ أحمد محمد مليجى طبعة سنة 1991 ، 1992 ، ص 7 0
(2) تنقسم القاعدة القانونية بحسب قوتها الإلزامية إلى قواعد آمرة وقواعد مكملة ، والقاعدة الآمرة هى : التى لا يجوز للأشخاص الاتفاق على ما يخالفها لتعلقها بالنظام العام ، والقاعدة المكملة هى التى يجوز للأشخاص الاتفاق على ما يخالفها لعدم تعلقها بالنظام العام ، يراجع فى ذلك دروس فى مبادىء القانون تأليف د./ عبد الودود يحيى طبعة سنة 1977 ص 42 ، دروس فى المدخل للعلوم القانونية أ.د/ لاشين محمد الغاياتى طبعة سنة 1402هـ سنة 1982 ص 63 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى ص 15 ، النظام القضائى والاختصاص د/ أمينة النمر طبعة سنة 1984 ص 14 0
(4) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح الطبعة الثانية سنة 1990 / 1991م ص 16 0
- 14 -
والضابط فى معرفة ما إذا كانت قاعدة من قواعد قانون المرافعات متعلقة بالنظام العام وبالتالى تكون قاعدة آمرة وما إذا كانت القاعــدة من القواعد المكملة والتى يجوز الاتفاق على ما يخالفها إنما يكون بالوقوف على الغاية التى توخاها المشرع بتنظيمه لهذه القاعدة ، فإذ كانت الغاية من القاعدة هى المصلحة العامة تعلقت القاعدة بالنظام العام وبالتالى تكون قاعدة آمرة ، أما إذا كانت غاية المشرع من القاعدة هى حماية مصلحة خاصة فإن القاعدة لا تعتبر من النظام العام وبالتالى تكون قاعدة مكملة ويجوز للخصوم الاتفاق على ما يخالفها (1) 0
ثانيـا : قواعـد شكليـة :
كذلك يعتبر مــن أهــم خصائص قواعـــد قانون المرافعات أنها قواعد شكليـة ، فإلى جانب ما يتضمنه قانون المرافعات من قواعد موضوعية كالقواعد التى تحدد شروط انعقاد الخصومة وأثار المطالبة القضائية ، فإن قواعده تتميز فى مجموعها بأنها قواعد شكلية تلزم الأفراد بمراعاة مواعيد وإجراءات معينة وترتب الجزاءات مخالفة ذلك (2) 0
والهدف من الشكلية فى قانون المرافعات هو تحقيق المصلحة العامة ، وذلك بوضع القواعد التى تضمن حسن سير القضاء ، فلا يترك الأمر لكيد الخصوم ، لأنها تمكن المدعى عليه من تحضير دفاعه ، وتعطى المدعى فرصة للوقوف على هذا الدفاع والرد عليه وتمكن القاضى من دراسة القضية ، وتضع حدودا للقاضى فى مباشرة وظيفة لابتعداها وبالتالى تحول دون تحكم القاضى ومحاباته للخصوم وسوء نيته ، وإذا كانــت الشكلية ضرورية فى قانون المرافعات إلا أنه ينبغى عدم المغالاة فيها وذلك حتى لا تتعقد الإجراءات ويصعب الطريق وتزداد النفقات ، وتضيع الحقــوق لمجــرد مخالفــات شكليــة لا ضــرر منهــا (3) وهــذا ما اتجه إليــه المشرع المصرى عند
______________________
(1) قانون المرافعات الليبى - تأليف د. مصطفى كامل كيره - طبعة سنة 1970م ، ص 14 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 9 ص 15 0
(2) المرافعات المدنيــة والتجاريـــة د / أحمد أبو الوفــا بند 4 ص 12 ، الوسيط - أحمد السيد صاوى بند 9 ص 13 0
(3) النظام القضائى والاختصاص د/ أمينة النمر بند 4 ص12،الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 9 ص 14 ، دراسات فى قانون المرافعات ، تأليف أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف وأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى - الطبعة الأولى سنة 1998 بند 27 ص 22 0
- 15 -
وضعه قانون المرافعات الجديد إذ خفف من حالات البطلان المترتبة على تخلف الشكلية حيث نص على أنه ( ... لا يحكم بالبطلان رغم النص عليه ، إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء ) (1) 0
ثالثا : قواعد قانون المرافعات فورية التطبيق :
تعتبر قواعد قانون المرافعات فورية التطبيق بمعنى أنه عند تعديل هذه القواعد أو تغيرها ، فإن القانون أو القواعد الجديدة تسرى من وقت العمل بها على الدعاوى والإجراءات القائمة أمام القضاء دون القواعد القديمـة 0
والهدف من ذلك أن قواعد المرافعات ، وضعت لتنظيم مرفق القضاء ، وبيان طريقة اللجوء إليه ، والإجراءات المتبعة فى ذلك ، فإذا رأى المشرع أن يغير هذه القواعد ، أو يعدل فيها ، فذلك لأنه قدر أن القواعد الجديدة أكثر ملاءمة وتحقيقا للعدالة من القواعد القديمة الأمر الذى يتطلب تطبيقها فورا على الدعاوى القائمة (2) 0
وإذا كان الأصل فى قواعد قانون المرافعات أنها فورية التطبيق إلا أن المشرع أورد استثناءات على هذا الأصل نوضحها فيما يلـى :
الأول : القوانين المعدلة للاختصاص :
استثنى المشرع من فورية التطبيق " القوانين المعدلة للاختصاص متى كان العمل بها بعد إقفال باب المرافعة فى الدعوى " (3) 0
وترتيبا على ما تقدم ، فإذا رفعت دعوى أمام محكمة مختصة بنظرها طبقا للقانون القديم ، ثم صدر قانون جديد يعدل هذا الاختصاص ويجعلها من اختصاص محكمة أخرى ، فإنه يتعين على المحكمة المرفوع أمامها الدعوى بداية أن تمتنع عن نظرها وأن تحيل الدعوى إلى المحكمة المختصة بنظرها طبقا للقانون الجديد ، وتكون الإحالة بدون رسوم حيث نص المشرع فى هذا الصدد على أنه ( على المحاكــم أن تحيل بدون رسوم ومــن تلقــاء نفسها ما يوجد لديها من دعاوى أصبحت
__________________
(1) المادة (20/2) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 0
(2) بحوث فى قواعد المرافعات - تأليف د. عبد العزيز خليل بديوى - دار الفكر العربى سنة 1978 ص 4 وما بعدها ، الوسيط د. فتحى والى بند 9 ص 17 ، محاضرات فى قانون المرافعات أستاذنا الدكتور / حامد محمد أبو طالب - الكتاب الأول - النظام القضائى طبعة سنة 1993 ، 1994 م ص 15 0
(3) المادة (1/1) مرافعات 0
- 16 -
من اختصاص محاكــم أخـــرى بمقتضــى أحكـــام هـــذا القانون ، وذلك بالحالة التى تكون عليهـــا ... ) (1) 0
غير أنه يشترط لإعمال هذا الاستثناء ألا تكون الدعوى قد حكم فيها أو محجوزة للنطق بالحكم أى أقفل فيها باب المرافعة قبل نفاذ القانون الجديد حيث نص المشرع تأكيدا لما سبق على أنه ( تسرى قوانين المرافعات على ما لم يكن فصل فيه من الدعاوى أو ما لم يكن تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها ويستثنى من ذلك :
1- القوانين المعدلة للاختصاص متى كان تاريخ العمل بهــا بعد إقفال باب المرافعة
فى الدعــوى ........ ) (2) 0
ومقتضى ذلك أن يستمر نظر القضية أمام المحكمة التى فحصتها وحجزتها للحكم حتى صدور الحكم فيها بدلا من إحالتها لمحكمة جديدة كى تفحصها من البداية (3) 0
الثانى : القوانين المعدلة لمواعيد المرافعات :
استثنى المشرع من فورية تطبيق قواعد قانون المرافعات " القوانين المعدلة للمواعيد متى كان الميعاد قد بدأ قبل تاريخ العمل بها ) (4) 0
وعلى هذا ، إذا حدث تعديل فى القواعد المنظمة للمواعيد فإن هذا التعديل لا يسرى بالنسبة للميعاد الذى بدأ قبل تاريخ العمل بالقواعد الجديدة ، وإنما يسرى بالنسبة لهذا الميعاد القواعد السابقة التى بدأ الميعاد فى ظلها 0
وتطبيقا لذلك إذا صدر حكم وأعلن للمحكوم عليه قبل العمل بقانون المرافعات الجديد وكان ميعاد الاستئناف طبقا للقانون القديم ستون يوما وفى ظل القانون الجديد أربعون يوما فإن الذى يسرى فى هذه الحالة هو ميعاد الاستئناف فى القانون القديم الذى صدر الحكم فى ظله ، ولو رفع الاستئناف بعد العمل بالقانون 0
__________________
(1) المادة (2) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 0
(2) المادة (1/1) مرافعات 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 21 0
(4) المادة (1/2) مرافعات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والهدف من هذا الاستثناء هو احترام الحقوق المكتسبة إذ أن فى سريان القانون الجديد على الميعاد الذى بدأ فى ظل القانون القديم مساس بما ترتب للخصم من حق (1) 0
ويترتب على هذا الاستثناء نتيجتان همـا :
1- إذا قامت المحكمة بإعادة فتح باب المرافعة فى الدعوى من جديد من تلقاء نفسها أو بناء على تقديم مستندات جوهرية فى الدعوى من أحد الخصوم ، فإنه يتعين فى هذه الحالة على المحكمة إحالة الدعوى إلى المحكمة التى أصبحت مختصة بنظرها طبقا للقانون الجديد لأنه بفتح باب المرافعة فى الدعوى تكون الدعوى ما زالــت متداولــة أمام المحكمة وبالتالى تنتفى الحكمة مــن الاستثناء 0
2- إذا كانت المحكمة ، قد حجزت الدعوى للحكم فى مسألة فرعية ، تتعلق مثلا بالتحقيق أو بالإثبات ، فإنه فى هذه الحالة يتعين عليها أن تحيل الدعوى إلى المحكمة التى أصبحت تلك الدعوى من اختصاصها طبقا للقانون الجديد ، لأن الغرض أن تكون الدعوى مؤجلة للنطق بالحكم فى الموضوع (2) 0
والمراد ببداية الميعاد هو الإجراء الذى منه يبدأ حساب الميعاد كما حدده القانون الذى بدأ فى ظله أيا كان هذا الإجراء إعلانا أو إيداعا أو غير ذلك (3) 0
ويشترط لاعمال هذا الاستثناء شرطين :
1- أن يكون الميعاد موجودا فى القانون القديم ، وكل ما أجراه القانون الجديد لا يعدو عن كونهن تعديلا فيه أما إذا لم يكن للميعاد نظير فى القانون القديم وكان ميعادا مستحدثا بالقانون الجديد فلا يعمل بهذا الاستثناء 0
___________________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم - مطبعة دار ، الفكر العربى سنة 1981 ص 31 ، قانون القضاء المدنى ، د./ عزمى عبد الفتاح ص 26 ، الوسيط ، د./ أحمد السيد صاوى بند 13 ص 22 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 10 هامش 3 ص 16 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 7 ص 16 ، دراسات فى قانون المرافعات - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى بند 32 ص 26 وما بعدها ، الوجيز فى المرافعات - دكتور / محمد محمود إبراهيم مطبعة دار الفكر العربى سنة 1981 ص 30 0
(3) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 11 ص 18 ، ويراجع كذلك المذكرة التفسيرية لقانون المرافعات 0
- 18 -
2- أن يكون الميعاد قد بدأ فى ظل القانون القديم فإذا لم يكن الميعاد قد بدأ فى ظل القانون القديم فلا يعمل بهذا الاستثناء (1) 0
الاستثناء الثالث : القوانين المعدلة لطرق الطعن فى الأحكام 0
كذلك استثنى المشرع من قاعدة فورية تطبيق قواعد قانون المرافعات على ما لم يكن فصل فيه من الدعاوى ( القوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل تاريخ العمل بها متى كانت هذه القوانين ملغية أو منشأة لطريق من تلك الطرق ) (2) 0
وبناء على ما تقدم فالأحكام الصادرة قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد ، لا يسرى عليها القانون الجديد فيما يتعلق بالطعن متى كان هذا القانون قد ألغى أو أنشأ طريقا من طرق الطعن ، وإنما يسرى عليها القانون القديم الذى صدرت هذه الأحكام فى ظلـه 0
والحكمة من ذلك هى احترام الحقوق المكتسبة للأشخاص ، وذلك لأن إلغاء طريق للطعن فى حكم كان قابلا للطعن وفقا للقانون الذى صدر فى ظله ، يمس المحكوم عليه فى حرية الحصول على الحماية القضائية ، كما أن إنشاء طريق للطعن فى حكم كان غير قابل للطعن وفقا للقانون الذى صدر فى ظله يمس أيضا حق المحكوم له فى استقرار مركزه القانونى (3) 0
ويقصد بالحكم فى هذا المقام الحكم الذى يفصل فى موضوع النزاع وليس الحكم الصادر قبل الفصل فى الموضوع والذى لا يجوز الطعن فيه على استقلال (4) 0
________________
(1) الوسيط د/ رمزى سيف بند 8 ص 17 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 32 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 33 ص 28 0
(2) المادة (1/3) مرافعات 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 13 ص 25 ، المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 12 ص 19 0
(4) قانون القضــاء المدنـى د/ عزمــى عبـد الفتــاح ص 24 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 36 0
- 19 -
المطلب الثانى
تمييز القضاء عما يشابهه من الولايات
تمهيـــــــد :
ولاية القضاء من الولايات العامة التى جاء بها الإسلام ووضع لها من الضوابط والقواعد ما يحقق بها الأمن والأمان للفرد والمجتمع وقد تتشابه ولاية القضاء بغيرها من الولايات الأخرى مثل ولاية رد المظالم والحسبة والإفتاء والتحكيم الأمر الذى يتطلب منا أن نقوم بتوضيح ذلك من خلال الفروع الآتية :
الفرع الأول
التمييز بيـن ولاية القضاء وولاية رد المظالم
أولا : التعريف بولاية رد المظالـم :
عرف الإمام الماوردى (1) ولاية رد المظالم " قضاء المظالم " أنه قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة ، فكان من شروط الناظر فيها أنه جليل القدر ، نافذ الأمر ، عظيم الهيبة ، ظاهر العفة ، قليل الطمع ، كثير الورع لأنه يحتاج فى نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين ، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر فى الجهتين (2) 0
ونظرا لأهمية هذا النوع من القضاء " قضاء المظالم " فقد كان يفصل فى قضاياه إما الخليفة بنفسه أو أحد وزرائه أو ولاته وقد كان يختص بنظر القضايا الآتية :
1- النظر فى تعدى الولاة على الرعية 0
____________________
(1) هو أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصرى الماوردى ، إمام من أئمة الشافعية ، له مصنفات كثيرة فى التفسير والفقه وأصوله والآداب منها ، الحاوى الكبير ، والإقناع ، وأدب الدين والدنيا ، والتفسير ، ودلائل النبوة ، والأحكام السلطانية وغير ذلك ، توفى سنة 450 هـ وكان عنده من العمر ستا وثمانون سنة ، انظر تفصيل حياته فى طبقات الشافعيــة الكـبرى - تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن على بن عبد الكافى السبكى - المطبعة الحسينية - الطبعة الأولى سنة 1324 هـ جـ 3 ص 303 وما بعدها 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى - الطبعة الثالثة سنة 1393 هـ مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبى ص 77 0
- 20 -
2- جور العمال فيما يجبونه من الأموال فيرجع فيه إلى القوانين العادلة فى دواوين الأئمة وينظر فى الزيادة التى لا حق فى جبايتها ويأمر بردها 0
3- كتاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على بيوت الأموال فيما يستوفونه له ويوفونه منه فيتصفح أحوالهم فيما وكل إليهم فإن عدلوا بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان إلى قوانينه وقابل على تجاوزه 0
4- تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم وإجحاف النظر بهم 0
5- رد المغصوب إلى صاحبه وعلى وجه الخصوص رد الشىء المغصوب الذى تغلب عليه ولاة الجور كالأملاك التى أخذت رغما عن أصحابها 0
6- النظر فى حالة الأوقاف سواء كانت عامة أو خاصة 0
7- تنفيذ الأحكام القضائية التى لم تنفذ لعجز القضاة عن تنفيذها بسبب قوة المحكوم عليه وشوكته 0
8- النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحسبة فى المصالح العامة كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه والتعدى فى طريق عجز عن منعه 0
9- مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد 0
10- النظر بين المتشاجرين والحكم بين المنتازعين (1) 0
ثانيا : أوجه الاختلاف بين ولاية القضاء وولاية رد المظالم :
من النظر إلى حقيقة كل من ولاية القضاء وولاية رد المظالم نجد أن بينهما اختلافا فى بعض الأمور نوضحها فيما يلـى :
1- أن لناظر المظالم من فضل الهيبـة وقوة اليد ما ليس للقضاة فى كف الخصوم عند التجاحد ومنع الظلمة من التغالـب 0
2- ناظر المظالم أوسع مقالا وأفسح مجالا 0
____________________
(1) المرجع السابق ص 80 وما بعدها ، الأحكام السلطانية لأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلى المتوفى سنة 458 هـ – مطبعة مصطفى الحلبى – الطبعة الأولى سنة 1356هـ سنة 1938م ص76 وما بعدها 0
- 21 -
3- سلطات ناظر المظالم أوسع فى التحقيق والاستدلال وطــرق الإثبــــات المعتمدة على القرائن
والإمارات وشواهد الأحوال 0
4- أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب 0
5- لناظر المظالم الحق فى التأنى والتأجيل عند الاشتباه ما ليس للحكام إذا طلب منهم أحد الخصمين فصل الحكم 0
6- له رد الخصوم لفصل التنازع صلحا عــن تراض وليس للقاضى الرد إلا إذا رضى الخصمان 0
7- لناظر المظالم أن يفسح فى ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد ويأذن فى إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف 0
8- لناظر المظالم أن يسمع من شهادات المستورين ما يخـــرج عن عرف القضاة فى شهادة المعدلــين 0
9- لناظر المظالم إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بدلوا أيمانهم طوعا ويستكثر من عددهم ليزول الشك عنه وليس ذلك للحاكم العادى 0
10- له أن يبدأ باستدعاء الشهود أما القاضى فلا يسمع الشهود إلا بعد البينة (1) 0
الفرع الثانى
التمييز بيـن ولاية القضاء وولاية الحسبة
أولا : تعريف الحسبة فى اللغـة :
الحسبة فى اللغة اسم لما يحتسبه الإنسان بأن يفعله ناويا به وجه الله 0
والحسبة فى اللغة لها معان كثيرة منها :
1- الإنكار يقال احتسب على فلان إذا أنكر عليـه 0
________________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى ص 113 ، الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص 77 ، المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - دراسة مقارنة - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف بحث منشور فى مجلة القانون والأمن - كلية شرطة دبى - السنة السابعة - العدد الأول - شوال سنة 1419 هـ – يناير سنة 1999 ص 253 0
- 22 -
2- الكفاية يقال حسبك أى كفاك (1) 0
والحسبان بالضم هو العذاب منه قوله تعالى ( ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقــا ) (2) 0
ثانيـا : تعريف الحسبة فى الاصطلاح :
عرف الفقهاء الحسبة فى الاصطلاح بتعريفات كثيرة مختلفة فى الألفاظ ولكنها متقاربة فى المعنى ومن هذه التعريفات 0
1- ما ذكره الإمام الماوردى بقوله هى : الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهى عن المنكر إذا ظهر فعله (3) 0
قال تعالى ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكـر ) (4) 0
2- وعرفها بعض الفقهاء بأنها وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (5) 0
ثالثا : العلاقة بين القضاء والحسبـة :
من ينظر فى حقيقة العلاقة بين القضاء والحسبة يجد أن بينهما اتفاقا من ناحية واختلافا من ناحية أخرى ونوضح ذلك فيما يلـى :
أولا : أوجه الاتفاق بين القضاء والحسبة (6) :
1- أن القاضى له الولاية العامة فى جميع الدعاوى أما المحتسب فله هذه الولاية كذلك ولكنها
________________
(1) القاموس المحيط - لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادى طبعة المطبعة الحسينية بمصر سنة 1332 هـ سنة 1913م جـ 1 ص 54 وما بعدها ، مختار الصحاح للرازى . مرجع سابق ص 85 0
(2) سورة الكهف الآية رقم (40) 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 240 ، والأحكام السلطانية لأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلى المتوفى سنة 458 هـ مطبعــة مصطفى الحلبى الطبعة الأولى سنة 1356 هـ سنة 1938م ص 284 0
(4) سورة آل عمران الآية رقم (104) 0
(5) مقدمة ابن خلدون - لعبد الرحمن بن خلدون - الطبعة الأولى - لجنة البيان العربى بالقاهرة سنة 1377هـ سنة 1958م ص 576 0
(6) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 241 ، الشرطة فى مصر الإسلامية د/ أحمد عبد السلام ناصف - دار الزهراء للإعلام العربى - الطبعة الأولى سنة 1407هـ سنة 1987م ص230 وما بعدها 0
- 23 -
تقتصر على ثلاثة أنواع من الدعاوى هى :
أ - ما يتعلق ببخس أو تطفيف فى كيل أو وزن 0
ب - ما يتعلق بغش أو تدليس فى مبيع أو ثمـــن 0
جـ - ما يتعلق بمطل أو تأخير لدين مستحق مع القدرة على السداد ، وإنما اختص المحتسب بنظر هذه الدعاوى لتعلقها بالمنكرات الظاهرة التى لا تحتاج إلى بحث أو تمحيص فوظيفته منع المنكر وإزالته والأمر بالمعروف وإقراره دون أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات 0
2- أن للمحتسب إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذى عليه ولكن ليس هذا عاما فى جميع الدعاوى وإنما هو قاصر على الحقوق التى وجبت باعتراف وإقرار المدعى عليه مع تمكنه من السداد فيلتزم المقر الموسر بالخروج من الحق وســداده لأن فــى تأخيرها منكرا هو منصوب لإزالتــه 0
3- وعرفها بعض الباحثين المعاصرين أنها سلطة تخول صاحبها حق مباشرة الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهى عن المنكر إذا ظهر فعله بتفويض من الشارع أو بتولية من الإمام وتوقيع العقاب على المخالفين بمقتضى أحكام الشريعة فى حدود اختصاصه (1) 0
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يصح من المتطوع ومن المحتسب الذى أسندت غليه مهمة الحسبة إلا أن هناك فروقا بين المتطوع والمحتسب وهى :
1- أن القيام بالحسبة فرض عين على المحتسب الذى أسندت إليه ولاية الحسبة ، أما فى حق المتطوع فهى فرض كفاية فى حقه 0
2- أن الحسبة أمانة فى عنق المحتسب لا يجوز له أن يتقاعس عن أدائها ، أما فى حق غيره فهى من النوافل التى يجوز له أن يشتغل عنها بغيرها من النوافل 0
3- أن المحتسب منصوب ليرفع إليه ما يجب إنكاره وليس المتطوع منصوبا للاستعداء وإزالة المنكــرات 0
4- على المحتسب أن يجيب من شكا إليه منكرا ولا يجب على المتطوع إجابته 0
________________
(1) الحسبة فــى الإســلام د/ عبــد الله محمــد عبد الله - رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة الأزهر سنة 1974 ص 43 0
- 24 -
5- على المحتسب أن ببحث بنفسه عن المنكرات الظاهرة ليزيلها وما ترك من معروف ليأمر بإقامته ، أما المتطوع فليس عليه بحث أو فحص عن ذلك 0
6- للمحتسب أن يتخذ أعوانا يساعدونه فى عمله لأنها ولاية أسندت إليه فينبغى أن يستعين بما يحقق له القهر والغلبة والقدرة على أداء وظيفته أما المتطوع فليس له أعوان بل إن قدر على ذلك بنفسه أداه وإن لم يستطع رفع الأمر للمحتسب 0
7- أن للمحتسب أن يرتزق من بيت المال إذا لم يكن مكتفيا برزقه أما المتطوع فليس له أن يرتزق من بيت المال (1) 0
ثانيـا : أوجه الاختلاف بين القضاء والحسبة (2) 0
1- اقتصار دعاوى الحسبة على ظواهر المنكرات أى لا تشمل ولاية الحسبة سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى فى العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات ، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعاوى لها ، ولا أن يتعرض للحكم فيها لا فى كثير الحقوق ولا فى قليلها إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على ما تشمله وظيفة المحتسب عند الإطلاق فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعا بين القضاء والحسبة فيراعى أن يكون من أهل الاجتهاد ، وإن اقتصر به على مطلق الحسبة فالقضاة والحكام يكونوا أحق بالنظر منه فى الحقوق قليلها وكثيرها 0
2- أن الحسبة مقصورة على الحقوق المعترف بها أما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيها لأن الحكم فيها يتوقف على سماع البينة وإحلاف اليمين وليس للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات حق ولا أن يحلف يمينا على نفى حق وإنما ذلك خاص بالقاضى 0
الفرع الثالث
تمييز ولاية القضاء عن الافتـاء
أولا : تعريف الفتيا أو الفتوى لغـة :
الفتيا أو الفتوى لغة ما أفتى به الفقيه فى المسألة إذا بين حكمها ، ويقال استفتيت فلانا فأفتانى بكذا ، واستفتاه فى مسألة فأفتاه ، والاسم الفتيا والفتوى ، وتفاتوا إليه أى ارتفعوا إليه فى التفيا،
___________________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 240 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى مرجع سابق ص 242 0
- 25 -
فالفتوى هى بيان الحكم (1) منه قولــه تعالى ( ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن " (2) وقوله تعالى ( يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالـة ) (3) 0
ثانيـا : تعريف الفتيا أو الفتوى اصطلاحـا :
عرف الفقهاء فى الفقه الإسلامى الفتوى بتعريفات كثيرة منها :
1- أنها الإخبار عن الحكم الشرعى من غير إلزام (4) 0
2- وعرفها البعض أنها تبليغ للناس عن حكم الله (5) 0
3- وعرفها البعض أنها عبارة عن الجواب الصادر ممن هو أهل لذلك الذى يميط اللثام عن المسألة المسئول عنها (6) 0
4- وعرفها البعض أنها : الإخبار عن حكم الله بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول (7) 0
والفتوى أمر مشروع لقوله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (8) وقوله تعالى ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) (9) وقولــه ( ويسألونك عـــن اليتامـى قـل
________________
(1) المصباح المنير - لأحمد بن محمد بن على الفيومى - لمتوفى سنة 770 هـ - طبعة المطبعة الأميرية بمصر سنة 1324هـ سنة 1906م جـ 2 ص 632 مادة فتى ، مختار الصحاح للإمام محمد بن أبى بكر الرازى . مرجع سابق ص 268 باب الفاء ، القاموس المحيط - للفيروز أبادى . مرجع سابق جـ 4 ص 373 0
(2) سورة النساء الآية رقم (127) 0
(3) سورة النساء الآية رقم (176) 0
(4) كشاف القناع للشيخ منصور البهوتى مرجع سابق جـ 6 ص 294 0
(5) القضاء فى الإسلام - دكتور محمد سلام مدكور - طبعة مطبعة العالمية بمصر - نشر دار النهضة العربية ص 135 0
(6) السلطة القضائية فى الإسلام - دراسة مقارنة للدكتور / شوكت عليان - رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة الأزهر سنة 1972م ص 402 0
(7) القضاء فى الإسلام - تاريخه ونظامه - تأليف إبراهيم نجيب محمد عوض - مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية - الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية سنة 1395 هـ سنة 1975م ص 11 0
(8) سورة الأنبياء الآية رقم (7) 0
(9) سورة البقرة جزء من الآية رقم (219)0
- 26 -
إصلاح لهم خير)(1)وقوله تعالى ( ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن ) (2) 0
ففى الآية الأولى نجد أن الله عز وجل أمر بسؤال أهل العلم عند عدم معرفة الحكم الشرعى فى المسألة فدل ذلك على مشروعية الفتوى ، ونجد فى الآيات الأخرى أن الله سبحانه وتعالى قد أسند الإفتاء إلى نفسه فهذا وإن دل على شىء فإنما يدل على مشروعية الفتوى 0
ومما يؤكد مشروعية الفتوى أن الرسول- r - كان يقوم بالإفتاء فكان يفتى صلوات الله وسلامه عليه عن الله بوحيه المبين وكانت فتاواه جوامع الأحكام مشتملة على فصل الخطاب ولكن يلاحظ أنه إذا كانت الفتوى فى الأصل غير ملزمة للمستفتى فله أن يأخذ بها أولا ، إلا أن فتوى الرسول- r -كانت واجبة الاتباع ولا يجوز لأحد مخالفتها (3) 0
ثالثا : وجه الفرق بين القضاء والفتوى (4) :
بادىء ذى بدء يتفق القضاء مع الفتوى فى أن كلا منهما إخبار عن حكم الشرع وإظهار له ولكنهما يختلفان فى بعض الوجوه هـى :
1- أن القضاء إخبار عن حكم الشرع وإظهار له ولكن على سبيل الإلزام فهو واجب النفاذ فى الأمور الاجتهادية ولو فى موضع الخلاف لأن القاضى ينشأ حكما يرفع الخصومة أما الفتوى فهى إخبار عن حكم الشرع وإظهار له ولكن ليس على سبيل الإلزام فيجوز للمستفتى أن يعمل بتلك الفتوى أو يتركها 0
___________
(1) سورة البقرة جزء من الآية رقم (220) 0
(2) سورة النساء الآية رقم (127) 0
(3) القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور . مرجع سابق ص 136 ، السلطة القضائية فى الإسلام د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 403 ، القضاء فى الإسلام تاريخه ونظامه د/ إبراهيم نجيب عوض . مرجع سابق ص 12 0
(4) النظام القضائى فى العهد النبوى وعهد الخلافة الراشدة للأستاذ / مناع خليل القطان - مكتبة وهبه - الطبعة الأولى سنة 1993 ص 13 ، القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور . مرجع سابق ص 136 ، السلطة القضائية فى الإسلام د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 410 ، تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائى دراسة مقارنة د/ أحمد محمد مليجى - رسالة دكتوراه كلية الحقوق جامعة عين شمس سنة 1399 هـ سنة 1979م ص 320 0
- 27 -
إذن يختلف القضاء عن الفتوى فى أن القضاء ملزم للخصوم أما الفتوى فهى غير ملزمة للمستفتى 0
2- أن حكم القاضى جزئى خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم له وعليه ، بينما الفتوى من المفتى تكون عامة تتعلق بالمستفتى وغيره ، فقضاء القاضى يكون معينا على شخص معين إذ قضاؤه خاص وملزم ، أما الفتوى فهى عامة وغير ملزمة ، وعلى هذا فنطاق الافتاء أكثر اتساعا وعمومية من نطاق القضاء إلا أنه غير ملزم 0
3- أن القاضى يتبع الحجج من أدلة الإثبات عند النظر فى النزاع المعروض عليه من البينة والإقرار والشهود واليمين ، والنكول والقرينة القاطعة ونحو ذلك أما المفتى فعند إصدار الفتوى يتبع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع وطرق استنباط الحكم الشرعى من أدلته التفصيليــة 0
وإذا كان القضاء يعتمد على الحجج ، والفتوى تعتمد على الأدلة الشرعية ، فإن تصرف الإمامة يزيد على القضاء والفتوى فى أنه يعتمد على المصلحة الراجحة أو الخالصة فى حق الأمة وهو ما يعبر عنه بالسياسة الشرعية أى تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية وإن لم يقم على كل تدبير منها دليل خاص ما دامت متفقة مع روح الشريعة ومقاصدها 0
ومن هنا يتضح لنا الفرق بين القاضى والمفتى من ناحية ، وبين الإمام الأعظم من ناحية أخرى وهو أن نسبة الإمام بالنسبة إليهما كنسبة الكل للجزء فإن للإمام أن يقضى وأن يفتى وأن يفعل ما ليس بفتوى ولا قضاء كجمع الجيوش وإنشاء الحروب وتولية الولاة وقتل البغاة وسائر الأمور التى يختص بها الإمام ولا يشاركه فيها القاضى ولا المفتى وعلى هذا يمكن القول إن كل إمام يمكن أن يكون قاضيا ومفتيا وليس كل قاض ومفت يمكن أن يصدق عليه وصف الإمام الأعظــم (1) 0
___________
(1) الإحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضى والإمام للإمام القرافى شهاب الدين أبى العباس أحمد بن إدريس المصــرى المالكى ، بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غده ، الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب ص 20 ، نظريــة الدعـوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية د/ محمد نعيم ياسين - رسالة دكتوراه مقدمــه لجامعة الأزهر سنة 1971 ص 11 ، القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم نجيب عوض - مرجع سابق ص 20 0
- 28 -
الفرع الرابع
التمييز بيـن ولاية القضاء وولاية التحكيم فى الفقه الإسلامى
أولا : تعريف التحكيم لغــة (1) :
التحكيم لغـة التفويض يقال حاكمه إلى الحاكم أى دعاه وحكمت الرجل أى فوضت إليه ، وحكمه فى الأمر أى أمره أن يحكم فاحتكم ، و ( الحكم ) بفتحين الحاكم ، وحكمه فى ماله تحكيما إذا جعل إليه الحكم فيه فاحتكم عليه فى ذلك ، والاسم الأحكومة والحكومة ، ومن اختاره الطرفان للتحاكم إليـه يسمى حكمـا 0
ثانيـا : تعريف التحكيم فى اصطلاح الفقهـاء :
عرف الفقهاء التحكيم بتعريفات كثيرة منها :
1- أنه تولية الخصمين حاكما يحكم بنيهما (2) 0
2- وعرفه البعض أنه : اختيار الخصمين شخصــا غــير قاض للحكــم بينهما فيمـــا تنازعا فيـــــه (3) 0
3- وقيل إنه يقصــد بـــه أن يحكم اثنان أو أكثر آخر بينهم ليقضــى النزاع ويطبق حكم الشــرع (4) 0
والتحكيم مشروع وقد ثبتت هذه المشروعية بالكتاب والسنة والإجماع 0
أولا : فمن الكتاب قوله تعالى ( وإن خفتم شقاق بينهــما فابعثوا حكمــا مـن أهلـــه
_____________
(1) المصباح المنير للفيومى . مرجع سابق جـ 1 ص 200 ، مختار الصحـاح للـرازى . مرجع سابق ص 91 باب حرف الحــاء ، القاموس المحيط . مرجــع سابـــق جـ 4 ص 18 ، لسان العرب لابن منظور جـ 2 ص 951 مادة حكم . مرجع سابق 0
(2) رد المحتار علــى الــدر المختـــار ( حاشيــة ابن عابدين ) مرجع سابق جـ 4 ص 347 ، تبصرة الحكام لابن فرحون . مرجع سابق جـ 1 ص 55 0
(3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم مرجع سابق جـ 7 ص 27 ، السلطة القضائية فى الإسلام دراسة مقارنة د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 388 0
(4) القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور ص 131 مرجع سابق 0
- 29 -
وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا)(1).
وجـه الدلالة من الآية الكريمة (2) أن الله تعالى أمر فى حالة وقوع شقاق وخلاف بين الزوجين أن يبعث الحاكم ثقة وحكما من أهل الرجل وثقة وحكما من أهل المرأة ليجتمعا فينظرا فى أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحــة للـزوجين مما يريانه من التفريق أو التوفيق وتشوق الشارع الكريم إلى التوفيق ولهذا قال الله تعالى ( وإن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) فدل هذا على مشروعية التحكيم لأنه لما جاز التحكيم فى حق الزوجين دل ذلك على جواز التحكيم 0
ثانيا : ومن السنة ما روى شريح بن هانئ عن أبيه هانىء أنه لما وفد إلى رسول الله- r -مع قومه سمعهم وهم يكنون هانىء بأبى الحكم فدعاه الرسول -r - فقال له إن الله هو الحكم واليه الحكم فلم تكنى بأبى الحكم ؟ قال إن قومى إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرض عنى كلا الفريقين ، فقال الرسول- r -ما أحسن هذا ، فمالك من الولد ؟ قال له شريح وعبد الله ومسلم ، قال فمن أكبرهم ؟ قال : شريح قال فأنت أبو شريح ودعا له ولولده (3) 0
وجه الدلالة من الحديث : واضحة فى قول أبى شريح للرسول- r - عندما ساله الرسول- r -عن سبب تسميته بأبى الحكم فقال أبو شريح ( إن قومى كانوا إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرضى عنى الفريقان ) فقد استحسن الرسول- r -فدل ذلك على مشروعية التحكــيم 0
ثالثا : ومن الاجماع : أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أجمعوا على مشروعية التحكيم ولم يعرف لهم مخالف فصار إجماعا منهم على مشروعية التحكيم (4) 0
_________
(1) سورة النساء الآية رقم (35) 0
(2) تفسير القرآن العظيم للإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبى الفداء إسماعيل بن كثير القرشى الدمشقى المتوفى سنة 774 هـ الجزء الأول مكتبة دار التراث – القاهرة ص 492 وما بعدها 0
(3) أخرجه النسائى فى السنن الكبرى فى 51 كتاب القضاء ، 11 – باب إذا حكموا رجلا ورضوا به فحكم ( نسخة : فقضى ) بينهم طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان الطبعة الأولى سنة 1411 هـ - سنة 1991م واللفظ له ، الجزء الثالث - رقم الحديث 5940/1 - ص 466 0
(4) كشاف القناع للبهوتى . مرجع سابق جـ 6 ص 309 ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم . مرجع سابق جـ 7 ص 227 ، السلطة القضائية فى الإسلام دراسة مقارنة د/ شوكت عليان . مرجع سابق ص 389 ، شرح فتح القدير على الهداية للكمال بن الهمام . مرجع سابق جـ 7 ص 316 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثا : العلاقة بين النطاق الموضوعى لولاية القضاء وولاية التحكيم :
اتفق الفقهاء على أن ولاية القضاء ولاية عامة فى جميع الدعاوى والمنازعات ولكنهم اختلفوا فى النطاق الموضوعى لولاية التحكيم فيما يجوز فيه التحكيم ومالا يجوز نوضح ذلك فيما يلـى :
أولا : ذهب الحنفية (1) : أن التحكيم لا يجوز فى حدود الله ولا فى القصاص ولا فى الدية على العاقلة فى القتل الخطأ وعللوا على ذلك بما يلـى :
1- أن العلة فى عدم جواز التحكيم فى حدود الله والقصاص أن حكم المحكم ليس بحجة فى حق غير المحكمين فكانت فيه شبهة والحدود والقصاص لا تستوفى بالشبهات فضلا عن أن حكم المحكم بمنزلة الصلح ، والحدود والقصــاص لا يجــوز استحقاقهما بالصلح فلا يجوز التحكيم فيهمــا 0
2- والعلة فى عدم جواز التحكيم فى القصاص لأنه لا ولاية لهما على دمهما ولهذا لا يملكان الإباحة فلا يستباح برضاهما 0
3- كما أن العلة فى عدم جواز التحكيم فى الدية على العاقلة فى القتل الخطأ لأنه لا ولاية له عليهم أو لا تحكيم من جهتهم ولا ينفذ حكمـه 0
ثانيـا : ذهب المالكية (2) إلى أنه يجوز التحكيم فى الأموال وما فى معناه ولا يجوز التحكيم فى حدود الله ولا فى القصاص ولا فى طلاق أو نسب أو عتاق أو ولاء ، وإنما استثنيت هذه المسائل من قاعدة أو دائرة جواز التحكيم لاستلزامها إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين وهم لم يرضوا بحكم المحكم 0
ثالثـا : أما الشافعية (3) فقد انقسموا إلى فريقين حول ما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز :
__________________
(1) شرح فتح القدير على الهداية للكمال من الهمام . مرجع سابق جـ 7 ص 318 وما بعدها ، رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) . مرجع سابق جـ 4 ص 348 وما بعدها شرح أدب القاضى للخصاف تأليف برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالحسام الشهيد - تحقيق محى هلال السرحان - وزارة الأوقاف - العراق - سنة 1398 هـ - 1978م جـ 4 ص 58 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 55 مرجع سابق 0
(3) مغنى المحتاج للشربينى الخطيب . مرجع سابق جـ 4 ص 378 ، أدب القاضى لأبى الحسن علـــى من محمد بن حبيب الماوردى البصرى الشافعى المتوفى سنة 450 تحقيق محى هلال السرحان مطبعة الإرشاد - بغداد سنة 1392 هـ – سنة 1972م جـ 2 ص 381 0
- 31 -
الفريق الأول : ذهب إلى جواز التحكيم فى الأموال وعقود المعاوضات وعدم جواز التحكيم فى الحدود والقصاص والنكاح لأن هذه الحقوق تبنى على الاحتياط فلا يجوز فيها التحكــيم 0
الفريق الثانى : ذهب إلى جواز التحكيم فى كل شىء ، وقد رجح هذا القول صاحب كتاب مغنى المحتاج ( الشربينى الخطيب ) (1) حيث قال ( والصحيح عدم الاختصاص ، لأن من صح حكمه فى مال صح فى غيره كالمولى من جهة الإمام " 0
رابعـا : ذهب الحنابلة (2) : إلى أنه لا يجوز التحكيم فى الحدود والقصاص والنكاح واللعان ويجوز فيما عدا ذلك لأن هذه المسائل لها مزية على غيرها من المسائل الأخرى فاختص القاضى بنظرها 0
________________
(1) هو شمس الدين محمد بن أحمد الشربينى القاهرى الشافعى ، أجمع أهل العلم على صلاحه ووصفوه بالعلم والعمل ، وانتفع بعلمـه كثير مــن الناس ، وله مؤلفات كثيرة منها مغنى المحتاج ، معرفة معانى ألفاظ المنهاج ، والاقناع فــى حل ألفاظ أبى شجاع ، توفى سنة 977هـ . انظر الأعلام - خير الدين بن محمود ابن محمد بن على الزركلى الدمشقى - الطبعة الثانية سنة 1371هـ سنة 1952م جـ 6 ص 234 0
(2) المغنى تأليف الشيخ الإمام العلامة موفق الدين أبى محمد عبد الله بن أحمد بن محمود بن قدامة المتوفى سنة 630 هـ طبعة دار الكتاب العربى للنشر والتوزيع - جـ 9 ص 108 0
- 32 -
المبحث الثانى
مشروعية القضاء وأهميته العملية باعتباره سلطة داخل المجتمع
ولاية القضاء فى الإسلام من أهم الولايات شأنا وأعظمها أثرا وأعلاها مرتبة فى المجتمع الإسلامى وهى من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله ومن أشرف العبادات وأفضل القربات وذلك لأن ولاية القضاء فى مجتمعنا المعاصر لها دور هام فى استقرار مبادىء العدل بين أفراده لأن القاضى بعمله النبيل ورسالته المقدسة يهىء للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل مسلم وغير مسلم فى دار الإسلام على نفسه وماله وعرضه 0
والإسلام كشريعة خاتمة اهتم اهتماما كبيرا بالسلطة القضائية ويتجلى هذا الاهتمام فى تكليف الله سبحانه وتعالى أنبيائه ورسله بالقضاء إلى جانب قيامهم بشرف تبليغ الرسالة ، قال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) (1) 0
وقوله تعالى ( يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عــن سبيــل الله لهــم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) (2) 0
وقد أقسم الله سبحانه وتعالى بذاته ليرفع من مكانة القضاء وبين علو همته من جهه ، ونفى صفة الايمان عمن لم يحتكم لشرعــه بلجوئه للقضاء مــن جهــة أخــرى فقال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمــا ) (3) 0
فعلم القضاء من أجل العلوم قدرا وأشرفها ذكرا ولذا فمنصب القضاء ذو مقام عال لأنه به تعصم الدماء وتصان ، والأبضاع تحرم وتحل والأموال يثبت ملكيتها ويسلب ، والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب (4) 0
_________________
(1) سورة الحديد الآية رقم (25) 0
(2) سورة ص الآية رقم (26) 0
(3) سورة النساء الآية رقم (65) 0
(4) دراسات فى استقلال القضاء د/ جمال العطيفى - مجلة المحاماة - العدد الثانى سنة 1970م ص 80 0
- 33 -
ولقد اهتم الرسول -r -اهتماما كبيرا بالقضاء وبيان مكانة القضاة العدول حيث قال -r- ( إن المقسطين فى الدنيا عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم وماولوا ) ، وفى رواية أخرى ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون فى حكمهم وأهليتهم ) (1) 0
وعن فضل ولاية القضاء قال العلامة ابن قدامة المقدسى (2) ( وفيه فضل عظيم لمن قوى على القيام به وأداء للحق فيه ولذلك جعل الله فيه أجرا على الخطأ وأسقط عنه حكمه لأن فيه أمرا بالمعروف ونصرة للمظلوم وأداء الحق إلى مستحقيه وردا للظالم عن ظلمه وإصلاحا بين الناس وتخليصاً لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب " (3) 0
ولبيان خطورة عمل القاضى :
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال ، قال رسول الله -r -( من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه ينزل عليه ملكا فيسدده ) (4) 0
وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله- r -( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره ، فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ) (5) 0
_________________
(1) سنن النسائى شرح الحافظ جلال الدين السيوطى - طبعه دار الريان - كتاب آداب القضاء جـ 8 ص 221 ، صحيح مسلم بشرح النووى – مسلم بن الحجاج القشيرى (256 هـ ، والشرح يحيى بن شرف النووى المطبعة المصرية بالقاهرة - الطبعة الأولى سنة 1292 هـ جـ 12 ص 211 ، نبيل الأوطار شرح منتق الأخبار - محمد بن على الشوكانى - مكتبة ومطبعة دار الإيمان بالمنصورة ضبط وتحقيق د/ كمال الجمل د/ عبد الله المنشاوى ، الشيخ محمد بيومى والشيخ صلاح عويضه جـ 8 ص 297 0
(2) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن محمود بن قدامه المقدسى ، ولد سنة 541 ، وهو أحد أعلام الحنابلة المشهورين ، وإمام من أئمة المسلمين ، وقال عنه ابن تيمية : ما دخل الشام بعد الأوزاعى أفقه من الشيخ موفق أى ابن قدامة ، كان له فى كل علم باع طويل ، وله تصانيف كثيرة منها البرهان فى مسألة القرآن ، والمغنى فى الفقه ، والروضة فى أصول الفقه - انظر فىذلك الذيل على طبقات الحنابلة جـ 2 ص 133 - 149 0
(2) المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ 11 ص 374 . مرجع سابق 0
(4) رواه الترمذى فى سننه فى باب ما جاء عن الرسول- r -فى القاضى من كتاب الأحكام طبعة مصطفى الحلبى سنة 1976 جـ 3 حديث رقم 1323 ص 605 0
(5) رواه أبو داود فى سننه فى باب القاضى يخطىء من كتاب الأقضية طبعة مصطفى الحلبى سنة 1983 جـ 2 ص 293 0
- 34 -
ونظرا لخطورة القضاء وأهميته اهتم الخلفاء الراشدين به اهتماما بالغا انطلاقا من نصوص القرآن وأحكام السنة النبوية الشريفة لأن الصحابة رضوان الله عليهم بصفة عامة والخلفاء الراشدون بصفة خاصة عرفوا أهمية القضاء وعظيم أجر من يقضى بين الناس وجعلوه من أعمالهم المفضلة فكانوا يباشرون القضاء بين الناس بأنفسهم ثم فوضوا فيه إلى غيرهم لكثرة اشتغالهم بأمور الدولة والسياسة العامة والجهاد فقد عين الفاروق عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعرى القضاء وبعث إليه خطابا يعد بحق دستورا للقضاة قال له فيه ( إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ) (1) 0
وهذا الخطاب من أبلغ الأدلة على أهمية القضاء وضرورته بالنسبة للمجتمع الإسلامى 0
إذن مما تقدم يتضح لنا مشروعية القضاء وضرورته باعتباره سلطة داخل المجتمع ولابد من وجود السلطة القضائية فى المجتمع ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه ( لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس ) (2) 0
ويقول العلامة ابن فرحون ناصحا ولاة الأمور بتفقد أحوال القضاه وذلك نظرا لأهمية وخطورة القضاء داخل المجتمع ( وينبغى للإمام أن يتفقد أحوال قضاته فإنهم قوام أمره ورأس سلطانه ) (3) 0
وقال الإمام السرخسى (4) مبينا أهمية وضرورة القضاء :
____________
(1) ورد هذا الحطاب فى السنن الكبرى - لأحمد بن الحسين بن على البيهقى المتوفى ( سنة 458 هـ ) الطبعة الأولى سنة 1355 هـ مطبعة مجلس المعارف العثمانية ، بحيدر أباد الركن بالهند ، مكتبة الحرم المكى جـ 10 ص 109 ، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزيه طبعة سنة 1389 هـ سنة 1969م مطبعة المدنى بالقاهرة جـ 1 ص 92 0
(2) المغنى والشرح الكبير لابن قدامة . مرجع سابق جـ 11 ص 374 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 77 . مرجع سابق 0
(4) هو الإمام محمد بن أحمد بن أبى سهل أبو بكر شمس الأئمة السرخسى ، من أئمة الحنفية ، وعد من المجتهدين فى المسائل ، ألف المبسوط وهو فى السجن ، ونسبته إلى سرخسى بلدة قديمة من بلاد خراسان ، وله مؤلفات كثيرة ، انظر الفوائد البهية فى تراجم الحنفية - أبو الحسنات محمد بن عبد الحى اللكنوى الهندى - مطبعة السعادة - الطبعة الأولى سنة 1324 هـ ص 158 وما بعدها 0
- 35 -
( اعلم أن القضاء بالحق أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات وبه أمر كل نبى مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) (1) 0
ومن ثم يظهر جليا ضرورة القضاء وأهميته العملية بين الناس وتطهر مسئولية القضاة وهى مسئولية ضخمة وشاقة تتجلى ضخامتها وخطورتها من موضوع القضاء الذى هو حقوق الله وحقوق العباد فى الدماء والأموال والأعراض 0
_____________
(1) المبسوط - لمحمد بن أحمد أبى بكر شمس الأئمة السرخسى - الطبعة الثانية سنة 1313 هـ - دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت جـ 16 ص 59 0
- 36 -
المبحث الثالث
حكم ولاية القضــاء
تمهيـد :
الدولة الإسلامية واجب عليها إقامة القضاء بين أفرادها ونصب الأجهزة التى تقوم على فصل الخصومات بين الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن الأفراد الصالحين لتولى القضاء يجب عليهم أن يتولوا هذه الوظيفة الخطيرة إذا عرضت عليهم وذلك عملا بمقتضى الأمانة التى تحملوها انطلاقا من قوله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنهــا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهــولا ) (1) 0
ولذلك سوف نتعرض بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المبحث إلى حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة والأفراد من خلال المطلبين التالين :
• المطلب الأول : حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولـة 0
• المطلب الثانى : حكم ولاية القضاء بالنسبة للأفراد 0
المطلب الأول
حكم ولاية القضاء بالنسبة للدولة
الإسلام يقيم دولته على أساس التكليف الإلهى للأمة ، والشريعة تنظر إلى الأمة كوحدة لها كيانها المستقل وتخاطبها مباشرة بأوامرها وتضع عليها عبء تنفيذها فهى صاحبة الاختصاص فى تنفيذ هذه الأوامر وإعداد من يقومون عليها ونصبهم لوظائفهم 0
والقرآن الكريم فى العديد من آياته يتوجــه بالخطاب فــى الأمور العامة إلى المؤمنين جميعهم لا إلى فرد واحد بعينه ، ومن ذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) (2) 0
_____________
(1) سورة الأحزاب الآية رقم (72) 0
(3) سورة النساء الآية رقم (135) 0
- 37 -
فالله سبحانه وتعالى فى هذه الآيــة سالفــة الذكــر يخاطب المؤمنين جميعا بأن يقوموا بالعدل ولا يتبعوا الهوى وهذا يوجب عليهم أن يعدوا العدة لكل ما من شأنه أن يكون ضروريا لإقامة هذا الواجب وهو العدل بين الناس لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ومن هذا القبيل آيات كثيرة جاء الخطاب فيها للمؤمنين تأمرهم بإقامة العدل بين الناس والوفاء بالعهد ووجوب التواصى بالحق والصبر وتنفيذ الحدود والعقوبات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفى توجيه الخطاب إلى الأمة جميعا فى هذه الآية وغيرها من الآيات دليل بالغ الدلالة على أن الأمة هى التى تحمل مسئولية هذه الواجبات ، ولكن لما كانت الأمة لايستطيع أن تقوم بهذه الواجبات مجتمعة فقد فوضت أمورها إلى من ترى فيه الأهلية ليقوم عليها ويضعها موضع التنفيذ ، والقضاء هو إحدى هذه الواجبات الجماعية التى ألقيت على عاتق الأمة إن لم يكن أهمهما على الاطلاق لأنه هو الطريق لتحقيق هذه الأمور كلها ولذلك كان واجبا على الأمة ممثلة فى أولى أمرها أن يقوموا بتنصيب القاضى وإعداد ما يلزم ليؤدى وظيفته فى حيدة ونزاهة واستقلال فنصب القاضى فرض عين على رئيس الدولة لأنه " أى القاضى " ينصب لإقامة أمر مفروض وهو القضاء قال تعالى ( ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) (1) 0
وقال تعالى لرسوله محمد- r - ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) (2) 0
والقضاء هو الحكم بين الناس بالحق وبما أنزل الله سبحانه وتعالى فكان نصب القاضى لإقامة الفرض فكــان فرضــا ضـرورة ، ولأن نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف بين أهل الحق ، ولا عبرة بخلاف بعض القدرية لاجماع الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك ولمساس الحاجة إليه لإنصاف المظلوم من الظالم وقطع المنازعات التى هــى مــادة الفساد وغير ذلك من المصالح التى لا تقوم إلا بإمام لما علم فى أصول الكلام ، ولما كان رئيس الدولة لا يمكنه القيام بما نصب له بنفسه فيحتاج إلى نائب يقوم مقامه فى ذلك وهو القاضى (3) 0
___________
(1) سورة ص الآية رقم (26) 0
(2) سورة المائدة الآية رقم (48) 0
(3) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع - للإمام علاء الدين أبى بكر بن مسعود الكاسانى الحنفى الملقب بملك العلماء - المتوفى سنة 587 هـ طبعة دار الفكر للطباعة والنتشر جـ 7 ص 3 0
- 38 -
ولهذا كان الرسول - r - يبعث إلى الآفاق قضاة ، فبعث سيدنا معاذا رضى الله عنه إلى اليمن ، وبعث عتاب بن أسيــد إلى مكــة فكــان نصب القاضــى مــن ضرورات نصب الإمام فكان فرضــا (1) 0
وعلى هذا فتولية الإمام لأحد الأفراد الصالحين للقضاء فرض عين عليه بمعنى أنه يجب على الإمام أن يعين لكل إقليم قاضيا ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى (2) عن قاض أو خليفة له (3) 0
وإيقاع القضاء بين المتخاصمين فرض على الإمام أو نائبه ويمتنع عليه الدفع أى دفع المتخاصمين من غير قضاء بينهما إذا كان فيه تعطيل أو طول نزاع (4) 0
المطلب الثانى
حكم تولى القضاء بالنسبة للأفراد
تولى القضاء بالنسبة للأفراد تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة ، فقد يكون تولى القضاء بالنسبة لهم فرض عين ، وقد يكون فرض كفاية ، وقد يكون مستحبا ، وقد يكون مكروها ، وقد يكون حراما 0
ونوضح ذلك من خلال الفروع الآتية :
الفرع الأول
متى يكون تولى القضاء على الشخص فرض عيـن ؟
يكون تولى القضاء على الشخص فرض عين إذا لم يوجد غيره للقضاء وتعين عليه وحده ، وتوافرت فيه شروط القضاء ففى هذه الحالة يكون توليــة القضاء بالنسبة له فرض عين فإذا امتنع
____________
(1) المرجع السابق جـ 7 ص 3 0
(2) يقصد بمسافة العدوى هى المساقة التى يقطعها المسافر ذهابا وإيابا قبل دخول الليل عليه ، أى يعود إلى أهله قبل ذلك ، يراجع تحفة المحتاج بشرح المنهاج - لأحمد بن حجر الهيثمى المتوفى سنة 972 هـ طبعة سنة 1357 هـ سنة 1938م مطبعة مصطفى محمد بمصر - المكتبة الكبرى جـ 10 ص 186 0
(3) نهايــة المحتــاج إلى شــرح المنهــاج جـ 8 ص 236 . مرجـع سابق ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 373 . مرجع سابق 0
(4) مغنى المحتاج جـ 4 ص 373 . مرجع سابق 0
- 39 -
أجبر عليه وذلك لأن الكفاية لا تحصل إلا به ولكونه إن لم يل القضاء وليه من لا تحل ولايته مع فرط حاجة الناس إلى القضاء وعدم إمكــان رفــع التنازع بالمصلحة ونحوها فإن امتنع أجبره الإمام (1) 0
ولأن نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف عند أهل السنة والجماعة لإقامة الحدود وانصاف المظلوم من الظالم ، وإذا كان الإمام لا يستطيع أن يقوم بهذا كله بنفسه ويحتاج إلى من يقوم مقامه فى ذلك ولم يوجد إلا شخص واحد تتوافر فيه شروط القاضى فإن تولى القضاء بالنسبة لهذا الشخص يكون فرض عين ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل ( لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس ) (2) 0
الفرع الثانى
متى يكون تولى القضاء على الشخص فرض كفايـة
يكون تولى القضاء على الشخص فرض كفاية (3) إذا تعدد الصالحون لمنصب القضاء المستجمعون لشرائطه فيكون تولى القضاء فرض كفاية فى حق كل واحد منهم فإذا ولى أحدهم القضاء تحقق الواجب وسقط الإثم عن المتولى وعن الجميع وهو فى ذات الوقت فرض عين (4) عليهم جميعا مجتمعين بمعنى أنه إذا لم يقم واحد منهم بالقضاء فإنهم يأثمون جميعا 0
والأصل فى تولى القضاء أنه فرض كفاية لما يلـى :
__________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها . مرجع سابق ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 16 وما بعدها .مرجع سابق ، مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 372 . مرجع سابق ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 373 . مرجع سابق ، القضاء وطرق الاثبات فى الفقه الإسلامى أ.د/ نصر فريد واصل - طبعة دار البيان سنة 1994 ص 8 0
(2) المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ 11 ص 374 . مرجع سابق 0
(3) يقصد بفرض الكفاية هو ما طلب حصوله من غير نظر إلى من يفعله وإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين ، يراجع الحكم الشرعى أ.د/ صلاح زيدان مطبعة دار الصحوة للنشر ص 55 0
(4) يقصد بفرض العين هو ما يطلب الشارع حصوله من كل أفراد المكلفين به فإذا فعله بعضهم لم يسقط الطلب عن الآخرين ، يراجع الإحكام فى أصول الأحكام - لعلى بن أبى على بن محمد الآمدى المتوفى سنة 631 هـ الطبعة الأولى سنة 1401 هـ سنة 1981م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع المكتبة الخاصة جـ 1 ص 100 0
- 40 -
1- قال تعالى ( ياداود إنا جعلناك خليفة فىالأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) (1).
وقال تعالى : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) (2) 0
وجه الدلالة من الآيتين :
إن الله سبحانه وتعالى أمــر فـى هاتين الآيتين بالحكم بين الناس بالحق وبما أنزل الله وهذا هو معنى القضاء ، والأمر يقتضى الوجوب عند الإطــلاق فدل هذا على أن تولى القضاء فرض ، وهذا الفرض إذا قام به البعض الصالح له سقط الإثم عـــن الباقين وهذا هو فرض الكفايـة (3) 0
2- أن القضاء من الواجبات العامة التى لا غنى عنها للجماعة كالجهاد والأمانة لأن الظلم فى الطباع البشرية غالبا ولابد للناس من حاكم يعطى لكل ذى حق حقه وينصف المظلوم من الظالم وهذا لا يتحقق إلا بالقضاء 0
3- ولأن رسولنا محمدا - r - والخلفاء الراشدين والصحابة من بعده حكموا بين الناس وكانوا الآحاد للقضاء فلو كان القضاء فرض عين لم يكف واحد ، فقد حكم أبو بكر الصديق رضى الله عنه بين الناس واستخلف القضاة ، وبعث أنسا إلى البحرين قاضيا ، وحكم عمر بن الخطاب رضى الله عنه بين الناس وبعث أبا موسى الأشعرى إلى البصرة قاضيا ، وحكم عثمان بن عفان رضى الله عنه بين الناس وقلد شريحا القضاء ، وحكم على بن أبى طالب رضى الله عنه بين الناس وبعث عبد الله بن عباس إلى البصرة قاضيا ، فصار فعلهم هذا إجماعا ولأن عادات الأمم بنصب القضاة جارية وجميع الشرائع به واردة ، ولأن فى أحكام الاجتهاد ما يكثر فيه الخلاف فلم يتعين أحدهما بين المختلفين إلا بالحكم الفاصل والقضاء القاطع ، فإذا اجتمـع أهل البلد على ترك القضاء أثموا جميعا (4) 0
___________
(1) سورة ص الآية رقم (26) 0
(2) سورة المائدة الآية رقم (48) 0
(3) النظام القضائى فى العهد النبوى د/ مناع القطان . مرجع سابق ص 8 0
(4) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 مرجع سابق ، مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 372 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 133 وما بعدهما مرجع سابق ، المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ 11 ص 374 ، القضاء وطرق الإثبات فى الفقه الإسلامى أ.د/ نصر فريد واصل ص 8 مرجع سابق ، سلطة القاضى فى الفقه الإسلامى وما يعتمد عليه فى الأحكام دراسة مقارنة د/ حسن السيد محمد حسن عجوه - الطبعة الأولى سنة 1406 هـ سنة 1986م ص 45 0
- 41 -
الفرع الثالث
متى يكون تولى القضاء مستحبا ؟ (1)
يكون طلب القضاء وتوليه مستحبا إذا كان الشخص أهلا للقضاء ولكنه خامل غير مشهور بين الناس ويرجو بتوليه القضاء نشر العلم لتحصل المنفعة بعلمه إذا نشر على الناس ، أو كان مشهورا ولكنه محتاج إلى الرزق ولو ولى القضاء حصلت له الكفاية من بيت المال بسبب هو فى ذاته طاعة وذلك لأن العدل بين الناس يثاب عليه الإنسان بأحسن الجزاء ، وكذلك يستحب توليه وطلب القضاء إذا كانت الحقوق مضاعة بسبب جور القاضى أو عجزه أو فسدت الأحكام بتولية جاهل وكان الشخص يقصد من وراء طلب وتولية القضاء تدارك ذلك الخلل الواقع فى القضــاء (2) 0
فإذا كان الشخص مشهورا بين الناس بعلمه وله من المال ما يكفيه فالأولى له تركه وعدم طلبه وذلك لما فيه من الأخطار المحيطة به من غير سبب يدعو إليه (3) 0
الفرع الرابع
متى يكون تولى القضاء مكروهـا ؟ (4)
يكون طلب تولى القضاء مكروها إذا لم تكن هناك حاجة داعية إليه كأن يكون الشخص مشهورا بعلمه بين الناس وعنده من الرزق ما يكفيه وليس بحاجة إلى أجرة القضاء للعيش منه وكان القضاء منتظما بتوليه من يصلح له فالأولى فـى حقه حينئذ أن يترك طلب القضاء ولا يسعى
___________
(1) المباح هو ما خير الشارع فيه المكلف بين الفعل والترك أو هو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه ، يراجع الموافقات فى أصول الشريعة الإسلامية لأبى إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمى الشهير بالشاطبى مطبعة بيروت - دار الفكر جـ 1 ص 133 0
(2) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها مرجع سابق ، مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 473 مرجع سابق ، نهايـة المحتاج جـ 8 ص 237 مرجع سابق ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 296 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 373 وما بعدها 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 473 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 237 ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 296 مرجع سابق 0
(4) المكروه هو ما طلب الشارع تركه لا على وجه الحتم والإلزام أو هو ما كان تركه أولى من فعله ، يراجع الموافقات للشاطبى جـ 1 ص 133 مرجع سابق 0
- 42 -
إليه لما فيه من الخطر لغير حاجـة 0
قال ابن قدامــة :
( وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر ، وفى تركه من السلامة ، ولما روى فيه من التشديد والذم ، ولأن طريقة السلف الامتناع عنه والتوقى وقد أراد عثمان رضى الله عنه تولية ابن عمر القضاء فأباه ) (1) 0
وكذلك يكون طلب تولى القضاء مكروها إذا كان الشخص يهدف من وراء سعيه للقضاء تحصيل الجاه والاستعلاء على الناس (2) 0
الفرع الخامس
متى يكون تولى وطلب القضاء محرمـا ؟ (3)
يكون تولى القضاء حراما إذا كان الشخص عالما بأحكام القضاء وتيقن أو ظن أنه سيحكم بغير العدل أو كان غير عالم بأحكام القضاء وقضى بين الناس على جهل (4) 0
وكذلك يكون تولى القضاء حراما إذا قصد بتولية القضاء الانتقام من أعدائه أو قبول الرشوة من الخصوم أو قصد المباهاة والاستعلاء بين الناس (5) 0
كما يكون تولى القضاء حراما إذا كان القضاء فى يد من يصلح له وقائم به على الوجه المرضى شرعا وأراد شخص أن يعزله لينال منفعة لنفسه من وراء توليه القضاء بل إن طلبه القضاء
__________
(1) المغنى لابن قدامه جـ 11 ص 375 مرجع سابق 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 17 مرجع سابق 0
(3) المحرم هو ما طلب الشارع الكف عنه من المكلف طلبا جازما بحيث يذم ويعاقب فاعله شرعا ، يراجع الموافقات للشاطبى مرجع سابق جـ 1 ص 133 0
(4) المهذب فى فقه الإمام الشافعى - لأبى إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الفيروز آبادى الشيرازى المتوفى سنة 476 هـ الطبعة الثانية مطبعة مصطفى البابى الحلبى جـ 2 ص 289 0
(5) مغنى المحتاج جـ 4 ص 373 وما بعدها ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 337 ، تبصرة الحكام لابن فرحون حـ 1 ص 16 0
- 43 -
على هذه الحالة يؤدى به إلى جرح عدالته مما يؤدى به إلى عــدم صلاحيتــه للقضــاء لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه (1) عن النبى - r - قال : ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ، ومن غلب جوره عدله فله النار ) (2) 0
وصفوة القول أن تولى القضاء يكون حراما إذا تخلفت شروط الأهلية أو الصلاحية للقضاء أو إذا اقترن طلب القضاء برغبة غير معتبرة شرعا 0
__________
(1) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسى ، الصحابى الجليل الحافظ روى عن رسول الله - r - أكثر من خمسة آلاف حديث مات سنة 59 هـ ، يراجع خلاصة تذهيب الكمال فــى أسمــاء الرجال - لصفى الدين أحمد بن عبد الله الخزرجى - المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى سنة 122 هـ ص 397 0
(2) سبق تخريجه ص 33 من نفس البحث 0
- 44 -
الباب الأول
حماية القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعـى
تمهيـد :
لما كانت الحقوق تحفظ بالقضاء ، والحريات تصان بالقضاء والعدل لا يتحقق إلا بالقضاء ، وكانت وظيفة القضاء هى فصل الخصومات بين الناس ، فإن النهوض بهذه الوظيفة يستلزم توافر الضمانات التى تكفل حماية القاضى وتجعله آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله وتجعله بمنأى عن كل تأثير وتدخل يؤدى إلى ميل ميزان العدالة فى يده أو انحرافه فى إمساكه به بحياد ونزاهة لذلك سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا الباب عن تلك الضمانات التى تكفل حماية القاضى من السلطات ومن الخصوم ومن نفسه فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وذلك من خلال ثلاثة فصول نوضحها فيما يلـى :
• الفصل الأول : حماية القاضى من السلطات فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثانى : حماية القاضى من الخصوم فــى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• الفصل الثالث : حماية القاضى من نفســه فــى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
- 45 -
الفصل الأول
حماية القاضى من السلطات فى الفقه الإسلامى
والقانون الوضعى
تمهيـد :
لقد وضع الفقه الإسلامى والمشرع المصرى ضمانات لحماية القاضى من السلطات نوضحها
من خلال المباحث الآتية :
• المبحث الأول : كيفيــة اختيــار القاضــى وشــروط تعيينه فـــى الفقــه الإسلامى والقانون الوضعـــى 0
• المبحث الثانى : مبدأ استقلال القضاء فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
• المبحث الثالث : تأمــين القاضــى علـــى مقومــات حياته فــى الفقـــه الإسلامى والقانون الوضعــى 0
• المبحث الرابع : حجية الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
- 46 -
المبحث الأول
كيفية اختيار القاضى في الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
وسوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه عن هذا المبحث من خلال مطلبين هما :
المطلب الأول
كيفية اختيار القاضى وتعيينه في الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
ونوضح ذلك من خلال فرعين هما :
• الفرع الأول : كيفية اختيار القاضى وتعيينه فى الفقه الإسلامى 0
• الفرع الثانى : كيفية اختيار القاضى وتعيينه فى القانون الوضعى 0
الفرع الأول
كيفية اختيار القاضى وتعيينه في الفقه الإسلامى
من المسائل التى أفاض فيها فقهاء الإسلام ولاية القضاء لما لها من أثر بالغ فى حسن تسيير شئون العدالة بين الناس فى المجتمع بشكل عام وذلك لأن بالقضاء تشيع العدالة بين الناس وتعصم الدماء وتحفظ الأعراض والحقوق 0
ووظيفة القاضى فى الإسلام وظيفة شريفة ومنزلة فى الإسلام رفيعة لا منزلة فوقها من المنازل ولا رتبة أوفى منها فهى منصب جلى ، ومكان على ، ولذلك فقد أولاها الفقهاء اهتمامهم وتناولوها بالبحث والدراسة العميقة وهى وظيفة من وظائف ولى الأمر والأصل أن يتولاها بنفسه ولكن لما كان ذلك مستحيلا نظرا لكثرة أعباء ولى الأمر وتشعبها أصبح من الواجب عليه أن يخصص رجالا ينوبون عنه فى أداء هذه الوظيفة الخطيرة (1) 0
وقد عرف الفقه الإسلامى طريقتين لتعيين القاضى فى منصب القضاء ، كل منهما تكشف عن صلاحية القاضى للقضاء وهاتان الطريقتان هما (2) 0
______________
(1) التنظيم القضائى الإسلامى لأستاذنا الدكتور / حامد محمد أبو طالب - طبعة سنة 1402 هـ - سنة 1982م ص 74 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى ص 67 مرجع سابق ، كتاب أدب القضاء - للقاضى شهاب الدين أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن أبى الدم الحموى الشافعى المتوفى سنة 642 هـ - تحقيق الدكتور / محمد مصطفى الزحيلى طبعة دار الفكر ص 89 0
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
(1) تقدم المعرفة بالقاضى 0 (2) الإختبــار 0
أولا : الطريقة الأولى : تقدم المعرفة بالقاضى :
قد يكون القاضى معروفا لدى الإمام أو نائبه أو السلطة التى تختص بتولية القاضى ففى هذه الحالة يكفى أن تقوم هذه السلطة بتقليده القضاء اعتمادا على المعرفة السابقة بأهليته واستيفائه للشروط الواجب توافرها فى الشخص الذى يتولى منصب القضاء وعلى هذه الطريقة عين الرسول- r -الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه القضاء ، ولذلك روى عن الإمام على ابن أبى طالب- رضى الله عنه- قال :
بعثنى رسول الله- r -إلى اليمن قاضيا ، فقلت يا رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ترسلنى وأنا حديث السن ولا علم لى بالقضاء ؟ فقال- r- " إن الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى ان يتبين لك القضاء " ، فمازلت قاضيا أو ما شككت فى قضاء بعـد (1) 0
مما سبق يتبين لنا أن الرسول- r- لم يختبر عليا- رضى الله عنه –عندما أراد أن يوليه القضاء وذلك لمعرفته به وكمال خلقه وصلاحيته لتولى القضاء فهو كان من أقرب الناس إلى الرسول - r -رحما وصهرا وكل ما فعله الرسول- r -هو أن زوده بتوجيهاته الرشيدة مما يعينه على أداء عمله على أكمل وجـه (2) 0
ثانيـا : الطريقة الثانية : الاختبـار :
قد لا يكون القاضى أو الشخص الذى سوف يتولى منصب القضاء معروفا للإمام أو نائبه ففى هذه الحالة لابد من الاختبار والتحرى لمعرفة أهلية الشخص للقضاء واختبار معلوماته والاستيثاق من كفاءته 0
_____________
(1) أخرجه أبو داود فى سننه فى : 23 كتاب الأقضية / 6 - باب كيف القضاء جـ 4 ص 301 رقم الحديث 3582 واللفظ لأبى داود ط دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، أخرجه أيضا ابن ماجه فى سننه – محمد بن يزيد القزوينى – فى 13 كتاب الأحكام ، 1- باب ذكر القضاء جـ 2 ص 774 رقم الحديث 2310 ط عيسى الحلبى بالقاهرة سنة 1373هـ سنة 1954م تحقيق وترقيم وتعليق محمد فؤاد عبد الباقى ورواه الحاكم فى المستدرك فى كتاب الفضائل وقال حديث صحيح الإسناد انظر نصب الراية لأحاديث الهداية - عبد الله بن بوسف الزيلعى - مطبعة دار المـأمون بشبرا - الطبعة الأولى سنة 1347هـ سنة 1938م جـ 4 ص 61 وما بعدها 0
(2) نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ط سنة 1977 ص 47 0
- 48 -
وعلى هذه الطريقة عين الرسول - r -معاذ بن جبل فقد ورد عــن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ –رضى الله عنه- أن الرسول - r - لما بعثه إلى اليمن قاضيا فقــد اختبره قائلا له يا معاذ كيف تصنع إن عــرض لك قضــاء ؟ قال أقضى بما فى كتاب الله ، قــال فإن لم يكن فى كتاب الله ؟ قال : فبسنة رسول الله - r - ، قال فإن لم يكن فــى سنة رســول الله ؟ قال : أجتهد رأيى ولا آلو (1) ، قال فضرب رسول الله - r - على صدرى ثم قال : الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله (2) 0
مما سبق يتبين لنا أن الرسول r اختبر معاذ بن جبل (3) قبل توليته القضاء فعندما اتضح له ذكاء ورجحان عقل معاذ وكفاءته العلمية قام بتوليته القضاء وحمد الله على توفيق معاذ لما يحب الله ورسوله 0
وقد شهد التاريخ الإسلامى وقائع لتولية القضاء وإن كانت تبدو من قبيل المصادفة ، إلا أنها فى الواقع يمكن ردها إلى الطريقتين السابقتين من ذلك :
___________
(1) لا آلوا : أى أبذل غاية جهدى لا أقصر فى ذلك 0
(2) أخرجه أبو داود فى سننه فى 23 كتاب الأقضية ، 11 - باب اجتهاد الرأى فى القضاء جـ 4 ص 303 رقم الحديث 3592 مرجع سابق ، وقال عنه ابن قيم الجوزية ( فهذا الحديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك ، لأنه يدل على شهرة الحديث ، وإن الذى حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم ، وهذا أبلغ فى الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمى ، كيف وشهــرة أصحـاب معاذ بالعلم والدين والفضل بالمحل الذى لا يخفى ولا يعرف فى أصحابه متهم ، ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم ) انظر أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية جـ 1 ص 202 مرجع سابق 0
(3) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصارى الخزرجى أبو عبد الله المدنى ، أسلم وهو ابن ثمانى عشرة سنة ، وكان صحابيا جليلا كبير القدر – شهد بدرا وما بعدها ، وكان أحد الأربعة من الخزرج الذين جمعوا القرآن فى حياة النبى -r - وهم أبى بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد عمر بن أنس بن مالك ، وقال عنه عمر بن الخطاب إن معاذا يبعث أمام العلماء بربوة ، وقال عنه ابن مسعود : كنا نشبهه بالخليل إبراهيم ، وقيل توفى سنة 19 هـ ، انظر فى تفصيل ذلك البداية والنهاية جـ 7 ص 90 ، خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال - صفى الدين أحمد عبد الله الخزرجى الأنصارى - المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى سنة 1322 هـ ص 324 0
- 49 -
1- تولية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، كعب بن سور القضاء ، فقد روى أن كعب بن سور كان جالسا عند عمر بن الخطاب فجاءته امرأة فشكرت عنده زوجها فقالت : يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى هو من خير أهل الدنيا ، يقوم الليل حتى الصباح ، ويصوم النهار حتى يمسى " ثم أدركها الحياء ، فقال أمير المؤمنين ( جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثناء ) ، فلما ولت قال كعب بن سور : ( يا أمير المؤمنين ، لقد أبلغت فى الشكوى إليك ، فقال : وما اشتكت ؟ قال : زوجها ، شكته أنه يتجنب فراشها ، قال عمر على بها ، وقال للمرأة : لا بأس بالحق أن تقوليه إن هذا وأشار إلى كعب بن سور زعم أنك جئت تشتكين زوجك أنه يتجنب فراشك ؟ قالت أجل ، إنى امرأة شابة وأبتغى ما يبتغى النساء ، فقال أمير المؤمنين لكعب : اقض بينهما قال كعب أمير المؤمنين أحق أن يقضى بينهما ، قال عمر رضى الله عنه إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له ، فقــال كعــب بن سور إن الله تعالى يقول ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) (1) فإنى أرى كأنها عليها ثلاثة نسوة هى رابعتهن فأقضى له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة ، فقال عمر ، ( هذا أعجب إلى من الأول ) اذهب فأنت قاض على البصرة (2) 0
فتولية كعب بن سور قضاء البصرة وان كان قد تم بطريق الصدفة ، إلا أنه يمكن ردها إلى الطريقتين السابقتين وهما تقدم المعرفة بالقاضى والاختبار معا لأن كعب بن سور كان معروفا عند سيدنا عمر ومعلوم تقواه وورعه وإلا لما كان من جلساء سيدنا عمر ، كما يعتبر فهمه لشكوى المرأة على الرغم من أنها لم تصرح بشكواها من قبيل الاختبار الذى كشف عن أهليته ورجاحة عقله وحسن تصرفه بمراعاة أنه يباح للرجل أن يتزوج أربع نسوة فيكون تركه لزواج الثلاث الأخريات من باب ترك المباح له فمن حقه أن يستفيد بهذا الوقت فى العبادة والتقرب إلى الله 0
مما سبق يتبين لنا أن تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى سواء كان طريق تقدم المعرفة بالقاضى أو عن طريق الاختبار فهو أمر منوط بالإمام أو نائبه ولذلك فال الإمام الماوردى :
____________
(1) سورة النساء الآية رقم 3 0
(2) الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية - للإمام ابن قيم الجوزية تحقيق د/ محمد جميل غازى - مكتبة ومطبعة المدنى - جده سوق الندى ص 33 0
- 50 -
( فأما الأصل فهو الإمام المستخلف على الأمة ، فتقليد القضاء من جهته فرض يتعين عليه لأمرين ، أولهما لدخوله فى عموم ولايته ، وثانيهما أن التقليد لا يصح إلا من جهته ) (1) 0
وإذا كان تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى أمرا منوطا بالإمام أو نائبه فذلك لاعتباره ممثل الأمة وراعى مصالحها والقائم على تسيير شئونها فإن هذا يعتبر أول حصانة حرص الفقه الإسلامى على إمداد القاضى بها لأن فى ذلك دعما لمركزه بين الرعية وحفظا لمهابته وحماية له تجاه ذوى السلطة والنفوذ 0
كيفية انعقاد ولاية القضـاء :
تنعقد ولاية القضاء بما تنعقد به جميع الولايات العامة ، ففى حالة الحضور تنعقد مشافهة بالألفاظ وفى حالة الغيبة تنعقد بالكتابة لكن لا بد مع الكتابة من اقتران شواهد الحال بها مما يدل عليها عند المولى وأهل عمله ، والألفاظ التى تنعقد بها هذه الولاية إما أن تكون صريحة وهى أربعة ألفاظ هى قلدتك ، ووليتك ، واستخلفتك ، واستنبتك 0
وإما أن تكون ضمنية كأن يقول الإمام للشخص اعتمدت عليك ، أو عولت عليك ، ورددت الأمر إليك ، أو جعلت إليك أو فوضت إليك أو وكلت إليك أو أسندت إليك (2) 0
شروط صحة تعيين القاضى :
حتى يكون تعيين القاضى صحيحا لابد من توافر عدة شروط هى :
1- معرفة الإمام أو نائبه بتحقق شروط صحة توليه للقضاء فيه ، وأنه على الصفة التى يجوز معها أن يلى القضاء ، فإن لم يعلم الإمام أو نائبه بتوافر تلك الشروط فيه وأهليته للقضاء لم يصح تعيينه ولذلك يقول الإمام الماوردى ( لابد مــن معرفـــة المولى للمولى بأنه على الصفة التى يجوز أن يولى معها القضاء ، فإن لم يعلم أنه علـــى الصفــة التى يجـــوز معها تلك الولاية لم يصح تقليــده ) (3) 0
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 137 مرجع سابق 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 20 مرجع سابق ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 297 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 69 مرجع سابق 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى ص 69 مرجع سابق 0
- 51 -
2- أن تكون صيغة التعيين دالة على تولية القضاء دون إبهام أو غموض فلا يصح تولية واحد من الإثنين دون أن يحدد أيهما ، وكذلك لو قال الإمام يلى القضاء أحد المجتهدين فى تلك البلد فإنه لا يعتبر تقليدا صحيحا 0
3- تحديد المكان الذى سوف تشمله ولاية القاضى إذ لا تصح الولاية مع أى نوع من أنواع الجهالة التى تحول دون معرفة القاضى محل ولايته واختصاصه (1) 0
حكم قبول القاضى لعقد القضـاء :
يرى بعض الفقهاء أن القاضى لا يلزم بقبول عقد القضاء لأن عقد القضاء من العقود الجائزة فى حق المولى والمولى لأنه استنابه كالوكالة فلا يلزم فى حق واحد منهما (2) 0
وأرى أن قبول القاضى لعقد القضاء يرتبط بالحكم الشرعى فى توليه للقضاء فإن كان تولى القضاء فى حقه فرض عين كما لو لم تتحقق شروط صلاحيتة لتولى القضاء إلا فيه ولم يوجد غيره يجب عليه تولى القضاء ولولى الأمر أن يجبره على التعيين ويلزمه بالقبول إذا امتنع ، أما إذا كان تولى القضاء فى حقه محرما نظرا لجهله أو لفسقه أو لعدم أهليته للقضاء فيحرم عليه قبوله لأن قبوله القضاء حينئذ طريق إلى المحرم حيث لايتأتى له الحكم بما أنزل الله ولا يمكنه أن يحقق العدل بين الناس لاختلال شرط العدالة فيه ، أما إذا كان تولى القضاء فى حقه مكروها كان قبوله القضاء كذلك مكروها ، أما إذا كان تولى القضاء فى حقه مندوبا كان قبوله للقضاء كذلك مندوبا ، وعلى هذا فإن قبول القاضى لعقــد القضاء يرتبط وجودا وعدما مع حكم التولية ويدور معــه 0
_____________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 22 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 69 مرجع سابق ، أدب القضاء لابن أبى الدم ص 91 وما بعدها مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 50 0
(2) الأحكام السلطانية للماوردى ص 70 مرجع سابق ، أدب القاضى للماوردى مرجع سابق جـ 1 ص 180 ، أدب القضاء لابن أبى الدم ص 92 0
- 52 -
الفرع الثانى
كيفية إختيار القاضى وتعينه فى القانون الوضعى
تمهيد :-
مما لاشك فيه أن تحديد الطريقة التى يتم على أساسها اختيار القاضى من المسائل القانونية الهامة ، لما يترتب على حسن اختيار القاضى من ضمان وجود قضاء عادل ، ولذلك فإن الأنظمة القضائية المختلفة تجتهد فى وضع القواعد والطرق التى تضمن دخول أفضل الأشخاص المؤهلة لتولى هذه الوظيفة وتقرر لهم من الضمانات ما يجعلهم آمنين فى حاضرهم ومستقبلهم وما يضمن حسن سير القضاء وكفالة استقلالهم فى أداء وظيفتهم (1) 0
وطرق اختيار القاضى فى القانون الوضعى متنوعة ومتعددة واختيار إحداها يتوقف أساسا على الظروف السياسية والاجتماعية والقيم السائدة فى كل بلـد (2) 0
وبادىء ذى بدء يقصد بالقاضى هو كل من يتولى منصب القضاء سواء كان قاضيا فى المحاكم الابتدائية أو مستشارا فى محاكم الاستئناف أو فى محكمة النقض (3) 0
وعرفه البعض بأنه هو كل من يشتغل بالقضاء بغض النظر عن درجته (4) 0
وقد عرفت الدول نظامين مختلفين لاختيار القاضى هما :
1- نظام الانتخاب 2- نظام التعيين (5) 0
وسوف نعرض فيما يلى بمشيئة الله تعالى وتوفيقه بشىء من التفصيل لهذين النظامين ثم نعرض إلى النظام المتبع لاختيار القاضى فى نظام القضاء المصرى 0
____________
(1) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 34 ص 69 مرجع سابق 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى - بند 103 ص 193 مرجع سابق 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 39 ص 48 مرجع سابق 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 33 ص 68 0
(5) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 132 وما بعدها - مرجع سابق ، الوسيط د/ فتحــى والى بند 104 ، 105 ص 192 ، الوجيز فـــى المرافعــات د/ محمد محمود إبراهيم ص 90 0
- 53 -
أولا : نظام اختيار القاضى عن طريق الانتخاب :
يتحقق اختيار القاضى عن طريق الانتخاب بإحدى طريقتين :
الطريقة الأولى : الانتخاب بواسطة المواطنين أو الشعب 0
الطريقة الثانية : الانتخاب بواسطة الهيئة القضائية ذاتها (1) 0
أ - وبالنسبة للطريقة الأولى : فهى تعنى أن يتم اختيار القاضى بانتخاب عامة الشعب له ، وهذا النظام يؤخذ به فى بعض الدول منها سويسرا وذلك بالنسبة لاختيار قضاة المقاطعات السويسرية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكيــة وكذلك كان يأخذ بهذا النظام الاتحاد السوفيتى سابقا (2) 0
مزايا هذه الطريقـة :
1- تحقق هذه الطريقة إذا كان الانتخاب قد تم على أكمل وجه ومعبرا عن إرادة الشعب استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية وتجعل القاضى بمنأى عن تأثير السلطات الأخرى عليه وخصوصا السلطة التنفيذية فيتحقق مبدأ الفصل بين السلطات (3) 0
2- تؤدى هذه الطريقة إلى اهتمام الشعب بالقضاء وبث الثقة والصلة بين المحكمة والشعب كما تؤدى إلى تبسيط الإجراءات حتى يستطيع القاضى المنتخب تطبيقها (4) 0
3- أن هذه الطريقة تتمشى مع مبدأ الأمة مصدر السلطات ، فكما أن الأمة باعتبارها مصدر السلطات تختار رجال السلطة التشريعية فيجب كذلك أن تختار رجال القضاء (5) 0
____________
(1) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 192 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هنيف بند 119 ص 132 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 192 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 18 ص 132 0
(5) الوسيط فى قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ رمزى سيف الطبعة التاسعة سنة1969بند 27 ص 41 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 90 0
- 54 -
عيوب هذه الطريقـة :
1- أن هذه الطريقة تجعل القاضى المنتخب فى حاجة إلى جمهور المتقاضين لانتخابه مرة أخرى فيعمل على ارضائهم حتى يعيدوا انتخابه مرة أخرى فيفقد بذلك استقلاله ونزاهته (1) 0
2- أن هذه الطريقة لا يمكن عن طريقها اختيار الشخص الأكثر كفاءة وعلما قانونيا وخبرة المطلوب توافرها فى الشخص الذى يتولى القضاء وذلك لأن جمهور الناخبين يفتقد الوسيلة الفنية التى تمكنه من الاختيار والترجيح بين الكفاءات فضلا عن أن الناخب يميل إلى انتخاب من يتفق مع ميوله وآرائه السياسية مما يؤدى إلى جعل عملية اختيار القاضى عملية سياسية وحزبية (2) 0
3- أن انتخاب القاضى لمدة معينة وهى مدة انتخابه من شأنه أن يجعل وظيفية القاضى وظيفة مؤقتة مما يفقد القاضى استقراره ويخل بحسن سير القضاء (3) 0
الطريقة الثانية : الانتخاب بواسطة الهيئة القضائية :
ومضمون هذه الطريقة أن يتم اختيار القاضى عن طريق انتخاب الهيئة القضائية ذاتها له أى انتخاب القاضى بواسطة زملائه (4) 0
مزايا هذه الطريقـة :
تتميز هذه الطريقة بأنها توكل أمر اختيار القاضى إلى من يملك تقدير كفاءته وحسن استعداده للقيام بمهمة القضاء (5) 0
عيوب هذه الطريقـة :
إن اختيار القاضــى عــن طريـق انتخاب أعضاء الهيئة القضائية ذاتها سوف يؤدى إلى استغلال
___________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 193 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 36 ص 69 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 193 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 90 ، 91 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 133 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 104 ص 193 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 40 ص 49 0
(4) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 132 ، 133 0
(5) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 0
- 55 -
أعضاء هذه الهيئة لعملية اختيار القاضى وذلك بقصر الاختيار على الأقارب والأصدقاء الأمر الذى يصير معه القضاء حكرا على طائفة معينة من الناس هم أقارب وأصدقاء الهيئة القضائية الأمر الذى يخل بمبدأ المساواة (1) 0
ثانيـا : نظام اختيار القاضى عن طريق التعيين :
أ - مضمون هذا النظام :
أن تقوم السلطة التنفيذية باختيار القاضى وتعيينه فى منصب القضاء ، وذلك على اعتبار أن السلطة التنفيذية أقدر من جمهور الناخبين على التعرف على الكفايات التى يجب توافرها فيمن يولى منصب القضاء ، فضلا عن أن القضاء مرفق من المرافق العامة فى الدولة فمن الطبيعى أن تعين الحكومة القاضى كما تعين باقى الموظفين فى الدولة ، وهذا النظام تأخذ به غالبية الدول ومنها مصـر (2) 0
ب - مزايا هذا النظام :
1- أن تعيين القاضى بواسطة السلطة التنفيذية فى الدولة هو أكثر الطرق اتفاقا مع المفهوم الحديث لسيادة الدولة 0
2- أن اختيار القاضى بواسطة التعيين عن طريق السلطة التنفيذية يتفق مع طبيعة الوظيفة القضائية التى تقتضى الدوام والاستمرار ، الأمر الذى يكفل للقاضى استقراره ويؤدى إلى حسن سير العدالة (3) 0
3- أن الأحكام التى يصدرها القضاه يصدرونها باسم الشعب ، ورئيس الدولة كممثل لهذا الشعب هو أصلح من يعينهم (4) 0
____________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 119 ص 133 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 36 ص 70 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 37 ص 71 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 91 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 0
- 56 -
جـ - عيوب هذا النظام :
أخذ على هذا النظام أنه رغم المزايا التى يتميز بهــا عن نظام اختيار القاضى عن طريق الانتخاب ، إلا أن هذا النظام بخل بمبدأ الفصل بين السلطات ، ويجعل اختيار القاضى فى يد السلطة التنفيذية وهو أمر شديد الخطورة ، لأنه لا يكفل استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية ويؤدى إلى خضوع القاضى للحكومة التى عينته (1) 0
الرد على النقد الذى وجـه لهذا النظام :
رد جانب من الفقه القانونى على النقد الذى وجه لهذا النظام أنه رغم العيوب التى وجهت لهذا النظام إلا أن ذلك لا يقلل من وجاهته لأنه يتفق مع طبيعة الوظيفة القضائية التى تقتضى الدوام والاستمرار الأمر الذى يكفل للقاضى استقراره ويؤدى إلى حسن سير العدالة ، أما كون هذا النظام يخل بمبدأ الفصل بين السلطات فهذا مردود عليه ، بأن الفصل المطلق بين السلطات يكاد يكون مستحيلا ، أما الخوف من خضوع القاضى للحكومة التى عينته فدفعا لهذا الخوف تحرص التشريعات والنظم القضائية المختلفة من ناحية على النص على شروط موضوعية معينة يجب اتباعها عند تعيين القضاة فلا يترك الأمر المطلق لتقدير وإرادة السلطة التنفيذية ، ومن ناحية أخرى تنص على ضمانات تكفل استقلال القاضى فى مواجهة الحكومة (2) 0
ثالثا : كيفية اختيار القاضى فى نظام القضاء المصرى :
أخذ نظام القضاء المصرى بنظام تعيين القاضى عن طريق السلطة التنفيذية ، ولكن سلطتها فى فى ذلك ليست سلطة مطلقة وإنما تخضع للشروط والضوابط التى وضعها المشرع ، واشترط توافرها فيمن يتولى منصب القضاء ، ولا تستطيع السلطة التنفيذية تخطيها أو الخروج عليها وبالتالى تعتبر هذه الشروط قيدا على حرية السلطة التنفيذية عند تعيينها للقاضى (3) 0
___________
(1) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 37 ص 71 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 0
(2) الوسيط د / فتحى والى بند 105 ص 193 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 37 ص 71 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 91 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم - الطبعة الثانية سنة 1991م ص 123 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 105 ص 193 ، النظــام القضائى والاختصــاص د/ أمنيــة النمر طبعة سنة 1984 بند 27 ص 54 0
- 57 -
رابعـا : الموازنة بين الشريعة والقانون فى كيفية تعيين القاضى :
تحدثنا فيما سبق عن كيفية تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى ثم فى ظل القضاء المصرى وتبين لنا أن القاضى فى الفقه الإسلامى لا يتم تعيينه إلا من قبل الإمام أو نائبه ، كما أن القاضى فى ظل النظام القضائى المصرى يتم تعيينه عن طريق السلطة التنفيذية وليس عن طريق الانتخاب ، وبذلك يتضح لنا أن القانون المصرى متفقا مع الشريعة الإسلامية فى كيفية تعيين القاضى مع الالتزام بتوافر شروط معينه فيمن يتولى منصب القضاء وهذه الشروط سنذكرها تفصيلا فى المطلب التانى 0
المطلب الثانى
الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى
لكى نتحدث عن الشروط الواجب توافرها فى القاضى فهذا يتطلب منا أن نتعرض إلى ذلك من خلال فرعين هما :
• الفرع الأول : الشروط الواجب توافرها فى القاضــى فى الفقه الإسلامى 0
• الفرع الثانى : الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى القانون الوضعى 0
الفرع الأول
الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى الفقه الإسلامى
تمهيد :-
القاضى فى الإسلام لا يولى جزافا وإنما لابد من توافر شروط معينة حددها الفقه الإسلامى فى الشخص الذى يتولى القضاء حتى يصح توليته ولذلك بين فقهاء المسلمين هذه الشروط وبينوا أنه لا يجوز للإمام أو نائبه أن يولى شخصا هذا المنصب الخطـير إلا إذا تأكد من تحقق شروط صلاحيته للقضاء وتوافرها فيه ويجب على الإمام أن يجتهد فى التحقق من ذلك لنفسه وللمسلمين ولا يحابى أحدا ولا يقصد بالتوليه إلا وجه الله تبارك وتعالى والهدف من اشتراط الفقهاء لهذه الشروط هو الاحتياط بقدر الإمكان فى أن تكون الأحكام الصادره فى القضايا أحكاما شرعية صادرة من ذى أهلية صالحة لإصدار هذه الأحكام 0
وسوف نعرض بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا الفرع لهذه الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء موضحين الخلاف بين الفقهاء فيما فيه خلاف :
- 58 -
الشرط الأول : الإسلام :
اتفق الفقهاء على أن الإسلام شرط فيمن يتولى القضاء ولم يخالف فى ذلك أحد وذلك إذا كان الخصوم مسلمين أو كان بعضهم مسلما والبعض الآخر غير مسلم ، فلا يصح أن يتولى القضاء كافر بين مسلم ومسلم أو بين مسلم وكافر (1) ، وذلك لأن القضاء ولاية ، ولاولاية لكافر على مسلم بقوله تعالى ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) (2) 0
وجـه الدلالة من الآية :
أى لن يحعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم (3) 0
والمراد بالسبيل هو القيام على شئون الغير أو الحجـة 0
ولفظ ( سبيلا ) عام لأنه نكرة وقعت فى سياق النفى فتفيد العموم فيكون الله سبحانه وتعالى قد نفى قيام الكافر بشئون المسلم ، فلا يلى أمراً له سواء أكان ولاية على مال أو على نفس أو على قضاء (4) 0
وعلى هذا فاشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين المسلمين أمر أجمع عليه فقهاء المسلمين -رضى الله عنهم - ، ولكنهم اختلفوا فى مدى اشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين غير المسلمين إلى رأيين توضحهما فيما يلـى :
____________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 13 مرجع سابق ، شرح فتح القدير جـ 7 ص 252 ، رد المحتار على الدر المختار جـ 4 ص 298 مرجع سابق ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 23 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 374 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية الماوردى ص 65 ، أدب القاضى لابن أبى الدم ص 70 0
(2) سورة النساء الآية رقم (140) 0
(3) أحكام القرآن - لأبى بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربى - تحقيق على محمد الحاوى - دار لمعرفة للطباعة والنشر - بيروت لبنان - الجزء الأول ص 510 0
(4) أنوار التنزيل وأســرار التأويـل ( المعروف بتفسير البيضاوى ) تأليف ناصر الدين أبى سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازى البيضاوى - مطبعة دار الجيل ص 132 0
- 59 -
الرأى الأول : ذهب جمهــور الفقهاء ومنهــم المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) والظاهرية (4) والشيعة والزيدية (5) إلى أنه يشترط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين غير المسلمين كاشتراطه فيمن يتولى القضاء بين المسلمين فلا يجوز عندهم أن يتولى الكافر القضاء ولو على كفار مثله 0
الرأى الثانى : ذهب الحنفية (6) إلى أنه لا يشترط الإسلام فيمن يتولى القضاء بين غير المسلمين فيجوز عندهم أن يتولى الكافر القضاء بين كفار مثله 0
أدلة الرأى الأول : ( جمهور الفقهـاء ) :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم بعدم جواز تولية الكافر القضاء ولو على كفار مثله بما يلـى:
أولا : من الكتاب :
1- قوله تعالى ( قاتلــوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق مــن الذين أوتوا الكتــاب حــتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغــرون ) (7) 0
وجه الدلالة من الآيـة :
أنه لو تولى الكافر القضاء لترتب على ذلك تنفيذ أحكامه التىقضى بها وهذا يتنافى مع الصغار
____________
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد - تأليف الإمام أبى الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبى - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان - الطبعة العاشرة سنة 1408هـ سنة 1988م الجزء الثانى ص460 ، بلغة السالك لأقرب المسالك - للصاوى - جـ 2 ص 305 مرجع سابق 0
(2) نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 مرجع سابق ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 361 بند 1561 مرجع سابق 0
(3) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 مرجع سابق 0
(4) المحلى لابن حزم الظاهرى جـ 10 ص 238 مرجع سابق 0
(5) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار - جـ 6 ص 120 مرجع سابق 0
(6) شرح فتح القدير لكمال بن الهمام جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، رد المختار على الدر المختار جـ 4 ص 299 مرجع سابق 0
(7) سورة التوبة الآية رقم (29) 0
- 60 -
الذى ذكرته الآية الكريمة فالصغار لازم له فلا يجوز تقليده القضاء (1) 0
2- قوله تعالى ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) (2) 0
وجه الدلالة من الآية :
أن الخطاب فى هذه الآية للمسلمين وهذه الآية تشترط العدالة فى الشاهد والكافر ليس بعدل ، وإذا كان غير عدل لا تصح شهادته ومن لا تصح شهادته لا يصح قضاؤه (3) 0
3- قوله تعالى ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) (4) 0
وجـه الدلالة من الآيـة :
أن الله تعالى وصف الكافرين بالكذب والفسق وأكلهم أموال الناس بالباطل وبأنهم أكالون للسحت ومن كان بهذه الصفات لا تصح ولا تقبل شهادته وبالتالى لا يصح توليه القضاء 0
ثانيـا : من السنـة :
ما روى أن رسول الله r قال:( الإسلام يعلو ولا يعلى ) أخرجه البخارى فى صحيحه (5) 0
وجـه الدلالة من الحديث :
أنه فيه دليل على علو أهل الإسلام على أهل الأديان الأخرى فى كل أمر لإطلاقه فلو ولى الكافر القضاء فى دولة الإسلام - ولو على كفار مثله - لكان له ولاية فى دولة الإسلام مع أن الحديث يفيد أن لا يكون فيها ولاية لغير المسلم (6) 0
ثالثا : من القياس :
أن الفاسق ممنوع من تولى القضاء مع أنه أحسن حالا من الكافــر فيكــون الكافر من باب أولى
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 632 بند رقم 1566 مرجع سابق 0
(2) سورة الطلاق الآية رقم (2) 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 مرجع سابق 0
(4) سورة المائدة الآية رقم 42 0
(5) فتح البارى بشرح صحيح البخارى للإمام الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلانى ، حققه محب الدين الخطيب ، رقم كتبه وأبوابه محمد فؤاد عبد الباقى ـ، طبعة دار الريان للتراث جـ 3 باب إذا أسلم الصبى فمات . هل يصلى عليه ؟ ص 258 0
(6) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 632 بند 1566 مرجع سابق ، سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 67 وما بعدها مرجع سابق 0
- 61 -
ممنوعا من تولى القضاء ولو على كفار مثله لأنه من أفسق الفساق (1) 0
رابعـا : من المعقــول :
أن القصد من القضاء فصل الأحكام والكافر جاهل بها وأما جريان العادة بنصب أهل الذمة قاضيا عليهم فإنما هو تقليد زعامة ورياسة لا تقليد حكم وقضاء ولذلك لا يلزمون بالتحاكم إليه ولا يجبرون عليه إذا لم يرتضوه ويكون حكم الإسلام هو النافذ عليهم (2) 0
أدلة الرأى الثانى " رأى الحنفيـة " :
استدل الحنفية على جواز تولى الكافر القضاء على كفار مثله بما يلـى :
أولا : من الكتاب :
قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعــض ) (3) 0
وجـه الدلالة من الآية :
أن هذه الآية الكريمة أفادت أن للكفار ولآية على بعضهم البعض فيتناول هذا أن لهم ولاية القضاء على بعضهم البعض (4) 0
مناقشة الاستدلال بالآيـة :
نوقش هذا الاستدلال من الاية بأنها محمولة على الموالاة لا على الولاية (5) 0
ثانيـا : دليل الحنفية من القياس :
استدلوا بقياس القضاء على الشهادة فلما كان يصح للذمى أن يشهد على ذمى مثله فكذلك يصح للذمى أن يقضى على ذمى مثله (6) 0
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 632 بند 1566 مرجع سابق ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 مرجع سابق 0
(2) المراجع السابقـة 0
(3) سورة المائدة الآية رقم (51) 0
(4) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 633 بند رقم 1564 مرجع سابق 0
(5) المرجع السابق جـ 1 ص 633 بند 1570 0
(6) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 299 0
- 62 -
مناقشة استدلالهم بالقياس :
أن هذا القياس مع الفارق ووجه الفرق أن القضاء ولاية عامة أما الشهادة فهى ولاية خاصة قاصرة على موضوع الشهادة وليس كل من يصلح للولاية الخاصة يصلح للولاية العامة (1) 0
ثالثا : دليل الحنفية من العـرف :
أن العرف جرى فى البلاد الإسلامية منذ فجر التاريخ الإسلامى على تعيين قضاة من أهل الذمة ليحكموا فيما بينهم يؤيد ذلك نصب أو تقليد عمرو بن العاص على الأقباط فى مصر قضاة منهم وذلك فى عهد عمر بن الخطاب وعندما بلغه ذلك أقره وهذا هو أصل القضاء الملى فى مصـــر (2) 0
مناقشة الاستدلال من العـرف :
أن العرف الجارى بتقليد أهل الذمة القضاء على أهل دينهم إنما هو مجرد تقليد زعامة ورياسة وليس بتقليد حكم وقضاء 0
بدليل : أنهم لو امتنعوا من التحاكم إلى غير المسلم لا يجيرون على ذلك وعليهم إذا شاءوا أن يتحاكموا إلى قاض من قضاة المسلمين ، فضلا عن أن رئيس الدولة الإسلامية لا يلزم بالحكم الذى قضى به القاضى غير المسلم وله إذا شاء أن يعيد النظر فــى القضية بنفسه أو بواسطة قاض مسلــم ، أمــا لزوم حكمه لأهل دينه فمــا ذلك إلا لأنهم إلتزموه بتحاكمهــم إليـــه لا للزومه لهم (3) 0
الرأى الراجح من وجهة نظر الباحث :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مسألة حكم تولى الكفار القضاء على بعضهم البعض وأدلة كل رأى ومناقشتها أرى أن الرأى الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم جواز تولية الكافر
____________
(1) نظام القضاء فى الإسلام أ.د/ ابراهيم عبد الحميد ص 8 ، النظام القضاء الإسلامى د/ أحمد محمد مليجى - مكتبة وهبه - دار التوفيق النموذجية للطباعة الطبعة الأولى سنة 1405 ، سنة 1984 ص 102 0
(2) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 631 بند 1563 مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام أ.د/ إبراهيم عبد الحميد ص 5 وما بعدها 0
(3) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 633 بند 1572 مرجع سابق ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، القضاء وطرف الإثبات فىالفقه الإسلامى أ.د/ نصر فريد محمد واصل - مطبعة دار البيان - القاهرة سنة 1415خـ سنة 1994م ص 13 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
القضاء ولو على كفار مثله وذلك لقوة أدلتهم واشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء سواء كان بين المسلمين وغير المسلمين لأن القاضى المسلم يمنعه دينه من ظلم أحد ولا يستطيع كتمان شىء من تعاليم الإسلام بخلاف الكافر فليس عنده ما يمنعه من الكتمان ، خاصة وأن القرآن الكريم قد تحدث عن كتمانهم الكثير من الأحكام من ذلك قول الله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون ) (1) فضلا عن أن الله -سبحانه وتعالى- وصفهم بالكذب والفسق والظلم وأكل أموال الناس بالباطل ومن كان بهذه المثابة لا يجوز أن يتولى القضاء ، أما ما جرى به العرف من تولية بعض الولاة قضاة غير مسلمين ليحكموا بين أهل ملتهم فهو تقليد زعامة ورياسة وليس بتقليد حكم وقضاء 0
وبناء على ما تقدم أرى مع كثير من الباحثين (2) أنه ينبغى تصحيح الأوضاع القضائية فى مصر حيث تعم ولاية القاضى غير المسلم للمسلم فيما عدا مسائل الأحوال الشخصية ولغير المسلم ، وهذه منافاة صريحه للدستور المصرى الذى يقرر فى مادته الأولى أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للدستور 0
الشرط الثانى : البلـوغ (3) :
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز ولا يصح تولية الصبى القضاء ولا يصح قضـاؤه إن تولاه حــتى
___________
(1) سورة الأنعام الآية رقم (91) 0
(2) نظام القضاء فى الإسلام أ.د / إبراهيم عبد الحميد ص 6 وما بعدها 0
(3) البلوغ هو أساس التكليف ويحكم بالبلوغ متى ظهرت علاماته وهـى :
أ - الاحتلام بالنسبة للذكر والأنثى ، فقــد ذكــر الإمــام محمد فخر الدين الرازى فى تفسير قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ..... ) الآية رقم 58 سورة النور ، أن الفقهاء اتفقوا على أن الاحتلام بلوغ ، ولكنهم اختلفوا إذا بلغ الإنسان خمس عشرة سنة ولم يحتلم فذهب أبو حنيفة : إلى أنه لا يكــون الغلام بالغا حتى يبلغ ثمانى عشر سنة وفى الجارية سبع عشرة سنة 0 =
- 64 -
00000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000
_____________
=وذهب الشافعية وأبو يوسف ومحمد من الحنفية -رحمهم الله- إلى أن يحكم ببلوغ الغلام والجارية إذا بلغا خمس عشرة سنة ولم يحتلموا حجة الشافعى ومن معه : ما روى ابن عمر -رضى الله عنه- أنه عرض على النبى- r - يوم أحد وله أربع عشر سنة فلم يجزه ، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه 0
وقد اعترض أبو بكر الرازى على هذا الرأى بقوله : أن قوله تعالى ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) يدل على بطلان من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم لأن الله لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم لحديث ما روى عن -الى r - من جهات كثيرة ( رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبى حتى يحتلم ) ولم يفرق بين من بلغ خمس عشر سنة وبين من لم يبلغها ، فإن قيل هــذا الكلام يبطل التقدير أيضا من بلغ ثمانى عشر سنة ، أجاب : بأنا قد علمنا بأن العادة فى البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنيا على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان 0
وأما الخبر الذى استند إليه الشافعية ومن معهم فهو مضطرب لأن غزوة أحد كانت فى السنة الثالثة هجرية وغزوة الخندق فى السنة الخامسة من الهجرة فكيف يكون بينهما سنة ؟ ، ومع ذلك فإن الإجازة فى القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأن البالغ قد يرد لضعفه ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته على حمل السلاح ويدل على ذلك أنه -عليه الصلاة والسلام- ما سأله عن الاحتلام والسن ، يراجع فى ذلك التفسير الكبير ومفاتيح الغيب - للإمام محمد الرازى فخر الدين المتوفى سنة 604هـ - طبعة دار الفكر للطباعة والنشر - المجلد الثانى عشر الجزء (24) ص 30 وقال الراغب : الحلم زمان البلوغ وسمى الحلم لكونه جديرا بالحلم أى الأناه وضبط النفس عند هيجان الغضب ، يراجع فى ذلك روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى للعلامة أبى الفضل شهاب الدين السيد محمود الأولسى البغدادى المتوفى سنة 1270 هـ - مكتبة دار التراث - المركز الإسلامى للطباعة والنشر جـ 18 ص 211 0
وعبر عن الاحتلام بالبلوغ لأنه أقوى دلائله ، يراجع أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( المعروف بتفسير البيضاوى ) تأليف ناصر الدين أبــى سعيــد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازى البيضاوى مطبعة دار الجيل - ص 473 0
ب - الإنبات ، اختلف الفقهاء فى الإنبات هل يكون بلوغا أم لا ؟ أبو حنفية وأصحابه لم يجعلوه بلوغا ، أما الشافعى –رحمه الله - فقد جعله بلوغا 0
وحجة الشافعى رضى الله عنه ما رواه عطية القرظى أن النبى -بى r - أمر بقتل من أنبت من قريظة واستبقاء من لم ينبت ، قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فأستبقانى 0
- 65 -
ولو كان صبيا مميزا (1) أو اشتهر بالفطنة والذكاء لأنه لا ولاية له على نفسه فلا تصح ولايته على غيره من باب أولى ، ولا يتعلق بقوله حكم على نفسه فلا يتعلق بقوله حكم على غيره من باب أولى (2) 0
لما رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله -r - (تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان ) رواه أحمد (3) 0
________________
= وقد اعترض أبو بكر الرازى علــى الاستدلال بقولـــه : إن هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه (1) أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر والخبر فى نفى البلوغ إلا بالاحتلام 0 (2) أنه مختلف الألفاظ ففى بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفى بعضها من أخضر عذاره ، ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحالة إلا قد تقدم بلوغه (3) الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذلك لا للبلوغ 0
وقد رد الشافعى على ذلك : أن هذه الاحتمالات مردودة بما روى عن عثمان بن عفان سئل عن غلام فقال هل أخضر عذاره ؟
وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة يراجع التفسير الكبير ومفاتيح الغيب للرازى مرجع سابق المجلد الثانى عشر الجزء 24 ص 30 0
جـ - الحيض أو الحمل بالنسبة للأنثى 0
(1) يصير الصبى مميزا إذا بلغ سبع سنين من عمره 0
(2) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق تأليف العلامة فخر الدين عثمان بن على الزيلعى الحنفى - الطبعة الأولى المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر سنة 1314هـ جـ 4 ص 175 ، رد المحتار علــى الدر المختار جـ 4 ص 299 مرجع سابق ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 23 ، مغنىالمحتاج جـ 4 ص 375 مرجع سابق ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 619 بند 1805 مرجع سابق ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 مرجع سابق 0
(3) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده - طبعة دار الفكر العربى - جـ 2 ص 326 ، أخرجه أيضا ابن أبى شيبة فى المصنف - كتاب الفتن - باب من كره الخروج فى الفتنة وتعوذ منها جـ 15 ص 49 رقم الحديث 19082 حققه وصححه الأستاذ / عبد الخالق الأفغانى ، أخرجه أيضا الهيثمى فى المجمع ( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ) كتاب الفتن - باب الاستعاذه من رأس السبعين وغير ذلك جـ 7 ص 220 طبعة دار الكتاب العربى - الطبعة الثالثة بيروت - لبنان سنة 1402 هـ سنة 1982 0
- 66 -
وجه الدلالة من الحديث :
أن الرسول -r - أمرنا أن نتعوذ من إمارة الصبيان ولا يكون التعوذ إلا من شر فتكون إمارة الصبيان شرا ونحن ممنوعون من ارتكاب الشر فتكون توليتهم القضاء ممنوعة لأن ما يؤدى إلى الممنوع ممنوع 0
ولا يشترط أن يبلغ القاضى سنا معينة لتوليه القضاء بل لابد من الشرط الأساسى وهو توافر البلوغ الشرعى الذى يعتبر أساسا للتكليف فإذا كان الشخص بالغا وتوافرت فيه بقية الشروط الواجب توافرها فيه فيكون صالحا لتولى القضاء حتى ولو كان حديث السن ، لكن لو رأى من له سلطة تولية القضاء اشتراط بلوغ الشخص سن معينة لصلاحيته لتولى القضاء فهذا لا شىء فيه لأنه يدخل فى باب المصلحة ، ولكن لو قلد القضاء صبى فبلغ فهل يحتاج إلى تقليد جديد أم لا ؟ ذهب الحنفية إلى أنه ليس له أن يقضى بذلك الأمر الصادر له قبل البلوغ بل لابد من تولية جديدة بخلاف الكافر إذا تولى القضاء ثم أسلم والعبد إذا تولى القضاء ثم عتق فإنه يجوز لهما أن يقضيا بتلك الولاية من غير حاجة إلى تجديد ، كما لو تحمل العبد الشهادة حال رقه ثم عتق فإنه يجوز له الشهادة ، وبين الحنفية أن الفرق بين الكافر والعبد من جهة والصبى من جهة أخرى أن العبد والكافر لهما ولاية ولكن بهما مانع فإذا أسلم الكافر أو أعتق العبد فقد زال المانع ، أما الصبى فليس له ولاية أصلا (1) 0
الشرط الثالث : العقـــل (2) :
يشترط فيمـن يتولى القضاء أن يكون عاقلا فلا يصح ولا يجوز أن يتولى القضاء مجنون (3)أو
______________
(1) شرح فتح القدير جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 4 مرجع سابق ، القضاء فى الفقه الإسلامى د/ محمد رأفت عثمان سنة 1411 هـ سنة 1990م ص 42 ، محاضرات فى علم القضاء د/ عبد العال عطوه - ص 38 وما بعدها 0
(2) العقل هو عبارة عن ( ملكه يتأتى بها درك المعلومات ) وقيل هو معنى غير محسوس يمكن به الاستدلال من الشاهد على الغائب والاطلاع على عواقب الأمور والتمييز بين الخير والشر ، يراجع الأشباه والنظائر للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن على بن عبد الكافى السبكى المتوفى سنة 771 هـ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود ، والشيخ على محمد عوض طبعة دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان جـ 2 ص 17
(3) الجنون هو آفة تصيب الإنسان تبعث على الاقدام على ما ينافى مقتضى العقل من غير ضعف فى الأعضاء يراجع الملكية ونظرية العقد فى الشريعة الإسلامية أ.د/ أحمد فراج حسين طبعة سنة 1987م ص 224 ، المدخل لدراسة الفقـــه الإسلامــى د/ حسين حامد حسان - الطبعة الثانية سنة 1979 - مكتبة المتنبى ص 240 0
- 67 -
معتوه (1) أو مختل النظر بكبر أو مرض أو نحو ذلك ولا يكتفى بالعقل الذى هو مناط التكليف وإنما لابد من فضل فطنة وجودة رأى حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن الهوى والغفلة (2) فيتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكــل وفصــل ما أعضل ، فتكون القضية بين يديه فى مأمن من التخبط والتناقض أو إغفــال ما عســاه مؤثرا فى حكمه وهذا محل اتفاق بين الفقهــاء (3) 0
وقد اشتهر كثير من القضاة فى الإسلام بالذكاء والفطنة والفراسة التى أعانتهم على تبين وجه الحق رغم إنكار الخصوم وتحايلهم ومن هذا القبيل ما رواه المدائنى قال : استودع (4) رجل رجلا مالا ثم طلبه منه فجحده ، فخاصمه إلى إياس بن معاوية (5) ، فقال الطالب : إنى دفعت إليه المال ، قال إياس : ومن حضرك ؟ قال الرجل : دفعته إليه فى مكان كذا وكذا ولم يحضرنا أحد ، سأله إياس : فأى شىء كان فى ذلك الموضع ؟ أجاب الرجل : شجرة قــال إياس : فانطلق
(1) العته هو آفة تصيب العقل فتجعل صاحبه مختلط الكلام قليل الفهم ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعض كلامــه كلام المجانين ، يراجع المدخل لدراسة الفقه الإسلامى د/ حسين حامد حسان مرجع سابق ص 240 0
(2) الغفلة هى مرض يعترى الإنسان لا يهتدى معه إلى التصرفات الرابحة بسبب بساطته وسلامة قلبه ، مما يؤدى إلى غلبته فى المعاملات المالية يراجع تبين الحقائق شرح كنز الدقائق مرجع سابق جـ 5 ص 198 0
(3) شرح فتح القدير جـ 7 ص 253 مرجع سابق ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 620 بند 1510 0
(4) أى تركه عنده وديعة وأمانة 0
(5) هو إياس بن معاوية بن قره أبو وائله المزنى أحد عجائب الدنيا والمشهور بالذكاء النادر والفراسة الصادقة ، وكان يزين هذه الفراسة ويحلى ذلك الذكاء تقى وعفاف وفقه ودين وخشية لله ومراعاة لحدوده ومراقبة لأوامره ونواهيه وهو قاضى البصرة سنة 99 هـ وهو تابغى ولجده صحبه مع رسول الله- r -، وقد لقى من الصحابة أنس بن مالك وكانت تضرب الأمثال بذكائه فى الشعر والنثر ، فهذا أبو تمام يمدح أحد الأمراء فيقول : إقدام عمرو ، فى سماحة حاتم \ فى حلم أحنف ، فى ذكاء إياس . توفى سنة 122 هـ يراجع أعلام القضاء فى الإسلام د/ محمد إبراهيم الجيوش - الناشر دار النهضة العربية - دار الاتحاد العربى للطباعة ص 43 0
- 68 -
إلى ذلك الموضع فانظر إلى الشجرة فلعل الله يوضح لك هناك ما يتبين به حقك ، لعلك دفنت مالك عند الشجــرة ونسيت فتتذكر إذا رأيت الشجرة فمضى الرجل ، وقال إياس : للمطلوب ( أى المودع عنده المال ) اجلس حتى يرجع خصمك فجلس ، وإياس يقضى وينظر إليه ساعة ، ثم قال له : يا هذا ترى صاحبك بلغ موضع الشجره التى ذكر ؟ فقال : لا ، قال له : يا عدو الله إنك لخائن ، قال الرجل أقلنى أقالك الله وأمر إياس من يحتفظ به حتى جاء الرجل ، فقاله له إياس : قد أقر لك بحقك فخذه منه (1) 0
وكذلك من الأمثلة الدالة على شهرة القضاه فى الإسلام بالذكاء والفراسة وعدم الإغترار بمظاهر الخصوم ما رواه الشعبى : قال شهدت شريحا (2) القاضى وجاءته امرأة تخاصم رجلا فأرسلت عينيها تبكى ، فقلت يا أبا أمية ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة فقال يا شعبى إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون ) 0
ومن أهم الأسباب التى جعلت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقوم بتولية شريح القضاء اعجابه بذكائه وفراسته حيث روى الشعبى أن عمر بن الخطاب أخذ فرسا من رجل على سوم ، فحمل عليه رجلا ، فعطب عنده (3) ، فحاكمه صاحب الفرس ، فقال عمر : اجعل بينى وبينك حكما ، فقال الرجل : إنى أرضى بشريح العراقى فتحاكما إليه ، فقال شريح لعمر : أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى يردة صحيحا سليما ، فأعجب عمر بحكمه : فبعثه قاضيا على الكـوفة (4)0
____________
(1) المرجع السابق ص 75 وما بعدها ، الطرق الحكمية لابن القيم ص 35 مرجع سابق 0
(2) هو القاضى شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائشى بن الحارث بن معاوية بن ثور ، أبو أمية الكندى ، أحد العباقرة الذين أنجيتهم الأمة العربية ، ومن أوتوا البديهة الحاضرة ووهبوا العقل الراشد ، وكان شديد الصبر على طلب العلم وقد سئل يوما : بأى شىء أصبت هذا العلم فأجاب بمفاوضة العلماء ، آخذ منهم وأعطيهم ، وكان لا نظير له فى القضاء وفى هذا يقول الشعبى : كان شريح " أعلم بالقضاء ، واختلف فى تاريخ وفاته فقيل سنة 78 هـ ، وقيل سنة 86 هـ ، قضى من حياته خمسا وسبعين سنة قاضيا بين الناس ، يراجع أعلام القضاء فى الإسلام د/ محمد إبراهيم الجيوشى ص 11 ، 12 مرجع سابق 0
(3) أى هلـك 0
(4) أعلام القضاء فى الإسلام المرجع السابق ص26، 38 ، الطرق الحكمية لابن القيم ص 34 مرجع سابق 0
- 69 -
وعلى هذا لا يشترط فى القاضى أن يكون عاقلا فقط بل لابد أن يكون ذكيا فطنا عارفا بأحوال الناس وأخلاقهم 0
الشرط الرابع : الحريــة :
اختلف الفقهاء فى الفقه الإسلامى فى حكم تولى العبد القضاء إلى رأيـين همـا :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) والإمامية فى المرجوح عندهم (5) والشيعة (6) إلى عدم جواز تولى العبد القضاء واشتراط الحرية فيمن يتولى القضاء 0
الرأى الثانى : ذهب ابن حزم الظاهرى (7) والزيدية (8) والإمامية فى الراجح عندهم (9) إلى جواز تولى العبد القضاء وعدم اشتراط الحرية فيمن يتولى القضاء 0
______________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها ، شرح فتح القدير جـ 7 ص 252 ، وأما ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن الحنفية يرون أن الحرية تعتبر شرطا فى نفاذ الحكم وليست شرطا فى التولية اعتمادا على قول الكمال بن الهمام فى فتح القدير ( قلد عبد فعتق جاز أن يقضى بتلك الولاية من غير حاجة إلى تجديد وقاس ذلك على تحمل الشهادة ) فهذا مردود عليه بما قاله الكاسانى فى بدائع الصنائع (الصلاحية للقضاء لها شرائط منها العقل ومنها البلوغ ومنها الإسلام ومنها الحرية ... " فالصلاحية تعنى أهلية التولية فتكون الحرية التى هى من بين هذه الشروط شرطا فى صحة التولية ، والذى يظهر من عبارة الكمال بن الهمام أنه يريد أن يقول أن الرق مانع من صحة التولية لأن المانع قسمان : مانع من السبب ومانع من الحكم فالمانع هنا وهو الرق مانع من الحكم وهو صحة التولية ، فإذ زال المانع وهو الرق صحت التولية لأن بزواله تحقق الشرط وهو الحرية فلا حاجة إلى تحديد الولاية 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ 2 ص 460 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1553 0
(4) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 مرجع سابق 0
(5) المختصر النافع فى فقه الإمامية تأليف أبى القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلبى المتوفى سنة 676 هـ الطبعة الثانية مطبعة وزارة الأوقاف ص 279 0
(6) السلطة القضائية فى الإسلام د/ شوكت عليان ص 90 مرجع سابق 0
(7) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(8) البحر الزخار جـ 6 ص 119 مرجع سابق 0
(9) المختصر النافع ص 279 مرجع سابق 0
- 70 -
أدلة الرأى الأول : " الجمهـور " :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم بعدم جواز تولى العبد القضاء سواء كان عبدا مدبرا (1) أو مبعضا (2) أو مكاتبا (3) أو قنـا (4) 0
أولا : من الكتــاب :
1- قوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ) (5) 0
وجـه الدلالـة من الآية :
إن هذه الآية تدل على عدم قدرة العبد على القيام بولاية القضاء لأن القضاء من أعظم الولايات ، لمن يتولاها سلطة الإلزام ، والعبد لا ولاية له على غيره لأنه لا ولاية له على نفسه فمن باب أولى لا ولاية له على غيره (6) 0
2- قوله تعالى ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) (7) 0
وجـه الدلالة من الآيـة :
هذه الآية الكريمة تدل على اشتراط العدالة فى الشاهد والعدل هو الذكر البالغ العاقل الحر غير متصف بالفسق وإذا كان الشاهد غير متصف بهذه الصفات التى ذكرت كانت شهادته غير مقبولة وإذا لم تكن مقبولة لا يصح قضاؤه بناء على أن من تصح شهادته يصح قضاؤه 0
_____________
(1) العبد المدبر هو ما كان عتقه معلقا على موت سيده 0
(2) العبد المبعض هو من كان بعضه حرا وبعضه رقيقا كأن يشترك اثنان فى ملكية عبد بميراث ، أو بشراء أو بغير ذلك من أسباب التملك المشروعة ، ثم أعتق أحدهما نصيبه 0
(3) العبد المكاتب هو من كاتبه سيده على دفع مبلغ من المال مقابل عتقه 0
(4) العبد القن : بكسر القاف وتشديد النون هو من لم يتصل به شىء من أحكام العتق ومقدماته أى خالص العبودية . انظر فى ذلك كفاية الأخيار فى حل غاية الاختصار تأليف الإمام تقى الدين أبى بكر محمد الحسنى الحصنى الدمشقى الشافعى ، طبع على نفقة الشئون الدينية بقطر - الطبعة الثالثة 0جـ2 صـ546 وما بعدها
(5) سورة النحل الآية رقم (75) 0
(6) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 3 وما بعدها ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1553 0
(7) سورة الطلاق الآية رقم (2) 0
- 71 -
ثانيـا : من القياس :
استدلوا بقياس القضاء على الشهادة بجامع الولاية فى كل ، لأن الرق لما منع قبول شهادة العبد كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية لأن العبد لا يلى أمر نفسه فمن باب أولى لا يلى أمر غيره (1) 0
أدلة الرأى الثانى : استدل ابن حــزم الظاهــرى ومــن معه على جواز تولى العبد القضاء بما يلى :
أولا : من الكتاب :
1- قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (2) 0
وجه الدلالة من الآية الكريمـة :
إن خطاب الله سبحانه وتعالى موجه لجميع خلقه بأن يحكموا بالعدل سواء كان رجلا أم امرأة حرا أم عبدا ، فالعبد داخل فى هذا الخطاب ولا وجه للتفرقة بين الحر والعبد فى ذلك لأن الدين كله واحد إلا حيث جاء نص صريح يفرق بين الرجل والمرأة والحر والعبد فيستثنى حينئذ من إجمال الدين (3) 0
2- قولـه تعالى ( ولتكن منكم أمـــة يدعـــون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (4) 0
وجـه الدلالة من الآية الكريمـة :
إن العبد مخاطب ومكلف بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفى تولية القضاء إيصال الحقوق إلى أهلها والعمل على فض المنازعات وقطــع الخصومـات ، وهى من أعظم أبواب الأمر
_____________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 4 ، تبصـرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1553 0
(2) سورة النساء الآية رقم (58) 0
(3) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(4) سورة أل عمران الآية رقم (73) 0
- 72 -
بالمعروف والنهى عن المنكر فالآية فى ذلك لا تفرق بين حر وعبد ، فبقيت على عمومها تتناول الحر والعبد (1) 0
ثانيـا : من السنـة :
أنه صح عن رسول الله -r - من طريق شعبة عن أبى عمران الحوفى عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر أنه انتهى إلى الربذة (2) - وقــد أقيمت الصلاة - فإذ عبد يؤمهم ، فقيل له : هذا أبو ذر ، فذهب يتأخر ، فقال أبو ذر : أوصانى خليلى - يعنى رسول الله -r - أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف (3) ، (4) 0
وجـه الدلالـة :
قال ابن حزم فهذا نص جلى وصريح علــى ولايــة العبـــد وهو فعل عثمان بحضرة الصحابة لا ينكر ذلك منهم أحد (5) 0
ثالثا : من القياس :
جواز تولى العبد القضاء قياسا على جواز فتياه وروايته (6) 0
الرد على استدلالهم بالقياس :
أنه قياس فاسد لأمرين :
الأول : أنه لما كان مولى عليه لم يجز أن يكون واليا 0
______________
(1) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(2) الربذة هى موضع بالبادية بين مكة والمدينة قريب من مدينة رسول- الله r - وهى منازل الحاج من العراق وبها قبر أبى ذر الغفارى – رضى الله عنه - يراجع تهذيب الأسماء واللغات لأبى زكريا محى الدين بن شرف النووى طبعــة دار الكتب العلمية بيروت جـ 3 ص 131 ، فتح البارى بشرح صحيح البخاري جـ 13 ص 45 0
(3) مجدع الأطراف أى مقطوعها يقال جدع الرجل إذا قطع أنفه وأذنه فهو أجدع يراجع المصباح المنير جـ1 ص 92 مادة جدع 0
(4) أخرجه مسلم فى صحيحه فى 5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، 41 - باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار - طبعة عيسى الحلبى الجزء الأول حديث رقم 240 ص 448 0
(5) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 296 بند 1805 0
(6) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1554 0
- 73 -
الثانى : أنه لما كان مملوكا لم يجز أن يكون مالكا وإن جاز أن يكون مجتهدا وراويـا (1) 0
رابعـا : استدلوا أيضا بقول عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- ( لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيا لما تخالجنى فى تقليده شك ) 0
ورد على ذلك :
1- أن سالما كان مولى عتاقه ولم يكن باقيا فى الرق وتقليد المعتق جائز 0
2- أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ذلك على وجه المبالغة فى مدح سالم (2) 0
الرأى الراجح من وجهة نظر الباحـث :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مسألة حكم تولى العبد القضاء وأدلة كل رأى ومناقشتها أرى أن الراجح هو رأى جمهور الفقهاء القائل باشتراط الحرية لصحة ولاية القضاء وعدم جواز تولى العبد القضاء وذلك لقوة أدلتهم ولضعف ما تمسك به الرأى المخالف،ولأن القضاء يحتاج إلى المهابة والعبد لا تتوافر فيه المهابة لأنه أدنى من الحر وجرت العادة لأن الناس يتقبلوا الأمر الملزم من الأعلى للأدنى وليس العكس فضلا أن العبد لا يتفرغ لمهام القضاء لأنه مشغول بحق سيده والمشغول لا يشغل 0
ما حكم تولى العبد القضاء بعد عتقه ؟
اختلف الفقه الإسلامى فى تلك المسألة إلى رأيين هما :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز تولى العبد القضاء بعد عتقه كاملا وذلك لأن العبد بعد عتقه عتقا كاملا يكون كسائر الأحرار وبالتالى يجوز أن يتولى القضاء ولا مانع من ذلك حتى وإن كان عليه ولاء لأن النسب غير معتبر فى الحكم (3) 0
الرأى الثانى : ذهب سحنون من المالكية (4) إلى عدم جواز تولى العبد القضاء حتىولو بعد
____________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 629 بند 1554 0
(2) المرجع السابق 0
(3) الأحكام السلطانية للماورى ص 65 0
(4) هو عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخى القيراونى (160 - 240هـ ) أخذ عن كثير من أصحاب الإمام مالك بن أنس ، وانتهت إليه الرئاسة فى العلم ، ومدونته عليها الاعتماد فى المذهب المالكى ، تولى قضاء القيروان فى عهد محمد بن الأغلب سنة 234 هـ ، وتوفى وهو يتولاه ، وكان من أهل الورع والزهد . انظر الديباج المذهب فى معرفة أعيان علماء المذهب المالكى - قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن على بن محمد بن فرحون اليعمرى المالكى - مطبعة المعاهد بالقاهرة - الطبعة الأولى سنة 1351 هـ ص 160 وما بعدها 0
- 74 -
عتقه وذلك خوفا من أن تستحق رقبته فتذهب أحكام الناس باطلا (1) 0
الرأى الراجح : أرى أن الرأى الراجح هو رأى جمهور الفقهاء لقوة أدلتهم وذلك لأن النظر فى توافر شروط الأهلية للقضاء إنما هو بالنسبة للحاضر دون أن ينسحب أثره إلى الماضى 0
للشرط الخامس : الذكــورة :
اشترط الفقهاء توافر الذكورة فى القاضى وذلك لنقص النساء عن رتب الولايات ، وإذا كنا نتعرض هنا إلى اشتراط الذكورة فى القاضى فهذا يتطلب منا أن نوضح رأى الفقهاء فى حكم تولى المرأة القضاء 0
وبادىء ذى بدء نقول إن المرأة لم تلق فى الأديان السماوية تكريما واحتراما كما لقيت فى شريعة الإسلام وحسبها فى ذلك أن سورة من أكبر وأعظم سور القرآن الكريم سميت باسمها ألا وهى سورة النساء التى تناولت أطوار حياتها وحددت مالها من حقوق وما عليها من واجبات ويكفى المرأة منزلة وكرامة وإعزازا أن الرسول -r - كان يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يوصى بها قائلا ( استوصوا بالنساء خيرا ) (2)
ورغم هذه المنزلة العظيمة التى كفلها الإسلام للمرأة فقد كفل لها رزقها دون أن يحوجها إلى العمل وكفل لها احترامها الإنسانى وكفل لها صيانة جهدها أن يتبدد ما بين العمل الخارجى وبيتها وكفل لها أخلاقها فلا تتعرض للفتنة ولا تصبح هى فتنة يستغلها أعداء الإسلام لتدمير الإسلام لأن وقار المرأة وحفظ كرامتها لا يكون إلا فى بيتها أي فى بيت زوجها إن كانت متزوجة أو بيت أبيها إذا كانت غير متزوجة وجعل رزقها على زوجها أو على أبيها فى حالة عدم زواجها لقوله تعالى ( وقرن فى بيوتكن ) (3) 0
ورغم هذه المكانة وهذه المنزلة التى حظيت بها المرأة فى الإسلام إلا أن الفقهاء فى الفقه الإسلامى اختلفوا فى حكم تولى المرأة القضــاء إلى ثلاثة آراء نقوم بإيضاحها وبيان أدلة كل رأى
______________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 0
(2) صحيح مسلم بشرح النووى - الإمام مسلم بن الحجاج القشيرى طبعة دار الريان للتراث - الطبعة الأولى سنة 1407 هـ سنة 1987م المجلد الرابع - الجزء العاشر ص 57 وما بعدها 0
(3) سورة الأحزاب الآية رقم (33) 0
- 75 -
وبيان الرأى الراجح وذلك فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) والزيدية (4) والإمامية (5) إلى عدم جواز تولى المرأة القضاء فى أى نوع من القضايا سواء كانت فى قضايا الأموال أم فى قضايا القصاص والحدود أم فى غير ذلك من القضايا ومعنى ذلك أن الإمام إذا قام بتولية المرأة القضاء فإنه يأثم عند أصحاب هذا الرأى وتكون ولاية المرأة للقضاء باطلة ، وتأثم المرأة أيضا لرضاها بأمر لا يجوز ولا ينفذ قضاؤها فى أى قضية ولو فيما تقبل فيه شهادتها لأن الذكورة عندهم شرط للجواز والصحة 0
الرأى الثانى :
ذهــب ابن حــزم الظاهـرى (6) وابن جرير الطبرى (7) إلى جواز تولية المرأة القضاء مطلقا
_____________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ 2 ص 460 . مرجع سابق ، بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوى جـ 2 ص 305 0
(2) مغنى المحتاج للشربينى الخطيب جـ 4 ص 375 ، نهاية المحتاج للرملى جـ 8 ص 238 ، حاشيتا قليوبى وعميرة جـ 4 ص 297 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 0
(3) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(4) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى بن المرتضى جـ 6 ص 118 0
(5) المختصر النافع فى فقه الإمامية ص 279 0
(6) ولذلك قال ابن حزم ( وجائز أن تلى المرأة الحكم " يراجع المحلى لابن حزم الظاهرى جـ 10 ص 295 مرجع سابق 0
(7) هو محمد بن جرير بن بريد بن كثير - الإمام العالم المجتهد - عالم عصره أبو جعفر الطبرى - صاحب التصانيف البديعة ، ولد سنة 224هـ ، وطلب العلم بعد سنة 240 هـ ، وأكثر الترحال ، ولقى نبلاء الرجال ، قرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد ، والتمس منــه الوزير أن يعمــل له كتابا فى الفقه فألف له كتاب الخفيف ، فوجه إليه ألف دينار فردها ، ومن كتبه التى تم كتابتها كتــاب التفسير ، والتاريخ وتاريخ الرجال ، توفى سنة 310 هـ ، ودفن فـــى داره برحبة يعقوب ( يعنى بغداد ) انظـر كتاب سير أعــلام النبــلاء للإمــــام شمس الدين محمد بن أحمـــد الذهبى طبعة مؤسسة الرسالة جـ 14 ص 267 0
- 76 -
فهما يريان أنه ليس من شروط صلاحية تولى القضاء أن يكون القاضى ذكرا (1) 0
الرأى الثالث : ذهب الحنفية إلى منع تولى المرأة القضاء فى بعض المسائل وجواز توليها القضاء فى مسائل أخرى ، فالمسائل التى لا يجوز للمرأة أن تشهد فيها لا يجوز لها أن تلى قضاءها فيشترط للقضاء فى تلك المسائل الذكورة ، أما المسائل التى يجوز للمرأة ان تشهد فيها يجوز لها أن تلى قضاءها فلا يشترط توافر الذكورة فى تلك المسائل ، ولما كان الحنفية يرون عدم قبول شهادة المرأة فى الحدود والقصاص وقبولها فيما عداهما ومن ثم لا يجوز للمرأة أن تلى القضاء فيها ( أى فى الحدود والقصاص ) ويجــوز لها أن تلى القضاء فيما عداهما ( أى الحدود والقصــاص ) 0
______________
(1) قال الإمام الماوردى عن رأى ابن جرير الطبرى فى مسألة تولى المرأة القضاء بأنه رأى شاذ فقال ( وشذ ابن جرير الطبرى فجوز قضاء المرأة فى جميع الأحكام ) يراجع الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 مرجع سابق ، بداية المجتهد لابن رشد جـ 2 ص 460 ، ويرى الأستاذ الدكتور / عبد العال عطوة فى كتابه المشهور ( محاضرات فى علم القضاء ص 62 أن هذا الرأى المنسوب لابن جرير الطبرى خطأ من الناحية التاريخية والناحية الموضوعية 0
أما من الناحية التاريخية : فلم يثبت عن ابن جرير الطبرى هذا النقل ولم يصح عنه كما صرح بذلك ابن العربى المفسر المشهور وابن رشد صاحب كتاب بداية المجتهد ، فالنقل عن ابن جرير لم ينسب إلى كتاب من كتبه ولم يرو عنه يسند من الأسانيد صحيح أو غير صحيح حتى يمكن البحث عن هذا السند ، وهذا تفسيره الكبير ليس فيــه ما يشير إلى ذلك ، ولذلك يقول أبو بكر بن العربى فى كتابه ( أحكام القرآن ) ما نصه ( نقل عن محمد بن جرير الطبرى إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ولم يصح ذلك عنه ) وهذا ما يؤدى إلى عدم الإطمئنان إلى صحة نسبة هذا القول إلى ابن جرير من الناحية التاريخية 0
أما من الناحية الموضوعية : فهذا القول مخالف لحديث الرسول - r - ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة * ، ومخالف لاجماع علماء الأمة الإسلامية السابقين على عصر ابن جرير على عدم جواز تولية المرأة القضاء ، فليس لابن جرير سلف من الفقهاء يرى جواز تولية المرأة القضاء والقول إذا كان مخالفا لاجماع علماء الأمة ولم يكن فى عصر المجمعين فإنه يكون مردودا لأنه إذا انعقد الإجماع فى عصر من العصور على حكم شرعى لا يجوز لمن جاء بعد هذا العصر أن يخالف الحكم الذى أجمع عليه العلماء ، وعلى هذا فنسبة هذا القول بجواز تولى المرأة القضاء مطلقا إلى ابن جرير لا تصلح رواية ولا دراية ، يراجع محاضرات فى علم القضاء أ.د/ عبد العال عطوة ص 59 وما بعدها مرجع سابق 0
- 77 -
ولذلك قال الكاسانى فى بدائع الصنائع ( وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد فى الجملة لأن المرأة من أهل الشهادات فى الجملة إلا أنها لا تقضى فـــى الحدود والقصاص لأنها لا شهادة لها فى ذلك . وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة (1) 0
وقــال صاحـب شــرح العناية علــى الهدايـــة الإمــام أكمــل الدين محمد بن محمود الباترتى ( وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء فى الحدود والدماء فتقضى المرأة فى كل شىء إلا فيهما ) (2) 0
وقال ابن عابدين فى رد المحتار على الدر المختار ( والمرأة تقضى فى غير حد وقود وإن أثم المولى لها ) (3)
أولا : أدلة الرأى الأول : " رأى الجمهـور ) :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم بعدم جواز تولى المرأة القضاء مطلقا بما يلـى :
الدليل الأول : من الكتاب :
قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهــم ) (4) 0
وجه الدلالة من الآية الكريمـة :
إن الآية الكريمة أفادت حصر القوامة فى الرجال لأن الموضوع وهو الرجال معرف بأل الجنسية فيكون منحصرا فى المحمول وهو القوامة ومن هنا يستفاد أن الله سبحانه وتعالى جعل الرجال قوامين على النساء دون العكس ، فالرجال قوامون على النساء بحيث يقومون بأمرهن ويحافظون على أعراضهن وينفقون عليهن فالرجال قوامون عليهن فى العقل والرأى ولو تولت النساء القضاء لتبدل الأمر وكان لهن القوامة على الرجال وهــذا مخالــف للآية السابقـة فلزم من ذلك عدم جواز تولى المرأة القضاء (5) 0
_______________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 4 0
(2) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 252 0
(3) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 356 0
(4) سورة النساء الآية رقم 34 0
(5) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,
وقال القرطبى فى تفسيره للآية السابقة إن قوله تعالى ( الرجال قوامون ) مبتدأ وخبر أى يقومون بالنفقــة عليهن والذب عنهن ، وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو وليس ذلك فى النساء (1)
وقال ابن العربى فى أحكام القرآن إن معنى الآية السابقة أن الله يريد أن يقول إنى جعلت القوامة على المرأة للرجل لأجل تفضيلى له عليها وذلك لثلاثة أشياء هى :
1- كمال العقل والتمييز 0
2- كمال الدين والطاعة فى الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على العموم 0
3- بذله لها المال من الصداق والنفقة (2) 0
مناقشة الاستدلال بالآية :
نوقش الاستدلال بالآية بما يلـى :
أولا : أن المراد بالقوامة فى هذه الآية قوامة خاصة وهى قوامة رب الأسرة على أسرته أى الولاية الأسرية فتكون الآية ليست فى محل النزاع 0
والذى يدل على أن المراد بالقوامة فى الآية هى قوامة خاصة أى قوامة رب الأسرة على أسرته ثلاثة أمــور :
الأمــر الأول :
- سبب نزول الآية : أن سعد بن الربيع وكان من النقباء نشزت امرأته حبيبة بنت زيد بن أبى هريرة ، وهما من الأنصار ، فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبى -r -فقال : أفرشته كريمتى فلطمها ، فقال النبى r لتقتص من زوجها ، وانصرفت مع أبيها لتقتص منه ، فقال النبى -r -: ارجعوا هذا جبريل - عليه السلام - أتانى وأنزل الله هذه الآية ، فقال الرسول -r - أردنا أمرا وأراد الله أمرا ، والذى أراد الله خير ، ورفع القصاص (3) 0
_______________
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى محمد بن أحمد الأنصارى المتوفـــى سنة 671 هـ مطبعة الشعب بالقاهرة جـ 2 ص 1833 0
(2) أحكام القرآن لابن العربى جـ 1 ص 416 0
(3) أسباب النزول - لأبى الحسن على بن أحمد الواجدى النيسابورى مطبعة الأنوار المحمدية سنة 1404 هـ سنة 1984م ص 111 0
- 79 -
الرد على ذلك :
أن تخصيص العموم فى الآية بسبب نزولها ، مردود عليه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصولين (1) 0
الأمر الثانـى :
تركيب الآية وسياقها فإن فيها إشارة إلى المهــر والنفقــات الواجبة علـــى الزوج بدليل قوله فى ذات الآية ( وبما أنفقوا من أموالهم ) (2) ففــى ذلك إشــارة إلى ما يجب للزوج على زوجته من طاعــة وأمانة بدليــل قولــه تعالى بعــد ذلك ( فالصالحــات قانتـات حافظات للغيب بما حفظ الله ) (3) 0
فهــذا دليل علـى أن المراد بالقوامــة فــى الآية قوامة الأزواج على زوجاتهم وليست توليتهم عليهن فى الولايات العامة كرياسة الدولة والقضاء (4) 0
الرد على ذلك :
أن تخصيص العموم فى الآية بما ورد فيها من أحكام تتعلق بولاية الزوج على زوجته مردود عليه بأن ذلك من باب إفراد فرد من أفراد العام بحكم وهذا لا يصلح مخصصا ، لا تفاق العلماء على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام فإنه لا يكون الخاص مخصصا للعـــام (5) 0
______________
(1) المستصفى لأبى حامد الغزالى ومعه فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت مطبعة دار الكتب العلمية - بيروت جـ 2 ص 60 ، المعتمــد لأبى الحسين البصرى - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى جـ 1 ص 282 0
(2) سورة النساء الآية رقم 114 0
(3) سورة النساء الآية السابقة 0
(4) أحكام القرآن لابن العربى جـ 1 ص 416 ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 30 0
(5) العام لغـة : هو الشمول أى شمول أمر لمتعدد ، سواء كــان الأمــر لفظا أو غيره ، يقال : عمهم الأمر يعمهم ، عموما ، شملهم 0
ويقال : عمهم بالعطية أى شملهم 0
والعامة ضد الخاصة يراجع لسان العرب جـ 4 ص 312 مرجع سابق ، مختار الصحاح ص 461 0 =
- 80 -
الأمـر الثالث :
صلاحية المرأة لتولى الولايات الخاصة فهى تصلح وصية على اليتامى وتصلح ناظرة فى الأوقاف وذلك لأنها قادرة على أن تقوم بأمور هذه الولايات فكذلك يجوز إسناد الولايات العامة إليها ما دام مناط الحكم أو التولى هو القدرة وهو متحقق فى المرأة ولا تأثير لعموم الولاية أو تخصصها بعد تحقق القدرة على مباشرة الولاية ولولا أن الإجماع قائم على عدم جواز تولى المرأة رياسة الدولة وما هو بمثابتها كوزارة التفويض وإمارة الإقليم لجاز لها أن تتولى هذه الولايات العامة بدون فرق بين ولاية خاصة وولاية عامة (1) 0
_________________
= أولا : تعريف العام فى الاصطلاح :
أ - عرفه الإمام الرازى بقوله : العام : اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد ، وهذا التعريف رجحه الإمام الشوكانى رحمه الله حيث قــال بعــد أن ذكـر عدة تعريفات للعام ... وإذا عرفت ما قيل فى حد العام علمت أن أحسن الحدود المذكورة هو ما قدمنا عن صاحب المحصول ( أى الرازى ) لكن مع زيادة كلمة دفعه - فالعام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة ، يراجع إرشاد الفحول للشوكانى - طبعة دار المعرفة - بيروت ص 113 ، المحصول للإمام فخر الدين الرازى بتحقيق د / طه جابر فياض ، الطبعة الأولى جـ 1/ 2 ص 515 0
ب - وعرفه الإمام البيضاوى : بأنه لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد ، يراجع منهاج العقول للبدخشى ومعه نهاية السول كلاهما شرح منهاج الوصول للبيضاوى - مطبعة صبيح جـ 2 ص 56 0
ثانيـا صيغ العمـوم :
للعموم صيغ كثيرة تدل عليه منها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر :
1- النكره فى سياق النفى أو النهى مثل قوله تعالى ( قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء ) سورة الأنعام الآية رقم (91) ، وقوله - عليه السلام - ( لا وصية لوارث ) 0
2- أسماء الاستفهام : كمن ، ماذا ، ومتى ، وأين كقوله تعالى ( من فعــل هذا بآلهتنا ) سورة الأنبياء الآية رقم ( 59 ) 0
3- أسماء الشرط : كمن ، وما ، وأى ، وأين كقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) سورة البقرة الآية رقم (185) . يراجع الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ 2 ص 290 مرجع سابق ، أصول الفقه للأستاذ الدكتور / محمد محمد فرحات طبعة 1998 ص 132 0
(1) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 298 ، رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 356 ، نظام القضاء فى الإسلام أ.د/ إبراهيم عبد الحميد ص 31 0
- 81 -
الرد على ذلـك :
أن قياس الولايات الخاصة على الولايات العامة قياس باطل لأن الولاية الخاصة كالولاية على اليتيم يكفى فيها مجرد القدرة أما الولاية العامة فإنها تحتاج إلى قدرة عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتحتاج إلى كمال الرأى وتمام العقل والفطنة والمرأة ضعيفة الرأى ناقصة العقل ولا يتوافر فيها القيام بأعباء هذه الولاية ولنقص النساء عن رتب الولايات (1) 0
الدليل الثانى : أيضا من الكتاب :
قوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (2) 0
وجـه الدلالـة :
أن الله جعل الشهادة فى الآية للرجال فإن لم يأت الطالب برجلين كما ذكرت الآية فليأت برجل وامرأتين يقومان مقامهما ، ولابد من وجود الرجل معهما وهذا فى الأموال لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها ولذلك جعل التوثيق فيها بالكتابة تارة وبالإشهاد تارة أخرى وبالرهن تارة ولا تنفرد المرأة بالشهادة مطلقا إلا فيما لا يطلع عليه الرجال كالزنا 0
ولذلك يقول ابن قدامة عند ذكره للشروط الواجب توافرها فى القاضى ذكر منها الذكورة وعدم جواز تولية المرأة القضاء ودلل على ذلك بقوله ( ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى ( أن تضل إحداهما فتذكر أحدهما الأخرى ) (3) 0
وإذا لم تصح شهادة المرأة منفردة عن الرجل فكيف تتولى منصب القضاء هذا المنصب الخطير مع أنها قد تضل وقد تنسى فيؤدى ذلك إلى ضياع أموال الناس وحقوقهم التى شرع القضاء لحفظهـــا (4) 0
________________
(1) الأحكام السلطانية للمــاوردى ص 65 ، المغنى لابن قدامـــة جـ 1 ص 386 ، القضـــاء فى الإسلام أ.د/ محمد رأفت عثمان ص 57 0
(2) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(3) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(4) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
- 82 -
الدليل الثالث : من السنة :
ما رواه البخارى (1) بسنده وغيره عن أبى بكرة -رضى الله عنه- قال : لقد نفعنى الله بكلمة سمعتها من رسول الله -r - أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم ، قال " لما بلغ رسول الله -r - أن أهل فارس ملكوا بنت كسرى عليهم ، قال ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امــرأة ) (2) 0
وجـه الدلالة من الحديث :
إن هذا الحديث الشريف يخبر فيه الرسول -r - عن عدم فلاح من يولون أمرهم امرأة ولا شك أن عدم الفلاح ضرر يجب اجتنابه لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب فيكون هذا الحديث دليلا على أن المرأة ليست من أهل الولايات ومنها ولاية القضاء ولولا أن الإجماع قائم على جواز تولى المرأة لبعض الولايات الخاصة مثل الوصاية على اليتم لكانت ممنوعة من تولى الولايات العامة والخاصة لأن لفظ أمرهم الوارد فى الحديث عام يشمل جميع الولايات (3) 0
مناقشة الاستدلال بالحديث :
إن هذا الحديث ليس واردا فى محل النزاع وهو تولية المرأة القضاء وإنما هو وارد فى تولى المرأة منصب الحاكم الأعلى ( رياسة الدولة ) فلا يصح الاستدلال به هنا 0
______________
(1) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخارى ( 194 - 256هـ ) أمير المؤمنين فى حديث سيد المرسلين - r -،كتب الحديث عن أكثر من ألف شيخ ، روى عنه أنه قال : أخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديــث ، وما وضعت فيه حديثا إلا اغتسلت وصليت قبل ذلك ركعتين - قال عنه الإمام أحمد : ما أخرجت خراســان مثل محمـــد بن إسماعيـــل . انظر خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 278 وما بعدها 0
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر - جـ 14 ص 92 كتاب الفتن حديث رقم 7099 ص 58 مرجع سابق ، وأخرجه النسائى فى كتابه السنن الكرى - ، 51 - كتاب القضاء ، 9 - باب ترك استعمال النساء على الحكم - طبعة در الكتب العلمية - بيروت - لبنان - الطبعة الأولى سنة 1411 هـ سنة 1991م جـ 3 رقم الحديث 5937 /1 ص 465 0
(3) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 301 مرجع سابق ، سبـل السلام للصنعانى جـ 4 ص 123 مرجع سابق ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 627 بند 1545 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
- 83 -
والدليل على ذلك سبب ورود هذا الحديث حيث إنه قيل بمناسبة تولية بنت كسرى رياسة الدولــــة (1) 0
الرد على ذلك :
أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصولين كما سبق (2) 0
الدليل الرابع : الاجماع :
قد أجمعت الأمة سلفا وخلفا علــى عـــدم جواز تولى المرأة القضاء وقد نقل هذا الإجماع الإمام الماوردى فى كتابه المشهور بالأحكام السلطانية حيث قال : ( ولا اعتبار بقول يرده الإجمــاع ) (3) وهذا الكلام فى معرض رده على المخالفين لاشتراط الذكورة فى القاضى 0
مناقشة استدلال الجمهور بالإجماع :
اعترض القائلون بجواز تولى المرأة للقضاء على استدلال الجمهور بعدم جواز تولى المرأة للقضاء من الإجماع بما يلـى :
1- أن ادعاء الإجماع على عدم جواز تولى المرأة القضاء غير صحيح لثبوت الخلاف فى ذلك بين الفقهاء وما أكثر دعاوى الإجماع وما أقل جدواها إذ لم يصرح أحد بنقل هذا الإجماع فلا يقبل ، إذ لا سبيل إلى ثبوت الإجماع إلا ما هو معلوم من الدين بالضرورة كالإجماع على فرضية الصلاة والصوم ، فضلا عن ذلك فإن ابن حزم الظاهرى وابن جرير الطبرى قد خالف هذا الاجماع وقالا بجواز تولى المرأة القضاء وبذلك يكون هذا الإجماع لا يمكن تحققه وعلى فرض أنه ممكن التحقق فلا يمكن الإطلاع عليه 0
الرد على هذه المناقشـة :
أن إمكان تحقق الإجماع والاطلاع عليه أمر متفق عليه عند علماء الأصول ، كما أن الإجماع على عدم جواز تولى المرأة القضاء كان ثابتا قبل أن يحدث هذا الخلاف وبالتالى لا يعتد بخلاف ابن حزم وابن جرير الطبرى ولا يعتبر خرقا للإجماع لأن الإجماع هو اتفاق أهل الحل والعقــد (4) من
______________
(1) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 295 وما بعدها 0
(2) المستصفى للغزالى ومعه فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت جـ 1 ص 282 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 0
(4) أهل الحل والعقد هم العلماء المجتهدون 0
- 84 -
أمه محمد - r - بعد وفاته فى عصر (1) من العصور على أمر من الأمور (2) 0
2- المناقشة الثانيـة :
إن هذا الإجماع لم يصح لأن السيدة عائشة – رضى الله عنها – تولت قيادة الجيش وتزعمت الثورة ضد الإمام على رضى الله عنه ومعها من خيرة الصحابة من أمثال الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله ولم ينكر عليها أحد من الصحابة الذين كانوا معها فدل ذلك على عدم الإجماع 0
الرد على هذه المناقشـة :
يرد على ذلك بأن السيدة عائشة –رضى الله عنها – لم تخرج زعيمة لحركة أو قائدة لجيش محارب ولا حتى محاربة فيه ، وإنما خرجت داعية للمطالبة بدم عثمان -رضى الله عنه - وقد دفعها إلى ذلك أنها كانت ساخطة كغيرها من أهل عثمان وأشياعهم ، وهذا أمر ليس مــن الولاية العامة فى شىء 0
وأما عدم قيادتها للجيش فلأن الثابت من كتب التاريخ أنها خرجت بتأثير من جماعة يتزعمها طلحة والزبير -رضى الله عنهما - أرادوا أن يجمعوا الناس على أمر واحد ، ويزيلوا ما بينهم من أسباب الخلاف بما فى ذلك أمر قتلة عثمان -رضى الله عنه- وذلك حتى تتوحد كلمة المسلمين ، ورأوا أن يضموا إليهم عائشة - رضى الله عنها - رجاء أن يرجع الناس وينضموا إليهم عندما ما يرون أمهم وزوج نبيهم -عليه الصلاة والسلام- ولذلك يقول ابن حجر ( إن أحدا لم ينقل أن عائشة -رضى الله عنها- ومن معها نازعوا عليا فى الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هى ومن معها على على منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم (3) 0
الدليل الخامس : من المعقـول :
إن القضاء يحتــاج إلى كمــال الــرأى وتمام العقل والفطنة والمرأة قليلة الرأى ناقصة العقل ولا تقبل شهادتها وحدها ولو معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد أشار الله سبحانـه تعالى .
_______________
(1) يراد بالعصر : عصر من كان من أهل الاجتهاد فى الوقت الذى حصلت فيه المسألة المجمع عليها سواء كان المجتهدون كلهم فى مكان واحد أم كانوا فى أمكنة متعدده بعد أن يجمعهم عصر واحد 0
(2) يراجع الإحكام فى أصول الأحكام للأمدى جـ 1 ص 282 ، المدخل لدراسة الفقه الإسلامى د/ حسين حامد حسان الطبعة الثانية سنة 1979 مكتبة المتنبى القاهرة - ص 160 0
(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجــر جـ 13 ص 60 وما بعدها ، القضاء فى الفقه الإسلامى د/ محمد رأفت عثمان ص 61 0
- 85 -
إلى ضلالهن ونسيانهن بقوله ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (1) ، وأيضا فإن مجلس القضاء يحضره الخصوم من الرجال والمرأة ليست أهلا للحضور فى محافل الرجال لما يشوب ذلك من كرامتها وسمعتها (2) 0
مناقشة استدلال الجمهور من المعقول :
إن نقصان المرأة عن الرجل لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية وليس فى الشرع سوى نقصان عقلها بدليل أنها تصلج شاهدة ، وناظرة على الأوقاف ووصية على اليتامى وما دام أن لها أهلية تولى الولايات الخاصة فيكون لها أهلية تولى الولايات العامة إلا أن الإجماع قائم على عدم جواز تولى المرأة الإمامة العظمى (3) 0
الرد على المناقشة :
إنه لا يلزم من أهلية المرأة لتولى الولايات الخاصة أهليتها لتولى الولايات العامة لأن الولاية الخاصة كالولاية على اليتيم يكفى فيها مجرد القدرة أما الولايات العامة ومنها القضاء فإنها تحتاج إلى قدرة عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتحتاج إلى كمال الرأى وتمام العقل والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأى ولا يتوافر فيها القيام بأعباء هذه الولايات وذلك لنقص النساء عن رتب الولايات (4) 0
أدلة الرأى الثانى : القائل بجواز تولى المرأة للقضاء مطلقـا :
استدل ابن حزم الظاهرى وابن جرير الطبرى علــى رأسهمــا بجواز تولى المرأة القضاء مطلقا : بما يلـــى :
الدليل الأول :
أن نهى الرسول r عن تولية المرأة للولاية العامة كرياسة الدولـة المستنبط من قوله-r - (لـن
_______________
(1) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(2) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 302 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(3) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 298 ، رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) جـ 4 ص 356 0
(4) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 302 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
- 86 -
يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) (1) لا يدخل فيه النهى عن تولية المرأة للقضاء لأنه باق على البراءة الأصلية بدليل أن الرسول -r - أجاز تولى المرأة للولايات الخاصة بأن تكون وصية على الأيتام وناظرة للوقف وأنها راعية على مال زوجها ومسئولة عن رعيتها ، فإذا جاز لها أن تلى هذه الأمور وفيها ما فيها من المسئولية جاز لها أن تتولى القضاء بجامع المسئولية فى كل لأن منع المرأة من تولى الإمامة العظمى أو رياسة الدولة فقد ورد ذلك بالنص فيبقى ما عداه على حكم الأصل وهو الإباحة أى إباحة تولى المرأة القضاء وغيره من الولايات عدا رياسة الدولة فكل من يستطيع الفصل بين الناس فالأصــل أنه يصـــح ويجـــوز حكمه والمرأة تستطيع ذلك فيجوز ويصح حكمهــا (2) 0
مناقشة هذا الدليل :
سلمنا لكم أن الأصل فى الأشياء الإباحة عند عــدم وجــود دليل على خلافه إذا كان الشىء نافعـا (3) لقوله تعالى ( هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ) (4) وقوله تعالى ( وسخر لكم ما فى السموات والأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (5) 0
ولكن الأدلة التى ساقها جمهور الفقهاء على عدم جواز تولى المرأة القضاء والتى سبق ذكرها تبطل قولكم إن تولى المرأة القضاء باق على البراءة الأصلية وهــو الإباحـــة لأن ذلك يكون عند عدم وجود الدليل وقد وجد الدليل فبطل استدلالكم 0
_____________
(1) فتح البارى بشرح البخارى لابن حجر العسقلانى - جـ 13 ، 92 - كتاب الفتن - حديث رقم 7099 ص 58 ، السنن الكــبرى للنسائى ، 51 - كتاب القضــاء ، 9 باب ترك استعمال النساء على الحكم جـ 3 حديث رقم 5937 / 1 ص 465 0
(2) المحلى لابن حزم الظاهرى جـ 10 ص 295 ، وما بعدها ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ 2 ص 460 مرجع سابق ، نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 35 0
(3) بحوث فى الأدلة المختلف فيها عند الأصولين تأليـف الدكتور / محمد السعيد على عبد ربه طبعه سنة 1400 هـ سنة 1980م ص 7 ، قواعد ونظريات فى الفقه الإسلامى للأستاذ الدكتور / حامد محمود شمروخ طبعة سنة 1419 هـ سنة 1999م ص 17 0
(4) سورة البقـرة الآية رقم (26) 0
(5) سورة الجاثية الآية رقم (12) 0
- 87 -
الدليل الثانى :
إن المرأة يجوز لها أن تكون مفتية فيجوز لها أن تكون قاضيا بجامع أن كليهما مظهر للحكم الشرعــــى (1) 0
مناقشة الاستدلال بالقياس :
إن قياس القضاء على الفتوى قياس مع الفارق ووجه الفرق أن ولاية القضاء ملزمة للخصوم أما الفتوى فلا إلزام فيها فالمستفتى له أن يأخذ بالفتوى أو يدعها (2) 0
الدليل الثالث :
قياس القضاء على الحسبة بجامع أن كليهما ولاية عامة فقد روى أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- ولى امرأة تدعى أم الشفاء ولاية الحسبة على السوق فيجوز تولية المرأة القضاء قياسا على الحسبة (3) 0
مناقشة هذا الدليـل :
إنه لم يصح عن عمر رضى الله عنه أنه ولى هــذه المرأة أو غيرهــا ولاية الحسبة ولذلك يقول أبو بكر بن العربى فى أحكام القرآن ( وروى أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق ، فلا تلتفتوا إليه ، وإنما هو من دسائس المبتدعة فى الأحاديث ) (4) 0
وفضلا عن ذلك فإنه يستبعد صدور هذا الأثر عن عمر وذلك لأمرين :
1- أنه مخالف للحديث المتفق على صحته وهو قول الرسول -r -( لن يفلح قوم ولو أمرهم امــرأة ) (5) ويستحيل أن يخالف عمر هذا الحديث 0
2- أن فكرة الحجاب فى الدين الإسلامى صادرة عن عمر -رضى الله عنه - نفسه حيث اشار بها على رسول الله -r - بالنسبة لنسائه فنزل الوحــى بموافقــة رأيــه فيها وصارت تشريعا للأمة ،
_________________
(1) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 626 بند رقم 1542 ، المغنى لابن قدامة جـ 1 ص 380 0
(2) الأحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضى والإمام للقرافى مرجع سابق ص 5 ، النظام القضائى فى الإسلام د / أحمــد محمـد مليجى ص 59 0
(3) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 295 وما بعدها بند 1804 0
(5) أحكام القرآن لابن العربى جـ 3 ص 1446 0
(5) سبق تخريجه ص 86 من نفس البحث 0
- 88 -
فيستحيل بعد ذلك أن ينقض هذه الفكرة بتعيين امرأة تمكث طوال يومها تخالط الرجال فى الأسواق وتهجر بيتها الذى أمرت بالاستقرار فيه 0
ومن العجيب أن يستدل ابن حزم بفعل عمر -رضى الله عنه - مــع أنه ينفى حجية رأى الصحابــى (1) 0
ولو سلمنا جدلا بصحة ما روى عن عمر بن الخطاب فهو قول صحابى وقول الصحابى محل خلاف بين الفقهاء فى حجيته (2) 0
أدلة الرأى الثالث :
استدل أصحاب الرأى الثالث القائل بمنع تولى المرأة القضاء فى بعض المسائل ( مسائل الحدود والقصاص ) وجواز تولى المرأة القضاء فى المسائل التى يجوز أن تشهد فيها مثل مسائل الرضاع والولادة والأموال بما يلـى :
1- قياس القضاء على الشهادة :
ووجه القياس : فكما أن المرأة يجوز شهادتها فى مسائل الرضــاع والأموال والولادة لقوله تعالى ( واستشهدوا شهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجــل وامرأتان ممن ترضون من الشهـــداء ) (3) 0
وأحكام القضاء إنما تستقى من أحكام الشهادة إذ أن كلا منهما من باب الولاية فما كانت فيه المرأة أهلا للشهادة كانت فيه أهلا للقضاء وما لم تكن فيه المرأة أهلا للشهادة كالحدود والقصاص لم تكن أهلا فيه لأن أهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة (4) 0
_____________
(1) يقصد بقول الصحابى هو مذهبه فى المسألة الاجتهادية وهو ما نقل إلينا وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله - r - من فتوى أو قضاء فى حادثه شرعية لم يرد فيها نص من كتاب أو سنة ولم يحصل فيها إجماع يراجع الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ 4 ص 201 ، المستصفى للغزالى جـ 1 ص 261 0
(2) أحكام القرآن لابن العربى جـ 3 ص 1445 0
(3) سورة البقرة الآية (282) 0
(4) شرح فتح القدير على الهداية جـ 7 ص 298 ، تبين الحقائق شرح كنز الدقائق للـزيلعى جـ 4 ص 175 مرجع سابق 0
- 89 -
مناقشـة هذا الدليل :
إن قياس القضاء على الشهادة قياس غير صحيح لأن المرأة لا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل (1) فالأصل فى الشاهد أن يكون ذكرا أى رجلا لقوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) (2) 0
وقوله تعالى ( لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) (3) 0
وقوله تعالى ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) (4) 0
ولو سلمنا بصحة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا فيكون قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق ووجه الفرق أن القضاء ولاية عامة والشهادة ولاية خاصة وليس كل من يصلح لتولى الولاية الخاصة يصلح لتولى الولاية العامة لأن الولاية الخاصة يكفى فيها مجرد القدرة أما الولاية العامة فتحتاج إلى قدره عالية تتناسب مع كثرة أعباء هذه الولاية وتحتاج إلى كمال الرأى وتمام العقل والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأى لا يتوافر فيها القيام بأعباء هذه الولاية وذلك لنقص النساء عن رتب الولايات (5) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مسألة حكم تولى المرأة القضاء وأدلة كل رأى ومناقشتها فإنى أرى ترجيح رأى جمهور الفقهاء فيما ذهبوا إليه من عدم جواز تولى المرأة القضاء لأن الذكورة شرط جواز وصحة بالنسبة لمن يلى القضاء وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها عن المعارض ، ولأن منع تولى المرأة القضاء يتفق وطبيعتها التى خلقها الله عليها وهى ليست أهلا للحضور فى محافل الرجال والخصوم 0
___________
(1) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(2) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(3) سورة النور الآية رقــــم (13) 0
(4) سورة النساء الآية رقــم (15) 0
(5) الأحكام السلطانية للماوردى ص 65 ، نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 302 ، المغنى لابن قدامة جـ11 ص 380 0
- 90 -
ومما هو جدير بالذكر أن الحنفية متفقون مع جمهور الفقهاء على عدم جواز تولى المرأة القضاء بداية مطلقا ولكن الخلاف فيما لو وليت المرأة القضاء مع إثم موليها فقضت قضاء موافقا لدين الله فيما عدا مسائل الحدود والقصاص أكان ينفذ هذا القضاء أم لا ؟ لم ينتهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله إلا أن يثبت شرعــا سلب أهليتها ، وليس فى الشرع سوى نقصان عقلها ، ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية ألا ترى أنها تصلح شاهدة ووصية على اليتامى (1) إذن فجمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة متفقون على عدم جواز تولى المرأة القضاء وهذا هو الرأى الراجح والله أعلم
الشرط السادس : العدالــة :
تعتبر العدالة من الشروط الهامة الواجب توافرها فى القاضى ونظرا لأهميتها بالنسبة للقاضى سوف نقوم بمشيئة الله وتوفيقه بتعريف العدالة لغة واصطلاحا وبيان موقف الفقهاء من مدى اشتراط توافرها فى القاضى وذلك من خلال النقاط التالية :
أولا : تعريف العدالة لغـة :
العدالة لغـة : التوسط ، والوسط هو العـدل (2) 0
لقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) (3) 0
أى عدول أى أن الله وصف هذه الأمة بكونهم عدولا (4) 0
ويقول المؤرخون وأهل السير : كان رسول الله - r -أوسط قريش نسبا أى أعدلهم نسبا 0
ويقول الشاعر (5) 0
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم \ إذ نزل إحدى الليالى بمعظم 0
والشاهد فى البيت :
أى هم عدول برضى الأنام بحكمهم 0
__________
(1) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 298 0
(2) أدب القاضى لابن أبى الدم ص 70 هامش 6 0
(3) صورة البقرة الآية رقم (143) 0
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ 1 ص 190 0
(5) نسب هذا البيت إلى زهير 0
- 91 -
والعدل ضد الجور يقال عدل عليه فى القضية من باب ضرب فهو عادل ، والعدل : الإنصاف وهو إعطاء المرء ماله وأخذ ما عليه (1) 0
وقال الفراء العدل بالفتح ما عدل الشىء من غير جنسه ، والعدل بالكسر المثل تقول عندى عدل غلامك أى مثله (2) 0
والعدالة هى : إحدى الفضائل الأربع التى قال بها الفلاسفة من قديم ، وهى الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة (3) 0
ثانيـا : تعريف العدالة فى الاصطلاح :
عرف الإمام الماوردى العدالة بأنها ( أن يكون الشخص صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفا عن المحارم التى حرمها الله متوقيا ما يوقعه فى الإثم ، بعيدا عن الريب وسوء السمعة مأمونا فى الرضا والغضب ، مستعملا لمرؤة مثله فى دينه ودنياه فإذا تكاملت فى الشخص هذه الأمور فهى العدالة التى تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته القضاء وإن انخرم منها وصف منع من الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم ) (4) 0
وعرفها بعض الفقهاء بأنها (5) : الامتناع عن ارتكاب الكبائر (6) وعدم الإصرار على الصغــائر (7) والترفع عما يقدح فى المروءة 0
_____________
(1) العجم الوجيز ص 409 حرف العين 0
(2) مختار الصحاح للرازى ص 232 0
(3) المعجم الوجيز ص 409 حرف العين 0
(4) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 634 بند 1576 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 0
(5) حاشيتا قليوبـــى وعمــيرة جـ 4 ص 321 ، نظام القضاء فى الشريعة الإسلامية د/ عبد الكريم زيدان ص 26 0
(6) الكبيرة هى كما عرفها الإمام الرملى بقوله ( هــى ما فيه وعيد شديد بنص كتاب أو سنة ) نهاية المحتاج جـ 8 ص 294 ، وعرفها ابن حزم الظاهرى بأنها هى ( ما سماها رسول الله - - r - كبيرة أو ما جاء فيه الوعيد ) يراجع المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
(7) الصغيرة هى كل ما لا ينطبق عليها تعريف الكبيرة من الأمور المحرمة مثل النظر المحرم أو هى ما لم يأت فيه وعيد يراجع نهاية المحتاج جـ 8 ص 295 ، المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
- 92 -
وعلى هذا فالعدالة تكون غير متوافرة فى الشخص إذا كان كاذب اللهجة ظاهر الخيانة مجترئا على المحارم ، غير متوق ما يوقعه فى الإثم ، داخلا بنفسه فى الريب سيىء السمعة غير مأمون فى الرضا والغضب تاركا لمرؤه مثله 0
ثالثا : موقف الفقهاء من اشتراط العدالة فى القاضى :
اختلف الفقهــاء فــى الفقه الإسلامى حول اشتراط العدالة فى القاضى إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب الطحاوى (1) والكرخى من الحنفية (2) والمالكية فى الأصح (3) والشافعية (4) والحنابلة (5) والظاهرية (6) والزيدية (7) والإمامية (8) إلى اشتراط العدالة فى القاضى ويرون أن العدالة شرط جواز وصحة لتولى القضاء ، بحيث إذا ولى الفاسق القضاء أثم توليه ولا ينفذ شيئا من قضاءه حتى وإن وافق الحق 0
_______________
(1) هو الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامه بن سلمة ابن عبد الملك الأسدى الحجرى المصرى الطحاوى الحنفى - صاحب التصانيف ، من أهل قرية طحا ولد سنة 239 هـ ، وأرتحل إلى الشام سنة 268هـ ، ومن تصانيفه اختلاف العلماء ، والشروط وأحكام القرآن - ومعانى الآثار توفــى سنـة 321 هـ . انظر فى ذلك سير أعلام النبلاء - للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبى طبعة مؤسسة الرسالة جـ 15 ص 27 0
(2) شــرح العنايــة علـــى الهدايـــة مـــع شرح فتــح القديـــر جـ 7 ص 254 ، حاشية ابن عابدين جـ 4 ص 299 0
(3) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد جـ 2 ص 460 0
(4) نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، قليوبى وعميرة جـ 4 ص 297 0
(5) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 380 0
(6) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
(7) البحر الزخار جـ 6 ص 119 0
(8) المختصر النافع ص 279 0
- 93 -
الرأى الثانى :
ذهب الحنفية فى ظاهر الرواية (1) والمالكية فى قول (2) إلى أن العدالة ليست شرطا من شروط جواز تولية القضاء ولكنها شرط من شروط الكمال أى الأفضل والأكمل عندهم أن يكون القاضى عدلا ولكن لو تولى الفاسق القضاء صحــت توليته القضاء ويأثم موليه وينفذ قضــائه 0
أدلة الرأى الأول :
استدل جمهور الفقهاء على رأييهم باشتراط العدالة فى القاضى وأن العدالة شرط جواز وصحة لتولى القضاء بما يلـى :
أولا من الكتاب :
1- قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (3) 0
وجه الدلالة من الآيـة :
إن الله سبحانه وتعالى أمر بالتبيين عند قول الفاسق ولا يصــح ولا يجوز أن يكون القاضى ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمـه (4) 0
ثانيـا : من القيـاس :
بقياس القضاء علــى الشهادة بجامع الولاية فى كل ، فكما أن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا - عند جمهور الفقهاء - فلا يجوز أن يكون قاضيا من باب أولى لأن العدالة يشترط توافرها فى الشاهد فكذلك يشترط توافرهــا فــى القاضى بل اشتراط العدالة فى القاضى أولى لأن الشهادة ولاية خاصة والقضاء ولاية عامة والقضــاء إنصــاف وإيصال الحق لأهله والفاسق لا ينصف نفسه فكيف ينصف غـيره (5) 0
_____________
(1) شرح العناية على الهداية جـ 7 ص 254 ، حاشية ابن عابدين جـ 4 ص ص 299 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد جـ 2 ص 460 0
(3) سورة الحجرات الآية رقم (6) 0
(4) أدب القاضــى للماوردى جـ 1 بند 1580 ، المغنى لابن قدامه جـ 11 ص 382 ، القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 16 0
(6) المراجع السابقه ، المحلى لابن حزم جـ 10 ص 264 0
- 94 -
أدلة الرأى الثانـى :
استدل الحنفية على رأيهم أن العدالة ليست شرطا من شروط تولية القضاء ولكنها شرط من شروط الكمال : بالقيـاس :
حيث قالوا بقياس القضاء على الشهادة لأن من كان أهلا للشهادة كان أهلا للقضاء بجامع أن كلا من القضاء والشهادة من باب الولاية ولما كان الفاسق عند الحنفية أهلا للشهادة فلا تشترط العدالة فى القاضى واستدل الحنفية على عدم اشتراط العدالة فى الشاهد بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) (1) 0
ووجـه الدلالة : أن الله أمر بالتبيين عند قول الفاسق فلو لم تقبل شهادته لما كان للأمر بالتبين فــائدة (2) 0
مناقشـة دليل الحنفيـة :
رد جمهور الفقهاء على استدلال الحنفية بأن الفاسق أهل للشهادة بقولهم : لا نسلم لكم أن الفاسق أهل للشهادة لقوله تعالى ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) (3) ، وقوله تعالى ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) (4) 0
فالآية الأولى تدل على اشتراط العدالة فى الشاهد ، والآية الثانية تدل على أن شهادة الفاسق مردودة فكذلك يكون قضاء الفاسق مردود وغير مقبول 0
أما قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق لأن القضاء ولاية عامة والشهادة ولاية خاصة وليس كل من يصلح لتولى الولاية الخاصة يصلح لتولى الولاية العامة 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا لآراء الفقهاء فى مسألة اشتراط العدالة فى القاضى وذكرنا أدلة كل رأى ومناقشة ما أمكن مناقشته فإنه يتبين لنا أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اشتراط العدالة فــى القاضــى وذلك لقـوة أدلتهم وضعف أدلة المخالفين ولأن القضاء أمانة عظيمة وهى
___________________________________
(1) سورة الحجرات الآية رقم (6) 0
(2) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 254 ومابعدها ، بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 4 ، حاشية ابن عابدين جـ 4 ص 299 0
(3) سورة البقرة الآية رقم (282) 0
(4) سورة النور الآية رقم (4) 0
- 95 -
أمانة الأموال والأبضاع والنفوس فلا يقوم بوفائها إلا من كمل ورعه وتم تقواه وهذا لا يتحقق إلا بتوافر العدالة فى القاضى فضلا عن أن الفاسق غير مؤتمن على نفسه فلا يؤتمن على غيره من باب أولى لأن ارتكابه الفسق ضرر لنفسه فضرره لغيره متوقع فيمنع من توليه القضاء 0
الشرط السابع : الاجتهاد :
يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مجتهدا بأن يكون عالما بالأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية حتى يتحقق فيه الكفاءة العلمية التى تؤهله لمعرفة الأحكام الشرعية فى القضايا التى تعرض عليه حتى لا يحكم بين الناس على جهل 0
ونظرا لأهمية شرط توافر الاجتهاد فى القاضى سوف نقوم بمشيئة الله وتوفيقه بتعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا وبيان موقف الفقهاء من اشتراط الاجتهاد فى القاضى وذلك من خلال النقاط التالية :
أولا : تعريف الاجتهاد لغـة :
قال أبو بكر الرازى - رحمه الله - الجهد بفتح الجيم وضمهـا الطاقة وقرىء بهما قوله تعالى ( والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ) (1) 0
والجهد بالفتح المشقة يقال جهد دابته وأجهدها - إذا حمل عليها فى السير فوق طاقتها ، وجهد الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مجهود من المشقة ، وجاهد فـــى سبيل الله مجاهدة وجهادا ، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود (2) يقال : ابذل جهدك ، والشىء القليل يعيش به من قل ماله ، والمجتهد فى الشريعة هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعى وله شروط مقررة فى علم أصول الفقه (3) 0
ثانيـا : تعريف الاجتهاد فى الاصطلاح :
يقصد بالاجتهاد فى الاصطلاح : بذل الجهد فى استنباط الحكم الشرعى من أدلته التفصيلية أو أخذه من مصادره إذا لم تنص هــذه الأدلة أو تلك المصادر علىالحكم صراحة،فإذا كان النص قــد دل علــى الحكـم صراحــة كقولـــه تعالى ( ولا تقتلــوا النفس التى حرم الله إلا
________________________________
(1) سورة التوبة الآية رقم (79 ) 0
(2) مختار الصحاح للرازى ص 74 0
(3) المعجم الوجيز ص 122 وما بعدها 0
- 96 -
بالحــق ) (1) فإن هذا النص دليل صريح على حرمة القتل ، وكقوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) (2) 0
فإن هذا دل دلالة واضحة على وجوب الحج ، فإنه لايقال لأخذ الحكم من هذين النصين اجتهاد لأن المجتهد لم يبذل جهــدا ولم يتحمل مشقة فى الوصول إلى الحكم وانما أخذه صراحة من النـص (3) 0
- وعلى هذا فالمراد بالاجتهاد هــو الأهلية لا ستنباط الحكم الشرعــى مـن أدلته التفصيلية ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان القاضى عالما بأصول الأحكام فى الشريعة وفروعها وأصول الأحكام فى الشرع أربعــة :
1- العلم بكتاب الله تعالى علما يمكنه من معرفة أحكامه ومعرفة الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين 0
2- العلم بسنة الرسول -r - من الأقوال والأفعال الثابتة وطرق مجيئها فى التواتر والآحاد والصحة والفساد 0
3- العلم بمسائل الإجماع التى أجمعت عليها الأمة ومواطن الخلاف وذلك حتى يتمكن من متابعة الإجماع والعمل به ويجتهد برأيه فى المسائل الخلافية 0
4- العلم بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل فإذا أحاط علم الشخص بهذه الأصول الأربعة فى أحكام الشريعة الإسلامية صار بها من أهل الاجتهاد فى الدين وجاز له أن يفتى ويستفتى ويقضى ويستقضى وإن أخل بها أو بشىء منها فلا يصدق عليه وصف المجتهد ولم يجز له أن يفتى ويستفتى ويقضى ويستقضى (4) 0
_______________
(1) سورة الإسراء الآية رقم (33) 0
(2) سورة آل عمران الآية رقم (97) 0
(3) الأحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ 3 ص 4 ، المدخــل لدراســـة الفقه الإسلامى د/ حسين حامد ص 28 0
(4) نهاية المحتاج جـ 8 ص 239 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 376 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 637 بند 1592 ، أدب القاضى لابن أبى الدم ص 75 ، نظام القضاء فى الاسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 16 0
- 97-
ثالثا : موقف الفقهاء من اشتراط الاجتهاد فى القاضى :
اتفق الفقهاء على أنه يستحب فى القاضى أن يكون مجتهدا ولكنهم اختلفوا فى اشتراط الاجتهاد فى القاضى إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب محمد من الحنفية (1) والراجح عند المالكية (2) وذهب الشافعية (3) والحنابلة (4) والظاهرية (5) والزيدية (6) والإمامية (7) إلى أن الاجتهاد شرط لجواز تولى القضاء وصحتــه 0
الرأى الثانى : ذهب جمهور الحنفية (8) وبعض المالكية (9) إلى أن الاجتهاد ليس شرطا فى جواز وصحة تولى القضاء ويؤكد ذلك 0
قول الحنفيـة والمالكيـة :
الحنفيـة : قال الكاسانى (10) :
( يجوز تقليد الجاهل القضاء قياسا على الإمام الأعظم لأنه يمكنه أن يقضى بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء فكذا القاضى لكن مــع هــذا لا ينبغـــى أن يقلد الجاهل بالأحكام لأن
________________________________________________
(1) شرح العناية على الهداية مع شرح فتح القدير جـ 7 ص 256 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، بداية المجتهد جـ 2 ص 460 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 376 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 636 بند رقم 1590 0
(4) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 382 0
(5) المحلى لابن حزم جـ 10 ص 238 بند رقم 1778 0
(6) البحر الزخار جـ 6 ص 119 0
(7) المختصر النافع ص 279 0
(8) شرح العناية على الهداية ومعه شرح فتح القدير جـ 7 ص 256 ، بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 0
(9) بلغـة السالك جـ 2 ص 305 0
(10) هو أبو بكر بن مسعود ابن أحمد الكاسانى - نسبة إلى كاسان وهى مدينة فى أول بلاد تركستان - وراء نهر سيمون وراء الشاس ، وهو فقيه أصولى ، لقب بعلاء الدين ، توفى بحلب سنة 587هـ سنة 1191م وله تصانيف كثيرة منها بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع ، انظر معجم المؤلفيين ( تراجم لمصنفى الكتب العربية ) تأليف - عمر رضا كحالة - الناشر مكتبة المثنى - بيروت - لبنان دار إحياء التراث العربى - بيروت لبنان - المجلد الرابع ص 189 0
- 98 -
الجاهل بنفسه يفسد أكثر مما يصلح ، بل يقضى بالباطل من حيث لا يشعر به ) (1) 0
وقالت المالكيـة :
ولا يشترط علمه بجميع أحكام الفقه إلا إن كان مولى فى جميع الأحكام ويسمى عند الفقهاء بقاضى الجماعة فإن كان مولى فى شىء خاص كالأنكحـة اشترط علمه بها فقط وهكذا (2) 0
أدلة الرأى الأول :
استدل جمهور الفقهاء على رأيهم باشتراط الاجتهاد فى القاضى بما يلـى :
أولا : من الكتاب :
قوله تعالى ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ) (3) 0
وجـه الدلالة من الآيـة :
أن الله أمر بالرد إلى كتابه وسنة رسوله -r - عند الحكم وعند التنازع لأن فصل الخصومات بين الناس لا يكون إلا بالكتاب والسنة لأنهما الأصل الذى يرد إليه كل حكم ، والرد إلى كتاب الله وسنة الرسول - r - لا يتوافر إلا فى المجتهد (4) 0
ثانيـا : من السنـة :
ما روى ابن بريدة عن أبيه (5) قال : قال رسول الله -r - ( القضاة ثلاثة ، قاضى فى الجنة وقاضيان فى النار ، فأما الذى فــى الجنة فرجــل عـــرف الحـــق فقضى به ، وأما اللذان فى النار فرجل عــرف الحــق وجــار فــى الحكم فهــو فـــى النار ، ورجــل قضى للناس على جهل
_____________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 0
(2) بلغـة السالك جـ 2 ص 305 0
(3) سورة النساء الآية رقم (59) 0
(4)المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 382 0
(5) هو بريدة بن الحصيــب الأسلمــى ، سكن فى المدينة ثم البصرة ثم مرو ومات بها سنة 62 أو 63 هـ وهو آخر من مات بخرسان من الصحابة وقد روى عنه ابنه عبد الله هذا الحديث وعبد الله هذا كان قاضيا على مرو ، وهو ثقة فى رواية الحديث ومات سنة 115 هـ ، يراجع خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ، لصفى الدين أحمد بن عبد الله الخزرجى الأنصارى - المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى سنة 1322 هـ 0
- 99 -
فهو فى النار ) رواه ابن ماجة (1) 0
وجـه الدلالة من الحديث :
أن الرسول - r - أخبر بأن من القضاة من يستحق دخول النار وهو من يقضى بين الناس على جهل ، واستحقاق دخول النار لا يكون إلا بناء على فعل محرم فدل هذا على عدم جواز تولى الجاهل القضاء لأن الجاهل لا يفهم الأحكام الشرعية ولا يعرف كيفية استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية ولا يعرف ذلك إلا المجتهد ، فهذا الحديث أكبر دليل على اشتراط الاجتهاد فى القاضى (2) 0
ثالثا : من المعقـول :
قالوا : إن الأصل فى المكلف أن يصل إلى الحكم من الدليل باجتهاده ولا يقلد إلا إذا تحققت الضرورة والضرورة تقدر بقدرها فلا تتعداها إلى غيره ويترتب عليه عدم إلزام المتقاضين بما إلتزمه الشخص نفسه على سبيل الضرورة فدل ذلك على عدم صحة ولاية الجاهل القضاء (3) 0
أدلة الرأى الثانى :
استدل الحنفية وبعض المالكية على رأيهم بعدم اشتراط الاجتهاد فى تولى القضاء بأن الغرض من القضاء هو فصل الخصومات بين الناس وإيصال الحق إلى مستحقيه والجاهل يمكنه ذلك لأنه يمكن أن يقضى بفتوى غيره (4) 0
مناقشة هذا الدليل :
رد على ذلك أنه ليس الغرض من القضاء فصل الخصومات بين الناس على أى وجه وإنما الغرض هو فصل الخصومات بالطرق الشرعية المستنبطة مــــن أدلتها التفصيلية ولا يصل إلى هذه
________________________________
(1) أخرجه ابن ماجه فى سننه فى 13 - كتاب الأحكام ، 3- باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق ، جـ 2 ص 776 رقم الحديث 2315 ، ورواه الحاكم فى المستدرك فى الأحكام وزاد فيه : قالوا يا رسول الله ، فما ذنب الذى يجهل ؟ قال ذنبه أن لا يكون قاضيا حتى يعلم ، وقال فيه : حديث صحيح على شرط مسلم ، يراجع نصب الراية جـ 4 ص 65 مرجع سابق 0
(2) المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 382 0
(3) الأحكام السلطانية للماوردى ص 66 0
(4) شرح العناية على الهداية ومعه شرح فتح القدير جـ 7 ص 256 ، بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 0
- 100 -
المرتبة إلا من بلغ درجة الاجتهاد (1) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا لآراء الفقهاء فى مسألة اشتراط الاجتهاد فى القاضى وذكرنا أدلة كل رأى ومناقشتها فإنى أرى أن الرأى الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء القائلين باشتراط الاجتهاد فى القاضى وذلك لقوة أدلتهم 0
الشرط الثامن : أن يكون القاضى سليما من الآفـات :
اشترط الفقهاء فــى القاضـى أن يكون سليما من الآفات بأن يكون سميعا بصيرا لأن الأخرس لا يمكنه النطق ولا يفهــم جميــع الناس إشارته ، والأصـــم لا يسمع قـول الخصمين ، والأعمى لا يعرف المدعى ولا المدعى عليه فلا يجوز تولية الأعمى أو الأصم أو الأبكم القضاء لأن السلامة من الآفات أهيب لذوى الولايات وولاية القضاء من أخطر وأعظم الولايات (2) 0
الشرط التاسع : شروط أخرى ينبغى توافرها فى القاضى :
قال ابن قدامة ( وينبغى أن يكون الحاكم قويا فى غير عنف ، لينا فى غير ضعف ، لا يطمع القوى فى باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأن يكون حليما متأنيا ذا فطنة ويتقظ لا يؤتى من غفلة ولا يخدع بغرة ، صحيح السمع والبصر عالما بلغات أهل ولايته ، عفيفا ورعا نزيها بعيدا عن الطمع ، صدوق اللهجة ذا رأى ومشورة ، لكلامه لين إذا قرب ، وهيبة إذا بعد ولا يكون جبارا فيقطع ذا الحجة عن حجته ، قال على -رضى الله عنه- لا ينبغى أن يكون القاضى قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال : عفيف ، حليم ، عالم بما كان قبله ، يستشير ذوى الألباب ، لا يخاف فى الله لومة لائم ) (3) 0
__________
(1) تبصرة الحكام جـ 1 ص 25 ، الأحكــام السلطانية للماوردى ص 66 ، المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 382 0
(2) بدائع الصنائع جـ 7 ص 4 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 24 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 238 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 375 ، الأحكــام السلطانية للمــاوردى ص 66 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 621 بند 1521 ، المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 381 0
(2) المغنى والشرح الكبير جـ 11 ص 385 0
الفرع الثانى
الشروط الواجب توافرها فى القاضى فى القانون الوضعى
تمهيد :-
سبق وأن ذكرنا أن القاضى فى مصر هو موظف عمومى تعينه الدولة بواسطة السلطة التنفيذية حسبما تأخذ به الأنظمة القانونية المعاصرة والنظام الإسلامى ، وليس عن طريق الانتخاب كما هو الشأن فى بعض الدول الأوربية ، وإذا كانت السلطة التنفيذية فى مصر هى التى تقوم بتعين القاضى إلا أن سلطتها فى هذا الشأن ليست سلطة مطلقة لأن المشرع اشترط توافر شروطا خاصة فيمن يعين قاضيا ، فتكون هذه الشروط قيدا على حرية السلطة التنفيذية ولا تستطيع تخطيها أو الخروج عليها فى هذا الشأن (1) 0
وطبقا لنص المادة (38) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 يشترط فيمن يولى القضاء أن تتوافر فيه الشروط الآتية :
الشرط الأول : أن يكون مصرى الجنسيـة :
يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مصرى الجنسية وذلك لأن القاضى موظف عمومى تعينه الدولة بواسطة السلطة التنفيذية ، ولا يجوز أن يتولى الوظائف العامة إلا مصرى الجنسية ، ومن جهة أخرى فإن القضاء مظهر من مظاهر سيــادة الدولة وينتفى معه وجود قاضى من غير مواطنيها (2) 0
ومع ذلك فتولى القضاء ليس قاصرا على المتمتع بالجنسية المصرية فحسب وإنما يمكن أن يتولى القضاء من يتمتع بالجنسية المصرية المكتسبـة وذلك بعــد مضى المــدة التى حددها قانون الجنسية المصرى رقم 26 لسنة 1975 وهى مدة خمس سنوات إذ يصبح الشخص الأجنبى بعد مضى هذه المدة من مواطنى الدولة وله الحق فى التمتع بكافة الحقــوق وعليــه الالتزام بجميع الواجبات
________________
(1) الوسيط د/ أحمد السيــد صـــاوى بند 37 ص 71 ، قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح ص 46 0
(2) الوسيط د/ فتحــى والى بند 106 ص 194 ، قانون القضــاء المدنى د/ محمــود محمد هاشم طبعــــة سنة 1991 الطبعة الثانية جـ 1 ص 124 0
- 102 -
المقــررة علـــى المتمتعين بجنسية الدولــة الأصليـــة وتولى جميع الوظائف العامة ومنها ولاية القضــاء (1) 0
ولما كان المشرع المصرى قد اشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مصرى الجنسية سواء كانت الجنسية أصلية أم مكتسبة ولم ينص صراحة على اشتراط الذكورة فى القاضى الأمر الذى أدى إلى اختلاف الفقه القانونى حول مدى جواز تولى المرأة القضاء إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى بشىء من التفصيل :
الرأى الأول :
ذهب جانب من الفقه القانونى إلى جواز تولى المرأة القضاء (2) 0
حيث ذكر الدكتور / فتحى والى فى هذا الصدد ( وإذا توافــر شـرط الجنسية المصرية فلا يهم أن المصرى رجلا أو امرأة ، وإن كان الأمر قد جرى على عدم تولى المرأة القضاء فى مصر وهو تقليد لاسند لـه (3) 0
أدلــة هــذا الرأى :
استند هذا الرأى إلى ما ذهب إليه من جواز تولى المرأة القضاء بما يلـى :
1- أن المشرع لم يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون رجلا ، وذلك عند ذكره للشروط الواجب توافرها فيمــن يتولى القضــاء وبالتالى فهـــو لم يمنع المرأة مــن تولى القضاء ، وإنما كل ما اشترطه المشرع فى القاضى هو أن يكون مصرى الجنسية وهــذا متحقق فى الرجل والمرأة على السواء (4) 0
_________________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 92 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 28 ص 72 ، الوسيــط د/ فتحــى والى بند 106 ص 194 ، المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف مجلة الأمن والقانون ص 288 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 127 ، الوجيز فــى المرافعــات د/ محمد محمود إبراهيم ص 94 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 194 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 194 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 194 0
- 103 -
2- أن المشرع المصري أيضا عند ذكره للشروط اللازم توافرها فى ممارسة مهنة المحاماة لم يمنع المرأة من ممارسة تلك المهنة ، وإنما اشترط فيمن يمارس تلك المهنة أن يكون مصرى الجنسية طبقا لنص المادة (13) من قانون المحاماة رقم (17) لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 حيث نصت تلك المادة على أنه ( يشترط فيمن يطلب قيد اسمه فى الجدول العام أن يكون متمتعا بالجنسية المصرية ) ، وإذا كان المشرع قد سمح للمرأة بممارسة مهنة المحاماة فكذلك يجوز لها تولى القضاء إذ لا وجه للتفرقة فى ذلك بين الرجل والمرأة 0
3- كما أن المشرع عندما يقصد قصر ممارسة عمل معين على الذكور دون الإناث ينص على ذلك صراحـة (1) 0
فضلا عن أن المرأة فى مصر وصلت إلى منصب الوزارة والتمثيل النيابى (2) 0
الرأى الثانى : ذهب جانب آخر مــن الفقــه القانونى إلى عدم جواز تولى المرأة القضــاء (3) 0
أدلة هذا الـرأى :
1- أنه يجب النظر إلى ولاية القضاء بعين شرقية إسلامية ، والابتعاد عما جرى عليه العمل فى الدول الأوربية ، لأن طبيعة المرأة لا تتناسب البتة مع طبيعة عمل القاضى ومايواجهه من البحث والإرهاق وتدقيق النظر حتى يصل إلى الحل المناسب فى القضية المعروضة عليه 0
2- أن القاضىلا يتأثر بما يسمع بل يقضى فىالنزاع فى حدود القانون وطبقا لمقاييس العدل ، ويقوم بمواجهة الخصوم والجماهير وسماع مشكلاتهم ، والخوض فى بحث مسائل ماسة ودقيقة تمس العرض والأخلاق ، وكل هذا لا يتناسب مع طبيعة المرأة التى تهتم لأتفه وأبسط الأمور 0
3- أن قيام الدول الأوربية بالسماح للمرأة فى تولى قضاء الأحداث ، أو نيابة الأحوال الشخصية فإنما كان ذلك لضرورة وهى نقص عدد الرجال بعد الحربيين العالمتيين 0
______________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمــد محمـــود إبراهــيم ص 93 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 127 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 127 0
(3) أصول المرافعات الشرعية د/ أنور العمروسى الطبعة الثالثة ص 23 0
- 104 -
4- كما يشترط فى القاضى أن يكون على دراية كاملة بمشكلات الناس ومنازعتهم ، والمرأة بطبيعتها قليلة التجربة (1) 0
النقد الموجـه لهذا الرأى :
انتقد جانب من الفقه القانونى (2) هذا الرأى بأنه يتسم بالمغالاة والغلو للآتـى :
أ - من حيث التأثير وطبيعة المرأة :
فإنه ليس صحيحا أن المرأة القاضية تتأثر بكل ما تسمع وأن الرجل القاضى لا يتأثر ، فالإثنين يتأثران ولكن الاختلاف فى مدى درجة التأثر 0
ب - من حيث طبيعة المنازعات :
أنه إذا كانــت هنـاك منازعات ليس مــن اللائق أن تتصــدى لها المرأة ، فهناك من المنازعات ما يجب أن تتصدى لها المرأة مثل منازعات الأسرة والأحداث 0
جـ - من حيث الحجـة التاريخيـة :
القول بأن الدول الأوربية قد سمحت للمرأة بتولى القضاء بسبب نقص عدد الرجال بعد الحربين العالمين فهذا ليس صحيحا لأن الدول الأوربية لم تسمح بتولى المرأة القضاء بعد الحربيين العالمين ، وإنما الثابت تاريخيا أن أول امرأة تولت القضاء فى أمريكا كانت عام 1989م أى قبل الحرب العالمية (3) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا آراء الفقه القانونى فى حكم تولى المرأة القضاء وأدلة كل رأى ، فإنى أرى ترجيح الرأى القائل بعدم جواز تولى المرأة القضاء وذلك لوجاهته ولأنه يتناسب مع طبيعة المرأة التى خلقها الله عليها ، وأنها ليست أهلا للحضور فى محافل الرجال ، كما أن هذا الرأى يتفق مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فى الفقه الإسلامى ، كما أن المرأة رقيقة العاطفة مرهفة الحس سريعة التأثر ، وهذا من شأنه أن يدفعها فى الكثير من الأحوال إلى الميل مع الهوى وتغليب دواعى
_____________
(1) أصول المرافعات الشرعية د/ أنور العمروسى الطبعة الثالثة ص 24 وما بعدها 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 94 0
(3) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 95 0
- 105 -
العاطفة على مقتضى العقل والحكمة ، فلهذه الأمور كلها رأينا ترجيح الرأى القائل بعدم جواز تولى المرأة القضاء 0
الشرط الثانى : أن يكون كامل الأهلية المدنية :
يشترط كذلك فيمن يتولى القضاء أن يكون كامل الأهلية المدنية ، إذ لا يجوز تولية ناقص الأهلية القضاء ، لأنه لا يؤخذ بقوله على نفسه حكم فلا يؤخذ به على غيره من باب أولى ، كما لا يجوز تولية فاقد الأهلية القضاء من باب أولى (1) 0
الشرط الثالث : من حيث السـن :
ويشترط فيمن يتولى القضاء ألا يقل سنه عن ثلاثين سنة وذلك إذا كان التعيين بالمحاكم الابتدائية وعن أربعين سنة إذا كان التعيين بمحاكم الاستئناف وعن ثلاثة وأربعين سنة إذا كان التعيين بمحكمة النقض (2) 0
وهذا التحديد التشريعى للسن مبنى على اعتبارات عملية وذاتية حيث أن المشرع افترض أن من بلغ هذا الحد من عمره يكون قد بلغ حدا من الوعى ونضوج الفكر وقوة الشخصية التى تؤهله لتولى هذا المنصب الخطير (3) 0
الشرط الرابع : من حيث السمعة والاعتبار :
من الشروط الواجب توافرها فى القاضى أن يكون محمود السيرة حسن السمعة ، وألا يكون قد حكم عليه من المحاكم أو مجالس التأديب لأمر مخل بالشرف حتى ولو كان قد رد إليه اعتباره وذلك لأن القضاء منصب جلى ، ومكان على يجب تنزيهه وتطهيره من ذوى السمعة السيئة والسيرة الذميمة (4) 0
___________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ عبد الحميد أبو هيف بند 213 ص 200 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 195 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 125 0
(2) المادة (38/2) من قانون السلطة القضائيــة رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 0
(3) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 96 0
(4) الوسيـط د / فتحــى والى بند 106 ص 195 ، قانون القضــاء المدنى المصــرى د/ عزمــى عبد الفتاح ص 50 0
- 106 -
الشرط الخامس : من حيث درجته العلمية :
ويشترط فى القاضى من حيث درجته العلمية أن يكون حاصلا على أجازة الحقوق من إحدى كليات الحقوق بجامعات جمهورية مصر العربية أو على الاجازة العالية فى الشريعة والقانون من إحدى كليات الشريعة والقانون بجامعة الأزهر طبقا لنص المادة (6) من قرار رئيس الجمهورية بإصدار القانون رقم 46 سنة 1972 بشأن السلطة القضائية والمعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984 والتى تنص على أنه ( استثناء من حكــم البنــد (3) من المادة (38) من القانون المرافق ( أى قانون السلطة القضائية ) يجوز أن يعين معاونا بالنيابة العامة للأحوال الشخصية الحاصلون على الشهادة العالية من كلية الشريعة مع إجازة القضاء ، أو الاجازه العالية مع التخصص فى الشريعة والقانون " (1) 0
كما تنص المادة (2) من القانون رقم 50 لسنة 1966 فى شأن تطوير الدراسة بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر الصادر بتاريخ 15/8/1966 على أنه ( تمنح جامعة الأزهر خريجى كلية الشريعة والقانون درجة الأجازة العالية فى الشريعة والقانون ، ويكون لحاملى هذه الدرجة كافة الحقوق المقررة لحاملى درجة الاجازة العالية فى الشريعة فضلا عن الحقوق المقرره لحاملى درجة الليسانس فى الحقوق من كليات الحقوق فى جامعات الجمهورية ) 0
كما يجوز تعيين من يحصل على شهادة أجنبية معادلة لاجازة الحقوق قاضيا بشرط أن ينجح فى امتحان المعادلة طبقا للقوانين واللوائح الخاصة بذلك (2) 0
وعلى هذا فالمشرع المصرى لم يتطلب فيمن يتولى القضاء أكثر من الحصول على ليسانس الحقوق من إحدى الجامعات المصرية أو شهادة أجنبية معادلة بشرط النجاح فى امتحان المعادلة المعد لذلك ، على العكس من المشرع الفرنسى الذى يشترط فيمن يعين قاضيا أن يكون من بين خريجى المركز الوطنى للدراسات القضائية الذى أنشأ فى سنة 1958 والذى حلت محله المدرسة الوطنية للقضاء ، الأمر الذى جعل جانب من الفقه القانونى المصرى إلى انتقاد مسلك المشرع المصرى سالف الذكر ووصفـه بأن هـــذا النظام فــى الواقع ليس مثاليا لأن مباشرة ولاية
________________________________________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمــود هاشـم ص 125 ، محاضرات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب الكتاب الأول النظام القضائى طبعة سنة 93 / 1994 ص 79 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 41 ص 49 0
- 107 -
القضاء تتطلب إعدادا علميا خاصا لا يكفــى فيه مجرد الحصول على ليسانس الحقوق أو ما يعادله ، إذ للقضاء مجالــه الخاص الذى يختلف عن غيره من مجالات العمل القانونى ويتطلب إعدادا خاصا (1) 0
الشرط السادس : من حيث الخبرة القانونية :
بالإضافة إلى الشروط السابقة يشترط فى القاضى أن يكون قد سبق له الاشتغال بعمل من الأعمال القضائية أو القانونية سواء فى النيابة العامة أو مجلس الدولة أو هيئة قضايا الدولة أو هيئة النيابة الإدارية أو المحاماة أو تدريس القانون بإحدى الجامعات المصرية ، حتى يتحقق له الخبرة اللازمة لمباشرة القضاء ، وهذه الخبرة المطلوب توافرها فى القاضى تختلف بحسب اختلاف الدرجة التى سيعين بها وقد حددت المواد (39 ، 40 ، 41، 42 ، 43) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984 ، الخبرة المطلوبة لكل درجة من درجات السلم القضائى (2) 0
هذه هى الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء فى القانون الوضعى وعلى وزارة العدل أن تتحقق من توافر هذه الشروط فى الشخص الذى سيتولى القضاء وصلاحيته لهذا المنصب الخطير ، ولوزارة العدل أن تطلب من الهيئة التى ينتسب إليها المرشح أو التى لها الإشراف عليه وعلى عمله البيانات الخاصة بكفايته ، ولا يكفى توافر هذه الشروط فى الشخص حتى يتولى القضاء بل لابد من صدور قــرار بتعيينه من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الأعلى للقضـــاء (3) 0
______________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 125 ، الوسيط د/ فتحى والى ص 195 هامش (1) ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 97 0
(2) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 39 ص 76 ، المرافعات المدنية والتجارية بند 40 ص 50 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 126 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 106 ص 195 ، المرافعــات المدنيــــة والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 40 ص 50 0
- 108 -
الموازنة بين الشريعة والقانون فى الشروط المطلوب توافرها فيمن يتولى القضـــاء :
إذا رجعنا إلى شروط تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى والتى سبق ذكرها لوجدناها أشمل وأوسع وأعم وأدق من شروط تعيين القاضى فى القانون المصرى ، فمثلا نجد أن الفقه الإسلامى اشترط توافر شرط الإسلام فى القاضى فى القضاء بين المسلمين أو غير المسلمين حسب الرأى الراجح فى الفقه الإسلامى بينما نجد أن المشرع المصرى عند ذكره لشروط تعيين القاضى لم ينص على اشتراط مثل هذا وإنما كل ما اشترطه توافر الإسلام فى القاضى فى مسائل الأحوال الشخصية فقط وهذا يعتبر قصورا فى التشريع المصرى إذ ينبغى أن يشترط توافر الإسلام فى القاضى سواء كان فى مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة للمسلمين أو غيرها من المسائل المدنية والجنائية والإدارية وكذلك من شروط تعيين القاضى فى الفقه الإسلامى أن يكون ذكرا حسب الرأى الراجح فى الفقه الإسلامى بينما نجد أن المشرع المصرى لم يتعرض إلى مثل هذا الشرط ولم ينص عليــه صراحــة مما جعــل بعض علماء الفقه القانونى إلى القول بجواز تولى المرأة القضاء لأن كل ما اشترطه المشرع المصرى فى فيمن يتولى القضاء أن يكون مصرى الجنسية يستوى فى ذلك أن يكون رجلا أو امرأة ، وبذلك تكون الشروط الواردة فى الفقه الإسلامى أوسع وأشمل من الشروط الواردة فى القانون المصرى بخصوص الشروط المطلوب توافرها فى القاضى وأرى أنه ينبغى على المشرع أن ينص صراحة على عدم جواز تولى المرأة للقضاء حتى لايترك فرصة لذوى الأهواء التعلل بأن القانون الحالى لا يمنع تولى المرأة القضاء ، وبذلك تكون الشروط المطلوب توافرها فيمن يتولى القضاء فى الفقه الإسلامــى ينبغى العودة إليها وتطبيقها كاملة فيمن يتولى القضاء لأن القضاء فى الإسلام منصب جلى ومكان على لا يولى جزافا وبذلك تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكـــان 0
- 109 -
المبحث الثانى
استقلا ل القضاء فى الفقة الأسلامى والقانون الوضعى
تمهيد :-
مما لاشك فيه أن ولاية القضاء من أهم الولايات شأنا وأعظمها أثرا وأعلاها مرتبة فى المجتمع الإسلامى وذلك لأن ولاية القضاء فى مجتمعنا المعاصر لها دور هام فى استقرار مبادىء العدل بين أفراده لأن القاضى بعمله النبيل ورسالته المقدمة يهىء للمجتمع سبل الأمن ليطمئن كل مسلم وغير مسلم فى دار الإسلام على نفسه وماله وعرضه ، ولذلك قال الإمام السرخسى فى المبسوط ( اعلم بأن القضاء بالحق أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات وبه أمر كل نبى مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) (1) 0
ومن هنا تظهر مسئولية القاضى وهى مسئولية ضخمة وشاقة تتجلى ضخامتها وخطورتها فى موضوع القضاء الذى هو حقوق الله وحقوق العباد فى الدماء والأموال والأعراض ولكى يستطيع القاضى القيام بهذه الوظيفة وهذه المسئولية الضخمة على أكمل وجه يستلزم أن يكون القاضى بمنأى عن كل تأثير أو تدخل يؤدى إلى ميل ميزان العدالة فى يده أو انحرافه فى إمساكه بحياد ونزاهة وأن يتحقق له الاستقلال الكامل فى أداء وظيفته ونظرا لأهمية مبدأ استقلال القضاء سوف أقوم بمشيئة الله وتوفيقه بالحديث عنه بشىء من التفصيل وذلك من خلال مطلبين نوضحهما فيما يلـى :
المطلب الأول
استقلال القضاء فى الفقة الإسلامى
تمهيد :-
لكى نتحدث عن مبدأ استقلال القضاء فى الفقه الإسلامى فذلك يتطلب منا أن نتعرض بشىء من التفصيل إلى المقصود باستقلال القضاء ، ثم القضاء فى عهد الخلفاء الراشدين لنعرف هل كان القاضى فى الفقه الإسلامى يتمتع بالاستقلال من خلال النقاط التالية :
_______________
(1) المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 59 0
- 110 -
أولا : المقصود باستقلال القضاء :
يقصد باستقلال القضاء : هو أن يكون القضاة أحرارا فى البحث عن الحق والعدل دون أن يكون هناك تأثير من سلطة أو ضغط من حاكم أو تدخل من ذوى النفوذ وألا يخافوا فى الله لومة لائم (1) 0
واستقلال القضاة يحتم ويستوجب ألا يتدخل فى اختصاصات القاضى أية سلطة بحيث يكون القاضى حرا فى قضائه دون توجيه أو تعديل أو توقيف وهذا ما يسمى بالاستقلال الوظيفى كما يتطلب عدم مخالفة الشروط والصفات المطلوبة فى اختيار القضاة والالتزام بها وعدم العمل على عزل القضاة وهذا يسمى باستقلال القضاة من الناحية العضوية (2) 0
وكذلك يقصد باستقلال القضاء هو أن يكون القضاة آمنين على أنفسهم وعلى مقومات حياتهم يعيشون فى مأمن من كيد رجال الإدارة أو الأفراد لهم (3) 0
ثانيـا : القضاء فى عهد الرسول r :
لما جاء الإسلام وأمر الله – سبحانه وتعالى- نبيه محمدا -r - بتبليغ الرسالة أمره أيضا بالفصل فى الخصومات بين الناس وذلك مصداقا لقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) (4) 0
وقولــه تعالى ( فاحكــم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحــــق ) (5) 0
وقولــه تعالى ( إنا أنزلنا إليــك الكتاب بالحــق لتحكــم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمــا ) (6) 0
________________________________
(1) ، (2) السلطة القضائية وشخصية القاضى د/ محمد عبد الرحمن البكر - الطبعة الأولى سنة 1408 هـ سنة 1988 ، مطبعة الزهراء للإعلام العربى ص 581 وما بعدها 0
(3) التنظيم القضائى الإسلامى أ.د/ حامد أبو طالب - الطبعة الأولى سنة 1402 هـ سنة 1982م ص 45 0
(4) سورة النساء الآية رقم (65) 0
(5) سورة المائدة الآية رقم (48) 0
(6) سورة النساء الآية رقم (105) 0
- 111 -
فكان الرسول - r - أول قاض بين الناس فى المجتمع الإسلامى بنظر فى الخصومات ويفصل بينهم فيما يثور من منازعات بالعــدل الذى أنزله الله على رسوله وبالحق الذى لا ينبغى لمسلم أن يحيــد عنــه أو يميل ، فقرر المساواة بــين الناس فــى أروع صورها لا فرق بين حاكم أو محكوم ، ولا فـــرق بين أمــير أو مأمــور بل لا فــرق فى الانصاف والعدل بين مسلم وغير مسلم لأن الله سبحانه وتعالى لم يقصر العدل علــى القضــاء بين المسلمين فقط وإنما أمر به وأوجبه بين الناس جميعا يؤكد ذلك تعبير القرآن الكريم بلفظ الناس فى الآية الأخيرة سالفة الذكر الجامع فى طياته للمسلم وغير المسلم دلالة واضحة علــى هذا المقصود العظيم ، وعلى هذا فقد تولى الرسول -r - القضاء بنفسه فى بداية الأمر ولم يخصص رجلا للقضاء وظل عليه السلام يجمع فى يده بحكم مهمة الرسالة كل السلطات فى الدولــة التنفيذية والتشريعية والقضائية (1) 0
فلما انتشر الإسلام فى الآفاق دعت الحاجة إلى أن يعهد الرسول -r - بالقضاء إلى بعض أصحابه الأجلاء حتى لا يتعطل الفصل بين الناس فى الخصومات بسبب المسافة البعيدة بين الرسول - r - وبين الناس فى البلاد الإسلامية التى قد تؤدى بصاحب الحق أن يتركه زهدا من المشقة التى تلحقه بسبب الحصول على ذلك الحق ، وعلى هذا فقد تولى الرسول -r - القضاء بنفسه وولاه غيره فى عهده (2) . وذلك ثابت فى أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ما يلـى :
فمــن الأحاديــث التى تـدل علــى قيام الرسول -r - بالقضاء بنفسه فى الخصومات بين النــاس 0
__________
(1) السلطات الثلاث فى الإسلام للأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف - مجلة القانون والاقتصاد - السنة الخامسة - العدد الخامس - ص 517 ، القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ محمد نجيب عوض ص 36 0
(2) السلطات الثلاث فــى الإســلام - الشيــخ عبــد الوهاب خلاف مجلة القانون والاقتصاد - السنة الخامسة - العدد الخامس ص 517 ، القضــاء فــى الإســلام نظامـــه وتاريـخه - محمد نجيب عوض ص 36 0
- 112 -
1- ما رواه الإمام البخارى عن أم سلمة زوج النبى -r - قالت : أنه -r - سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : ( إنما أنا بشر وأنه يأتينى الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار ، فليأخذها أو يتركها ) وزاد عبد الله بن رافع فى أخر الحديث " فبكى الرجلان ، وقال كل منهما لصاحبه حقى لك فقال لهمــا النبى -r - أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ، ثم استهما ، ثم تحالــلا " (1) 0
2- كذلك من الأحاديث التى تدل على قضاء الرسول -r - بنفسه ما ورد فى الحديث الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : دخلت هند بنت عتبة (2) امرأة أبى سفيان (3) على رسول الله - r - ، فقالت يا رسول الله : إن أبا سفيان رجــل شحيح (4) لا يعطنى من النفقة ما يكفينى ويكفى بنى إلا ما أخذت من ماله بغير علمه ، فهل على فى ذلك من جناح ؟ فقال رسول الله - r - ( خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك ) (5) 0
ومن الأحاديث التى تدل على تولية الرسول -r - القضاء لغيره ، ما روى عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل عن معاذ أن الرسول -r - لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له يا معاذ كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال أقضى بما فى كتاب الله ، قــال فــإن لم يكــن فى كتاب الله ؟ قال فبسنة
___________
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى جـ 13 ، 29 باب من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه ، رقم الحديث 7181 ص 184 ، وقال ابن حجر وفى هذا الحديث من الفوائد أثم من خاصم فى باطل حتى استحق به فى الظاهر شيئا هو فى الباطن حرام عليه نفس المرجع ص 186 0
(2) هى هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، صحابية ، قرشية وهى أم الخليفة معاوية بن أبى سفيان ، أسلمت يوم الفتح وشهدت اليرموك توفيت سنة 14 هـ يراجع خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 146 0
(3) هو صخر بن حرب بن أمية ، صحابى من سادات قريش ، أسلم يوم الفتح توفى سنة 32 هـ المرجع السابق 146
(4) شحيح يعنى بخيــل 0
(5) فتــح البــارى بشـــرح صحيــح البخـــارى جـ 13 ص 146 ، صحيح مسلم بشرح النووى جـ 12 ص 7
- 113 -
رسول الله قال فإن لم يكن فى سنة رسول الله ؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو (1) وكذلك ما روى عن الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه قال : بعثنى رسول الله -r - إلى اليمن قاضيا ، فقلت يا رسول الله - r - ترسلنى وأنا حديث السن ولا علم لى بالقضاء ؟ فقال -r - ( إن الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ، فما زلت قاضيا أو ما شككت فى قضاء بعـد (2) 0
وعلى هذا فالآثار والأحاديث متضافرة على أن الرسول -r - ولى القضاء بنفسه وولاه غيره من صحابته ولم يثبت أنه قلد أحدا القضاء خاصة وإنما الثابت أنه كان يبعث الواحد من صحابته إلى بلد أو يستعمله على بلد على أن يكون رسولا له ونائبا عنه يعلم الناس ويفتيهم ويقضى بينهم ويجمع الصدقات منهم وتكون له ولاية أمرهم ولاية عامة ولم تفصل فى عهده -r - ولاية القضاء عن غيرها من الولايات لأن الأعمال كانت قليلة فكانت ولاية القضاء تدخل ضمن أمور الولاية العامة ولم يثبت أن رسول الله -r - جعل لأحد ولاية القضاء وحدها فلم تفصل فى عهده - r - ولاية القضاء من غيرها من الولايات (3) 0
وأظهر ما يمتاز به القضاء فى عهد الرسول -r - هو حرية القاضى فى قضائه لأن الرسول - r - عندما ولى غيره القضاء سواء ضمن الولاية العامة أم ولاه القضاء فى خصومه خاصة لم يقيد من ولاه بشىء معين والدليل على ذلك ما روى أن دارا كانت بين أخوين فحظر فى ذلك حظار (4) ثم هلكا وترك كل واحد منهما عقبا ، فادعى كل واحد منهما أن الحظار له دون صاحبه ، فاختصما عقباهما إلى النبى -r - فأرسل حذيفـة بن اليمان (5) يقضى بينهما وقال له أقض بينهما
________________________________________
(1) سبق تخريجه ص 48 من نفس البحث 0
(2) سبق تخريجه ص 47 من نفس البحث 0
(3) السلطات الثلاث فى الإسلام للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 517 مرجع سابق ، القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 39 0
(7) أى أقاما جـدار 0
(5) هو حذيفــة بن اليمـــان واسمــه حسيل العبسى أبو عبد الله ، صحابى جليل أعلمه الرسول - r - بما كان وما يكن إلى يوم القيامة من الفتن والحوادث مات سنة 36 هـ يراجع خلاصة التذهيب ص 63.
- 114 -
فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط ، ثم رجع فأخبر النبى -r- وقال له أصبت وأحسنت (1) 0
وكان -r - ينفذ ما يقضى به بنفسه أو بمن ينتدبه لذلك ، روى فى الصحيحين أن رجلين اختصما إلى النبى - r - فقال أحدهما يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وأذن لى ، فقال له الرسول - r - قل ، فقال : إن ابنى كان عسيفا ( أى أجيرا ) عند هذا ، فزنى بامرأته فافتيدت منه بمائة شاة وخادم ، وإنى سألت رجالا من أهل العلم ، فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم . فقال النبى - عليه الصلاة والسلام - ( والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغذ يا أنيس الى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت فرجمها (2) 0
وهكذا اجتمعت فى يد الرسول -r - سلطات الدولة الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية لأن مهمته -r -كانت تقتضى أن تكون الشئون الثلاثة بيده ، فهو رسول يبلغ الناس ما أنزل إليه من ربه ويدعوهم إلى الإيمان به وراع يسوس من أجابوا دعوته ويدير شئونهم على وفق ما شرع الله وهذا التبليغ والتدبير يتطلبان التشريع والقضاء والتنفيذ (3) 0
ثالثا : القضاء فى عهد الخلفاء الراشدين :
سبق وأن ذكرنا أن القضاء فى عهد الرسول -r -كان يتولاه الرسول بنفسه وتارة كان يعهد بالقضاء إلى بعض ولاته ضمن توليتهم الشئون العامة ، وتارة كان يعهد به إلى بعض أصحابه فى خصومة معينة ، وما عين فى عهده قاضيا فى بلد من البلدان بحيث يختص بالقضاء بين المسلمين فقط بحيث تكون وظيفته هى القضاء فلم ينفصل فى عهده -r - القضاء عن الولاية العامة ، وظل الأمر كذلك فى عهد الخليفة الأول أبى بكــر الصديــق - رضــى الله عنــه - وحـتى نهاية عهده ظل
_____________
(1) سنن ابن ماجه جـ 2 ص 785 ، المرجع السابق 0
(2) فتح البارى بشرح صحيــح البخــارى - جـ 13 ص 157 وما بعدهــا ، صحيح مسلم بشرح النووى جـ 11 ص 206 وما بعدها 0
(3) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامى والقانون الوضعى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم أحمد شرف - مجلة الأمن والقانون - كلية شرطة دبى - السنة السابعة - العدد الأول - شوال سنة 1419 هـ - يناير سنة 1999 ص 243 ، السلطات الثلاث فى الإسلام للشيخ عبد الوهاب خلاف - مجلة القانون والاقتصاد - السنة الخامسة - العدد الخامس ص 521 وما بعدها 0
- 115 -
القضاء وظيفة داخله ضمن وظائف الولاية العامة فكان الخليفة يتولى القضاء بنفسه لأن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع فى الدعوى إلى الدين والمحافظة عليه وسياسة أمور الناس به ومن مقتضيات هذه الخلافة أن تكون له سلطة القضاء لأن له أن يتولى كل ما يقتضيه تدبير شئون المسلمين من تشريع وقضاء وتنفيذ ولهذا كان القضاء يتولاه الخليفة بنفسه وتارة يعهد به إلى غيره ضمن أمور الولاية العامة . وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بقى أمر تولى القضاء فى صدر خلافته على ما كان عليه فى زمن الرسول -r -وأبى بكر الصديق - رضى الله عنه - فكان القضاء يدخل ضمن تولى الأمور العامة إلى أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب وتشابكت العلاقة بين الناس وتداخلت فصل الخليفة عمر بن الخطاب القضاء عن الولاية العامة وعـين فى بعض الولايات رجالا مخصصين للقضاء وكان ذلك فصلا للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وأصبحت وظيفة الفصل بين الناس فى الخصومات من اختصاص القضاة (1) 0
ومنذ عهد عمر بن الخطاب صار القضاء الإسلامى يتولاه فى الأمصار قضاة مستقلون معينون للقضاء بين الناس وتعيينهم تارة يكون من قبل الخليفة نفسه كما عين عمر بن الخطاب شريحا بالكوفة ، وتارة يكون من قبل الوالى كما عين عمرو بن العاص والى مصر عثمان بن قيس بن أبى العاص قاضيا بها ولكن الولاة إنما كانوا يعينون القضاة فى ولاياتهم بتفويض من الخليفة لهم لأن حق التعيين له فإن شاء عين بنفسه وإن شاء فوض إلى واليه ولهذا لما كتب الخليفة على بن أبى طالب عهده إلى الاشتر النخعى حين ولاه على مصر قال له ( ... ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك فى نفسك ممن لا تضيق به الأمــور ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى فى الزلة ، ولا يحصر من الفىء إلى الحق إذا عرفه ... ) (2) 0
وظل القضاة فى الإسلام مستقلين عن كل مؤثر سواء من قبل الإمام أو نائبه أو غيرهما من ذوى النفـوذ والسلطة والأقارب وقــد حفـــل التاريخ الإسلامــى بالكثير من النماذج الحية التى
_____________
(1) السلطات الثلاث فى الإسلام - الشيخ عبد الوهاب خلاف - مجلة القانون والاقتصاد - السنة السادسة - العدد الرابع ص 449 وما بعدها ، القضاء فــى الإسٍلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 45 ، التنظيم القضائى الإسلامى أ.د/ حامد أبو طالب ص 46 ، القضاء فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور ص 22 0
(2) السلطات الثلاث فى الإسلام للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 450 0
- 116 -
تشهد أن القضاة كانت لهم الحرية المطلقة فيما يصدرونه من الأحكام فمن ذلك على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر :
1- ما روى أنه فى عهد الخليفة- عمر بن الخطاب تولى على بن أبى طالب وزيد بن ثابت القضاء ، فلقى أمير المؤمنين عمر رجلا فقال له : ما صنعت بخصومتك ؟ فقال الرجل قضى على وزيد بكذا ، قال أمير المؤمنين عمر لو كنت أنا لقضيت بكذا ، قال الرجل وما يمنعك والأمر إليك ؟ قال عمر لو كنت أردك إلى نص فى كتاب الله أو فى سنة رسوله لفعلت ولكن أردك إلى اجتهاد والرأى مشترك ، ولم ينقض ما حكم به زيد وعلى (1) 0
2- عندما تولى معاوية بن أبى سفيان ولاية فلسطين من قبل عمر بن الخطاب ، تولى عبادة بن الصامت قضاء فلسطين ، فحدث خلاف بين معاوية بن أبى سفيان وعبادة بن الصامت ، فأنكر معاوية على عبادة ذلك وأغلظ له فى القول ، فقال له عبادة لا أساكنك بأرض واحدة . أبدا ، وترك فلسطين وعاد إلى المدينة ، فلما قابله عمر قال له ما أقدمك ؟ فأخبره عبادة بما حدث ، فقـال لــه عمــر ارجــع إلى مكانك فقبــح الله أرضــا لست فيها ولا أمثالك وكتب إلى معاوية ( ولا إمرة لك على عبادة ) (2) 0
مما سبق يتضح لنا أن عمر بن الخطاب- منع الحاكم التنفيذى وهو معاوية بن أبى سفيان من التدخل فى أمور القضاء وشئونه وسلبه سلطته فى مواجهة القاضى وجعل العلاقة بين القاضى والخليفة علاقة مباشرة 0
وتحقيقا لاستقلال القضاة وضمانا لحمايتهم من تسلط ذوى الأيدى القوية وذوى السلطة والنفوذ أنشىء للقضاه ولاية خاصة ورئيس من أنفسهم ينظم شئونهم ويرعــى أمورهم ويتولى تتبع أعمال القضاه وتقصى أحوالهم والإطلاع على بعض ما يصدرونه من أحكــام وكان يلقب " بقاضى القضاه " وكان يعتبر بمثابة وزير العدل فى عصرنا الحاضر (3) 0
_____________
(1) تاريخ التشريع الإسلامى - الشيخ محمد الحضرى - الطبعة السابعة سنة 1981 دار الفكر ص 50 ، القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 52 0
(2) الاستيعاب فى معرفى الأصحاب - لأبى عمر يوسف بن عبد البر القرطبى المتوفى سنة 463 هـ - دار الكتب العلمية بيروت - جـ 2 ص 356 0
(3) القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض - ص 79 0
- 117 -
فهذه الشواهد وغيرها كثير يدل دلالة واضحة على أن القاضى فى الفقه الإسلامى كان يتمتع بالاستقلال الكامل وبالحرية المطلقة فيما يصدره من أحكام ، إلا أن هذا لا يمنع إرشاد القاضى وتوجيهه من قبل الخليفة أو نائبه لأن توافر الاستقلال للقاضى لا يستلزم منع الإرشاد واستبعاده حيث إن الإمام أو نائبه من واجبه تفقد أحوال القضاة ويقدم لهم النصائح والإرشادات فى عملهم القضائى ومن الأمثلة الشهيرة والتى تدل على ذلك فى تاريخ القضاء الإسلامى رسالة الخليفة عمر بن الخطاب- رضى الله عنه - إلى قاضيه أبى موسى الأشعرى ونظرا لأهمية هذه الرسالة ودورها البالغ فى توجيه القضاة سوف نقوم بذكرها حيث جاء فيها :
( أما بعد ، فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له ، آس بين الناس فى مجلسك وفى جهك وقضائك حتى لا يطمع شريف فى حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك ، البينة على المدعى واليمين على من أنكر والصلح جائزين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ، ومن ادعى حقا غائبا أو بينه فاضرب له أمداً ينتهى إليه ، فإن بينه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ فى العذر وأجلى للعمى ، ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شىء ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل ، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلود فى حد أو ظنين فى ولاء أو قرابة فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبنيات والإيمان ، ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس فى قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى اجتهاد إلى الله وأشبهها بالحق ، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذى بالناس والتنكر عند الخصومة أو الخصوم ، فإن القضاء فى مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر فمن خلصت نيته فى الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن ترين مما ليس فى نفسه شأنه الله ، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا " (1) 0
______________
(1) وردت هذه الرسالة فــى :- إعــلام الموقعين عــن رب العالمين لابن قيم الجوزية - طبعـــة سنة 1389 هـ سنة 1969م مطبعة المدنى جـ 1 ص 92 ، السنن الكبرى للبيهقى الطبعة الأولى سنة 1355 هـ مطبعة مجلس دائرة المعـارف العثمانية ، حيــدر اباد بالهند - جـ10 ص109 ، الأحكــام السلطانية للماوردى ص 71 0
- 118 -
وقد قال ابن قيم الجوزية بعد أن ذكر هذه الرسالة : وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليــه أصـــول الحكم والشهادة والحاكم والمفتى أحوج شىء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه (1) 0
المطلب الثانى
استقلال القضاء فى القانون الوضعى
أولا : المقصود باستقلال القضـاء :
يقصد باستقلال القضاء : أن هيئات المحاكم حينما تقوم بعملها - وهو الفصل فى الخصومات بين الناس - فإنها تكون مستقلة عن سائر الهيئات الحكومية فى الدولة ، ومن ثم فليس لأى هيئة استخراج دعوى من المحكمة المختصة بالفصل فيها لتقوم هى بهذا العمل ، كما لا يجوز لأية هيئة املاء ما تريده على المحكمة إزاء دعوى منظوره أمامها (2) 0
كما يقصد باستقلال القضاء : أن يكون القضاء فى مأمن من تدخل غير رجاله فيه ، فلا يجوز للسلطتين التشريعية والتنفيذية التدخل فى شئون القضاء أو التأثير عليه ، كما لا يجوز للقضاء التدخل فى مهام السلطتين التشريعية والتنفيذية (3) 0
كما يعنى استقلال القضاء أن يكون رجالــه أنفسهــم آمنين علــى مقومات حياتهم يعيشون فى مأمن من كيد رجال الإدارة أو الأفراد لهم ، وألا يكون هناك ثمة سلطان على القاضى فى تكويــن رأيــه القضائى لغــير القانون وضميره فلا يوجد أى تأثير علــى رأيه بالترغيب أو الترهيــب (4) 0
_____________
(1) أعلام الموقعين لابن القيم جـ 1 ص 92 0
(2) الوسيط د/ رمزى سيف بند 31 ص 45 ، محاضرات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 12 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 31 ص 39 0
(4) قانون القضـــاء المدنى المصــرى د/ عزمى عبــد الفتاح ص 71 ، محاضرات قانون المرافعات أ.د/ حامد أبو طالب ص 22 0
- 119 -
ثانيـا : مدى استقلال القضاء فى القانون المصرى :
اهتمت الدساتير المتتالية فى مصر بمبدأ استقلال القضاء ، ولا يوجد دستورا منها أغفل هذا المبدأ ، بداية من دستور سنة 1923 حتى دستور سنة 1971 حيث نص المشرع المصرى فى الدستور الأخير صراحة على أنه ( السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدرا أحكامها وفق القانون ..... " (1) 0
وكذلك نص المشرع على أنه ( القضاه مستقلون لا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى القضايا أو فى شئون العدالة ) (2) 0
وعلى ذلك فالسلطة القضائية فى مصر مستقلة عن السبلطتين التشريعية والتنفيذية ، وينبنى على ذلك أن المشرع لا يملك سلطة الفصل فى الخصومات ولا أن يصدر قانونا يبين فيه وجه الفصل فى نزاع معين ، وذلك لأن الدستور أناط بالسلطة القضائية وحدها أمر العدالة مستقلة عن باقى السلطات ، ولازم ذلك أن المشرع لا يملك بتشريع منه إهدار ولاية السلطة القضائية كليا أو جزئيا وعلى هذا فالسلطة القضائية اصيلة تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية وتستمد وجودها من الدستور ذاته لا من التشريع ، وبالتالى لا يجوز عن طريق التشريع التعرض للسلطة القضائية فى ذاتها وعزل جانب من المنازعات عن ولايتها فإن هو خالف هذا القيد الدستورى وأنقص من ولاية القضاء ولو كان جزئيا كان مخالفا للدستور (3) 0
وحرصا من المشرع على حماية القضاه وضمانا لاستقلالهم جعل المشرع التدخل فى القضاء لصالح أحد الخصوم أو للأضرار به جريمة يعاقب عليها بالحبس أو الغرامة سواء كان التدخل بأمر أو طلب أو رجاء أو توصية ، حيث نص المشرع على أنه ( كل موظف توسط لدى قاض أو محكمة لصالح أحد الخصوم أو إضرار به بطريقــة الأمــر أو الطلــب أو الرجاء أو التوصية يعاقب
____________
(1) المادة (165) من دستور سنة 1971 0
(2) المادة (166) من دستور سنة 1971 0
(3) يراجع فى ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقم 11 لسنة 5 ق دستورية جلسة 3/4/1976 - مجلة المحاماة - السنة 56 العدديـن 7 ، 8 ص 28 ، وكذلك حكـــم المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقــم 31 لسنة 7 ق دستورية جلسة 16/4/1977 - مجلة المحاماة السنة 57 العددين7 ، 8 ص 12 0
- 120 -
بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه ) (1) 0
ومن ثم فليس لأى فرد أن يملى على القاضى ما يحكم به فى أية قضية من القضايا المعروضة عليه ولو كان هذا الفرد رئيس المحكمة التابع لها (2) 0
فاستقلال القضاء يتحقق أيضا داخل السلطة القضائية ذاتها كما لو كانت المحكمة مكونة من ثلاثة قضاه كالمحكمة الابتدائية ، فإن كل قاضى يتمتع برأيه ولا يؤثر عليه غيره ولو كان رئيس المحكمة ، فليس لقاضى أن يملى رأيه على سائر القضاه ولو كان أكبرهم مركزا أو درجة ولذلك يصدر الحكم باغلبية اعضاء الدائرة (3) 0
واستقلال السلطة القضائية ليس معناه أنها منبتة الصلة عن غيرها من سلطات الدولة الأخرى وذلك لاستحالة الفصل التام بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ، لأنها تعمل جميعا على اختلاف مهامها فى خدمة كيان واحد وهو الدولة ن وعلى هذا فاستقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ليس استقلالا كاملا ، فالسلطة التشريعية تسن القوانين وتطبيقها السلطة القضائية وتتولى السلطة التنفيذية تنفيذ الأحكام التى يصدرها القضاة (4) 0
وإذا كان الواقع يشير إلى عدم واقعية تصور الفصل التام بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، فإنه يكون من البديهى أن يعزز النص على استقلال السلطة القضائية بالعديد من الضمانات التى تكفل أن يكون هذا الاستقلال استقلالا حقيقا (5) 0
_____________
(1) المادة (120) من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 0 المعدل بالقانون29 لسنة 82 19
(2) المرافعات المدنية والتجاريــة د/ أحمد أبو الوفا - بند 31 ص 39 0
(3) أصول المرافعات د/ أحمد مسلم بند 43 ص 46 ، محاضرات فــى قانون المرافعات - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 12 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 26 ص 52 ، 53 0
(5) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف - مجلة الأمن والقانون - ص 274 ، ضمانات التقاضى دراسة تحليلة مقارنة د/ آمال الفزايرى - توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية - مركز الدلتا للطباعة بند 4 ص 21 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
الموازنة بين الشريعة والقانون الوضعى فيما يتعلق بمبدأ استقلال القضاء
سبق وأن ذكرنا أن استقلال القضاء يعنى عدم تدخل أى سلطة أخرى فى عمل السلطة القضائية ، تدخلا يؤثر فى حكم القاضى ، وقد تبين لنا أن الشريعة الإسلامية قد أخذت بمبدأ استقلال القضاء على إطلاقه ، فالقاضى فى الفقه الإسلامى كان يتمتع بالاستقلال الكامل وبالحرية المطلقة فيما يصدره من أحكام ، فكان القاضى سيد قراره ، لا سلطة لأحد عليه فى قضائه ، وقد أدرك الخلفاء والأمراء والولاة هذه الحقيقة فأحترموا استقلال القاضى ، بل لجأوا إليه وجلسوا بين يديه ليقضى بينهم وبين خصومهم 0
وكذلك أخذ المشرع فى القانون الوضعى بمبدأ استقلال القضاء وبهذا تتفق الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى فى الحرص على الأخذ بمبدأ استقلال القضاء وتحقيق الاستقلال الكامل للقاضى فى مباشرة وظيفته
- 122 -
المبحث الثالث
تأمين القاضى على مقومات فىالفقه الإسلامى والقانون الوضعى
تمهيد :
لكى ينهض القاضى بواجبه على أكمل وجه ويستطيع القيام بالمهام الشاقه التى ألقيت على عاتقه وهى إقامة العدل ين الناس يجب تأمينه على مقومات حياته بأن يكون آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله ولذلك سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المبحث عن كيفية تأمين القاضى على مقومات حياته . وفيه مطلبان هما :
المطلب الأول : تأمين القاضى على مقومات حياته فى الفقه الإسلامى 0
المطلب الثانى : تأمين القاضى على مقومات حياته فى القانون الوضعـى 0
المطلب الأول
تأمين القاضى على مقومات حياته فىالفقه الإسلامى
سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المطلب عن كيفية تأمين اقاضى على مقومات حياته فى ذلك من خلال فرعين هما :
الفرع الأول : مدى قابلية اقاضى للعزل فى الفقه الإسلامى 0
الفرع الثانى : التوسعة على القاضى فى الرزق فى الفقه الإسلامى وموقف الفقهاء من ذلك 0
الفرع الأول
مدى قابلية القاضى للعزل فى الفقه الإسلامى
تمهيد :
يجب أن يتمتع القاضى بحصانة تحميه من تدخل ذوى السلطة والنفوذ فى شئونه ومن عبث المتقاضين أنفسهم حتى يتمكن من نشر مظلة العدالة بين الناس ويتحقق هذا بعدم قابليته للعزل ما دام هذا القاضى مستجمعا لشروط أهليته للقضاء ولم توجد مصلحة قوية تبرز عزله الأمر الذى يتطلب منا أن تتعرض فى هذا الفرع إلى موقف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرز عزله ، وكذلك فى حالة وجود مصلحة تبرز عزله وذلك من خلال المسألتين التاليتين :
- 123 -
المسألة الأولى : موقف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرر عزلـه 0
المسألة الثانية : موقـــف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة وجود مصلحة تبرر عزلــــه 0
المسألة الأولى
موقف الفقه الإسلامى من عزل القاضى فى حالة
عدم وجود مصلحة تبرر عزله
إذا كان القاضى منتظما فى عمله ولم يكن فـــى عزله مصلحة أو منع مفســدة فهل يجوز عزلــه أم لا ؟
فى هذه الحالة نفرق بين أمرين همــا :
الأمر الأول : إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فــرض عيــن 0
الأمر الثانى : إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض كفايـة 0
أولا : الأمـر الأول :
إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضىالمراد عزله فرض عين ولم يوجد من يصلح للقضاء غيره ، فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز عزل القاضى ولو عزله الإمام لم ينعزل لأن فى عزله عبث وتصرف الإمام يصان عن العبث (1) 0
وقال ابن قدامة وهو بصدد حديثه عن حكم عزل القاضى بموت الإمام ( ولنا ما ذكرناه ، ويفارق الإمام لأن الإمام يقلد القضاء والإمارة للمسلمين فلــم يبطـــل ماعقده لغيره كما لو مات الولى فى النكاح لم يبطل النكاح ، ولهذا ليس للإمام أن يعزل القاضــى من غير تغير حاله ولا ينعزل إذا عزله ) (2) 0
_________________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 24 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 77 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 ، المغنى شرح مختصر الخرقى جـ 11 ص 474 0
(2) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 474 0
- 124 -
ثانيـا : الأمـر الثانى :
إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى المراد عزله فرض كفاية ، فقد انقسم الفقه الإسلامى فى هذه الحالة إلى رأيين نوضحهما فيما يلـى :
الرأى الأول :
ذهب الحنفية (1) والمالكيــة (2) والشافعيــة فــى الأصح عندهم (3) والحنابلة فى أحد الوجهين (4) إلى أنه يجوز للإمام أو نائبه عزل القاضى مطلقا سواء كان لريبه أو لغير ريبه 0
الرأى الثانى :
ذهب الشافعية (5) والحنابلة (6) فى الوجه الثانى عندهم إلى أنه لا يجوز للإمام أو نائبه عزل القاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرر ذلك :
أولا : أدلة الرأى الأول :
استدل أصحاب الرأى الأول القائل بأنه يجوز للإمام عزل القاضى مطلقا سواء كان عزله لمصلحة أو غير مصلحة بما يلـى :
1- أن القاضى يستمد ولايته من عامة المسليمين لأنهم هم الذين أسندوا إليه ولاية القضاء فهو فى الحقيقة نائبهم ووكيلهم فيها وما دور الخليفة فى إصدار أمره بتعيين القاضى أو عقده ولاية القضاء له إلا بمنزلة الرسول عن عامة المسلمين ثم إن عامة المسلمين أذنوا للخليفة دلالة بعزل القاضى كما أذنوا له بتعيينه وتعيين من يخلف القاضى المعزول إذ ما رأى المصلحة فى عزله وتعيين غيره بدله ، فعزل القاضى فى الحقيقة لم يتم من قبل الخليفة وإنما من قبل عامة المسلمين الذين أذنوا له بذلك ، فإن الخليفة إذا عزل القاضى ينعزل بعزله (6) 0
___________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 24 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 78 0
(3) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 180 0
(4) المغنى جـ 11 ص 479 0
(5) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 180 ، أدب القاضى لابن أبى الدم ص 92 وما بعدها 0
(6)المغنى جـ 11 ص 479 0
- 125 -
2- أن القاضى نائب عن الإمام الذى ولاه القضاء ووكيل عنه فى إقامة العدل بين الناس والموكل يملك عزل وكيله متى شاء فكذلك الإمام يملك عزل القاضى الذى ولاه القضاء لأنه وكيله ونائبه لأن عقد القضاء من العقود الجائزة لأنه استنابه كالوكالة ويجوز للموكل أو المنيب عزل وكيله أو نائبه (1) 0
3- سوابق تاريخية حدثت فى عصر الخلفاء الراشدين -رضى الله عنهم -تدل على جواز عزل القاضى مطلقا منها : ما روى أن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه عزل أبا مريم عن القضاء وولى مكانه كعب بن سور الأزدى حيث قال عمر بن الخطاب ( لأعزلن أبا مريم وأولين رجلا إذا رآه الفاجر فرقه ) وكذلك ما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه ولى أبا الأسود القضاء ثم عزله فقال له لم عزلتنى وما خنت ولا جنيت ؟ فقال الإمام على رضى الله عنه ( إنى رأيتك يعلو كلامك على الخصمين ) (2) 0
ثانيـا : أدلة الرأى الثانى :
استدل أصحاب الرأى الثانى على رأيهم بعدم جواز عزل الإمام للقاضى بغير مصلحة تبرر العزل بما يلـى :
1- أن القاضى نائب المسلمين أو الأمة لا الإمام لأن عقد القضاء عقد لمصلحة المسلمين فلم يملك عزله مع سداد حاله كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه بعد ذلك (3) 0
2- أن القاضى طالما كان مستوفيا لشروط توليه القضاء ولم توجد مصلحة تبرر عزله فلا يجوز عزله بعد ذلك لأنه عبث وتصرف الإمام يصان عن العبث (4) 0
3- أن القاضى بتوليــة القضــاء صار قاضيــا مــن جهـــة الله تعالى فــلا ينعزل بعزل الخليفة لـه (5) 0
______________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 24 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 78 ، أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 180 ، أدب القضاء لابن أبى الدم ص 92 0
(2) المغنى جـ 11 ص 483 0
(3) المغنى جـ 11 ص 483 0
(4) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 0
(5) أدب القضاء لابن أبى الدم ص 94 0
- 126 -
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا لآراء الفقهاء فى مدى حق عزل الإمام أو نائبه للقاضى فى حالة عدم وجود مصلحة تبرر عزله فإنى أرى ترجيح الرأى القائل بعدم جواز عزل القاضى إلا إذا وجدت مصلحة قوية تبرر هذا العزل لأن القاضى معين لمصلحة المسلمين فيبقى ما دامت المصلحة قائمة ومحققة ، فلا يعزل القاضى إلا إذا ظهر منه خلل فى ولايته يبرر عزله أو إذا وجدت مصلحة عامة للمسلمين فى عزله كما لو وجد من هو أفقه وأفضل منه وهذا ما حدث بالفعل عندما عزل الإمام عمر بن الخطاب أبا مريم عن القضاء وذلك لوجود ضعف فيه ، وولى كعب بن سور الأزدى مكانه لأنه أقوى منه ، فضلا عن أن القاضى يجب أن يتوافر له الاستقلال الكامل فى مواجهة الإمام أو نائبه فيجب أن يتمتع بحصانة عدم القابلية للعزل طالما كان القاضى مستوفيا لشروط تولية القضاء ولم يظهر منه خلل يبرر عزله حتى يطمئن القاضى علىحاضره ومستقبله ويتفرغ لأداء عمله النبيل علىأكمل وجه ولذلك يقول الإمام الماوردى( غير أن الأولى بالمولى أن يعزلــه إلا بعذر ، وإلا يعتزل المولى إلا من عذر لما فى هذه الولاية من حقوق المسلمين ) (1) 0
المسألة الثانية
موقف الفقه الإسلامى من مدى حق الإمام
فى عزل القاضى لوجود مصلحه فى عزله
لما كان تصرف الإمام منوطا بالمصلحة فإذا عرى من المصلحة لم يجز ديانة ، فالإمام له عزل القاضى إذا كان فى عزله مصلحة (2) 0
والمصالح ليست فى درجة واحدة بل متفاوتة والإمام ملزم عند الموازنة بين المصالح أن يقدم المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة ، والمصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة ، ومصلحة الجماعة على مصلحة الفرد ، والمصلحة الدائمة على المصلحة العارضة والمصلحة الجوهرية والأساسية على المصلحة الشكلية (3) 0
_______________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى ص 70 0
(2) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 0
(3) فقه الأولويات – دراسة جديدة فى ضوء القرآن والسنة تأليف أ.د/ يوسف القرضاوى – مكتبة وهبة - الطبعة الثانية سنة 1416 هـ سنة 1996م ص 28 0
- 127 -
وعلى هذا يجوز للإمام أن يقوم بعزل القاضى إذا ظهر منه خلل ولم يصل هذا الخلل إلى الحد الذى يوجب انعزاله ويكفى للعزل حينئذ انتفاء حسن الظن بالقاضى كما لو كثرت الشكاوى منه ، أو حامت حوله الشبهات والريب حتى ولو لم تصل هذه الشبهات وتلك الريب إلى درجة اليقين ، كما يجوز للإمام عزل القاضى إذا لم يظهر منه الخلل أو الريبة ولكن يراد عزله لتولية من هو أفضل منه مكانة وذلك تحقيقا لمصلحة المسلمين من نصب الأصلح عليهم ، كما يجوز عزله لتولية من هو مثله للمصلحة 0
جاء فى أدب القضاء لابن أبى الدم فى هذا الشأن قوله (1) :
( للإمام عزل القاضى إذا رابه منه أمــر (2) ويكفى فيه غلبة الظن بذلك ، فلو لم يظن غير الخير . قال الأصحاب - من الشافعية - إن عزلــه بأفضل منه نفذ عزله ، وأما إن عزله بمثله ففيه وجهــان :
قال الإمام وإطلاق القول على هذا النسق غفلة ، إذ يجب على ولى الأمر ألا يصدر شيئا من أمور المسلمين إلا عن رأى ثاقب ونظر فى الصلاح صائب ، فإن عزل القاضى بمن هو دونه لمصلحة رآها نفذ العزل ولا يجوز تقدير خلاف فيه ) 0
أما إذا قام الإمام أو نائبه بعزل القاضى لتولية من هو أقل منه أو لمن هو دونه فإنه يجوز إذا كان فى هذا العزل مصلحة للمسلمين أما إذا كان هذا العزل لا يعتمد على مصلحة ظاهره كما لو عزله لتولية من هو أقل منه كفاءة وصلاحا فإن هذا العزل ينفذ مع إثم الإمام لأن ذلك عبث وتصرف الإمام يصان عن العبث (3) 0
هذا ، وإذا كان يجوز للإمام عزل القاضى إذا كان فى عزله مصلحة شرعية إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض كفاية ،أما إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض عين فإنه لا يجوز للإمام عزله ولو عزله الإمام لم ينعزل لأنه صار قاضيا من جهة الله تعالى لامن جهة الإمام (4) 0
____________
(1) أدب القضاء لابن أبى الدم ص 94 ، وفى ذات المعنى نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 0
(2) معنى رابه أمر أى إرتاب به وشك فيه ، أدب القضاء ص 94 بالهامش 0
(3) نهاية المحتاج جـ 8 ص 245 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 381 0
(4) أدب القضاء لابن أبى الدم ص 94 وما بعدها 0
- 128 -
هذا ، وإذا أصدر الإمام قرارا بعزل القاضى ، فمتى ينفذ قرار العزل ؟ هل ينفذ من تاريخ صدور قرار العزل أم من تاريخ إبلاغ القاضى ؟
أجيب على ذلك أنه لا يعتبر قرار عزل القاضى نافذا إلا من تاريخ إبلاغه بالعزل كما لو تسلم قرار العزل كتابه وحتى يتقلد غيره القضاء بدلا منه صيانة لحقوق العباد قياسا على إمام الجمعة إذا عزل لا ينعزل ولو بلغة قرار العزل حتى يعين بدله إماما آخر ويباشر عمله فعلا وذلك تغليبا لمصلحة الناس فى عدم إبقاء منصب القاضى شاغرا ويترتب على ذلك أن أحكام القاضى المعزول والتى أصدرها بعد صدور قرار العزل وقبل تسليمه قرار العزل صحيحه ولذلك جاء فى تبصرة الحكام فى هذا الشأن :
( فصل ) وإذا عزل القاضى فحكم فى أشياء قبل بلوغ العزل فظاهر المذهب أن أحكامه تلك نافذة لضرورة الناس إلى ذلك ) (1) 0
الفرع الثانى
التوسعة على القاضى فى الرزق فى الفقه الإسلامى
وموقف الفقهاء من ذلك
تمهيد :-
يعتبر القاضى عاملا من عمال المسلمين وأجل عمالهم وحتى يستطيع القيام بالأمانة التى ألقيت على عاتقه لابد من إجزال العطاء للقاضى والتوسعة عليه فى الرزق حتى لا يتطلع إلى ما فى أيدى الناس وقد كانت التوسعة على القاضى فى الرزق مبدأ عاما معروفا فى الفقه الإسلامى ولذلك روى أن بعض أصدقاء شريح (2) عاتبــه علـــى أخذه راتبا على قضائه من بيت المال فقال : مالى لا أرتزق وأستوفى منه وأوفيهم . أصبر لهم نفسى فى المجلس وأعدل بينهم فى القضـــاء (3) 0
______________
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 78 0
(2) سبق التعريف به ص 68 0
(3) القضاء فى الإسلام - نظامه وتاريخه - د/ إبراهيم نجيب عوض ص 267 وما بعدها 0
- 129 -
وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو أول من فصل القضاء عن الولاية العامة وأول من رتب أرزاق القضاة لأنه كان يعلم أن تأمين القاضى على مقومات حياته يؤدى إلى قيامه بإنجاز عمله باطمئنان وسكينة ولذلك فقد جعل للقاضى سليمان بن أبى ربيعة الباهلى خمسمائة درهم فى كل شهر ، وكان الإمام علـــى بن أبـــى طالـــب يقول لعاملـــه على مصر فى شأن القضاة ( وافسح له فى البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس ) وكذلك فى العهد الأموى كانت أرزاق القضاة تصرف من بيت المال ويكتب بذلك براءات (1) 0
لذلك سوف نتحدث فى هذا الفرع عن المقصود برزق القاضى ثم نبين موقف الفقهاء فى مدى جواز أخذ القاضى للزرق وذلك فيما يلـى :
أولا : المقصود برزق القاضى :
أ - المقصود بالرزق لغـة :
هو ما ينتفع به ، والجمع الأرزاق ، والرزق أيضا العطاء مصدر قولك ( رزقه الله ) يرزقه بالضم ( رزقا ) ، قال الأزهرى : يقال ( رزق الله الخلق رزقا ) بالكسر أى كسر الـراء ، وارتزق الجند أخذوا أرزاقهم (2) 0
ب - المقصود بالرزق اصطلاحـا :
يقصد بالرزق – بكسر الراء – هو ما يتقاضاه أو ما يعطاه القاضى من مرتب شهرى من بيت مال المسلمين كفاية لنفسه – وأهله لقاء عمله فى وظيفة القضاء ، ويقصد برزق القاضى – بفتح الراء – هو إعطاؤه هذا المـال (3) 0
جـ – الفرق بين الرزق – بكسر الراء – والعطاء :
يتفق كل من العطاء والرزق – بكسر الراء – أن كليهما عطية من بيت المال إلا أنهما يختلفان فى أن الرزق يعطى على فترات متقاربة كشهر أو أسبوع أو يوم لأن المقصود منه الكفاية
________________
(1) الولاة والقضاه ، لأبى عمر بن محمد بن يوسف الكندى المتوفى سنة 350 هـ ، طبعة سنة 1908م ص 354 ، التشريع والقضاء فى الإسلام تاليف أنور العروسى طبعة سنة 1981 الناشر موسوعة شباب الجامعة ص 88 0
(2) مختار الصحاح للرازى ص 141 باب الراء 0
(3) نظام القضاء فــى الإســـلام د/ إبراهيم عبد الحميـــد ص 92 ، نظام القضاء فى الشريعة الإسلامية د/ عبد الكريم زيدان ص 55 0
- 130 -
بخلاف العطاء فإنه تابع لقدارت المستحق وغنائه ، ويعطى كل عام مرة أو مرتين وقد تضيق الفروق الزمنية وقد تتسع حسب اقتضاء الظروف واستدعاء المصلحة (1) 0
ثانيـا : موقف الفقهاء فى مدى جواز أخذ القاضى رزقا على قيامه بالقضاء فى الفقه الإسلامــى :
اختلف فقهاء الفقه الإسلامى فــى حكــم أخــذ القاضى رزقا على قضائه إلى ثلاثة آراء نوضحها فيما يلـى :
الرأى الأول : ذهب الحنفية (2) إلى التفرقة بين ما إذا كان القاضى فقيرا أو غنيا ، اتفق الأحناف علــى جواز أخذ القاضى للرزق إذا كان فقيرا ، واختلفوا فيما إذا كان القاضى غنيا ، فقال بعضهم لا يحل له أن يأخذ ، وقال بعضهم : يحل له الأخذ والأفضل له أن يأخذ 0
واستدلوا عل جواز أخذ القاضى للرزق إذا كان فقيرا بأنه عامل من عمال المسلمين وأجل عمالهم فلابد له من الكفاية ، ولا كفاية له ، فكانت كفايته من بيت المال إلا أن يكون له ذلك أجرة عمله ، وينبغى أن يوسع عليه فى الرزق وعلى عياله كى لا يطمع فى أموال الناس 0
واستدل بعض الأحناف الذين ذهبوا إلى عدم جواز أخذ القاضى للرزق إذا كان عنيا : بأن الأخذ يكون بحكم الحاجة ولا حاجة له إلى ذلك :
واستدل البعض الآخر من الأحناف الذين ذهبوا إلى أنه يحل للقاضى أن يأخذ أجرا على قضائه من بيت المال حتى ولو كان عنيا بل قالوا الأفضل له أن يأخذ حيث قالوا : أما الحل فلما بينا أنه عامل للمسلمين فكانت كفايته عليهم لا من طريق الأجر ، وأما الأفضيلة فلأنه وإن لم يكن محتاجا إلى ذلك ، فربما يجىء بعده قاض محتاج وقد صار ذلك سنة ورسما فتمتنع السلاطين عن إيصال رزق القضاة إليهم خصوصا سلاطين زماننا ، فكان الامتناع من الأخذ شحا بحق الغير فكان الأفضل هو الأخذ (3) 0
_______________
(1) نظام القضاء فى الإسلام د/ إبراهيم عبد الحميد ص 92 0
(2) بدائع الصنائع جـ 7 ص 20 0
(3) بدائع الصنائع جـ 2 ص 20 0
- 131 -
الرأى الثانى : ذهب الفقيه المازرى من المالكية (1) وبعض أصحاب الشافعى (2) 0
إلى التفرقة بين من تعين عليه القضاء أى كان تولى القضاء بالنسبة له فرض عين ، وبين من كان تولى القضاء بالنسبة له فرض كفايـة 0
أ - فبالنسبة لمن كان تولى القضاء بالنسبة لـــه فــرض عين وهو فى كفاية مالية من نفسه أى لا يحتاج إلى أجرة القضاء للمعيشة منها لم يجز له أن يأخذ أجرا على القضاء لأن توليه القضاء أصبح فرضا كسائر الفروض ويحرم عليه أخذ أجر على قضائه ، أما إذا لم يكن للقاضى كفاية مالية فله أن يأخذ أجرا على قضائه وكذلك تأمين القاضى على مقومات حياته لابد منها فيجوز أخذ أجر فى هذه الحالة 0
ب - أما إذا كان تولى القضاء بالنسبة للقاضى فرض كفاية فإن كان محتاجا أو فقيرا جاز له أخذ الرزق على قدر الكفاية ، وإن كان غنيا فالأولى له ألا يأخذ شيئا لأنه قربة إلى الله يكره أخذ الأجرة عليها من غير حاجة 0
الرأى الثالث : ذهب الشافعية (3) والحنابلة (4) إلى جواز أخذ القاضى للرزق مطلقا 0
واستدلوا بما يلـى :
1- أنه لما تولى أبو بكر الصديق –رضى الله عنه –الخلافة خرج برزمة من الثياب إلى السوق يتجر فيها فقيل له ما هذا يا أمير المؤمنين وقد أصبحت خليفة للمسلمين وتوليت شئونهم ؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه أنا كاسب أهلى فتحدد له أجر من بيت مال المسلمين وعين له كل يوم درهمان من المال 0
2- أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما بعث فى خلافته عبد الله بن مسعود قاضيا وعمار ابن ياسر واليا على الكوفة وعثمان بن حنيــف ، وفــر لهـم كل يوم شاة نصفها وأطرافهـا لعمار
________________
(1)تبصرة الحكام جـ 1 ص 30 0
(2) المهذب فى فقه مذهب الإمام الشافعى – تأليف أبى اسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الفبروز أبادى الشيرازى المتوفى سنة 476 هـ الطبعة الثانية سنة 1379 هـ سنة 1959م مطبعة مصطفى البابى الحلبى بمصر - المكتبة الخاصة - جـ2 ص 290 ، أدب لابن أبى الدم ص 102 0
(3) مغنى المحتاج جـ 4 ص 374 0
(4)المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 377 0
- 132 -
والنصف الآخر لعبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف 0
3- ولأن بالناس حاجــة إلى القضـــاء ولــو لم يجز فرض الرزق للقاضى لتعطل وضاعت الحقــوق (1) 0
4- ولأنه لما جاز للعامل على الصدقات أن يأخذ مالا على العمالة جاز للقاضى أن يأخذ المال على القضاء ويكون ذلك من سهم المصالح لأنه من المصالح العامة للمسلمين (2) 0
الــرأى الراجـح :
بعـد أن عرضنا آراء الفقهاء فى مدى جواز أخذ القاضى للرزق وذكرنا أدلة كل رأى ، فإنى أرى ترجيح الرأى الثالث والذى يذهب إلى جواز أخذ القاضى للرزق مطلقا وذلك لقوة أدلته وحتى لا يتطلع القاضى إلى ما فى أيدى الناس وحتى يستطيع أداء الرسالة المكلف بها وهو هادىء البال مكفىء المؤونة هو ومن يعول بل ينبغى أن يعطى أكثر من الكفاية إلى حدود التوسعة عليه ولذلك كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يكتب إلى معاذ بن جبل وأبى عبيدة لما بعثهما إلى الشام فقال ( انظروا رجالا من صالحى من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله ) (3) 0
ومن هنا نرى أن الخليفة عمر بن الخطاب يذهب فى رزق القاضى إلى أكثر من حدود الكفاية إلى حدود التوسعة ليرضى القاضى ويتفرع للقيام بعمله على أكمل وجه وبناء على ما سبق يتضح لنا أن القاضى فى الفقه الإسلامى يتمتع بحصانة التأمين على مقومات حياته وخصوصا من الناحية المالية 0
المطلب الثانى
تأمين القاضى على مقومات حياته فى القانون الوضعى
سبق وأن ذكرنا أن القاضى لكى يستطيع أن يؤدى وظيفته على أكمل وجه لابد أن تتوافر له عدة ضمانات تكفل استقلالــه وتؤكــد عـــدم خضوعــه لأية سلطة فلا سلطان على القاضى إلا
__________________
(1) المغنى لابن قدامة جـ 1 ص 377 0
(2) القضاء وطرق الاثبات فى الفقه الإسلامى على مذهب الإمام الشافعى أ.د/ نصر فريد محمد واصل - الطبعة الأولى سنة 1415 هـ سنة 1992م دار البيان ص 11 0
(3)المغنى جـ 1 ص 377 0
- 133 -
سلطان القانون والضمير فقط ولقد أكد الدستور المصرى الحالى ذلك فى المادة (166) منه على أن ( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى شئون العدالة ) ولم يكتف القانون بتقرير هذا المبدأ دستوريا بل قرر عدة ضمانات مختلفة للقاضى تكفل له استقلاله فى أدائه وظيفته على أكمل وجه ومنها تأمين القاضى على مقومات حياته حتى يكون القاضى آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله تعالى عن كيفية تحقيق تأمين القاضى على مقومات حياته فى ظل النظام القضائى المصرى وذلك من خلال ثلاثة فروع هما :
• الفرع الأول : عدم قابلية القاضى للعــــزل 0
• الفرع الثانى : وجود مجلس القضاء الأعلى 0
• الفرع الثالث : الضمانات الخاصة بشئون القاضى 0
الفرع الأول
عدم قابلية القاضى للعزل
أولا : المقصود بمبدأ عدم قابلية القاضى للعزل :
يقصد بهذا المبدأ أن القاضى لا يفصل أو يحال إلى المعاش أو يوقف عن عمله أو ينقل إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بالقانون وليس معنى هــذا المبدأ أن القاضى يظل غــير قابل للعزل طوال حياته وأنه يحتفظ بمنصبه ولو بدرت منه تصرفات غير مقبولة لا تتفق مــع مقتضيات وظيفتــه (1) 0
هذا وعدم قابلية القاضى للعزل هى أهم ضمانة يجب توافرها للقاضى بل هى جوهر استقلال القضاء ولبه وقد قيل بحق أن عدم قابلية القاضى للعزل ليست ضمانة للقاضى بقدر ما هى ضمانة للمتقاضين أنفسهم لأن القاضى لا يستطيع بغير هذه الحصانة أن يعلى كلمة القانون فى مواجهة الحكومة فينصف منها مظلوما أو يحمى منها صاحب رأى حر إذ كان عزل القاضى وسيلة المستبد
______________
(1) المرافعــــات المدنيــة والتجاريــة د/ أحمد أبو الوفا بند 43 ص 51 ، الوسيط د/ فتحــى والى بند 108 ص 197 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى سنة 1981 الناشر دار النهضة العربية مطبعة جامعة القاهرة بند 45 ص 84 0
- 134 -
لاسكات كل صوت حر ينكل به فلا يحد قاضيا يجرؤ على حمايته فبغير هذه الضمانة لا يمكن لقاض أن يطبق ما يعتقد أنه القانون ولا يمكن بالتالى لقانون أن يسود (1) 0
ثانيـا : التطور التاريخى لمبدأ عدم القابلية للقاضى بالعزل :
لم يكن مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل يشمل جميع القضاة فى البداية ولكنه مر بعده مراحل حيث كان هذا المبدأ فى ظل قانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 قاصرا فقط على مستشارى محاكم الاستئناف ومحكمة النقض أما قضاة المحاكم الابتدائية ورؤساؤها وأعضاء النيابة العامة فكانوا قابلين للعزل
ثم جاء قانون السلطة القضائية رقم 43 لسنة 1965 ومد نطاق هذا المبدأ وجعله شاملا جميع القضاه على اختلاف درجاتهم واستثنى من ذلك قضاة المحاكم الابتدائية الذين لم يمضوا ثلاث سنوات فى القضاء فكان يجوز عزلهم وعزل أعضاء النيابة كذلك ثم جاء الدستور المصرى سنة 1971 ونص فى مادته رقم 168 على أنه ( القضاة غير قابلين للعزل ... ) ، وترتب على هذه المادة سالفة الذكر أن مبدأ عدم القابلية للعزل أصبح شاملا جميع القضاة بلا اشتراط مدة معينة بل يتمتع بهذه الضمانة جميع القضاة سواء حديثا فى التعيين أم قديما ، ثم جاء قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 وأكد هذا النص الدستورى سالف الذكر ونص على أن القضاة غير قابلين للعزل وخرج من هذا النطاق جميع أعضاء النيابة العامة وبالتالى يكونون قابلين للعزل ثم جاء القانون رقم 35 لسنة 1984 الذى عدل قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 ومد هذه الحصانة القضائية إلى جميع أعضاء النيابة العامة عدا معاونى النيابة فنص المادة (67) منه على أن ( رجال القضاء والنيابة العامة عدا معاونى النيابة غير قابلين للعزل " (2) 0
ثالثا : نطاق مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل :
إن مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل ليس مطلقــا بمعنى أن القاضــى يظل غـير قابل للعزل طوال
_________________
(1) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 45 ص 85 ، الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى مرجع سابق بند 108 ص 197 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم سنة 1981 مطبعة دار الفكر العربى ص 102 ، 103 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 43 ص 51 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى بند 45 ص 84 ، 85 0
- 135 -
حياته وأنه يحتفظـ بمنصبــه ولو بدرت منه تصرفات غير مقبولة وإنما معنى هذا المبدأ أن القاضى لا يفصل ولا يحــال إلى المعاش أو يوقف أو يسحب تعيينه أو ينقل إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بالقانون (1) 0
فليس معنى هذا المبدأ تأبيد القاضى فى وظيفته إذ أن هذا المبدأ لا يمنع من تأديب القاضى أو نقله أو إحالته إلى المعاش ما دام قد تم ذلك وفقا لما يقرره القانون (2) 0
لذلك نجد القاضى يحال إلى المعاش إذا بلغ ثمان وستين سنة وذلك طبقا لنص المادة (69) من قانون السلطة القضائية والمعدله بالقانون رقم 159 لسنة 2003 والتى تنص على أنه ( استثناء من أحكام قوانين المعاشات لا يجوز أن يبقى فى وظيفة القضاء أو يعين فيها من جاوز عمره ثمان وستين سنة ميلادية ومع ذلك إذا كان بلوغ القاضى سن التقاعد فى الفترة من أول أكتوبر إلى أول يوليو فإنه يبقى فى الخدمة حتى هذا التاريخ دون أن تحتسب هذه المدة فى تقرير المعاش أو المكافأة )(3) 0
كما يحال القاضى إلى المعاش لأسباب صحيحه طبقا لنص المادة (91/1) من قانون السلطة القضائية على أن إذا لم يستطيع القاضى بسبب مرضه مباشرة عمله بعد انقضاء الأجازات المقررة أو ظهر فى أى وقت أنه لا يستطيع لأسباب صحية القيام بوظيفته على الوجه اللائق فإنه يحال إلى المعاش بقرار جمهورى بناء على طلب وزير العدل وموافقة المجلس الأعلى للقضاء 0
كذلك يحال القاضى إلى المعاش أو ينقل إلى وظيفة غير قضائية إذا تبين لأسباب غير صحية أن القاضى فقد أسباب صلاحيته لولاية القضاء وذلك طبقا لنص المادة (111) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدلــه بالقانون رقـــم 35 لسنة 1984 والتى تنص على أنه
___________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 43 ص 51 ، شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 45 ص 84 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 103 0
(2) القانون القضائى الخاص د/ إبراهيم سعد طبعة سنة 1974 جـ 1 بند 117 ص 264 0
(3) هذه المادة قبل تعديلها كانت منصوص عليها بالقانون رقم 49 لسنة 1973 منشور بالجريدة الرسمية العدد 28 فى 12/7/1073 ، ثم استبدلت بعبارة ستين سنة عبارة أربعا وستين سنة بالقانون رقم 183 لسنة 1993 منشورا بالجريدة الرسمية العدد 40 فى 7/10/1993 ، ثم استبدلت بعبارة أربعا وستين سنة عبارة ستا وستين سنة ميلادية بالقانون رقم 3 لسنة 2002م بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية ، منشورا فى الجريدة الرسمية - العدد 2 مكرر فى 20/1/2002م ) ، ثم استبدلت بعبارة ست و ستين سنة ميلاديا عبارة " ثمان و ستين سنة ميلادية " بالقانون رقم 159 لسنة 2003 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية منشور فى الجريدة الرسمية العدد 39 تابع فى 25/3/2003 م .
- 136 -
( إذا ظهر فى أى وقت أن القاضى فقد أسباب الصلاحية لولاية القضاء لغير الأسباب الصحية برفع طلب الإحالة إلى المعاش أو النقل إلى وظيفة أخرى غير قضائية من وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على طلب رئيس المحكمة إلى المجلس المشار عليه فى المادة (98) ولهذا المجلس إذا رأى محلا للسير فى الإجراءات أن يندب عند الاقتضاء أحد أعضائه لإجراء ما يلزم من التحقيقات ويدعوا المجلس القاضى للحضور أمامه بميعاد ثلاثة أيام ) 0
وكذلك إذا تبين أن كفاءة القاضى تقل عن المتوسط بناء على التقارير التى تضعها إدارة التفتيش القضائى فإن وزير العدل يعرض أمره على مجلس القضاء الأعلى ليفحص حالته ويقرر إحالته إلى المعاش أو نقله إلى وظيفة غير قضائية (1) 0
مما سبق تبين لنا أن القضاء المصرى قد كفل للقاضى اطمئنانه على حاضره ومستقبله وذلك بتقريره ضمانه عدم قابلية القاضى للعزل طالما لم يظهر منه خلل يبرر عزله فى الحدود التى نص عليها القانون بل فضلا عن ذلك فقد نص الدستور المصرى سنة 1971 نص صراحة فى المادة (168) على أن القضاه غير قابلين للعزل " ويترتب على اعتبار مبدأ عدم قابلية القاضى للعزل ضمانه دستورية أنه إذ صدر تشريع عادى يؤدى إلى المساس بهذه الضمانة الدستورية يعتبر هذا التشريع العادى باطلا (2) 0
الفرع الثانى
وجودمجلس القضاء الأعلى
يعتبر من الضمانات التى قررها المشرع للقاضى حتى تساعده على تأمين مقومات حياته هى وجود مجلس تكون له الهيمنة والسيطرة علىجميع المسائل المتعلقة بشئونهم من نقل وندب وإعارة وترقية ومن الناحية المالية وتأديبهم بحيث يقتصر دور الإدارة أو السلطة التنفيذية على التصديق على ما يتخذه هذا المجلس من قرارات وذلك تأكيدا لاستقلال القضاء وحفاظا عليه (3) 0
___________
(1) المادة (112) من قانون السلطة القضائية 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 103 مرجع سابق 0
(3) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 48 ص 95 مرجع سابق 0
- 137 -
أولا : كيفية تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفقا لنص المــادة ( 77 مكرر من القانون رقم (4) لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية والمعدله بالقانون رقم 35 لسنة 1984 ) 0
لكى نتحدث عن كيفية تشكيل مجلس القضاء الأعلى فهذا يتطلب منا أن نتعرض للتسلسل التاريخى لهذا المجلس ففى البداية قد صدر فى مصر القانون 66 لسنة 1943 بشأن استقلال القضاء ونص على انشاء مجلس أعلى يكون له الرأى الأول فى شئون القضاه ثم صدر القانون رقم 43 لسنة 1965 بشأن السلطة القضائية طبقا للمادة (80) حيث نصت على تشكيل مجلس أعلى للقضاء ويكون على الوجه التالى : رئيس محكمة النقض رئيسا ، أقدم نائبين من نواب رئيس محكمة النقض ، رئيس محكمة استئناف الإسكندرية ، النائب العام ، رئيس محكمة القاهرة الابتدائية ) وقد ألغى هذا المجلس بإنشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية بالقانون رقم 82 لسنة 1969 حيث حل هذا المجلس محل مجلس القضاء الأعلى وآلت إليه اختصاصاته 0
وقد انتقد بعض علماء الفقه القانونى وجود المجلس الأعلى للهيئات القضائية سالف الذكر لأنه كانت رئاسته لرئيس الجمهورية أو لوزير العدل عند غيابه ولأنه كان يضم فى تشكيله من لا يمارس القضاء كرئيس هيئة قضايا الدولة ورئيس هيئة النيابة الإدارية (1) 0
وأخيرا عاد المشرع المصرى ونص صراحة على وجود مجلس أعلى للقضاء لا يتكون إلا ممن يباشر القضاء فقط ولا يدخل فى عضويته من لا باشر القضاء وإن كان يعتبر عضو هيئة قضائية طبقا لقانون إنشاء تلك الهيئة 0
وأصبح المجلس الأعلى للقضاء يتكون من :
حيث تنص المادة 77 مكرر من القانون رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 فى شأن السلطة القضائية على أنه :
( يشكل مجلس القضاء الأعلى على النحو الآتـى :
- رئيس محكمة النقض رئيسا 0
- رئيس محكمة استئناف القاهرة عضوا 0
_________________
(1) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح الطبعة الثانية سنة 1990 ، 1991 ص 72 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 48 ص 95 ، 96 مرجع سابق 0
- 138 -
- النائب العـــــام عضوا 0
- أقدم اثنين من نواب رئيس محكمة النقض عضوا 0
- أقدم اثنين من رؤساء محاكم الاستئناف الأخرى عضوا 0
وعند خلو وظيفة رئيس محكمة النقض أو غيابه أو وجود مانع لديه يحل محله فى رياسة المجلس أقدم نوابه فى هذه الحالة وضم إلى المجلس أقدم نواب رئيس محكمة النقض من غير العضوية المشار إليها فى الفقرة السابقة وعند خلو وظيفية أحد أعضاء المجلس أو غيابه أو وجود مانع لديه يحل محل النائب العام أقدم نائب عام مساعد أو من يقوم مقامه ويحل محل رؤساء محاكم الاستئناف من يليهم فى الأقدمية من النـــواب .... " 0
ثانيـا : اختصاصات مجلس القضاء الأعلى :
يختص مجلس القضاء الأعلى بالنظر فى كل ما يتعلق بتعيين ، وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة وكذلك سائر ش ئونهم على النحو الموضح فى هذا القانون وكذلك يجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء والنيابة وذلك طبقـــا للمادة (117 مكرر فقرة 2 ) والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 والتى تنص على أنه ( يختص مجلس القضاء الأعلى بنظر كل ما يتعلق بتعين وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة وكذلك سائر شئونهم على النحو المبين فى هذا القانون ويجب أخذ رأيه فى مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء والنيابة العامة .... " 0
كذلك يختص المجلس بوضع لائحة بالقواعد التى يسير عليها فى مباشرة اختصاصاته ويجوز للمجلس أن يشكل من بين أعضائه لجنة أو أكثر وأن يفوضها فى بعض اختصاصاته عدا ما يتعلق منها بالتعيين أو لترقية والنقل (1) 0
وعموما يباشر مجلس القضاء الأعلى كافة الاختصاصات التى كان يباشرها المجلس الأعلى للهيئات القضائية وأهمها الاشراف على المحاكم وعلى القائمين عليها من قضاة ومستشارين وكذلك الاختصاصات المخولة للجنــة المنصوص عليهــا فــى المادة السادسة من القانون رقم 82
________________
(1) المادة (77 مكرر فقرة (3) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم (35) لسنة 1984 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
لسنة 1969 بشأن المجلس الأعلى للهيئات القضائية ( المادة (3) من القانون رقم 35 لسنة 1984) (1)
الفرع الثالث
الضمانات الخاصة بشئون القاضى
اهتم المشرع المصرى بوضع ضمانات خاصة بشئون القاضى ومن شأن تحقيقها أن يشعر القاضى بالاستقرار والاطمئنان ويطمئن على مقومات حياته ولا يسعى إلى رضاء أحد من القائمين على شئون القاضى (2) وتتحدد تلك الضمانات فيما يلـى :
ولذلك حرص المشرع المصرى على رعاية القاضى فقرر له راتبا متميزا وخصه بكادر خاص يختلف عن كادر العاملين المدنين بالدولة (3) ومع هذا فالمرتب المقرر للقاضى أقل بكثير مما ينبغى أن يكون عليه
__________________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم - الجزء الأول طبعة 190 - 1991م ص 136 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 91 0
(3) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 199 مرجــع سابق ، قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم الجزء الأول ص 133 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 244 طبعة 1978م0
- 140 -
وتحدد مرتبـــات القضـــاة بجميع درجاتهــم وفقا للجدول الملحق بقانون السلطة القضائية ولا يصح أن يقــرر لأحد منهم مرتب بصفة شخصيــة أو أن يعامــل معاملة استثنائية بأية صــورة (1) ، وذلك يعتبر استكمالا لأسباب استقلال القضاء ومظاهره ومنعا لكل ما يشعر بأن للقاضى امتيازا على زميله (2) 0
وقد نصت المادتين (16/1 ، 18 ) من مشروع الإعلان العالمى لاستقلال القضاء الصادر فى مونتريال سنة 1983 على وجوب جعل مرتبات القضاه ملائمة ومتناسبة مع ما يقترن به منصبهم من مكانة وكرامة ومسئولية 0
حيث تنص المادة (16) فقرة ( أ ) منه على ( أن يضمن القانون مدة وظيفة القضاه واستقلالهم وأمنهم وكفاية مرتباتهم وظروف خدمتهم ولايجوز تبديلها فى غير مصلحتهم " 0
وتنص المادة (18) منه على أنه [ أ ] ينال القضا مرتبات خلال مدة وظيفتهم كما ينالون مرتبات تقاعدية بعد إحالتهم إلى التقاعد ( أى المعاش ) 0
[ب ] تكون مرتبات القضاه ومعاشهــم ملائمـــة ومتناسبة مــع ما يقترن به منصبهم من مكانة وكرامة ومسئولية ، ويعاد النظر فيها دوريا من أجل التغلب على أثر التضخم أو التقليل منه (3) 0
ثاينـا : ترقية القاضـى :
لما كانت ترقية القاضى تتم عن طريق السلطة التنفيذية ولو أطلق لها الأمر فى ذلك لتمكنت من نفع من يداهنها ويمالئها ومن ضرر من يقف لها ويعارضها وذلك بترقية الأول وتناس الثانى وبذلك يفسدوا القاضى الذى يقيم العدالة بين الناس مفتقدا إياها لنفسه منشغلا بما يقع عليه من ظلم عن رفع الظلم عن الآخرين (4) 0
___________________
(1) المادة (68) من قانون السلطة القضائية 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 91 0
(3) تشريعــات السلطــة القضائيــة للمستشــار يحيى الرفاعــى - مكتبـــة رجال القضاء طبعة سنة 1991 ص 39 0
(4) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 199 0
- 141 -
وتفاديا لهذا الوضع أخذ المشرع المصرى بترقية القضاة وفق نظام معين إذ رتب القضاه فى وظائف متتابعة تكون الترقية لاحداها من الوظيفة التى تسبقها مباشرة فى السلم القضائى وقرر المشرع أن تراعى بالنسبة لترقية القضاة عدة ضمانات أهمها :
- أن تكون الترقية بقرار من رئيس الجمهورية وبشرط موافقة مجلس القضاء الأعلى 0
- أن تكون الترقية وفق ضوابط معينة تتعلق بالأقدمية والكفاءة 0
- عندما يعد وزير العدل الحركة القضائية يجب عليه قبل عرض وإعلان الحركة القضائية بثلاثين يوما على الأقل أن يخطر من كان من القضاة قد حل دوره فى الترقية ولم تشمله الحركة لسبب غير متصل بتقارير الكفاية وله أن يتظلم من تخطيه طبقا لنص المادة (79) من قانون السلطة القضائية (1) 0
وإذا كانت ترقية القاضى تتم وفقا لضوابط معينة تتعلق بالأقدمية والكفاءة كما سلف البيان فمع ذلك يجوز ترقية القاضى صاحب الكفاية الممتازة حتى ولو لم يحل دوره فى اترقية مكافأة على كفايته وتشجيعا وحافزا له على الاستمرار فى العمل الجاد وذلك متى أمضى فى وظيفته سنتين على الأقل ويشترط ألا تزيد نسبة من يرقى من القضاة لهذا السبب على ربع عدد الوظائف الخالية فى كل درجة خلال سنة مالية كاملة ويكون اختيارهم بترتيب الأقدمية فيما بينهم (2) 0
ويعتبر من ذوى الكفاءة الممتازة القضاة والرؤساء بالمحاكم الحاصلون فى تقديرين لكفايتهم على درجة كفء أحدهما على الأقل عن عملهم فى القضاء ويشترط ألا تقل تقديراتهم السابقة جميعها عن درجة فوق المتوسط (3) وعلى عكس ما سبق هناك بعض الأنظمة القضائية لا تأخذ بنظام الترقية بالنسبة للقضاة كالقانون الانجليزى حيث يذهب إلى أنه متى عين القاضى على درجة معينة فلا يرقى بعدها ويظل فيها إلى أن تنتهى مدة خدمته فى وظيفة القضاء ولكن أخذ على هذا النظام أن إلغاء الترقيــة يتنافى مــع الطبيعـة الإنسانية التى تتطلع دائما إلى مستقبل أفضل ومركز
________________
(1) المرجع السابق بند 109 ص 199 ، مبادىء المرافعات د/ عبد الباسط جمنيعى ص 216 0
(2) المادة (49/5) قانون السلطة القضائية 0
(3) المادة (49/4) قانون السلطة القضائية 0
- 142 -
أحسن فضلا أنه يؤدى إلى التراخى فى العمل وعدم الاجتهاد ما دام أن القاضى يظل فى وظيفته ولا يرقى أبدا (1) 0
وقضت محكمة النقض بخصوص ترقية القاضى : أن [ ترقية القضاة والرؤساء بالمحاكم الابتدائية أساسها الأقدمية مع الأهلية م 49 ق السلطة القضائية درجة الأهلية تقديرها ليس بعناصر الكفاية الفنية وحدها بل بجميع العناصر الأخرى الواجب توافرها لتحقق الأهلية ودرجاتها قيام ما يدل من الأسباب على انتقاص أهلية القاضى ومجانيه للصفات التى تتطلبها طبيعة وظيفته أثره لجهة الإدارة نزولا على مقتضيات المصلحة العامة أن تتخطاه فى الترقية إلى من يليــــه ] (2) 0
ثالثا : نقـل القاضى :
جاء بالمذكرة الايضاحية لقانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 على أن ضمانه عدم قابلية القاضى للعزل ليست وحدها الكفيلة بضمان اطمئنان القضاة فى عملهم ذلك لأن المحاكم على اختلاف درجاتهم تنتشر فى إنحاء الدولة فى مدن تتفاوت من حيث الطقس ومن حيث توافر أسباب المعيشة وكافة ما يحتاج إليه القاضى فلو ترك أمر النقل بيد السلطة التنفيذية لأتخذت منه وسيلة للنكاية بالبعض بنقله إلى أماكن نائية أو باستمالة البعض الآخر بإبقائه فى العاصمة أو المدن القريبة فيلجأ الفريق الأول إلى الاستقالة بينما يتمادى الفريق الثانى فى الخضوع للسلطة التنفيذية وفى الحالتين يتأثر استقلال القضاء 0
وضمانا لعدم مخالفة القانون واستخدام النقل مشوبا بسوء استعمال السلطة نص المشرع فى قانون السلطة القضائية على أنه ( لا يجوز نقل القضاه أو ندبهم أو إعارتهم إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بهذا القانون ) (3) 0
وكذلك نص المشرع فى قانون السلطة القضائية على أنه ( يكون نقل الرؤساء والقضاة بالمحاكم الابتدائية بقرار من رئيس الجمهورية بعــد موافقــة مجلـــس القضاء الأعلـى يحدد فيه المحاكم التى
_________________
(1) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 199 0
(2) الطلب رقم 119 لسنة 67 ق رجال القضاء جلسة 10/1/1998 ، والطلب رقم 120 لسنة 61 ق رجال القضاء جلسة 4/5/1999 مشار إليهما فى مجلة القضاة السنة الحادية والثلاثون العدد الأول والثانى يناير ديسمبر سنة 1999 ص 343 0
(3) المادة (52) من قانون السلطة القضائية 0
- 143 -
يلحقون بها ويعتبر تاريخ التبليغ بالقرار .... ) (1) 0
وفيما يتعلق برؤساء دوائر محكمة استئناف القاهرة ومستشار بها فلا يجوز نقلهم إلى محكمة أخرى إلا برضائهم وموافقة مجلس القضاء الأعلى أما مستشار ومحاكم الاستئناف الأخرى فيكون نقلهم إلى محكمة استئناف القاهرة تبعا لأقدمية التعيين بمراعاة أن يكون النقل من محكمة استئناف قنا إلى محكمة استئناف أسيوط ثم إلى بنى سويف ثم إلى الإسماعيلية ثم إلى المنصورة ثم إلى طنطا ثم إلى الإسكندرية ومع ذلك يجوز بقاء رئيس الدائرة أو المستشار فى المحكمة التى يعمل بها بناء على طلبه وموافقة مجلس القضاء الأعلى (2) 0
وجاء بالمذكرة الإيضاحية المرفقة بقانون السلطة القضائية تعليقا منها على المادة (54) سالفة الذكر أن أن مدد إقامة القضاه بالمحاكم سالفة الذكر فقررت أنه عملا على استقرار القضاه بالمحاكم بما يكفل حسن سير العمل وانتظامه رأى المشرع قصر مناطق النقل على ثلاث مناطق بدلا من أربع بحيث يكون البقاء فى المنطقة الأولى خمس سنوات وتشمل محاكم القاهرة والإسكندرية والجيزة وبنها ، وفى المنطقة الثانية أربع سنوات وتضم محاكم بنى سويف والفيوم والمنيا وباقى محاكم الوجه البحرى وفى المنطقة الثالثة سنتين وتشمل محاكم أسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وأجاز المشرع بناء على طلب القاضى تجاوز المدة بأكملها على خمس سنوات تيسرا على الراغبين فى ذلك ومراعاة عدم الإخلال بحسن سير العمل فى الوقت ذاته 0
وفضت محكمة النقض فى هذا الصدد :
( أن المدد المقرره لبقاء القاضى أو الرئيس بالمحكمة فى كل من المناطق الثلاث ( م 59/1 قانون السلطة القضائية ) حد أقصى بتعين على الجهة الإدارية نقله عند نهايتها ، ونقله قبل انقضائها جائز ، ويترتب على ذلك استقلال كلا الوظيفتين فى حساب تلك المدد ومؤدى ذلك أن الحد الأقصى المقرر للعمل بمنطقة معينة لا يمنع نقله إليها بعد ترقيته إلى رئيس محكمة (3) 0
______________
(1) المادة (53) من قانون السلطة القضائية 0
(2) المادة (54) من قانون السلطة القضائية 0
(3) نقض مدنى رقم 257 لسنة 58 ق جلسة 16/5/1989 ( رجال القضاء ) 0
- 144 -
مما تقدم تبين لنا إن المشرع حرصا منه على المساواة الكاملة بين القضاه لم يترك أمر نقل القضاه لمطلق تقدير السلطة التنفيذية حتى لا تتخذه وسيلة للضغط على القاضى فجعل نقل القاضى يتم وفقا لقواعد ثابتة وبالكيفية التى يحددها القانون وذلك حماية للقاضى من إساءة استعمال السلطة التنفيذية لهذا الحق لو ترك أمر نقل القاضى بيديها دون ضوابط وموافقة مجلس القضاء الأعلى (1) 0
رابعـا : ندب القاضـى :
حماية لاستقلال القضاء ومنعا للتحايل على قواعد نقل القضاة إهتم قانون السلطة القضائية بتنظيم ندبهم (2) 0
وبناء على ذلك تنص المادة (52) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز نقل القضاة أو ندبهم أو إعارتهم إلا فى الأحوال وبالكيفية المبينة بهذا القانون ) 0
وتنص المادة (55) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز لوزير العدل عند الضرورة أن يندب مؤقتا للعمل بمحكمة النقض أحد مستشارى محاكم الاستئناف ممن تتوافر فيهم شروط التعيين فى وظيفة مستشار بمحكمة النقض لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى وذلك بعد أخذ رأى الجمعية العامة لمحكمة النقض وموافقة مجلس القضاء الأعلى " 0
وتنص المادة (56) من قانون السلطة القضائية على أنه ( يجوز لوزير العدل عند الضرورة أن يندب أحد مستشارى محاكم الاستئناف للعمل فــى محكمــة استئناف غير المحكمة التابع لها لمدة لا تتجاوز ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى وذلك بعد أخذ رأى الجمعية العامة للمحكمة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى ) 0
كما تنص المادة (57) من القانون سالف الذكر على أنه ( يجوز لوزير العدل أن يندب أحد مستشارى محاكم الاستئناف مؤقتا للعمل بالنيابة العامة لمدة لا تجاوز ستة اشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى وذلك بعد أخذ رأى الجمعية العامة للمحكمة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى " 0
_________
(1) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى بند 109 ص 200 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 86 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى بند 46 ص 86 0
- 145 -
وتنص المادة (58) من القانون سالف الذكر على ( أنه يجوز لوزير العدل عند الضرورة ندب الرؤساء والقضاء بالمحاكم الابتدائية لمحاكم غير محاكمهم لمدة لا تجاوز ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة أخرى بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى " 0
وتنص المادة (62) من ذات القانون على أنه ( يجوز ندب القاضى مؤقتا للقيام بأعمال قضائية أو قانونية غير عمله أو بالإضافة إلى عمله وذلك بقرار من وزير العدل بعد أخذ رأى الجمعية العامة التابع لها وموافقة مجلس القضاء الأعلى على أن يتولى المجلس المذكور وحده تجديد المكافأة التى يستحقها القاضى عن هذه الأعمال بعد انتهائها ) 0
وتنص المادة (66) من ذات القانون والمعدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2006 على أنه ( لا يجوز أن تزيد مدة ندب القاضى لغير عمله طوال الوقت على ست سنوات متصلة عدا الندب لوظائف مساعد أول الوزير ومساعدى الوزير للتفتيش القضائى والتشريع والمكتب الفنى ... )0
وجاء بالمذكرة الايضاحية لهذا القانون أنه تنظيما لمدد ندب القضاة وإعارتهم وعملا على وضع حدود قصوى لهذه المدد حتى لا يظل القاضى بمنأى عن عمله الأصل لمدة طويلة نص المشرع على أنه لا يجوز ندب القاضى لغير عمله طوال الوقت لمدة تزيد على ست سنوات متصلـــة 0
وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن :
( خلو قانون السلطة القضائية من قواعد للندب مؤداه للجهة الإدارية سلطة اتخاذ قرارات بما يلائم إصدارها متى هدفت للمصلحة العامة ) (1) 0
خامسا : إعارة القاضـى :
أجاز المشرع إعارة القاضى إلى الحكومات الأجنبية أو الهيئات الدولية بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأى الجمعية العامة للمحكمة التابع لها القاضى أو النائب العام بحسب الأحوال وبعد أخذ رأى المجلس الأعلى للقضاء ولا يجوز أن تزيد مدة الإعارة على ست سنوات متصلة ومع ذلك يجوز أن تزيد المدة على هذا القدر إذا اقتضت ذلك مصلحة قومية يقدرها رئيس الجمهورية (2) 0
___________
(1) طعن مدنى رقم 25 س 55 ق جلسة 9/10/1990 ( رجال القضاء ) 0
(2) المادة (65) من قانون السلطة القضائية 0 رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم142 لسنة 2006 والمنشور بالجريدة الرسمية العدد تابع 26 فى 29/6/2006 .
- 146 -
وتعتبر هذه المدة متصلة إذ تتابعت أيامها وفصل بينها فاصل زمنى يقل عن ست سنوات بشرط ألا يترتب على الإعارة الإخلال بحسن سير العمل (1) ، وقد كانت مدة الإعارة قبل تعديليها لا تجاوز أربع سنوات وفقا لما استقر عليه أحكام النقض 0
وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد :
[ إعارة القضاة لمدة لا تجاوز أربع سنوات متصلة جواز زيادة هذه المدة لمصلحة قومية بقدرها رئيس الجمهورية شريطة العرض على مجلس القضاء الأعلى وموافقته على ذلك م 65/66/3 من قانون السلطة القضائية ] (2) 0
سادسا : تأديب القاضـى :
يتمتع القاضى بالاستقلال التام فى إبداء رأيه وإذا ما أخطأ القاضى فى حكمه فإن السبيل فى تصحيح هذا الخطأ يكون بطريق الطعن فى هذا الحكم بإحدى طرق الطعن التى نص عليها القانون ولكن قد يقع من القاضى ما يعرضه للمساءلة التأديبية كأن يتعلق الأمر بأداء القاضى لوظيفته كتخلفه عن واجب الإقامة فى البلد التى بها مقر عمله أو بتعلق الأمر بحياته الخاصة أو بنشاطه الخارجى كقيامه بأى عمل لا يتفق مع استقلال القضاء وكرامته (3) 0
والقاضى يخضع كغيره من العاملين بالدولة للمساءلة عن خطئه ولكن نظرا لمكانة القاضى وأهمية وظيفته فقد أحاطه المشرع بمجموعة من الضمانات عند مساءلته تأديبيا حتى لا يستغل خطأ القاضى ويستخدم كوسيلة للتنكيل به وتصفية حسابات قديمة ومنفذا لتهديد القاضى أو التأثير عليه (4) 0
ولذلك جعل المشرع تأديب القضاة بجميع درجاتهم من اختصاص مجلس تأديب يشكل من أقدم رؤساء محاكم الإستأناف من غير أعضاء مجلس القضاء الأعلى رئيسا ، و عضوية أقدم قاضيين لمحكمة النقض ، وأقدم نائبى رئيس محكمة الإستئناف ، وعند غياب الرئيس أو أحد الأعضاء أو وجود مانع لديه يحل محله الذى يليه فى الأقدمية (5)
(1) المادة (66) من قانون السلطة القضائية 0 رقم 46 لسنة 1972 والمعدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2006 .
(2) الطلب رقم 32 لسنة 64 ق رجال القضاء جلسة 1/6/1999 والطلب رقم 198 لسنة 64 ق رجال القضاء جلسة 8/6/1999 مشار إليهما فى مجلة القضاه السنة الحادية والثلاثون العدد الأول والثانى يناير وديسمبر 1999م ص 340 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 109 ص 200 ، 201 0
(4) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم الجزء الأول ص 138 0
(5) المادة (98) من قانون السلطة القضائيـــة رقم 46 لسنة 1972 و المعدة بالقانون رقم 142 سنة 2006 و المنشور بالجريدة الرسمية العدد تابع 29/6/2006م .
- 147 -
وتقام الدعوى التأديبية من النائب العام من تلقاء نفسه بناء على إقتراح وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على اقتراح رئيس المحكمة التى يتبعها القاضى ولا تقام الدعوى إلا بناء على تحقيق جنائى أو بناء على تحقيق إدارى يتولاه أحد نواب رئيس محكمة النقض أو رئيس بمحكمة استئناف يندبه وزير العدل أو رئيس المحكمة بالنسبة إلى القضاة ومن يعلوهم بمحكمة النقض أو بمحاكم الإستئناف أو قاضى بمحكمة النقض أو بمحكمة الإستأناف من إدارة التفتيش القضائى بالنسبة إلى الرؤساء بالمحاكم الإبتدائية وقضاتها أو مستشار من إدارة التفتيش القضائى بالنسبة إلى الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وقضاتها ويخطر مجلس التأديب بالطلب فإذا لم يقم النائب برفع الدعوى خلال ثلاثين يومــا من تاريخ الطلب جاز لمجلس التأديب أن يتولى بنفسه الدعوى بقرار يبين فيه الأسبــاب ) (1) 0
وتنقضى الدعوى التأديبية باستقالة القاضى أو إحالته إلى المعاش (2) 0
ومحافظة على كرامة القاضى وسمعــة القاضـى جعــل المشرع جلسات المحاكمة التأديبية سريــة (3) 0
ويجب أن يكون الحكم الصادر فى الدعوى التأديبية مشتملا على الأسباب التى بنى عليها وأن تتلى أسبابه عند النطق به فى جلسة علنية وللنائب العام ، ولامحكوم عليه الطعن فى هذا الحكم خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدوره أمام مجلس تأديب أعلى (4) 0
كما حصر المشرع العقوبات التأديبية التى يجوز توقيعها على القاضى فى العزل واللوم (5) 0
ويقوم وزير العدل بإبلاغ القاضى مضمون الحكم الصادر بعزله خلال ثمان وأربعين ساعة من تاريخ صدوره وتزول ولاية القاضى من تاريخ ذلك التبليغ (6) 0
_______________
(1) المادة (99) من قانون السلطة القضائيـــة 0
(2) المادة (104) من قانون السلطة القضائية 0
(3) المادة (106) من قانون السلطة القضائية 0
(4) المادة (107) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 و المعدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2006م 0
(5) المادة (108) من قانون السلطة القضائية 0
(6) المادة (109) من قانون السلطة القضائية 0
- 148 -
سابعا : اتهام القاضى ومحاكمته جنائيـا :
لما كان القاضى بشراً فقد يرتكب فعلا يعد بمقتضى القانون الجنائى جريمة جنائية وبالتالى يسأل عما ارتكبه طبقا لقانون العقوبات (1) ومنعا من اتخاذ إجراءات اتهام أو تحقيق أو محاكمة جنائية تعسفا بالقضاه للتنكيل بهم نص المشرع على ضمانات معينة فى هذا الصدد حفاظا على استقلال القضــاه (2) 0
وهذه الضمانات فيما يلـى :
1- استثناء من أحكام الاختصاص العامه بالنسبة إلى المكان تعيين اللجنة المنصوص عليها فى المادة السابقة (94) بناء على طلب النائب العام المحكمة التى يكون لها أن تفصل فى الجنح أو الجنايات التى قد تقع من القضاه ولو كانت غير متعلقة بوظائفهم (3) 0
2- فى غير حالات التلبس لا يجوز القبض على القاضى ، وحبسه احتياطيا إلا بعد الحصول على إذن من اللجنة المنصوص عليها فى المادة (94) 0
3- وفى حالات التلبس يجب على النائب العام عند القبض على القاضى أن يرفع الأمر إلى اللجنة المذكورة فى مدة الأربع والعشرين ساعة التالية التى لها أن تقرر إما استمرار الحبس أو الإفراج بكفالة أو بغيرها وللقاضى أن يطلب سماع أقواله أمام اللجنة عند عرض الأمر عليها ، وتحدد اللجنة مدة الحبس فى القرار الذى يصدر بالحبس أو باستمراره وتراعى الإجراءات السالفة الذكر كلما رئى استمرار الحبس الاحتياطى بعد انقضاء المدة التى قررتها اللجنة (4) 0
4- لا يجوز اتخاذ أى إجراء من إجراءات التحقيق مع القاضى أو رفع الدعوى الجنائية عليه فى جناية أو جنحه إلا بإذن من اللجنة المذكورة وبناء على طلب النائب العام ويكون حبس القاضى وتنفيذ العقوبات السالبة للحرية ضده فى أماكن مستقله عن الأماكن المخصصة لحبس السجناء الآخرين (5) 0
____________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود محمد هاشم ص 141 الجزء الأول 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 109 ص 203 0
(3) المادة (95) من قانون السلطة القضائية 0
(4) المنادة (96) فقرة ( 1 ، 2 ) من قانون السلطة القضائية 0
(5) المادة (96/ 4 ، 5 ) من قانون السلطة القضائية 0
- 149 -
المبحث الرابع
حجية الأحكام القضائية فى الفقة الإسلامى
والقانون الوضعى
تمهيد
لما كان القاضى فــى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى يتمتع بالاستقلال الكامل فى أداء وظيفته ، فليس لأحد عليه من سبيل فى قضائه ولا سلطان عليه فيما يصدره من أحكام طالما ارتضى ما أنزل الله ورسوله شرعة ومنها جاو ذلك حتى يتمكن القاضى من نشر مظلة العدالة بين الناس وهو آمن من بطش ذوى السلطة والنفوذ ، وفضلا عن ذلك حتى تتحقق له الحماية الكاملة يجب أن تتصف الأحكام القضائية التى يصدرها القاضى بالحجية فى مواجهة الكافة من الناس والسلطات لأن فى ذلك إضفاء حماية معنوية للقاضى تجعل له المهابة بين الناس ، الأمر الذى دعا فقهاء الإسلام أن يقرروا أن التمرد على القضاء يعنى التمرد على الخلافة وأن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائى يعنى الامتناع عن أداء فريضة الزكاة (1) 0
ولذلك سوف نتحدث فى هذا المبحث عن بيان مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى وفيه مطلبان :
المطلب الأول : مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجيــة فى الفقه الإسلامــى 0
المطلب الثانى : مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية فى القانون الوضعى 0
__________________
(1) نظام الحكم فى الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامى - تأليف ظافر القاسمى - بيروت - دار النفائس طبعة سنة 1978 م ص 55 0
- 150 -
المطلب الأول
مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية
فى الفقة الإسلامى
أولا : المقصود بحجية الأحكام فى الفقه الإسلامى :
يقصد بحجية الحكم القضائى عند فقهاء الشريعة أن الظاهر من كل حكم صدر وفق الشروط الشرعية هو كون الحكم صحيحا ومحققا للعدالة وبالتالى يستحق التنفيذ (1) 0
وقد صرح بهذا المعنى بعض فقهاء الشريعة منهم ما ذكره الإمام ابن فرحون (2) 0
( ويحمل القضاء على الصحة ما لم يثبت الجور ) 0
وكذلك ما قاله الإمام الماوردى (3) 0
( الظاهر من أحكام القاضى نفوذها على الصحة ) 0
وحمل الحكم القضائى على الصحة فى الظاهر مقتضاه عند الفقهاء أن هذا الحكم يجب تنفيذه والعمل به وعدم اعادة ابحث فيه لغير دليل واعتباره حجة إلى أن يقوم الدليل على بطلانه ، ومن ناحية أخرى فإن حمل الحكم القضائى على الصحة فى الظاهر يقتضى أن لا يعتبر الحكم مقدسا إلى حـد لا يمكن معه نقضه وإنما هو معرض للنقض والتغير إذا قامت أدلة قوية على أنه قد جانب الحق والصواب (4) 0
ثانيـا : مدى تمنع الأحكام القضائية بالحجية فى الفقه الإسلامى :
الأصل فى الحكم القضائى فى الفقه الإسلامى أنه ينهى النزاع ويلزم به أطراف الخصومة متى صدر من القاضى مستوفيا الأصول الشرعية الواجب توافرها فيـه ومنذ هذه اللحظة يكون الحكم قابلا للتنفيذ ، ولا يجوز نظرا لقضية مرة أخرى أمام القاضى الذى أصدر الحكم ولا أقام غيره من
________________
(1) بحث فى حجية الأحكام فى الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف - الطبعة الأولى سنة 1408 هـ سنة 1988م ص 14 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 74 0
(3) أدب القاضى للماوردى جـ 1 ص 290 0
(4) بحث فى حجية الأحكام - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 15 0
- 151 -
القضاه وإلا لما استقر للناس حق ، فما يصدره القاضى من أحكام لها حصانتها لأن الظاهر صحتها ، فلا يتعرض لها بالنقض والإبطال بل هى مصونة لا تمس ولا ينقب عنها ولا تتعقب ، هذا هو الأصل فى الأحكام القضائية وهذا ما صرح به الفقهاء فى أقوالهم والذى عبر عنه الإمام الماوردى بقوله ( فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات أما صلحا عن تراضى ويراعى فيه الجواز ، أو اجبار بحكم بات يعتبر فيه الوجوب ) (1) 0
ولفظ - الحكم البات - الذى استعمله الإمام الماوردى معناه الحكم القاطع الذى لا رجعه فيه ولذلك قيل بت الرجل طلاق امرأته فهى مبتوته ، ويقال لما لا رجعة فيه لا أفعله البتـة (2) 0
وعلى هذا فالأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى تتمتع بالحجية ومن ثم فلا يتتبع القاضى قضايا من كان قبله ولا يتعرض لها مـن غير طعن صحيح له مبرراته ومقوماته وهذا الأمر محل اتفاق بين الفقهاء 0
ولذلك قال الإمام الكاسانى نقلا عن الحنفية :
( قضاء القاضى الأول لا يخلو إما إن وقع فى فصل فيه نص مفسر من الكتاب العزيز والسنة المتواتره والإجماع ، وإما أن وقع فى فصل مجتهد فيه من ظواهر النصوص والقياس ، فإن وقع فى فصل فيه نص مفسر من الكتاب أو الخبر المتواتر أو الإجماع فإن وافق قضاؤه ذلك نفذ ولا يحل له النقض ، لأنه وقع صحيحا .... ) (3) 0
وقال ابن فرحون نقلا عن المالكية 0
( فأما العالم العادل فلا يتعرض لأحكامه إلا على وجه التجويز لها وإن عرض فيها عارض بوجه خصومه ، فأما على وجه الكشف لها والتعقب فلا ، وإن سأله الخصم ذلك ) (4) 0
__________________
(1) الأحكام السلطانية للماوردى ص 70 0
(2) المصباح المنير - للفيومى - مادة ( بت ) ص 35 ، مختار الصحاح - للرازى - باب الباء ص 33 0
(3) بدائع الصنائع جـ 7 ص 20 0
(2) تبصرة الحكام جـ 1 ص 73 0
- 152 -
وروى عن الشافعية قولهـم :
( ليس على القاضى أن يتعقب حكم من قبله لأن الظاهر من أحكامه الصحة إلا أن يتظلم إليه محكوم عليه قبله ، فينظر فيما تظلم فيه ، فإن كان الحكم مخالفا للشرع أو محلا للنقض نقضه ، وإن كان مجتهدا فيه أبقاه ولم ينقضه ) (1) 0
غير أن الشيخ أبا حامد الاسفراينى (2) ، من الشافعية يرى أنه يجوز للقاضى أن يتعقب أحكام القضاة الذين سبقوه وإن لم يكن واجبا زيادة فى الاحتياط حتى إذا ما وجد سببا من أسباب النقض الشرعية نقضه ، إلا أن جمهور الشافعية يرون عدم جواز تعقب حكم القاضى لأن الظاهر من أحكامه الصحة (3) 0
وقال ابن قدامة نقلا عن الحنابلـة :
( ليس على القاضى تتبع أحكام القاضى قبله لأن الظاهر فيها السداد والصواب ) (4) 0
وإذا كان يتضح لنا مما سبق أن الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى لها حصانتها وتتمتع بالحجية إلا أن هذا لا يعنى أنها غير قابلة للطعن والنقض لأن القاضى لا يعدو أن يكون بشرا مجتهدا غير معصوم من الخطأ فى اجتهاده فاحتمال الخطأ فى أحكامه وارد وإلى ذلك أشار الرسول- r -بقوله فيما يرويه عنه عمرو بن العاص ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ فله أجر " (5) 0
_________________
(1) الأم - للإمام الشافعى - طبعة سنة 1388هـ - سنة 1968م مطبعة دار الشعب جـ 6 ص ص 208 0
(2) الشيخ أبو حامد الاسفرايينى هو أحمد بن محمد بن أحمد ، إمام الشافعية فى زمانه - ولد سنة 344 هـ وكان فقهيا إماما ، جليلا نبيلا ، وكان الناس يقولون عنه لورآه الشافعى لفرح به ، وتوفى سنة 410 هـ ، يراجع البداية والنهاية - تأليف الحافظ بن كثير الدمشقى المتوفى سنة 774 هـ تحقيق أحمد عبد الوهاب فتيح - مطبعة دار الحديث - القاهرة جـ 12 ص 3 0
(3) الأم - للشافعى - جـ 6 ص 208 0
(4) المغـنى جـ 11 ص 407 0
(5) صحيح البخارى - كتاب الاعتصام بالكتــاب والسنة - بــاب أجـــر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ - المكتبة العصرية - بيروت - سنة 1415 هـ سنة 1995م جـ 4 ص 204 0
- 153 -
وحيث يتبين من هذا الحديث أن حكم القاضى يحتمل الخطأ فقد أعطى الفقهاء للمتقاضين حق التظلم من الحكم والطعن فيه وذلك لأن الشريعة جاءت برفــع الظلــم وإن كان فى صورة حكم قضائى جانب الصواب كما فى الحالات الآتية :
1- إذا صدر الحكم مخالفا لنص فى كتاب أو سنة أو إجماع فإنه فى هذا الحالة يجب نقضه ويحرم تنفيــذه 0
2- إذا صدر الحكم على غير الأصول الشرعية المعتبرة لصحة الحكم مثل صدور الحكم فى حقوق العباد من غير رفع دعوى للمطالبة بـه 0
3- إذا قــدم المحكـــوم عليـــه دفعــا صحيحا ظهر بعد الحكم الأول وذلك لوجوب مراجعة الحـــق (1) 0
مما سبق يتبين لنا أن الأحكام القضائية فى الفقه الإسلامى تتمتع بالحجية طالما كانت هذه الأحكام صادرة وفقا للأصول الشرعية المعتبرة شرعا لصحة الحكم هذا مما يكفل للقاضى إضفاء حماية معنوية له مما يجعل له المهابة بين الناس وتكفل له الحماية فى مواجهة السلطات 0
المطلب الثانى
مدى حجية الأحكام القضائية فى القانون الوضعـى
تعتبر مسألة مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية موضوع ذات أهمية بالغة فى القانون الوضعى لما يترتب على تمتع الأحكام القضائية بالحجية من أثرين : أحدهما سلبى والآخر : إيجابى فأما الأثر السلبى فيتمثل فى عدم جواز إعادة النظر فى الدعوى التى صدر فيها الحكم من جديد فلا يجوز رفع نفس الدعوى مرة أخرى بعد الفصل فيها ولو قدمت فى الخصومة الجديدة أدلة واقعية أو أسانيد قانونية لم يسبق إثارتها فى الخصومة الأولى أما الأثر الإيجابى لحجية الحكم القضائى فيتمثل فى احترام ما قضى به هذا الحكم فى مواجهة الخصوم والكفافة (2) 0
___________
(1) بدائع الصنائع جـ 7 ص 6 ، الأم للشافعى جـ 6 ص 204 0
(2) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى ، مرجع سابق بند 87 ص 160 ، 161 0
- 154 -
ولكى نعرف مدى تمتع الأحكام القضائية بالحجية فهذا يتطلب منا أولا لتحديد المقصود بالحجية ثم نقسم الأحكام من حيث حجيتها ثم نقسم الأحكام من حيث قابليتها للطعن ثم بيان الشروط الواجب توافر فى الحق المدعى به حتى يحوز الحكم الصادر بهذا الحق الحجية وذلك من خلال الفروع الآتية :
الفرع الأول : المقصود بحجية الحكم القضائى فى قانون المرافعات 0
الفرع الثانى : نقسم الأحكام من حيث حجيتها 0
الفرع الثالث : نقسم الأحكام من حيث قابليتها للطعن 0
الفرع الرابع : الشروط الواجب توافرها فى الحق المدعى به حتى يجوز الحكم الصادر به الحجيـــة 0
الفرع الخامس : الشروط الواجبة فى الحكم نفسه حتى يجوز الحجية 0
الفرع الأول
المقصود لحجية الحكم القضائى فى القانون الوضعى
عرف جانب من الفقه القانونى حجية الحكم القضائى بأنها فكرة قانونية مفادها أن الحكم القضائى حين يطبق إرادة القانون فى الحالة المعينة فإنه يحوز الاحترام سواء أمام المحكمة التى أصدرته أو أمام المحاكم الأخرى بحيث إذا رفع أحد الخصوم نفس الدعوى التى فضل فيها مرة أخرى تعين عدم قبولها ،وإذا أثيرما قضى به أمام القضاء وجب التسليم به دون بحث مجدد (1) 0
وحجية الحكم القضائى قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس مؤداها أن الحكم قد صدر صحيحا من ناحية الشكل وعلى حق من ناحية الموضوع فهو حجة على ما قضى به (2) 0
ويفرق بين وصف الحكم بأنه يجوز حجية الأمر المقضــى ووصفه بأنه يجوز قوة الشىء المقضى بـه ، أن الحكم عندما يوصف بأنه يجوز حجية الأمر المقضى به يكون معناه أن للحكم حجية فيما بين الخصوم بالنسبة إلى ذات الحق محلا وسببا وتبقىهـذه الحجيــة قائمة مادام الحكم قائما إلا إذا
___________
(1) الوسيط فى قانون القضاء المدنى د/ فتحى والى مرجع سابق بند 87 ص 160 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا الطبعة الثالثة سنة 1955 دار المعارف بند 475 ص 588 مرجع سابق 0
- 155 -
طعن عليه بطرق الطعن العادية كالاستئناف أوقفت هذه الحجية فإذا ألغى هذا الحكم فى الاستئناف زالت الحجية وزال الحكــم نفســه أمـــا إذ تأييد هـذا الحكم فى الاستئناف بقيت له الحجية بل ويوصف بوصف زائد وهو قوة الأمر المقضى به فكل حكم يجوز قوة الأمر المقضى به تكون له الحجية وليس العكس (1) 0
الفرع الثانى
تقسيم الأحكام من حيث الحجية المترتبة عليها
تنقسم الأحكام من حيث الحجية المترتبة عليها إلى :
1- أحكام قطعيـة 0 2- أحكام غير قطعية أو وقتية 0
3- أحكام فاصلة فى الموضوع 0 4- أحكام إجرائيـة 0
أولا : تعريف الحكم القطعــى :
الحكم القطعى هو الحكم الذى يحسم النزاع فى موضوع الدعوى أو فى شق منه أو فى مسألة متفرعة عنه سواء تعلقت هذه المسألة بالقانون أو بالوقائع وتستنفد المحكمة ولايتها بإصدار الحكم القطعى فى خصوص ما فصل فيه كالحكم بإجابة طلبات المدعى أو برفضها والحكم بثوت خطأ المدعىعليه ومسئوليته عن تعويض الضرر الذى ترتب على عمله غير المشروع 0
ثانيـا : تعريف الحكم غير القطعى :
الحكم غير القطعى هو الذى لا يحسم موضوع النزاع لا كله ولا جزء منه ولا يحسم مسألة فرعية متفرعة عنه وتنقسم الأحكام غير القطعية إلى أحكام وقتيه وأخرى متعلقة بسير الدعوى وتحقيقها ، والحكم الوقتى هو الذى يصدر فى طلب وقتى والغرض منه أتخاذ إجراء تحفظى مثل الأحكام المستعجلة ، أما الإحكام المتعلقة بسير الدعوى وتحقيقها فهى أحكام لا تفصل فى النزاع مثل الحكم بضم دعويين أو الفصل فيهما (2) 0
____________
(1) التعليق على قانون الإثبات للديناصورى وعكاز الطبعة التاسعة نادى القضاه ص 706 0
(2) الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى الطبعة سنة 1981 دار النهضة العربية بند 386 ص 536 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا الطبعة الثالثة سنة 1955 دار المعارف بند 450 ص 552 ، 553 ، الوجيز فــى المرافعـــات مركـزا على قضاء النقض سنة 1981 د/ محمد محمود إبراهيم دار الفكر العربى ص 832 ، 833 0
- 156 -
ثالثا : أهمية التفرقة بين الحكم القطعى والحكم غير القطعـى :
تبدو أهمية التفرقة بين الحكم القطعى والحكم غير القطعى من ناحيتين هما :
الأولى : أن الحكم القطعى هو وحدة الذى يجوز حجية الشىء المحكوم فيه فلا يجوز للمحكمة التى أصدرته أن ترجع فيه أما الحكم غير القطعى فإن حجيته مؤقتة كالأحكام الوقتية فإذا تغيرت الظروف التى صدرت فيهــا الأحكام الوقتية زالت حجيتها الموقوتة وجاز العدول عنهــا 0
الثانية : أن الحكم القطعى لا يسقط بسقوط الخصومة أو بأنقضائها بالتقادم فهو لا يسقط إلا بمضى المدة الطويلة وهى خمس عشرة سنة أما الحكم غير القطعى فهو يزول بسقوط الخصومة أو بانقضائها سواء كان حكما وقتيا أم تمهيدا أو تحضيريا (1) 0
رابعـا : الأحكام الفاصلـة فى الموضوع :
يقصد بالأحكام الفاصلة فى الموضوع بأنها هى الأحكام التى تفصل فى الطلبات والدفوع الموضوعية مثل الأحكام التى تقرر مركزا موضوعيا أو تلزم المحكوم عليه بأداء المطلوب فى الدعــوى 0
خامسا : الأحكام الإجرائية :
يقصد بالأحكام الإجرائية بأنها هى التى تفصل فى مسائل المرافعات التى تثور أثناء سير الخصومة مثل الحكم الصادر فى مسألة الاختصاص أو بطلان الإجراءات وسائر الأحكام لمنظمة لسير الخصومة وتنقسم الأحكام الإجرائية إلى أحكام قطعية مثل الأحكام الإجرائية المنهية للخصومة كالحكم ببطلان الإجراءات أو الحكم بسقوط الخصومة الى أحكام غير قطعية مثل الأحكام التمهيدية كالحكم بندب خبير فى الدعوى 0
سادسا : أهمية التفرقة بين الأحكام الفاصلة فى الموضوع والأحكام الإجرائية :
تظهر أهمية التفرقة بين الأحكام الصادرة والفاصلــة فــى الموضوع وبين الأحكام الإجرائية أن
__________
(1) مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين / وجدى راغب فهمى ، أحمد ماهر زغلول طبعة 1993 ، 1994 ص 425 ، الوسيط فى المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 386 ص 527 ، الوجيز فى المرافعات مركزا على قضاء النقض سنة1981 د/ محمد محمود إبراهيم دار الفكر العربى ص 833 0
- 157 -
الأولى تعتبر قضاء موضوعيا وتتمتع بحجية الأمر المقضى به أما الثانية فلا تتمتع بالحجية (1) 0
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
الفرع الثالث
تقسيم الأحكام من حيث قابليها للطعن
تنقسم الأحكام من حيث قابليتها للطعن فيها إلى :
أولا : أحكام ابتدائية وهى الأحكام التى تصدر من محكمة الدرجة الأولى سواء كانت محكمة جزئية أو ابتدائية وتقبل الطعن فيها بالاستئناف 0
ثانيـا : أحكام انتهائية : وهى الأحكام التى لا تقبل الطعن فيها بالاستئناف ويشمل ذلك الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى فى حدود نصابها الانتهائى ، وكذلك ألحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى وكانت تقبل الطعن فيها بالاستئناف ولكن فات ميعاد الطعن وكذلك يعتبر حكما انتهائيا الحكم الصادر من محاكم الدرجة الثانية ، وذلك لأن هذا الحكم غير قابل للاستئناف لأن الاستئناف طريق للطعن فى الحكم يتم بمقتضاه عرض النزاع أمام محكمة أعلى درجة من المحكمة التى أصدرت الحكم ولما كان التقاضى على درجتين فإن الحكم الصادر من محاكم الدرجة الثانية يكون حكمها انتهائيا ولا يخل بوصف الحكم بأنه انتهائيا أن يكون قابلا للطعن فيه بالمعارضة فالحكم يعتبر نهائيا طالما أنه لا يقبل الطعن فيه بالاستثناف ولو كان قابلا للطعن فيه بالمعارضة (2) 0
____________
(1) مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين وجدى راغب فهمى ، أحمد ماهر زغلول - مرجع سابق ص 425 ، الوجيز فى المرافعات المدنية مركزا على قضاء النقض د/ محمد محمود إبراهيم مرجع سابق ص 833 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا مرجع سابق بند 454 ص 554 ، الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر طبعة سنة 1990 بند 314 ص 513 ، مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين / وجدى راغب ، أحمد ماهر زغلول مرجــع سابق ص 427 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمــد السيــد صــاوى طبعـــة سنة 1981 دار النهضة العربية بند 387 ص 597 ، الوجيز فى المرافعات مركزا على قضاء النقــض د/ محمد محمود إبراهيم مرجع سابق ص 833 0
- 158 -
ثالثا : أحكام باتـة : وهى الأحكام التى لا تقبل الطعن فيها بأى طريق من طرق الطعن العادية وغير العادية وهو أقوى أنواع الأحكام 0
وتظهر أهمية تقسيم الأحكام من حيث قابليتها للطعن فى معرفة مدى صلاحية الحكم للتنفيذ الجبرى فالأحكام الحائزة لقوة الأمر المقضى به والأحكام الباتة هى التى يجوز تنفيذ بها جبريا وفقا للقاعدة العامة فى تنفيذ الأحكام فى القانون الوضعى (1) 0
الفرع الرابع
الشروط الواجب توافرها فى الحق المدعى به
حتى يجوز الحكم الصادر به الحجية
لا يكون للحكم حجية الأمر المقضى به إلا إذا توافر فى الحق المدعى به ثلاثة شروط حددتها المادة 101 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 والتى تنص على أنه ( الأحكام التى حازت قوة الأمر المقضى تكون حجة فيما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه الحجية إلا فى نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتتعلق بذات الحق محلا وسببا ) 0
من هذه المادة يتضح لنا أن المشرع اشترط توافر ثلاثة شروط فى الحق المدعى به حتى يحوز الحكم الصادر بهذا الحق بالحجية وهذه الشروط هى :
الشروط الأول : اتحـاد الخصـوم :
للحكم حجية نسبية تقتصر على أطراف الخصومة فلا تمتد إلى الغير طبقا لمبدأ نسبية الأحكام إذ لا يصح أن يحتج على شخص بحكم صــدر فــى دعــوى لم يكــن طرفا فيها فلا يجوز التمسك
_______________
(1) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر طبعة سنة 1990 بند 314 ص 516 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 387 ص 528 ، مذكرات فى قانون المرافعات المدنية والتجارية للدكتورين وجدى راغب ، أحمد ماهر زغلول مرجع سابق ص 427 0
- 159 -
بالدفع بحجية الأمر المقضى به فى دعوى جديدة تتناول ما سبق أن فصل فيه إلا إذا كانت هذه الدعوى يبين الخصوم أنفسهم على سبيل المثال لو صــدر حكــم على المؤجر بتسليم العين المؤجرة للمستأجر ثم رفع مشترى العين دعوى علىالمستأجر يطالبه فيها بالعين فإن الحكم السابق لا تكون له حجية على المشترى لأنه لم يكن طرفا فىالدعوىالسابقة ولكن المؤجر هو الذى ليس له أن يرفع دعوى جديدة على المستأجر بشأن نفس النزاع لأنه كان خصما فى الدعوى (1) 0
والمقصود باتحاد الخصوم هو اتحاد الخصوم بصفاتهم وليس بأشخاصهم فالحكم الذى يصدر فى دعوى يرفعها الوكيل يجوز حجية الشىء المحكوم فيه بالنسبة للأصيل فلا يجوز للأصيل أن يرفع دعوى جديدة بصفته الشخصية والعكس صحيح فإذا رفع الشخص الدعوى بنفسه فإنه لايجوز له أن يرفع دعوى جديدة عن طريق وكيله للمطالبة بذات الحق (2) 0
ومما هو جدير بالذكر أن الحكم لا يكون حجة على الخصوم وحدهم بل هو حجة أيضا على خلف الخصوم الخاص والعام فهو حجة على الخلف العام كالورثة وذلك فى الحقوق التى يتلقاها مباشرة عن مورثه ، وكذلك يكون الحكم حجة على الخلف الخاص ولكن بشرط أن يكون الحكم متعلقا بالعين التى انتقلت إلى الخلف الخاص (3) 0
وأن يكون الحكم سابقا على انتقال العين إلى الخلف الخاص (4) 0
_________________
(1) التعليق على قانون الإثبات للديناصورى وعكاز مرجع سابق ص 711 ، الوسيط فى شرح قانون المرافعات التجارية والمدنية د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 177 ص 247 0
(2) الوسيط د/ أحمــد السيــد صـــاوى بند 117 ص 247 ، وقضـــت محكمـــة النقض فى هذا الصدد : أن ( اكتساب الحكم قوة الأمر المقضى بالنسبة للدعوى اللاحقة شرطة اتحاد الموضوع والسبب والخصوم فى الدعويين تخلف أحد هذه العناصر أثره عدم توافر أركان الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقه الفصل فيها ) يراجع الطعن رقم 459 لسنة 64 ق أحوال شخصية جلسة 24/5/1999 مشار إليه فى مجلة القضاة السنة 131 العدد الأول والثانى - يناير - ديسمبر سنة 1999 بند 166 ص 645 0
(3) التعليق على قانون الإثبات للديناصورى وعكاز مرجع سابق ص 712 0
(4) الوسيط فى شرح قانون المرافعات د/ أحمد السيد صاوى مرجع سابق بند 177 ص 247 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ الأحكام الصادرة على السلف حجة على الخلف بشأن الحــق الذى تلقاه ] راجع الطعن رقم 1578 س 53 ق جلسة 30/12/1987 س 38 ع 2 ص 1203 مشار إليه فى موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات فى خمسة عشر عاما - للمستشار أحمد هبة - الطبعة الأولى سنة 1997 بند رقم 1292 ص 367 ] 0
- 160 -
الشرط الثانى : وحدة الموضوع أو المحـل :
يشترط فى الحكم حتى يجوز الحجية أن بكون موضوع الدعوى الجديدة هو ذات الموضوع الذى فصل فيه الحكم السابق وموضوع الدعوى هو الحق الذى يطلبه الخصم أو المصلحة التى يسعى إلى تحقيقها سواء كان ذلك الحق أو تلك المصلحة متعلقة بشىء مادى أم لا فالحكم بتعويض عن ضرر يمنع من تجديد المطالبة بالتعويض عن نفس الضرر ولكنه لا يمنع من الحكم بتعويض آخر عن ضرر استجد عن نفس الفعل الضار 0
والعبرة فى توافر وحدة الموضوع فى الدعويين هو يكون الأساس فيهما واحد حتى ولو تغيرت الطلبات فيهما إذا العبرة فى حجية الشىء المقضى به هو بموضوع الدعوى وأساسه لا بنوع الطلبات التى يقدمها الخصوم أو قيمتها فلا يؤثر فى وحده الموضوع كون المبلغ المطالب به فى الدعوى الثانية أكبر منه فى الدعوى الأولى (1) 0
الشرط الثالث : وحـدة السبب :
يشترط كذلك حتى يكون للحكم حجية الأمر المقضى به أن يتحد السبب فى الدعوى الجديدة مع الحكم السابق صدوره فى الدعوى اللاحقـه 0
ويقصد بالسبب حسب الرأى الراجح فى الفقه هو الواقعة القانونية التى يتولد عنها موضوع الدعوى أو المصدر القانونى للحق المدعى به ، وقد يكون عقدا أو إرادة منفردة أو فعلا غير مشروع أو أثراء بلا سبب أو نصا فى القانون ، فالسبب فى دعوى المطالبة بدين ناشىء عن فرض هو عقد القرض ، وفى دعوى المطالبة بثمن المبيع هو عقد البيع ، فاتخاذ السبب شرط فــى الحق المدعى به حتى يحوز الحكم الصادر به الحجيـة (2) 0
____________
(1) التعليق على قانون الإثبات - للديناصورى وعكاز ص 715 ، وقضت محكمـــة النقـــــض أن : [ القضاء النهائى فى مسألة أساسية مانع للخصوم أنفسهم مــن التنازع فيهــا بأية دعـــوى تاليــة تكون هى بذاتها الأساس فيما يدعيه أى من الطرفين قبل الآخــر مــن حقوق مترتبة عيها . اكتساب الحكم السابق قوة الأمر المقضى وإن كان الفصل فى المسألة الأوليــة واردا فى أسبابه المرتبطة بمنطوقه ارتباطا وثيقا ] يراجع الطعن رقم 207 لسنة 65 ق أحوال شخصية جلسة 28/6/1999 مشار إليه فى مجلة القضاة - السنة الحادية والثلاثون العدد الأول والثانى - يناير - ديسمبر سنة 1999 بند 167 ص 645 0
(2) التعليق على قانون الإثبات - الدناصورى وعكاز - الطبعة التاسعة سنة 1999 - مكتبة نادى القضاة =
- 161 -
الفرع الخامس
الشروط الواجب توافرها فى الحكم نفسه
حتى يتمتع بالحجيـة
1- أن يكون الحكم قضائيا أى صادرا من جهة قضائية بموجب سلطتها القضائية ويستوى فى ذلك أن تكون هذه الجهة هى القضاء العادى كالمحاكم المدنية أو جهة القضاء الإدارى كالمحاكم الإداريــة ، ويجــب أن تكون المحكمــة قـــد أصدرت الحكم بموجب سلطتها القضائية لا بموجب سلطتها الولائية مثل تصديق المحكمة على القسمة إذا كان بين الشركاء غائب أو كان بينهم من لم تتوافر فيه الأهلية (1) 0
________________
= ص 718 ، التعليق على نص المادة (101) من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد : [ أن السبب فى معنى المادة (101) من قانون الإثبات هو الواقعة التى يستمد منها المدعى الحق فى الطلب وهو لا يتغير بتغير الأدلة الواقعية والحجج القانونية التى يستند إليها الخصوم ، وكان الثابت من واقع الدعوى الذى سجله الحكم المطعون فيه أنه أخذ بحجية الحكم السابق صدوره لصالح المطعون ضده - والسابق بيانه - فى حدود استحقاق العمولة والمكافأة عن المدة من 1/7/1967 وحتى 30/6/1970 وهى لاحقه على نفاذ أحكام القرار الجمهورى رقم 3309 لسنة 1966 ، وبعد إصدار المؤسسة العامة للتأمين القرار الإدارى رقم 15 لسنة 1961 والمنشور رقم 4 لسنة 1967 وإصدار لائحة موحدة للعاملين بالشركات التابعة لها ومــن بينهــا الطاعنة ومـــن ثم لا يحق للطاعنة معاودة طرح هذه المنازعة المجادلة بشأنها ] يراجع ( الطعن رقم 906 لسنة 52 ق جلسة 26/4/1987 س 38 ع 1 ص 601 مشار إليـــه فـــى موسوعـــة مبــادىء النقض فى الإثبات فــى خمسة عشر عاما مــن 7/1982 حـــتى 7/1997 للمستشار / أحمـــد هبــه الطبعة الأولى سنة 1997 بند رقم 1319 ص 374 ) 0
(1) وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد [ لكى يجوز التمسك بحجية الحكم بتعين كشرط أساس أن يكون هناك حكم قضائى صادرا من جهة قضائية لها ولاية فى النزاع المطروح عليها … ] يراجع موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات للمستشار / أحمد هبه – مرجع سابق بند رقم 1236 ص 353 طعن رقم 306 س 59 ق جلسة 29/4/1993).
- 162 -
2 - أن يكون الحكم صادرا من محكمة مختصة اختصاصا يجعل لها ولاية فى إصداره ، فالحكم الذى يصدر من محكمة مدنية فىمسألة يختص بها القضاء الجنائى لا تكون له حجية الأمر المقضى، وكالحكم الذى يصدر من محكمة جنائية فى مسألة مدنية لا تختص بها والحكم الذى يصدر من جهة القضاء العادى فى المسائل الإدارية التى يختص بهــا القضاء الإدارى ، ففى هذه الصور تعتبر قواعد الاختصاص متعلقة بولاية القضاء ، أما قواعد الاختصاص النوعى فهى وإن كانت تتعلق بالنظام العام شأنها فى ذلك شأن قواعد الاختصاص الولائى إلا أن مخالفتها لا تمنع من ثبوت الحجية للحكم ، كذلك تثبت الحجية للحكم حتى ولو كان صادرا من محكمة غير مختصة محليا بإصداره 0
3- أن يكون الحكم قطعيا أى فاصلا فــى الموضوع بالبت فيه ، ولو كان حكما ابتدائيا ، فإذا لم بت الحكم فى الخصومة على وجه حاسم لم يحز حجية الأمر المقضى كالحكم بغرامة تهديدية (1) 0
الموازنة بيـن الشريعة والقانون فى مدى
تمتع الأحكام القضائية بالحجيـة
سبق وأن ذكرنا أن الحكم القضائى فى الفقه الإسلامى متى صدر عن قاض مختص وفق الأصول الشرعية فإنه يتمتع بالحجيــة لأن الحكــم القضائى فى الفقه الإسلامى يحمل على الصحة وبالتالى يجب تنفيذه والعمل به وعدم إعادة البحــث فيــه لغير دليل إلا إذا قامت أدلة قوية على أنه قد جانب الصواب ففى هذه الحالة يجوز نقض هــذا الحكــم وبالتالى لا يتمتع بالحجيـــة 0
وإذا قارنا ذلك بالأحكام القضائية فى القانون الوضعى وجدنا أن القانون الوضعى يتفق مع الشريعة الإسلاميــة فــى تمتع الأحكــام القضائية بالحجيــة لتحقيق استقــــرار الأحكام والحقوق
_____________
(1) التعليــق علــى قانون الإثبـــات للدناصورى وعكــاز ص 707 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 838 0
- 163 -
لأصحابها وطمأنة الناس وثقتهم بالقضاء ، ولكن الحجيــة فــى القانون الوضعى تختلف فى مداها فالحكم بمجرد صدوره يتمتع بحجية الأمر المقضى به ، فإذا لم يطعــن أحــد من الخصوم على هذا الحكم بالاستئناف أو فاتــت مواعيــد الطعــن أو استنفذت طــرق الطعن فى هذا الحكم فإنه يتمتع بالحجية المطلقة وهــى حجيــة قوة الأمر المقضى به ، لا يمكن المساس بها ، فالقانون الوضعى يتفق مع الشريعة الإسلاميــة فــى ضرورة تمتع الأحكام القضائية بالحجية وإن اختلفت فى مداها - ولاشك أن فى ذلك إضفاء حماية معنوية للقاضى مما يكفل له المهابة بين الناس وحمايته من الكافة سواء من السلطات أو الخصــوم طالما كانت الأحكــام التى يصدرها لها حجيتهـــا 0
**********************************
******************
***
- 164 -
الفصل الثانى
حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامى
والقانون الوضعـى
تمهيــد :
لا يكفى لضمان حماية القاضى واستقلاله وحيدته حمايته من ذوى السلطة والنفوذ ومن تسلط الحكومة فقط بل يجب فضلا عن هذا حماية القاضى من الخصوم أنفسهم ومن عنت المتقاضين ومن كيدهم له ومشاكستهم معه وذلك لأن القاضى أحوج ما يكون إلى الاستقرار النفسى والمادى حتى يتمكن من أداء عمله فى أمان وبحيدة كاملة وحرية مطلقة فيجب أن يكون القاضى آمنا فى حاضره مطمئنا على مستقبله يعيش فى مأمن من جميع الجهات سواء من جهة الحكومة أم من جهة ذوى الأيدى القوية من الخصوم ، ولذلك سوف أتحدث بمشيئة الله وتوفيقه عن الضمانات التى تكفل حماية القاضى من الخصوم سواء فى الفقه الإسلامى وقانون المرافعات من خلال مبحثين هما :
• المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامــى 0
• المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى القانون الوضعى 0
- 165 -
المبحث الأول
ضمانات حماية القاضى من الخصوم فى الفقه الإسلامى
لقد أحاط الفقه الإسلامى القاضى بعدة ضمانات تحميه من كيد الخصوم وعبث المتقاضين وتتمثل هذه الضمانات فى إعطاء الحق للقاضى فــى تأديبـه الخصوم ، عدم جواز مخاصمة القاضى ، عدم مسئولية القاضى عن خطئه غير المتعمد وسوف نتعرض لهذه الضمانات بشىء من التفصيل من خلال المطالب الآتية :
• المطلب الأول : حق القاضى فى تأدبيه الخصوم 0
• المطلب الثانى : عدم جــواز مخاصمـة القاضى 0
• المطلب الثالث : عدم مسئولية القاضى عن خطئه غير المتعمـد 0
وهذه الضمانات سالفة الذكر لم توضع حماية للقاضى فى حد ذاته ، وإنما وضعت حماية لاستقلال القاضى فى قضائه ضمانا لحيدته فى إبداء رأيه حتى يصدر قضاء عادلا يشيع الطمأنينة فــى نفــوس المتقاضين ويحمــى حقوقهم ، ويؤكــد ثقة الناس فى القضاء والقائمين عليـه (1) 0
المطلب الأول
حق القاضى فى تأديبه الخصوم
حماية للقاضى من افتيات الخصوم عليه أو أحدهم وحفظا لهيبة القضاء أعطى الفقه الإسلامى للقاضى الحق فى تأديب من يفتات عليه من الخصوم فى الجلسة كأن يقول له أحد الخصوم حكمت على بغير الحق أو ارتشيت ففى هذه الحالة للقاضى الحق فى تأديب هذا الخصم الذى أساء الأدب عليه بل إن كثيرا من الفقهاء ذهبوا إلى أنه ليس للقاضى أن يعفوا عمن أهانه من الخصوم لأن فى ذلك اعتداء على حق الله بالإضافة إلى حــق العبــد ، وللعبــد التنازل عــن حقه
_______________
(1) التنظيم القضائى الإسلامى لأستاذنا الدكتور / حامد محمد أبو طالــب طبعــة سنة 1402 هـ سنة 1982م ص 88 ، مخاصمة القضاة - بحث مقارن بين الشريعة الإسلاميـة والقانون المصرى لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب - مجلة كلية الشريعة والقانون - العــدد العاشر سنة 1415هـ سنة 1995 ص 107 0
- 166 -
وليس له التنازل عن حق الله (1) 0
وذهب بعض الفقهاء ( الحنابلة ) إلى أن للقاضى أن يعفوا عمن افتات عليه من الخصوم (2) ولعلهم نظروا فى ذلك كما يرى الدكتور / محمد نعيم عبد السلام إلى أن هذا من حق القاضى ، لأن الافتيات وقع عليه والإساءة وجهت إليه فهو كالقذف يجوز التنازل عنه والعفو عن صاحبه ورد سيادته عليهم يرد وجيه وهو أن هذا يختلف عن القذف حيث إن الإساءة فيه لا توجه إلى القاضى فحسب ، وإنما لحرمة مجلس القضاء ، فحق الله ظاهر (3) 0
وكذلك للقاضى تأديب أحد الخصمين إذا أساء للشهود أو أهل الفتوى أو عرض لهم بما يؤذيهـــم (4) 0
وكذلك للقاضى رفع صوته وسوء النظر إلى من يسىء أدبه ويلد فى الخصام ولذلك يقول الإمام ابن فرحون ( إذا حضر الخصمان بين يديه فليسو بينهما فى النظرة إليهما والتكلم معهما مالم بتعد أحدهما فلا بأس أن يسوء نظره إليه ويرفع صوته عليه لما صدر منه من اللدد ) (5) 0
وكذلك للقاضى أيضا زجر وتأديب من تعدى من الخصمين على الآخر فى مجلس القضاء وذلك كما لو سب أحدهما الآخر ، وذهبوا فى الرأى الراجح من الفقه إلى أنه ليس للقاضى العفو عن ذلك حتى ولو تنازل المتضرر بالسبب عن حقه فى معاقبة خصمه الشاتم له ، لأن السباب انتهاك لحرمه مجلس القضاء إلا أن الفقهاء لا يعدون تكذيب أحدهما للآخر من قبيل السباب ولو كانت بصيغة كذبت (6) 0
________________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 43 مرجع سابق ، نظرية الدعوى د/ محمد نعيم عبد السلام ياسين جـ 1 ص 444 0
(2) المغنى لابن قدامة الحنبلى جـ 11 ص 386 مرجع سابق 0
(3) نظرية الدعوى د/ محمد نعيم عبد السلام ياسين جـ 1 ص 444 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون مرجع سابق جـ 1 ص 44 0
(5) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 41 ، المغنى لابن قدامه جـ11 ص 395 ، فى ذات المعنى تحفة الفقهاء للسمرقندى - دار الكتب العلمية - الجزء الثالث ص 372 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 41 0
- 167 -
ولقد أعطى الفقه الإسلامى للقاضى السلطة الكاملة فى تسيير الجلسات وحفظ آدابها وحرمتها بما يلزم المتقاضى بمراعاة حدوده ولذلك قال ابن فرحون ( ويحضهما عند ابتداء المحاكمة على التؤدة والوقار ) (1)
كما أن للقاضى تأديب من لم يستجب لنداء المحكمة بالحضور إليها مع خصمه ، فقد يصل هذا التأديب إلى حد الضرب ولذلك يقول ابن فرحون ( إذا دعا غريمه فلم يجب أدبه القاضى وجرحه إن كان عدلا فإن تغيب شدد القاضى عليه فى الطلب ، ومن استهان بدعوة القاضى أو الحاكم ولم يجب ضرب أربعين (2)
المطلب الثانى
عدم جواز مخاصمـة القاضى
إذا قام أحد الخصوم بمخاصمة القاضى فى قضية حكم فيها فقد ذهب الفقه الإسلامى إلى عدم جواز مخاصمة القاضى وذلك حماية للقاضى من عنت الخصوم ومشاكستهم ولكن بشرط أن يكون هذا القاضى أمينا عادلا غير متهم فى أحكامه أما إذا ثبت جور القاضى وتعمد فى إصدار حكمه إحداث ضرر بأحد المتقاضين أو تحقيق مصلحة خاصة له فتجوز مخاصمته فى هذه الحالة ولذلك يقول العلامة ابن فرحون ( وإذا اشتكى على القاضى فى قضية حكم فيها ورفع ذلك إلى الأمير فإن كان القاضى مأمونا فى أحكامه عدلا فى أحواله بصيرا بقضائه فأرى أن لا يعرض له الأمير فى ذلك ولا يقبل شكوى من شكاه ولا يجلس للنظر فى قضائه فإن ذلك من الخطأ أن فعله ومن الفقهاء إن تابعوه على ذلك ، وإن كان عنده متهما فى أحكامه أو غير عدل أو جاهلا بقضائه فليعزله وليولى غيره ) (3) 0
مما تقدم يتبين لنا أن القاضى العادل الأمين يتمتع بحصانة مطلقة فى مواجهة الخصوم فلا يجوز مساءلته أو مخاصمته عما أصدره من أحكام لأن قبول دعــوى المخاصمة فـــى هذه الحالة وإجابة
___________
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 41 0
(2) تبصرة الحكام المرجع السابق جـ 1 ص 49 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 79 0
- 168 -
طلب المدعى يذهب بمهابة القضاء ويجعل القاضى عرضة لكيد الخصوم وقد يخشى ذلك ويعمل على إرضائهم اتقاء لشرهم إلا فى حالات استثنائية (1) 0
ويرى جانب من الفقه الإسلامى أنه لا ينبغى للحاكم أن يمكن الناس من خصومة قضاتهم لأن ذلك لا يخلوا من وجهين إما أن يكون القاضى عادلا فيستهان بذلك ويؤذى وإما أن يكون فاجرا وهو ألحن بحجته ممن شكاه فيتسلط ذلك القاضى على الناس فيؤذى (2) 0
وحماية للقاضى أوجب الفقهاء على ولى الأمر أو الحاكم ألا يأخذ بمجرد قول الخصم بظلم القاضى أو أن له حقا عليه ، بل لابد من تقديم البينة فإن وجدت نظر فى الأمر واستدعى القاضى ، وإلا - فيرى بعض الفقهاء عدم إحضار القاضى لأن فى احضاره وسؤاله مهانة له وأعداء القاضى كثير 0
ويرى بعض آخر من الفقهاء حضور القاضى حتى ولو لم تكن هناك بينه ، ويسأل فإن اعترف فبها وإلا فالقول قوله بلا يمين ، لأن قول القاضى مقبول ولو بعد عزله (3) 0
وعلى هذا، فالأصل فى الفقه الإسلامى عدم جواز مخاصمة القاضى ، حماية للمصلحة العامة ، وحماية للقاضى حتى لا يتهيب القيام بأعماله وبالتالى يتعطل مرفق القضاء ، ويتسلط الناس بألسنتهم ودعاويهم ضد القضاة ، فسدا للذرائع تمنع الدعاوى التى ترفع على القضاة بسبب أحكامهم إلا إذا كان القاضى متهما فى أحكامه على النحو سالف الذكر 0
_________________
(1) تبصرة الحكام المرجع السابق جـ 1 ص 79 ، نظرية الدعوى د/ محمد نعيم ياسين جـ 1 ص 445 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 78 0
(3) معــين الحكــام للطرابلسى ص 33 وما بعدهــا ، المغــنى لابن قدامـــة جـ 10 ص 56 ، التنظــيم القضائى الإسلامــى لأستاذنا الدكتور / حامــد محمــد أبو طالــب طبعـة سنة 1402 هـ سنة 1982م ص 89 0
- 169 -
المطلب الثالث
عدم مسئولية القاضى عن خطئه
غير المتعمــد
لما كان القاضى لا يعدو أن يكون بشرا مجتهدا غير معصوم من الخطأ فى اجتهاده فاحتمال الخطأ فى أحكامه وارد والى ذلك أشار الرسول- r - بقوله فيما يرويه عنه - عمرو بن العاص- ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ له أجر ) (1) 0
إذن حكم القاضى يحتمل الخطأ وهذا الخطأ يترتب عليه ضرر للمحكوم عليه فهل يسئل القاضى عن تعويض هذا الضرر أم لا ؟ وإذا سئل عن تعويض هذا الضرر فهل يضمنه من ماله الخاص أم من بيت مال المسلمين ؟
فللإجابة عن هذا تفرق بين ما إذا كان خطأ القاضى الذى سبب ضررا للمحكوم عليه كان عن غير عمد أو كان متعمدا وفى كلتا الحالتين نفرق عما إذا كان الخطأ فى حق الله أم فى حق العبد وهل يمكن تدارك هذا الضرر أم لا ؟
فإذا كان خطأ القاضى عن غير عمد وفى حق من حقوق العباد فينظر هل يمكن تدارك هذا الخطأ أم لا ، فإذا كان يمكن تدارك هذا الخطأ بأن قضى بمال أو صدقه أو طلاق أو عتاق ثم ظهر أن الشهود عبيد أو كفار يبطل الحكم وردت الحال إلى ما كانت عليه قبل الحكم أما إذا لم يمكن التدارك والرد بأن قضى الحكم بالقصاص واقتص أى تم تنفيذ الحكم لا يقتل المقتص له لأن القصاص شبهة مانعة ، وإنما تجب الدية فى مال المحكوم له ولا شىء على القاضى 0
أما إذا كان خطأ القاضى عن غير عمد وفى حق مــن حقوق الله كأن قضى بحد زنا أو سرقة أو شرب خمر واستوفى الحد ثم ظهــر أن الشهــود عبيــد أو كفار فضمان هذا الضرر الذى لحق بالمحكوم عليه يكون من بيت مال المسلمين أما إذا لم ينفذ الحكــم فهـــذا الحكم باطل ولا يتم تنفيـــذه 0
__________
(1) صحيح البخارى ( كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ) المكتبة العصرية - بيروت سنة 1415هـ سنة 1995م جـ 4 ص 204، سبل السلام للصنعانى - دار الكتب العلمية بيروت - لبنان - المجلد الثانى الجزء الرابع ص 117 ، 118 0
- 170 -
أما إذا كان حكم القاضى الخاطىء والذى سبب ضررا للمحكوم عليه عمدا من القاضى بهدف إحداث ضرر بالمحكوم عليه فضمان هذا الضرر فى جميع الأحوال سواء كان فى حق الله أم فى حق العبد فهو من ماله الخاص فضلا عن معاقبته بالعقوية التى يستحقها ويعزل من وظيفته ويشهر به ويفضح ولا تجوز ولايته أبدا هذا إذا ثبت جور القاضى فى حكمه عمدا إما ببيته أو إقراره بذلك (1) 0
مما تقدم يتبين لنا أن الفقه الإسلامى أعطى للقاضى حماية فى مواجهة الخصوم وذلك بعدم مسألته عن خطئه غير العمدى وجعل الضمان فى حالة حدوث ضرر للمحكوم عليه من بيت مال المسلمين وليس من ماله الخاص أو عاقلته وذلك لأن خطأ القاضى يكثر لكثرة تصرفاته والقضايا التى ينظرها فلو جعل الضمان من ماله الخاص أو على عاقلته لكان فى ذلك إحجاف بالقاضى 0
المبحث الثانى
ضمانات حماية القاضى بيـن الخصوم فى القانون الوضعى
" نظام مخاصمة القاضى "
تمهيــد :
لم يكتف المشرع فى سبيل ضمان استقلال القاضى وحمايته ، بما قرره من ضمانات تحميه من عنت الحكام ، وإنما حماه أيضا من كيد المتقاضين ، فلم يجعله خاضعا لما يخضع له سائر الأفراد وسائر موظفى الدولة من حيث مسئوليتهم عن عملهم ، وإنما قرر له نظاما خاصا هو نظام مخاصمة القاضى (2) 0
والقاضى كبشر قدير تكتب خطأ يلتزم بمقتضاه تعويض الخصم الذى تضرر من هذا الخطأ الوظيفى ، وإذا ترك القاضى للمساءلة طبقا لقواعد المسئوليــة المدنيـة فأن ذلك يعرضه للكثير من
________________
(1) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) الجزء الرابع الطبيعة الثابتة سنة 1407 هـ سنة 1987م دار التراث العربـــى للطباعــة - بيروت لبنان ص 341 ، 342 ، تبصـــرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 79 0
(2) الوسيط د/ رمزى سيف بند 42 ص 59 0
- 171 -
دعاوى المتقاضين الذين قد يتصورن أنه قد أهمــل فــى واجبه أو أنــه ارتكب خطأ مادام لم يحكم القاضى لصالحهم ، فمنعا لهذه الدعاوى الكيدية التى قد تشغل القاضى فى الدفاع عن نفسه بدلا من أدائه لعمله ، وضع المشرع نظاما خاصا لمساءلته عن خطئه الوظيفى وهو نظام مخاصمة القاضى (1) . ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه فى هذا المبحث عن نظام مخاصمة القاضى من خلال المطالب الآتية :
• المطلب الأول : مفهوم وطبيعـــة دعوى المخاصمـة 0
• المطلب الثانى : التطور التاريخى لدعوى المخاصمـة 0
• المطلب الثالث : نطاق دعوى المخاصمـة 0
• المطلب الرابع : حالات دعوى المخاصمـة 0
• المطلب الخامس : إجراءات دعوى المخاصمـة والمحكمة المختصة بنظرها 0
المطلب الأول
مفهوم وطبيعة دعوى المخاصمـة
أولا : مفهوم دعوى المخاصمـة :
يقصد بدعوى المخاصمة ، أنها الدعوى التى ترفع بطلب أصلى من أحد الخصوم على القاضى أو عضو النيابة ، لسبب من الأسباب التى بينها القانون ، طالبا إلزام القاضى بالتعويض ، مع بطلان الحكم أو الإجراء الصادر من القاضى كنتيجة حتمية لثبوت ما وقع من القاضى من إخلال بواجبــه (2) 0
فدعوى المخاصمة إذن ، دعوى تعويض يرفعها الخصم المضرور على القاضى أو المحكمة لسبب من الأسباب التى نص عليها القانون (3) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 110 ص 204 0
(2) نظرية الاختصاص فى قانون المرافعات د/ عبد الباسط جميعى - طبعة دار الفكر العربى ص 237 ، المسئولية المدنية للقضاه دراسة تأصيلية وتحليلية مقارنة - لأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى - دار النهضة العربية - الطبعة الأولى سنة 1998 بند 22 ص 28 0
(3) المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 0
- 172 -
وعرفها بعض الفقه القانونى بأنها دعوى قضائية ترفع بإجراءات خاصة ، وعلى هيئة قضائية خاصة كذلك ، يتهم بها رافعها القاضى المرفوعة عليه بالإخلال بمقتضيات التزاهة فى أدائه للقضاء فى الحدود التى يرسمها القانون (1) 0
والحكمة التى توخاها المشرع من نظام مخاصمة القاضى هى توفير الطمأنينة للقاضى فى عمله وأحاطته بسياج من الحماية يجعله فى مأمن من كيد المتقاضين (2) 0
ثانيـا : طبيعة دعوى المخاصمـة :
ثار خلاف بين رجال الفقه القانونى حول طبيعة دعوى المخاصمة ، أهى دعوى مسئولية الغرض منها تعويض الخصم المضرور من عمل القاضى ، أم هى دعوى بطلان للحكم الذى أصدره القاضى ، أم هى تعتبر من قبيل الدعاوى التأديبية التى يقصد بها دمغ ووصف القاضى بالتدليس أو الغش أو الخطأ الجسيم (3) 0
ولهذا الخلاف أهميته ، فإذا اعتبرنا دعوى المخاصمة من قبيل الدعاوى التأديبية ، فإن محلها القوانين التى تنظم محاكمة القضاة ، كما أن الحق فى رفعها يكون بين الهيئات التى لها حق رفع الدعوى التأديبية ، وإذا قلنا أن الهدف مــن دعوى المخاصمة ، بطلان الحكم الذى أصدره القاضى ، وجب أن يختصم فيها الخصوم فى الحكم المراد بطلانه ، وبذلك تلحــق الدعـوى بطرق
_____________
(1) أصول المرافعات د/ أحمد مسلم - بند 55 ص 51 0
(2) وقضت محكمة النقض : فى هذا الصدد أن : [ الأصل هو عدم مسئولية القاضى عما يصدر منه من تصرفات أثناء عمله ، لأنه يستعمل فى ذلك حقا خوله له القانون ، وترك له السلطة التقديرية ، ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا أنجرف عن واجبات وظيفته أو أساء استعمالها ، فنص فى قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها عن التضمينات والحكمة التى توخاها المشرع من ذلك هى توفير الطمأنينة للقاضى فى عمله واحاطته بسياج من الحماية بجعله فى مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به ] يراجع الطعن رقم 2333 لسنة 51 ق جلسة 18/1/1990 س 41 العدد الأول ص 204 مشار إليه فى موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات فى 15 عام من سنة 1982 حتى سنة 1997 للمستشار / أحمد هبه - الطبعة الأولى سنة 1997 ص 393 0
(3) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر - دار النهضة العربية سنة 1978 الجزء الأول ص 284 ، المسئولية المدنية للقضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 23 ص 29 0
- 173 -
الطعن فى الأحكام ، أما إذا اعتبرناها دعوى مسئولية فإن مكانها فى قانون المرافعات ، كما أنها ترفع من الخصم المضرور من خطأ القاضى ، وتوجه إلى القاضى المخاصم (1) 0
وسوف نعرض فيما يلـى للآراء التى قيلت فى هذا الصــدد :
الــرأى الأول :
ذهب بعض الفقه إلى اعتبار دعوى المخاصمة ، دعوى تأديبية ، وذلك لأنها فى حقيقتها تحاسب القضاه على أخطائهم فى عملهم ، شأنها فى ذلك شأن الدعوى التأديبية (2) فضلا إلى أن هذا الرأى كان يبرره المنشأ التاريخى لنظام المخاصمـة (3) 0
ورد جانب من الفقـه على ذلك :
بأن الدعوى التأديبية تختلف عن دعوى المخاصمة من حيث الجزاء ، إذ يمثل ذلك توقيع عقوبة من العقوبات التأديبية المنصوص عليها فى قانون السلطة القضائية ، وذلك فيما يتعلق بالدعوى التأديبية ، بينما يمثل ذلك فى دعوى المخاصمة ، الحكم على القاضى بدفع تعويض إلى الخصم ، وهذا يكفى وحدة لنفى الصفة التأديبية عن دعوى المخاصمة (4) 0
الـرأى الثانـى :
وذهب جانب آخر من الفقه إلى اعتبار دعوى المخاصمة، طريق من طرق الطعن غير العادية ، وذلك لأنه يترتب على الحكم بقبول المخاصمة بطلان الحكم ، فضلا أن القانون الفرنسى ينظم هذه الدعوى بعد قواعد الالتماس بإعادة النظر (5) 0
ورد جانب من الفقه على ذلك :
أن الهدف المباشر من دعوى المخاصمة ، هو تعويض الخصم الذى أصابه ضرر بسبب خطأ القاضى فى أداء وظيفته وليس الهدف منها الطعن فى الحكم وذلك لما يأتى :
___________
(1) الوسيط د/ رمزى سيف بند 42 ص 59 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 123 0
(2) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 285 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 168 0
(4) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 285 ، المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى ص 30 بند 24 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 168 ، المرافعات المدنيــة والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 47 ص 56 0
- 174 -
( أ ) أن دعوى المخاصمة توجه إلى القاضى مباشرة لا إلى الحكم الذى أصدره كما فى دعوى الطعن فأنها توجه إلى الحكم لا إلى القاضى 0
(ب) أن المدعى عليه فى دعوى المخاصمة هو القاضى ، بعكس دعوى الطعن التى يختصم فيها المحكوم له ( المستأنف ضده ) لا القاضى (1) 0
(جـ) أن الطعن فى الأحكام يفترض دائما صــدور حكــم مــن محكمــة ما ، أما دعوى المخاصمة فترفع على القاضى ولو لم يكن قد أصدر حكمه فى الموضوع مثل حالة انكار العدالــة (2) 0
الرأى الثالـــث :
ذهب جمهور الفقه (3) - وهــو ما نرجحه - إلى أن دعوى المخاصمة ما هى إلا دعوى مسئولية لا ترمى إلى الطعن فى الحكم ، وإنما إلى الحصول على تعويض الضرر الناتج للخصم من خطأ القاضى (4) ، لأن القانون يقضى فى حالة الحكم بصحة المخاصمة أن تحكم المحكمة على القاضى المخاصم بالتعويضات وبالمصاريف ، وتكون الدولة مسئولة عما يحكم به على القاضى من هذه التضمينات ويكون للدولة حق الرجوع على القاضى بعد ذلك ، وعلى ذلك تعتبر دعوى المخاصمة دعوى تعويض أصلية على القاضى وعلى الدولة ، ودعوى تابعة لها ببطلان الحكم أو التصرف الصادر من القاضى (5) 0
____________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 168 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 47 ص 56 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 110 ص 205 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 168 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 243 ، الوسيط د/ رمزى سيف ص 61 0
(4) قانون المرافعات الكويتى د/ رمزى سيف طبعة سنة 1974 بند 25 ص 34 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 26 ص 32 0
(5) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 126 ، وانظر حكم محكمة استئناف الإسكندرية بجلسة 31/5/ 1959 فى الدعوى رقم 106 س 10 ق مجلة إدارة قضايا الحكومة - السنة الثالثة - العدد الثالث - ص 259 0
- 175 -
وقد أخذ المشرع المصرى بهذا الرأى إذا اعتبر دعوى المخاصمة دعوى تعويض الخصم المضرور من عمل القاضى فاعتبرها دعوى مسئولية ترفع من الخصم المضرور على القاضى المنسوب إليه الخطأ فى عمله ، وهذا ما أكدته المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 بقولها " وليست المخاصمة من المسائل العارضــة ، كرد القضاة والخبراء ، وإنما هى دعوى تعويض مستقلة ، ترفع من أحد الخصوم على القاضى لسبب من الأسباب التى بينها القانون ) (1) 0
المطلب الثانى
التطور التاريخى لدعوى المخاصمـة
عرفت مسئولية القاضى منذ القانون الرومانى ، فقد كانت تقع عليه بعض الواجبات ، كواجب الحضور للقضاء ، وعدم القضاء فى أيام معينة ، وإصدار الحكم فى ميعاد معين ، وكان يترتب على تخلف أى واجب من هذه الواجبات مسئوليته وتحميله مخاطر الخصومة ، وبالتالى كانت تعد لخصومة موجهة ضده ، ثم بعد ذلك يصدر الحكم ضده ، وظل الأمر كذلك حتى أعطى البريتور للخصم الحق فى رفع دعوى تعويض على القاضــى ، تختلف بحسب ما إذا كان خطأ القاضى ناشئا عن مجرد إهمال أم عن عمــد ، بشرط ألا يكون الحكم غير قابل للإلغاء عن طريق الطعن فيـــه (2) 0
وكذلك قد عرفت القوانين الجرمانية نظام مسئولية القاضى ، وبصفة خاصة قانون ساليك حيث كان القاضى الذى أصدر الحكم يقف مدافعا عن الحكم الذى أصدره (3) 0
_______________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 126 ، وانظر حكم محكمة استئناف الإسكندرية بجلسة 31/5/ 1959 فى الدعوى رقم 106 س 10 ق مجلة إدارة قضايا الحكومة - السنة الثالثة - العدد الثالث - ص 259 0
(2) طرق التنفيذ د/ عبد الحميد أبو هيف بند 1350 ص 908 ، المسئولية المدنية للقضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 13 ص 18 0
(3) المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 13 ص 18 0
- 176 -
وفى القوانين الحديثة ،لا يستمد نظام مخاصمـة القاضى مصدره التاريخى من القانون الرومانى ، أو القوانين الجرمانية ، وإنما من القانون الفرنسى القديم (1) حيث كان القاضى فى القانون الفرنسى القديم مسئولا عن الحكم الذى يصدره ، وكان المحكوم عليه يطعن على الحكم ويخاصم القاضى فى ذات الوقت ، وكان القاضى يحضر أمام المحكمة العليا ليتولى الدفاع عن حكمه الذى أصدره ولينفى المسئولية عن نفسه ، الذى ما لبث فى مرحلة لاحقه ، أن استقل الطعن فى الحكم عن دعوى المخاصمة ، التى تقررت لأسباب محددة (2) 0
وقد أخذ القانون المصرى نظام مخاصمة القاضى من القانون الفرنسى (3) 0
المطلب الثانى
نطاق دعوى المخاصمـة
الفرع الأول
النطاق الموضوعى لدعوى المخاصمة
يتحدد النطاق الموضوعى لدعوى مخاصمة القاضى بالمسئولية المدنية عن خطئه فى أداء وظيفته أو بسببها ، ومن ثم فلا محل لتطبيق نظام مخاصمة القاضى بالنسبة لمسئوليته الجنائية ، فإذا ارتكب القاضى فعلا يعد جريمة أثناء أدائه لعمله ، طبقت بصدده القواعد العامة ، ويحاكم جنائيا وفق القواعد العامة ، مع مراعاة الأحكام الخاصة بهم الواردة فى المادة (108) من قانون السلطة القضائية رقم 146 لسنة 1972 والمعدل بالقانون رقم 35 لسنة 1984م (4) 0
____________
(1) المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 13 ص 19 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 47 ص 59 0
(3) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 279 0
(4) الوجيز فى قوانين المرافعــات د/ أمينة النمر بند 37 ص 49 ، أصول المرافعات د/ أحمد مسلم بند 55 ص 51 ، الوسيط د/ رمزى سيف ص 63 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 27 ص 35 0
- 177 -
أيضا لا محل لتطبيق نظام مخاصمة القاضى على مسئولية القاضى التأديبية فهى تختلف عن نظام مخاصمة القاضى فى أنها مسئولية إدارية لا مدنية (1) 0
كذلك لا يسرى نظام مخاصمة القاضى على مسئولية القاضى عن ارتباطاته التعاقدية وأخطائه التقصرية الخاصة بحياته العادية خارج نطاق عمله ووظيفته القضائية ، فإذا أخل القاضى بالتزام عقدى ، فإنه يجوز مقاضاته لهذا السبب وفقا للقواعد العامة ، وإذا ارتكب القاضى خطأ تقصيريا فى حياته العادية ، فإنه يجوز رفع دعوى تعويض ضده وفقا للقواعد العامة (2) 0
ويشترط أن يكون الخطأ الذى ارتكبه القاضى أثناء عمله مما يتعلق بعمله القضائى أو الولائى أو الإدارى ، فليس كل خطأ يرتكبه القاضى أثناء عمله يخضع لنظام المخاصمة ، وإنما يجب أن يكون الخطأ مما يتعلق بعمله القضائى أو الولائى أو الإدارى ، أما أعماله العادية فإنها تخضع للقواعد العامة ، حتى ولو كان بسبب عمله أو أثنائه وذلك كما إذا كان القاضى يقود سيارته أثناء ذهابه إلى مأمورية رسمية ، فصدم شخصا أو أصابه فإنه يخضع للقواعد العامة ، ولا يستفيد من النظام الخاص لدعوى المخاصمة (3) 0
الفرع الثانى
النطاق الشخصى لدعوى المخاصمة
ترفع دعوى المخاصمة على القاضى أيا كانت درجته أو المحكمة التى يعمل بها سواء كان يعمل بالمحكمة الجزئية أو المحكمة الابتدائية أو الاستئنافية أو محكمة النقض (4) 0
وعلى ذلك يجوز مخاصمة القاضى بالمحكمة الابتدائية أو الرئيس بها أو المستشار بمحكمة الاستئناف أو النقض ، وسواء أكانت المحكمــة مدنيــة أم جنائيـــة علــى الرغــم مـــن أن قانون
______________
(1) أصول المرافعات د / أحمــد مسلم بند 55 ص 51 ، الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر بند 37 ص 49 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 27 ص 36 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 0
(3) أصول المرافعــات د/ أحمــد مسلـــم بند 55 ص 51 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 280 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 112 ص 209 0
- 178 -
الإجراءات الجنائية قد خلا من النص على مخاصمة القاضى الجنائى (1) 0
ويجوز مخاصمة القاضى منفردا كما يجــوز مخاصمة الدائرة بأكملها ، ولو كانت بمحكمة النقض ، ولكن لا تجوز مخاصمة الهيئتين العامتين مجتمعتين بمحكمة النقض إذ القول بذلك يترتب عليه جعل دعوى المخاصمة بدون محكمة تنظرها (2) كما لا يجوز المخاصمة ضد القضاة والمستشارين الذين فصلوا فى دعوى المخاصمة ، لأن القانون لم ينظم طريقا للمخاصمة فى الحكم الصادر منها (3) 0
كما يخضع لنظام مخاصمة القاضى القضاه الذين يعملون بالمحاكم الاستثنائية دون الأعضاء الأخرين الذين إن اشتركوا فى إصدار أحكام قضائية إلا أنهم ليسوا قضاه ، وذلك لأن القاضى الذى توجه إليه دعوى المخاصمة ليس من يقوم بأى عمل قضائى ولكنه يقصد به القاضى فى مفهوم السلطة القضائية (4) 0
كذلك يخضع لنظام مخاصمة القاضى قضاة مجلس الدولة وهيئة المفوضين حيث نص المشرع فى المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 على أنه ( تطبق الإجراءات المنصوص عليها فى هذا القانون ، وتطبق أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد فيه نص ، وذلك إلى أن يصدر قانون الإجراءات الخاص بالقسم القضائى " 0
وعلى ذلك ، تطبق أحكام قانون المرافعات فى حالة عدم وجود نص ينظم المسألة فى قانون مجلس الدولة ، ولذا فقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا ، على أن القواعد المتعلقة بالمخاصمة لا تتعارض مع نظام مجلس الدولة ، وأوضاعه الخاصة ، والتالى تطبق على أعضاء مجلس الدولة ، سواء فى ذلك القضاه أو أعضاء هيئة المفوضين ، وذلك لأن نظام المخاصمة قرره المشرع أصلا رغبة منه فى عدم ترك هؤلاء الأعضاء مسئولين مسئولية مدنية عــن أعمالهم أثناء تأديــة وظائفهـم ، حتى
____________
(1) رد القضاه فى المواد الجنائية د/ حامد الشريف طبعة 1993 ص 36 وما بعدها 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 112 ص 209 0
(3) بحث الخطأ المهنى الجسيم ومخاصمة رجــال القضاء ، لإسماعيل علم الدين منشور فى مجلة قضايا الدولة السنة 17 العدد الرابع ص 973 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 112 ص 209 0
يمكن تهيئة الجو الملائم للعمل بحرية واطمئنان (1) 0
كذلك يخضع قضاة المحكمة الدستورية العليا وهيئة المفوضين أمامها لنظام المخاصمة حيث نص المشرع فــى المـــادة (15) من قانون المحكمة الدستوريــة العليا رقم 48 لسنة 1979 على أن ( تسرى فى شأن عدم صلاحية عضو المحكمة وتنحيته ورده ومخاصمته الأحكام المقرره بالنسبة إلى مستشارى محكمة النقض ، وتفصل المحكمة الدستورية العليا فى طلب الرد ، ودعوى المخاصمة بكامل أعضائها ، عدا العضو المشار إليه ومن يقوم لديه عذر ، ويراعى أن يكون عدد الحاضرين وترا ، بحيث يستبعد أحدث الأعضاء ، ولا يقبل رد أو مخاصمة جميع أعضاء المحكمة أو بعضهم بحيث يقل عدد الباقى منهم عن سبعة ) (2) 0
كما نص المشرع فى المادة (24/2) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 فى شأن هيئة المفوضين أمامها على أن ( تسرى فى شأن ضمانات وحقوق وواجبات رئيس وأعضاء هيئات المفوضين ، الأحكام المقرره بالنسبة لأعضاء المحكمة ) (3) 0
من هاتين المادتين سالفتى الذكر يتضح لنا أن قضاة المحكمة الدستورية العليا وهيئة المفوضين أمامها يخضعون لنظام مخاصمة القاضى كما هو الحال بالنسبة للقضاة أمام المحاكم العادية (4) 0
وذهب جانب من الفقه إلى عدم إمكانية تطبيق أحكام دعوى المخاصمة على قضاة مجلس الدولة وهيئة المفوضين وذلك لأن نص المادة (494) مرافعات الخاصة بالمخاصمة ، إنما تقرر أحكاما موضوعية ، فى حين أن مقتضى نص المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة سالفة الذكر هو الإحالة فيما لم يرد فيه نص على الأحكام الإجرائية والشكلية فى قانون المرافعات ، وكذلك الشأن فيما يتعلق بقواعد الاختصاص وإجراءات دعوى المخاصمة ، إذ لا يمكن القول بانعقاد الاختصاص بمخاصمتهم لجهة القضاء العادى ، لما فــى ذلك مـن إخلال استقلال كــل من جهتى
____________
(1) المسئولية عن أعمال السلطة القضائية د/ رمزى الشاعر - الطبعة الثانية سنة 1983 دار النهضــة ص 218 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 34 ص 41 0
(2) راجع نص المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 0
(3) راجع نص المادة (24/2) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 0
(4) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 50 0
- 180 -
القضاء ، كما لا يمكن القول بانعقاد الاختصاص عن طريق القياس لمحكمة القضاء الإدارى أو المحاكم التأديبية والمحكمة الإدارية العليا ، وذلك لأن طبيعة التنظيم القضائى فى كل من الجهتين مختلف ، وهذا ما انتهى اليه القضاء الإدارى من عدم تطبيق أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد فيه نص خاص فــى قانون مجلس الدولــة ، إذا كانت تتعارض نصا أو روحا مع قانون مجلس الدولة ، سواء فى الإجراءات أو فى أصول النظام القضائى بالمجلس (1) 0
الرد على هذا الرأى :
ورد جانب من الفقه على هذا الرأى ، بأنه لا يوجد فى قواعد المخاصمة ما يتعارض مع قانون مجلس الدولة ، وذلك لتوافر العلة التى قرر المشرع من أجلها نظام المخاصمة بالنسبة لجميع القضاة سواء أكانوا لدى المحاكم العادية أم الإدارية ، كما أنه لا يوجد ما يمنع من أن تتم المساءلة أمام القضاء العادى ، إذ لا يترتب علــى ذلك إخــلال باستقلال جهتى القضاء فى الدولـــة (2) 0
كما يســرى نظــام مخاصمة القاضى علــى أعضــاء النيابة العامة حيث نص المشرع فى المــادة (494) مرافعات علــى أنــه ( تجــوز مخاصمــة القضــاه وأعضاء النيابة فى الأحوال الآتيـــة .... " (3) 0
فأعضاء النيابة العامة بجميع درجاتهم حتى النائب العام يخضعون لنظام المخاصمة (4) . وذلك لأن الحكمة التى من أحلها تقرر نظام المخاصمة ، وهى توفير الضمانات للقاضى فى عمله واحاطته بسياج من الحماية ، بجعله فى مأمــن مـــن كيـد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته
_______________
(1) القضاء الإدارى د/ محمــود عاطــف البنا ، طبعـــة دار الفكر العربى سنة 1975 ، 1976 ص 236 وما بعدهــا 0
(2) المسئولية عن أعمال السلطة القضائية د/ رمزى الشاعر ص 221 ، المسئولية المدنية للقضاه أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 35 ص 43 0
(3) يراجع نص المادة (494) من قانون المرافعات المصرى 0
(4) الوسيـط د/ فتحــى والى بنــد 112 ص 209 ، الوجــيز فـــى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 50 بند 37 0
- 181 -
وهيبته برفع دعاوى عادية لمجرد التشهير به تتوافر أيضا بالنسبة لأعضاء النيابة العامة التى تعتبر هيئة مكملة للقضاء (1) 0
ومما هو جدير بالذكر أن أعضاء النيابة الإدارية لا يخضعون لنظام المخاصمة ، وإنما تطبق عليهم القواعد العامة للمسئولية المدنية ، كسائر الموظفين فى الدولة (2) 0
المطلب الرابع
حالات دعوى المخاصمــة
حدد المشرع حالات مخاصمة القاضى على سبيل الحصر ، فإذ لم تتوافر إحدى هذه الحالات لم تجز مخاصمة القاضى (3) . ولا يجوز القياس عليها أو التوسع فيها (4) 0
فنص المشرع فى المادة (494) مرافعات على أنه :
( تجوز مخاصمة القضاه وأعضاء النيابة العامة فى الأحوال الآتية :
1- إذا وقع من القاضى أو عضو النيابة فى عملهما غش أو تدليس أو عذر أو خطأ مهنى جسـيم 0
2- إذا امتنع القاضى من الإجابة على عريضة قدمت له أو من الفصل فى قضية صالحة للحكم وذلك بعد إعذاره مرتين على يد محضر يتخللهما ميعاد أربع وعشرين ساعة بالنسبة الأوامر على العرائض وثلاثة أيام بالنسبة إلى الأحكام فى الدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية وثمانية أيام فى الدعاوى الأخرى ، ولا يجوز رفع دعوى المخاصمة فى هذه الحالة قبل مضى ثمانية أيام على آخر إعذار 0
______________
(1) نقض مدنى جلسة 29/3/1962 - مجموعة أحكام النقض س 13 ص 360 مشار إليه فى المسئولية المدنية للقضاه ، أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى ص 46 هامش (3) 0
(2) بحث الخطأ المهنى الجسيم ومخاصمة رجال القضاء - لإسماعيل علم الدين ص 955 سبق الإشارة إليه 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 0
(4) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب - دار الفكر العربى سنة 1975 ، 1976 ص 191 0
- 182 -
3- فى الأحوال الأخرى التى يقضى فيها القانون بمسئولية القاضى والحكم عليه بالتعويضات ويلاحظ أن حالات المخاصمة تتعلق بالنظام العام (1) 0
وسنتناول هذه الحالات من خلال الآتـى :
الحالة الأولى
إذا وقع من القاضى فى عمله غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهنى جسيم
( أ ) المقصود بالغش :
يقصد بالغش كسبب من أسباب مخاصمة القاضى أنه تغيير القاضى للحقيقة عمدا لتحقيق مصلحة له أو لأحد الخصوم أو الشهود سواء كان التغيير فى الألفاظ أو فى المعانى (2) 0
كما وصفته محاكم الاستئناف المختلطة قديما بأنه :
( ارتكاب الظلم عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو بدافع كراهية أحد الخصوم أو محابته ، كما إذ حرف القاضى عن قصد ما أدلى به أحد الخصوم أو شاهده من أقوال (3) 0
وعرفته محكمة استئناف إسكندرية حديثا بأنه انحراف القاضى أو عضو النيابة فى عمله عما يقتضيه القانون قاصدا هذا الانحراف وذلك إما إيثارا لأحد الخصوم أو نكاية فى خصم أو تحقيقا لمصلحة خاصة للقاضى (4) 0
(ب) المقصود بالتدليس :
يرى جانب من الفقه أن التدليس نوع من الغش لكن الغش يزيد عليه أنه تغيير الحقيقة فيه يكون باستعمال طرق احتيالية أى بالحيلة والخداع ، فكل غش تدليس وليس كل تدليس غش ، مما حدا بالمشرع إلى النص على الغش والتدليس كسبب من أسباب المخاصمـــة ، ليواجه انحراف
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 0
(3) استئناف مختلط فى 11/7/1949 مجلة التشريع والقضاء السنة 61 ص 136 مشار إليه فى المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 0
(4) محكمة استئناف إسكندرية دائرة (12) تجارى جلسة 14/2/1993 دعوى مخاصمة رقم 10 لسنة 47 ق غير منشور مشار إليه فى مجلة النيابة العامة - العدد السابع السنة الثامنة يوليو 2000 ص 69 0
- 183 -
القاضى فى الصورة الحادة القاسية ، وفى الحالة التى قد لا تصل إلى هذه الدرجة ، حتى لا يفلت القاضى من المسئولية بدعوى عدم النص على هذه الصورة (1) 0
وذهب جانب من الفقه - بحق - أنه حتى على فرض صحة هذا التمييز ، فقد كان يكفى النص على التدليس ، فكل عمل مشوب بالغش يعد تدليسا ، ولذا فالمعول عليه فى هذا الصدد ، أن يثبت انحراف القاضى عن قصد ، أى عن سوء نية لديه (2) 0
ويرى جانب من الفقه - وهو ما نرجحه - إلى أن الغش والتدليس لفظان مترادفان يغنى الواحد منهما عن الآخر من حيث الغرض والعلة هى أن الرابط بينهما هو سوء النية (3) بمعنى تعمد الانحراف عن قصد (4) . لذلك كان الأجدر بالمشرع أن يقتصر على التدليس ، لأنه يشمل الغش إذ أن كل غش تدليس (5) . ويكفى فى هذا الصدد توافر سوء النية حتى يتحقق هذا السبب ولا يلزم أن يكون القاضى قد لجأ إلى استخدام طرق احتيالية (6) غير أنه يجب إثبات نية الانحراف لدى القاضى (7) 0
وقد يحدث الانحراف فى مرحلة التحقيق أو فى مرحلة الحكم ، ومثاله فى مرحلة التحقيق أن يعمد القاضى إلى تغيير شهادة شاهد أو إتلاف المستندات المودعه لديه أو تغيرها،أو إخفائها ، ومثاله فى مرحلة الحكم،بأن يعمد رئيس الدائرة إلى التغيير فى مسودة الحكم ، ويتصور الانحراف
___________
(1) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 130 ، المسئولية المدنية للقضاه - أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 55 ص 61 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 205 ، المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 44 ص 63 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 ، المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف - ص 296 0
(4) قانون المرافعات د/ نبيل عمر بند 33 ص 47 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 0
(6) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 285 0
(7) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 170 0
- 184 -
من القاضى ولو تعلق الأمر بعمل له فى أدائه سلطة تقديرية (1) 0
(جـ) المقصود بالغـدر :
يقصد بالغدر كل تصرف يصدر من القاضى يتعمد به الحصول لنفسه أو لغيره على منفعة مادية على حساب الخزانة العامة إضرارا بأحد الخصوم مستعينا فى ذلك بما له من سلطة ، فهو صورة من صور انحراف القاضى عن العدالة (2) 0
ويرى جانب من الفقه أن النص على الغدر كسبب من أسباب مخاصمة القاضى الغرض منه مواجهة ما يأمر به القاضى من رسوم يتقاضاها لنفسه من الخصوم أكثر مما يستحقها ، أما فى العصر الحالى فالقاضى يتقاضى راتبه من الدولة لا من الخصوم ولا يحصل على أى رسم لنفسه ، فلم يعد لهذه الحالة ما يبررها (3) 0
ورد جانب من الفقه علــى هــذا الرأى بأنه محل نظر لأنه إذا كان المشرع قديما يواجه بصورة ( الغدر) ما يحصله القاضى لنفسه من رسوم زائدة ولما انتهت هذه المسألة تنتهى صورة الغدر ، فإن صورة الغدر كفعل خاطىء من القاضى يستوجب مخاصمته مازال موجودا ، إذ من المتصور أن ينحرف القاضى فى أداء عمله غدرا بطلبه منفعة مادية أو مالية له أو لغيره لا ترقى إلى مرتبة الرشوة المجرمه قانونا (4) 0
وعلى ذلك ، فالغش والتدليس والغدر كسبب لمخاصمة القاضى يجمع بينهما جامع واحد وهو أن هذه الأفعال تصدر من القاضى بقصد وبسوء نية لاعتبارات خاصة تتنافى مع النزاهة والعدالة ولا يكفى الخطأ من القاضى لقيام هذه الأسباب ، وإنما يجب أن يتحقق قصد من القاضى لأضرار بأحد الخصوم (5) 0
_______________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 206 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 171 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 206 0
(4) الوجيز فى المرافعات د / محمد محمود إبراهيم ص 131 0
(5) الوسيط د / أحمــد السيــد صــاوى بند 62 ص 109 ، الوجيز فــى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 130 0
- 185 -
( د) المقصود بالخطأ المهنى الجسيم :
يقصد بالخطأ المهنى الجسيم أنه تجاوز القاضى للصواب بدرجة كبيرة نتيجة تفريطه فى عمله وواجباته ، فهو خطأ ظاهر وواضح لا يقع فيه قاض إلا إذا كان على درجة كبيرة من الجهل والاستهتار وعدم الحيطة وذلك كإغفال الوقائع الثابتة فى ملف الدعوى أو الجهل الفاضح بالمبادىء القانونية (1) 0
وعرفه البعض أنه الخطأ الفاحش الذى يستبعد صدوره من قاضن عادى فى إدراكه وحيطته واهتمامه بعمله (2) 0
ولما كان إثبات سوء نية القاضى وقصده الخبيث فىالإضرار بأحد الخصوم أمرا صعبا فى إثباته الأمر الذى دعا المشرع إلى النص صراحة فى قانون المرافعات الحالى على اعتبار وقوع خطأ مهنى جسيم من القاضى كسببا من أسباب مخاصمته (3) 0
فالخطأ المهنى الجسيم لا يشترط فيه سوء نية القاضى أو قصده المحاباه أو الانتقام بل يكفى إثبات أن ما فعله القاضى يعتبر خطأ جسيما ، كما إذا أغفل تسبيب حكم أصدره أو تسبب من غير قصد فى ضياع مستند معين بإهماله ، وهذا ما يميز الخطأ المهنى الجسيم عن الغش والتدليس والعذر إذ يشترط فيهم لاعتبارهم سببا من أسباب المخاصمة أن يتوافر سوء النية لدى القاضى على العكس من الخطأ المهنى الجسيم فيعتبر سببا من أسباب المخاصمة حتى ولو لم يتوافر فيه سوء نية القاضى (4) 0
ومن ناحية أخرى فإن الخطأ المهنى غير الجسيم لا يعتبر سببا من أسباب مخاصمة القاضى ، وكذلك الخطأ الذى يقع من القاضى الذى يهتم بعمله اهتمام الإنسان العادى ، وذلك حتى يطمئن القاضى فى عمله ولا يتهيب التصرف أو الحكم فى الدعوى ، لذلك يخرج عن إطار الخطأ
________________
(1) الوسيط د/ فتحى ولى بند 111 ص 206 0
(2) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم عبد العظيم جبره طبعة سنة 1976 ص 98 0
(3) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 48 ص 57 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 90 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 206 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 61 ص 110 ، الوجــيز فــى المرافعات د / محمــد محمــود إبراهيم ص 134 0
- 186 -
الجسيم الخطأ فــى تقدير الوقائع أو تكييفها أو فى تفسير القانون ولو كان مخالفا لما أجمع عليه الفقـــه (1) 0
وتقدير مدى جسامة الخطأ وما إذا كانت يخضع محكمة الموضوع فى تقديره لرقابة محكمة النقض من عدمه ؟
قد اختلف الفقه القانونى المصرى فى ذلك إلى رأيين هما :
1- ذهب جانب من الفقه إلى أن تلك المسألة من المسائل غير القانونية التى لا تخضع فيها محكمة الموضوع لرقابة محكمة النقض (2) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 207 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 91 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ الأصل هو عدم مسئولية القاضى عما يصدر منه من تصرفات أثناء عمله لأنه إنما يستعمل فى ذلك حقا خوله له القانون وترك له السلطة التقديرية فيه ، إلا أن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء فنص فى المادة (494) مرافعات على أسباب مخاصمته على سبيل الحصر ومن بينها إذا وقع خطأ مهنى جسيم وهو الخطأ الفادح الذى ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادى أو لإهماله فى عمله إهمالا مفرطا وصفته المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات السابق بالخطأ الفاحش الذى لا ينبغى أن يقع منه فيخرج من دائرة هذا الخطأ تحصيل القاضى لفهم الواقع فى الدعوى ، وتقديره لأقوال الشهود ... ] 0
يراجع الطعن رقم 598 لسنة 57 ق جلسة 4/6/1987 س 38 ع2 ص 778 مشار إليه فى موسوعة مبادىء النقض فى الإثبات فى 15 عام من سنة 1982 حتى سنة 1997 للمستشار أحمد هبه الطبعة الأولى سنة 1997 ص 993 ] وكذلك قضت محكمة النقض : [ الأصل فى التشريع أن القاضى غير خاضع فى نطاق عمله للمساءلة القانونية ، والاستثناء أن الشارع جوزها وحصرها فى نطاق ضيق ، محكم بالنص على أسبابها فى المادة (494) مرافعات وقد وزان المشرع بهذا التشريع بين حق القاضى فى توفير الضمانات له فلا يتحسب فى قضائه إلا وجه الحق ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه أو يستنفد الجهد فى الرد على من ظن الجوزية وآثرا لكيد له ، وبين حق التقاضى فى الإطمئنان بأن قاضية مقيد بالعدل فى حكمه ، فإن جنح عنه لم تغلق الأبواب فى وجهــه ، فله أن ينزله منزلة الخصومة يدين فيها قضائه ويبطل أثره ، وهذا كله يجد حده الطبيعــى فـــى أن القضاء ولاية تقدير وأمانة تقرير وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا يسقط بها منطق العدل ، وإنما يسقطه الجور والانحراف فى القصد ) يراجع الطعن رقم 1236 س 51 ق جلسة 29/3/1987 س 38ع1 ص 487 مشار إليه فى المرجع السابق ص 394] 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 108 0
- 187 -
2- وذهب جانب آخر من الفقه - وهو ما نرجحه - إلى أن هذه المسألة مسألة قانونية تخضع محكمة الموضوع فى تقديرها إلى رقابة محكمة النقض لأنه وصف قانونى يخلعه القاضى على واقعه معينة ويطبق حكم القانون عليها ، فهو تكييف قانونى يخضع كسائر التكييفات القانونية لرقابة محكمة النقض (1) 0
ومن حالات تطبيق القضاء المصرى للخطأ المهنى الجسيم كسبب من أسباب مخاصمة القاضى هو اعتباره الجهل الفاضح بالمبادىء الأساسية للقانون جهل لا يغتقر ولا شفيع للقاضى فيه حيث قضت محكمة استئناف المنصورة فى هذا الصدد بأنه [ يتوافر خطأ مهنى جسيم لدى الدائرة المخاصمة لكونها قد حكمت بعدم قبول تدخل المخاصم خصما منضما للمستأنف عليها مع إلزامه بالمصاريف وذلك على سند من أن هذا الخصم المخاصم لم يطعن بالاستئناف على الحكم الصادر برفض تدخله أمام محكمة أول درجة ، هذا فى حين أن حكم محكمة أول درجة قد قبل تدخل هذا المخاصم ولم يرفضه وهذا فضلا أن القانون يجيز التدخل الانضمامى لأول مرة فى الاستئناف استثناء من الأصل ... ] (2) 0
الحالة الثانية
إنكــــــــــــار العدالــــــــة
( أ ) المقصود بإنكار العدالـة :
يقصد بإنكار العدالة ، رفض القاضى صراحة أو ضمنا الفصل فى الدعوى ، أو تأخيره الفصل فى الدعوى ، رغــم صلاحيتها للفصل فيها ، أو رفضه أو تأخيره البت فى إصــدار الأمر المطلــوب على عريضة (3) 0
وجوهر حالة إنكار العدالــة أنهـــا وردت على سبيل الحصر فى حالتين لا يجوز القياس عليهما (4) وهما :
___________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 207 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 91 0
(2) يراجع حكم محكمة استئناف المنصورة جلسة 2/2/ 1978 - مجلة قضايا الدولة العدد الثانى سنة 1978 ص 107 بند 227 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 11 ص 208 0
(4) الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 138 0
- 188 -
الحالة الأولى : إذا طرح على القاضى عريضة فيمتنع القاضى عن البت فيها ، والعرائض التى تقدم إلى القاضى على نوعين هما :
( أ ) عرائض أوامر الأداء (1) 0
(ب) العرائض الوقتية (2) ، إذ يجب على القاضى أن يصدر فيهما أمرا ليس حكما وهذا هو معنى " الإجابة على عريضة " وبالتالى إذا قدم للقاضى عرائض أخرى ليست من قبيل ما تقدم كطلب تقدير أتعاب خبير مثلا وأمتنع القاضى عن الإجابة فلا تصح مخاصمته على هذا الأساس ، لأن اصطلاح عريضة يقصد به الأوامر التى يصدرهــا القاضى على عرائض بمقتضى سلطته الولائيـــة 0
الحالة الثانية : إذا طرحت على القاضى دعوى وكانت صالحة للحكم فيها وامتنع القاضى عن الفصل فيها (3) 0
والعلة التى من أجلها أجاز المشرع مخاصمة القاضى فى هذه الحالة ، ترجع إلى أن القاضى يكون بذلك قد خالف واجبا أساسيا من واجبات وظيفته ، وهو تحقيق القانون وإقامة العدالة ، وتطبيق الحماية القانونية المعروضة عليه (4) 0
وعلى ذلك يعتبر القاضى منكرا للعدالة ، إذا امتنع عن إصدار حكم أو أمر حتى ولو لم يجد نصا يطبقه ، إذ يجب عليه أن يبحث عن القاعدة القانونية الواجبة التطبيق (5) ولذلك إذا أصدر القاضى حكما بعدم الاختصاص ، أو عدم القبول أو بالبطلان أو أى حكم آخر غير منهى للخصومة (6) فإنه يكـــون قـــد باشر وظيفتـه فــى الدعوى وفصل فيها بصدور هذا الحكم (7)
____________
(1) انظر المادة (210) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 0
(2) انظر المادة (194) مرافعات والمستبدلة له بالقانون رقم 23 لسنة 1992 0
(3) الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 138 0
(4) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 173 0
(5) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 62 ص 111 0
(6) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 288 0
(7) مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 ، قانون المرافعات د/ نبيل عمر بند 33 ص 47 0
- 189 -
كذلك لا يعتبر القاضى منكرا للعدالة مجرد تأخيره الفصل فى الدعوى ، أو تأجيلها طالما كان لهذا ما يبرره ، كما إذا احتاجت الدعوى لمزيد من التحقيق أو ألم بالقاضى سبب شخصى كمرض منعه من الفصل فيها (1)0
وعلى ذلك يشترط لمخاصمة القاضى فى هذه الحالة امتناعه عن إصدار حكم أو أمر ، وثبوت أن هذا الامتناع ليس له ما يبرره (2) 0
(ب) كيفية إثبات امتناع القاضى أو تأخيره الفصل فى الدعوى :
لم يترك المشرع إثبات امتناع القاضى أو تأخيره الفصل فى الدعوى وفقا للقواعد العامة ، ولذلك لا يجوز إثباته بشهود يقدمهم الخصم ، أو بقرائن يستند إليهم وإنما يجب إتباع طريق محدد بغيره لا يعتبر القاضى منكرا للعدالة (3) 0
وهذا الطريق المحدد هو الاعذار بأن يعذر الخصم القاضى مرتين على يد محضر وبشرط ألا تقل الفترة بين الاعذارين عن مدة أربع وعشرين ساعة وذلك بالنسبة للأوامر على العرائض ، وثلاثة أيام بالنسبة للدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية ، وثمانية أيام فى الدعاوى الأخرى ، ولا يعتبر القاضى منكرا للعدالة إلا بعد مضى ثمانية أيام على آخر إعذار (4) 0
ويشترط لقبول مخاصمة القاضى فى هذه الحالة أن يظل القاضى ممتنعا عن الفصل فى الدعوى حتى صدور حكم فى دعوى المخاصمة ، فإن صدر الحكـم بقبول المخاصمة ، أصبح القاضى غير
_____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 208 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 62 ص 111 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 172 ، مبادىء القضاء المدنى د/ وجدى راغب ص 192 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 111 ص 208 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 139 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم ص 173 0
(4) انظر نص المادة (494/2) مرافعات والتى تنص على أنه ( تجوز مخاصمة القضاه وأعضاء النيابة فى الأحوال الآتية : 1- .................. 2- إذا امتنع القاضى من الإجابة على عريضة قدمت له أو من الفصل فى قضية صالحه للحكم وذلك بعد اعذاره مرتين على يد محضر متخللها ميعاد أربع وعشرين ساعة بالنسبة إلى الأوامر على العرائض وثلاثة أيــام بالنسبة إلى الأحكام فى الدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية ، وثمانية أيام فى الدعاوى الأخرى 0
ولا يجوز رفع دعوى المخاصمة فى هذه الحالة قبل مضى ثمانية أيام على آخر إعذار ] 0
- 190 -
صالح لنظر الدعوى التى خوصم بشأنها ، أما إذا كان القاضى قد فصل فى الدعوى التى رفعت بشأنها دعوى المخاصمة ، وقبل صدور حكم فى دعوى المخاصمة ، كانت دعوى المخاصمة غير مقبولة لأن العبرة بتوافر شروط وجود حق الدعوى " شروط القبول " هو عند رفعها واستمرارها حتى صدور الحكم فيها (1) 0
الحالة الثالثـة
كل حالة أخرى يحكم فيها المشرع بمسئولية القاضى
والحكم عليه بالتعويضات
نص المشرع المصرى على حالات أخرى ، قضى فيها بمسئولية القاضى والحكم عليه بالتضمينات ، كما إذا تأخر القاضى عن إيداع مسودة الحكم المشتملة على أسبابه فى الميعاد الذى نص عليه القانون (2) 0
وكذلك ما نص عليه المشرع ، من ضرورة إيداع نسخة الحكم الأصلية - الموقعة من رئيس الجلسة وكاتبها - المشتملة على وقائع الدعوى والأسباب والمنطوق ، ملف الدعوى فى خلال أربع وعشرين ساعة من إيداع المسودة فى القضايا المستعجلة ، وسبعة أيام فى القضايا الأخرى ، وإلا كان المتسبب فى التأخير ملزما بالتعويضات (3) 0
_____________
(1) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح ص 92 0
(2) انظر المادة (175) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 والتى تنص على أنه ( يجب فى جميع الأحوال أن تودع مسودة الحكم المشتملة على أسبابه موقعة من الرئيس ومن القضاه عند النطق بالحكم وإلا كان الحكم باطلا ويكون المتسبب فى البطلان ملزما بالتعويضات إن كان لها وجـه " 0
(3) انظر المادة (179) من قانون المرافعات والتى نصت على أنه ( يوقع رئيس الجلسة وكاتبها نسخة الحكم الأصلية المشتملة على وقائع الدعوى والأسباب والمنطوق ، وتحفظ فى ملف الدعوى ، وذلك خلال أربع وعشرين ساعة من إيداع المسودة فى القضايا المستعجلة ، وسبعة أيام فى القضايا الأخرى وإلا كان المتسبب فى التأخير ملزما بالتعويضات"0
- 191 -
المطلب الخامس
إجراءات دعوى المخاصمة والمحكمة المختصة بنظرهـا
وضع المشرع قواعد خاصة لدعوى المخاصمة ، وذلك بنصه على إجراءات محدده يجب إتباعها عند رفع دعوى المخاصمة ، وهى تختلف عن إجراءات دعاوى التعويض العادية ، وتمثل هذه الإجراءات ، المظهر الوحيد للحماية المقررة للقاضى فيما يتعلق بمسئوليته عن أعمال وظيفتــه (1) 0
ويتضح ذلك فى أن المشرع قد أوجب رفع دعوى المخاصمة أمام محكمة الاستئناف أو النقض - حسب الأحوال - مهما كانت قيمة الدعوى ، وذلك حتى لا يفصل فيها قاضى أقل مرتبة من القاضى المخاصم ، كما أجاز للمحكمة العليا أن تتصدى لموضوع الدعوى الأصلية التى رفعت دعوى المخاصمة بمناسبتها ، مع أنه قد ألغي نظام التصدى ، كما أوجب الحكم على المدعى بغرامة إذا فضل فيما يدعيه ، تفاديا للدعاوى الكيدية التى ترفع على القاضى للتشهير به (2) 0
ومن ناحية أخرى ، يلاحظ أن إجراءات دعوى المخاصمة ، إجراءات صعبة ومعقده ، وذلك للحد من الدعاوى التى يرفعها المبطلون والمتشاكسون من المتقاضين (3) فضلا عن ذلك أنها تنظر على مرحلتين ، زيادة فى الانضباط ، لتوفير أكبر قدر ، من الضمانات للقاضى المخاصم ما لم يحكم بعدم جوازها (4) 0
( أ ) طريقة رفع دعوى المخاصمـة :
ترفع دعوى المخاصمة بتقرير فى قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها القاضى المخاصم أو عضو النيابة ، يوقعه الطالب أو من يوكله فى ذلك توكيلا خاصا ، وذلك إذا كان القاضى المخاصم مــن قضــاة المحاكــم الابتدائية أو أحــد أعضــاء النيابة بهـا ، وكذلك إذا كان القاضى
_____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 99 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د / أحمد أبو الوفا بند 52 ص 62 0
(3) قانون المرافعات الكويتى د/ رمزى سيف بند 28 ص 39 0
(4) بحوث فى قواعد المرافعات والقضاء فى الإسلام د/ عبد العزيز خليل إبراهيم بديوى - دار الفكر العربى سنة 1978 ص 168 0
- 192 -
المخاصم مستشارا بمحكمة الاستئناف (1) 0
وأما إذا كان القاضى المخاصم مستشارا بمحكمة النقض فإن دعوى المخاصمة ترفع أيضا بموجب تقرير فــى قلــم كتــاب محكمة النقض بالقياس رغم أن المشرع لم ينص على ذلك صراحــة (2) 0
وضمانا لجدية دعوى المخاصمة أوجب المشرع أن يشتمل تقرير المخاصمة على أوجه المخاصمة وأدلتها ، وأن يودع مع التقرير الأوراق المؤيدة بها ، وأن يودع المخاصم عند التقرير مبلغ خمسمائة جنيه على سبيل الكفالة (3) 0
ب - ميعاد رفع دعوى المخاصمـة :
لم يحدد المشرع ميعادا محددا يجب أن ترفع فيه دعوى المخاصمة وبالتالى تطبق عليها القواعد الخاصة بتقادم دعاوى المسئولية المدنية ، فتتقادم بمضى ثلاث سنوات من اليوم الذى يعلم فيه المضرور بحدوث الضرر ، وبالشخص المسئول عنه ، وتسقط دعوى المخاصمة فى كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع ، فإذا كانت ناشئة عن جريمة وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة ، فإنها لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية (4) 0
____________
(1) انظر المادة (495/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 1999 والتى تنص على أنه ( ترفع دعوى المخاصمة بتقرير فى قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها القاضى أو عضو النيابة يوقعه الطالب أو من يوكله فى ذلك توكيلا خاصا ، وعلى الطالب أن يودع خمسمائة جنيه على سبيل الكفالة " 0
(2) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 50 ص 59 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 290 0
(3) انظر المادة (495/1) مرافعات والمعدل بالقانون رقم 18 لسنة 99 سالفة الذكر 0
(4) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 63 ص 112 ، وانظر نص المادة (172) مدنى والتى نص على أنه :
1- تسقط بالتقادم دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذى علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه ، وتسقط هذه الدعوى فى كل حال بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع 0
2- على أنه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة ، وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء المواعيد المذكورة فى الفقرة السابقة ، فإن دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية ) 0
- 193 -
على أنه يلاحظ أن مدة التقادم لا تبدأ فى حالة المخاصمة بسبب إنكار العدالة إلا بعد مضى ثمانية أيام على آخر إعذار (1) 0
(جـ) المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمـة :
يتوقف تحديد المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمة على ما إذا كان القاضى المخاصم من مستشارى محكمة النقض أم من غير مستشاريها ، فإذا كان المخاصم من غير مستشارى محكمة النقض ، فإن المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمة هى محكمة الاستئناف التابع لها القاضى المخاصم أو عضو النيابة (2) 0
أما إذا كان القاضى المخاصم من مستشارى محكمة النقض فإن المحكمة المختصة بنظر دعوى المخاصمة هى إحدى دوائر محكمة النقض فى غرفة المشورة (3) 0
وإذا كان القاضى المخاصم بمجلس الدولة فترفع الدعوى أمام محكمة القضاء الإدارى ، إذا كان عضوا بالمحاكم الإدارية أو التأديبية أو محكمة القضاء الإدارى ، أما إذا كان مستشارا بالمحكمة الإدارية العليا ، فيقدم التقرير إلى المحكمة الإدارية العليا ، وبالنسبة لأعضاء المحكمة الدستورية العليا ، فإن التقرير بالمخاصمة يقدم إلى المحكمة الدستورية العليا ذاتها (4) 0
( د ) المراحل التى تمر بها دعوى المخاصمة :
تمر دعوى المخاصمة بمرحلتين على التفصيل الآتى :
___________
(1) الوسيط د / فتحى والى بند 111 ص 209 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 63 ص 112 0
(2) انظر المادة (495/1) مرافعات والمعدلــة بالقانون رقم 18 لسنة 99م والتى ثم ذكرها ص 192من نفس البحث 0
(3) انظر المادة (496/1) مرافعات والتى تنص على أنه : ( 1- ....................
2- وإذا كان القاضى المخاصم مستشارا بمحكمة النقض تولت الفصل فى جواز قبول المخاصمة إحدى دوائر هذه المحكمة فى غرفة المشورة " 0
(4) المسئولية عن أعمال السلطة القضائية د/ رمزى الشاعر ص 231 ، والمسئولية المدنية للقضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 68 ص 85 ، ويراجع المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 والتى تنص على أنه ( تسرى فى شأن عدم صلاحية عضو المحكمة وتنحيته ورده ومخاصمته . الأحكام المقرره بالنسبة لمستشارى محكمة النقض ..... ] 0
- 194 -
1- المرحلة الأولى : مرحلة قبول الدعوى :
تقتصر سلطة المحكمة فى هذه المرحلة على بحث مدى صحة الإجراءات المطلوبة وتوافر شروط قبول دعوى المخاصمة ، وذلك بالتحقق من مراعاة الأوضاع الشكلية التى استلزمها القانون لرفع دعوى المخاصمة ، واتصال أوجه المخاصمة بالدعوى ، وذلك بالكشف من ظاهر الأوراق عن مدى قيام إحدى حالات المخاصمة المنصوصة عليها قانونا (1) 0
وينعقد الاختصاص فى هذه المرحلة لإحدى دوائر محكمة الاستئناف التابع لها القاضى المخاصم أو عضو النيابة يعينها رئيس محكمة الاستئناف بعد تبليغ صورة تقرير المخاصمة إلى القاضى أو عضو النيابة وللنيابة العامة (2) . لأن دعاوى المخاصمة من الدعاوى التى يجوز للنيابة العامة أن تتدخل فيها (3) 0
وإذا انتهت المحكمة إلى عدم جواز قبول دعوى المخاصمة ، فإنه يجب الحكم على المدعى فيها بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد عن ألفى جنيه ومصادرة الكفالة مع التعويضات إن كان لها وجـه (4) 0
وإذا قضت المحكمة بقبول المخاصمة ، فإن القاضى المخاصم يعتبر غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ هذا الحكم ، ويبطل كل إجراء يتخذه القاضى فى الدعوى من هذا الوقت ، ويحدد الحكم الصادر بقبول دعوى المخاصمة جلسة لنظر موضوع المخاصمـة (5) وبالتالى لا يترتب على مجرد
_____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد العظيم جبره ص 100 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 141 0
(2) المادة (495 / 1 ) مرافعات والمعدله بالقانون رقم 18 لسنة 99 والتى سبق ذكرها ص 192 من هذا البحــث 0
(3) انظر المادة (89) مرافعات والتى نصت على أنه ( فيما عدا الدعاوى المستعجلة يجوز للنيابة العامة أن تتدخل فى الحالات الآتية : ......................
4- دعاوى رد القضاه وأعضاء النيابة ومخاصمتهم ) 0
(4) انظر المادة (499/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 99 والتى تنص على أنه ( إذا قضت المحكمة بعدم جواز المخاصمة أو برفضها حكمت على الطالب بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه وبمصادرة الكفالة مع التعويضات إن كان لها وجـه ... ) 0
(5) انظر المادة (498) مرافعات والتى تنص على أنه ( يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ الحكم بجواز قبول المخاصمة ) 0
- 195 -
رفع هذه الدعوى ، أى أثر على صلاحية القاضى المخاصم لنظر الدعوى المخاصم من أجلها ، ويعتبر القاضى غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ الحكم بقبول دعوى المخاصمة (1) 0
2- المرحلة الثانية : مرحلة الفصل فى موضوع المخاصمة فى هذه المرحلة يزيد المشرع من ضمانات القاضى فى مواجهة الخصوم ، ولذلك عقد الاختصاص بنظر موضوع دعوى المخاصمة إلى هيئات تختلف باختلاف درجة القاضى المخاصم ، فإذا كان المخاصم أحد قضاة المحكمة الابتدائية أو أحد أعضاء النيابة لديها،فإن الاختصاص بنظر موضوع المخاصمة ينعقد إلى دائرة أخرى من دوائر محكمة الاستئناف التابع لها القاضــى غــير الدائرة التى فصلت فىقبول المخاصمة (2) وذلك تحقيقــا للحيــدة ، وتفاديا من تأثر الدائرة باتجاه سابق فى موضوع المخاصمة (3) 0
أما إذا كان المخاصم مستشارا فــى إحــدى محاكم الاستئناف أو النائب العام ، أو المحامى العام ، ينعقد الاختصاص بنظر موضوع المخاصمة إلى دائرة خاصة لمحكمة الاستئناف مؤلفه من سبعة مستشارين بحسب ترتيب أقدميتهم (4) 0 وذلك حتى لا يكون هناك اتجاه خاص فى اختيارهم ، أو لدفع مثل هذا الوهم إن حل فى أذهان الخصوم (5) 0
وإذا كان القاضىالمخاصم مستشار بمحكمة النقض،انعقد الاختصاص بنظر موضوع المخاصمة
_______________
(1) قانون المرافعات د/ نبيل عمر بند 36 ص 50 0
(2) انظر المادة (497/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( إذا حكم بجواز قبول المخاصمة وكان المخاصم أحد قضاة المحكمة الابتدائية أو أحد أعضاء النيابة لديها ، حدد الحكم جلسة لنظر موضوع المخاصمة جلسة علنية أمام دائرة أخرى من دوائر محكمة الاستئناف .... " 0
(3) قواعد المرافعات فى التشريع المصرى د/ محمد العشماوى، د/ عبد الوهاب العشماوى طبعة سنة 1957 ، 1958 المطبعة النموذجية جـ 1 بند 135 ص 181 0
(4) المادة (497/2) مرافعات والتى تنص على أنه ( وإذا كان المخاصم مستشارا فى إحدى محاكم الاستئناف أو النائب العام أو المحامى العام فتكون الإحالة على دائرة خاصة مؤلفه من سبعة مستشارين بحسب ترتيب أقدميتهم ) 0
(5) قواعد المرافعات د/ محمد وعبد الوهاب العشماوى جـ 1 بند 135 ص 181 0
- 196 -
إلى دوائر محكمة النقض مجتمعة (1) 0
أما إذا كان القاضى المتخاصم مستشارا بمحكمة النقض تولت الفصل فى جواز قبول المخاصمة إحدى دوائر هذه المحكمة (2) وفى كلتا الحالتين يكون نظر دعوى المخاصمة فى غرفة المشورة فى أول جلسة تعقد بعد ثمانية أيام التالية لتبليغ صورة التقرير إلى القاضى المخاصم ، ويقوم قلم الكبتاب بإخطار المدعى بالجلسـة (3) 0
وفى الجلسة المحدده ، تحكم المحكمة فى جواز قبول المخاصمة بعد أن تئمع المدعى أو وكيله والقاضى ، وأقوال النيابة العامة ، إن تدخلت فى الدعوى كطرف منضم (4) 0
وإذا كانت المحكمة فى هذه المرحلة ولايتها قاصرة على الفصل فى تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى ، وجواز قبولها ، فإن ذلك لا يحجبها عن تمحيص الأوجه والأدلة التى ساقها الخصوم ، لنتبين منها مدى جديتها وارتباطها بأسباب المخاصمة ، وما إذا كانت منتجة فى طلب المخاصمة أم لم ترق إلى هذا الحد ، حتى يتاح لها الحكم بجواز قبولها أو عدمه دون التصدى لموضوعها الذى أوجب المشرع تركه لهيئة أخرى (5) 0
وإذا وجهت دعوى المخاصمة إلى دائرة بأكملها من دوائر محكمة النقض ، فإن دعوى المخاصمة ، تحال إلى دائرة أخرى من دوائر محكمة النقض للنظر فى جواز قبولها ، وإذا حكمت بجواز قبولها ، تحال الدعوى للفصل فيها إلى جميع دوائر محكمة النقض مجتمعة على ألا يكون من بينها الدائرة الموجه إليها المخاصمة (6) 0
_____________
(1) انظر المادة (497/3) مرافعات والتى تنص على أنه ( .... أما إذا المخاصم مستشارا بمحكمة النقض فتكون الإحالة إلى دوائر المحكمة مجتمعة " 0
(2) المادة (496/2) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 193 من هذا البحث 0
(3) انظر المادة (495/3) مرافعات والتى تنص على أنه ( ..... وتعرض الدعوى على إحدى دوائر محكمة الاستئناف بأمر من رئيسها بعد تبليغ صورة التقرير إلى القاضى أو عضو النيابة وتنظر فى غرفة المشورة فى أول جلسة تعقد بعد ثمانية الأيام التالية للتبليغ ، ويقوم قلم الكتاب بإخطار الطالب بالجلسة ) 0
(4) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 290 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص241 0
(5) الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 64 ص 113 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 178 0
- 197 -
هـ – الحكم فى دعوى المخاصمة وأثاره :
يترتب على الحكم بعدم جواز المخاصمة فى المرحلة الأولى أو برفضها فى المرحلة الثانية وجوب الحكم على المدعى فيها بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد عن ألفى جنيه ، ومصادرة الكفالة وجواز الحكم عليه بالتعويضات اللازمة إن كان لها وجه (1) . ويترتب على الحكم بجواز مخاصمة القاضى فى المرحلة الأولى عدم صلاحية القاضى المخاصم بنظر الدعـــوى المخاصم بشأنها ، ويبطل كل إجراء يتخذه القاضى فى الدعوى يعد الحكم بجواز مخاصمن (2) كما يترتب على الحكم بصحة المخاصمة فى المرحلة الثانية الحكم على القاضى المخاصم بمصروفات الدعوى والتعويض اللازم لجبر الضرر الذى أصاب المدعى فى دعوى المخاصمة (3) . على أنه يلاحظ أن الحكم الصادر فى دعوى المخاصمة سواء فى المرحلة الأولى أو الثانية يعتبر حكما نهائيا ، لا يجوز الطعن فيه إلا بطريق النقض ، أما الحكم الصادر من محكمة النقض فى دعوى المخاصمة لا يجوز الطعن فيه بأى طريق (4)
(1) انظر المادة (499/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 18 لسنة 99 سبق ذكرها ص 194 0
(2) انظر المادة (498) مرافعات سبق ذكرها ص 194 من نفس البحث 0
(3) المادة (499/2) مرافعات 0
(4) المادة (500) مرافعات والتى تنص على أنه ( لا يجوز الطعن فى الحكم الصادر فى دعوى المخاصمة إلا بطريق النقض ) ويراجع أيضا الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 143 0
- 198 -
المبحث الثالث
الموازنة بيــن الشريعة والقانون
من خلال العرض السابق يتضح لنا أن :
1- الأصل فى الفقه الإسلامى عدم جواز مخاصمة القاضى ، حماية للقاضى ، وحماية للمصلحة العامة ، وحتى لا يتهيب القاضى القيام بأعماله ، طالما كان هذا القاضى مأمونا فى أحكامه ، عدلا فى أحواله ، بصيرا بقضائه ، إلا إذا كان القاضى متهما فى أحكامه ، أو غير عدل ، أو جاهلا بقضائه ، فتجوز مخاصمته 0
كذلك فى القانون الوضعى الأصل عدم جواز مخاصمة القاضى إلا فى حالات معينة نص عليها المشرع وذلك حماية للقاضى من عبث الخصوم ، كما أنه رسم طريقا معينا لمخاصمة القاضى وتطبق بشأنها قواعد خاصة تختلف عــن القواعــد العامة التى تطبق على دعاوى المسئولية ، ينبغى على المدعى إتباعها عند مخاصمة القاضى وإلا كانت دعوى المخاصمة غير مقبولة ، وبذلك يتفق القانون الوضعى مع الشريعة الإسلامية فى عدم جواز مخاصمة القاضى إلا( زائده) فى حالات وردت على سبيل الحصر ، لا يجوز القياس أو التوسع فيها ، وتكون الشريعة الإسلامية لها فضل السبق ، حيث إنها شريعة صالحة لكل زمان ومكان
2- أن القاضى فى الفقه الإسلامى ، لا يسأل عن تعويض الضرر الذى لحق أحد الخصوم ، إلا إذا تعمد الجور فى أحكامه ، ويكون الضمان من ماله الخاص ، أما فى حالة الخطأ غير العمدى فهو لا يسأل عن تعويض الضرر ، ويكون الضمان من بيت مال المسلمين ، أما فى القانون الوضعى يسأل القاضى مدنيا عن تعويض الضرر المترتب عن خطئه فى عمله ، مسئولية شخصية ، تقع على كاهل القاضى فى مواجهة الخصوم ، ويمكن الرجوع على الدولة بالتعويض ، ويكون للدولة الحق فى الرجوع على القاضى لاقتضاء ما أوفت به نيابة عنه 0
- 199 -
الفصل الثالث
حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى
والقانون الوضعى
من المسلم به أنه لا يكفى حتى يتحقق للقاضى استقلاله وحيدته ، حمايته من الحكومة ومن الخصوم أنفسهم ، وإنما يتعــين أيضــا حمايته مــن نفسه لأن القاضى بشر يوجد فيه جانب الخير والشر ، وقد يطغى جانب الشر علــى جانب الخير ، ويسعى إلى تحقيق مصالح شخصية لنفسه أو لأقاربه مستغلا فى ذلك سلطة القضاء ، ولذلك حماية للقاضى من نوازع الشرفيه كإنسان ، ومحافظة عليه حتى يكون فى المكان اللائق به ، سنتحدث بمشيئة والله وتوفيقه فى هذا الفصل عن الضمانات المقررة فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى لحماية القاضى من نفسه وفيه مبحثـان :
• المبحث الأول : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى 0
• المبحث الثانى : ضمانات حماية القاضى من نفسه فى القانون الوضعى 0
• المبحث الثالث : الموازنة بين الفقه الإسلامى والقانون الوضعى 0
- 200 -
المبحث الأول
ضمانات حماية القاضى من نفسه فى الفقه الإسلامى
اهتم الفقه الإسلامى فى وضع ضمانات لحماية القاضى من نفسه ، لأن النفس إمارة بالسوء ، سواء كانت فى حالة هدوئها أو فى حالة ثورانها ، وتعكر صفوها ، وذلك تنزيها للقاضى وخوفا على سمعته من الريب والشك والتهم ، وسنتناول تلك الضمانات فى مطلبين هما :
• المطلب الأول : عدم صلاحية القاضى لنظر بعض القضايا 0
• المطلب الثانى : وجـوب اعتدال حالة القاضــى النفسيــة والظروف المحيطة به أثناء
نظر الدعــوى 0
المطلب الأول
عدم صلاحية القاضى لنظر بعض القضايا
لمـا كان القاضى قد يتأثر بمصالحه الشخصية وعواطفه تجاه أقربائه وعائلته ، وقد يميل لأحد أطـراف الخصومة ممن ترتبط به معه مصالح مهما حاول التحلى بالنزاهة والحيدة ، وهذا أمر فطرى يخضع ويستكين له عادة معظم الناس ، ولهذا أراد المشرع أن يصون القاضى ويحميه من هذا التأثر ، فوضع له حدودا وضوابط ومنعه من تعديها أو مسها ، لإبعاده عن مظنة التأثر والميول والتهم ، وهذه الحدود والضوابط كلها تدور حــول منع القاضى من النظر والفصل فى أية قضية يتضح من ظروفها أن القاضى لن يكون فيها محايدا (1) . لأن الفقه الإسلامى اهتم بصلاحيــة القاضــى ونزاهته وحيدته ، وذلك بإبعاده عــن كل مايؤدى إلى شبهة الاتهام أو الحــيز (2) 0
ولذلك حدد الفقه الإسلامى حالات معينة يكون القاضى فيها غير صالح لنظر الدعوى وسنوضح هذه الحالات على النحو الآتـى :
_____________
(1) السلطة القضائية وشخصية القاضى د/ محمد عبد الرحمن البكر - الطبعة الأولى سنة 1408 هـ سننة 1988م - الزهراء للإعلام العربى ص 237 0
(2) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 264 0
- 201 -
الحالة الأولى : عدم جواز قضاء القاضى لنفسـه :
أجمع الفقه الإسلامى على عدم جواز قضاء القاضى لنفسه (1) لأنه متهم فى ذلك (2) وقد استثنى الفقهاء من عدم جواز قضاء القاضى لنفسه حالات نوضحها فيما يلى :
1- تأديب القاضى للخصوم ، فلا يعتبر حكما لنفسه فى هذه الحالة ، لأن له الحق فى تأديب الخصوم إذا أساءوا الأدب عليه فى حكمه ، لئلا يستخف به ويستهان فلا يسمع حكمه ، لأن الجرأة على القاضى فيها تهوين لأمره ، وداعية إلى الضعف من استبقاء الحقائق فى الأحكام فالمعاقبة فى مثل هذا أولى من التجاوز والعفو 0
2- الحكم للمحجور عليه بالوصية ، وإن تضمن حكمــه استيلائه على المال المحكوم به وتصرفه فيه
3- الأوقاف التى شرط النظر فيها للحاكم ، أو صار فيها النظر إليه بطريق العموم ، لانقراض ناظرها الخاص ، له الحكم بصحتها وإن تضمن استيلاؤه عليه وتصرفه فيه 0
4- الحكم بانتقال ملك ما إلى بيت المال ، وإن كان يصرف عليه رزقه منه (3) 0
الحالة الثانية : عدم جواز قضاء القاضى لأصوله أو لفروعـه 0
اختلف الفقه الإسلامى فى حكم نظر القاضى فى القضايا التى يكون أحد أطرافها من أصوله أو فروعه إلى رأيين همـا :
الـرأى الأول :
ذهــب جمهــور الفقهــاء الحنفيــة (4) والمالكيــة فى المشهــور عندهــم (5) والشافعيـــة فـــــــى
____________
(1) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 12 ، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين جـ 4 ص 357 ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 ص 82 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 483 0
(2) نهاية المحتاج جـ 8 ص 259 0
(3) نهاية المحتاج جـ 8 ص 259 ، إعانة الطالبين فى حل ألفاظ فتح المعين تأليف السيد البكرى بن السيد محمد الدمياطى ، طبعة مصطفى الحلبى سنة 1356 ، سنة 1938 جـ 4 ص 235 0
(4) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 12 ، تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندى - دار الكتب العلمية بيروت ، جـ 3 ص 371 ، رد المحتار على الدر المختار جـ 4 ص 356 0
(5) تبصرة الحكام . لابن فرحون جـ 1 ص 81 ، حاشية الدسوقى لمحمد بن عرفه الدسوقى على الشرح الكبير للدردير - طبعة دار إحياء الكتب العربية - عيسى الحلبى جـ 4 ص 152 0
- 202 -
الصحيــح (1) والحنابلة (2) إلى عدم جواز قضاء القاضى لأصوله وإن علوا أو لفروعه وإن سفلــوا 0
الرأى الثانى :
ذهب بعض المالكية (3) وبعض الشافعية (4) إلى جواز أن يقضى القاضى لأصوله أو فروعه ويكون قضاؤه لهم بالبينه 0
أدلة الرأى الأول :
أولا : بالقياس على الشهادة ، وبيان ذلك :
أنه لا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن سفلوا ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا لأن كلآ منهم متهم بهذه الشهادة ، لوجود الميل الطبيعى بينهما ، فكذلك لا يصح للقاضى أن يحكم لأحد أصوله أو فروعه ، كسائر من لا تقبل شهادته لهم لأنهم أبعاضه ، فيشبه قضاؤه لهم قضاءه لنفسه وهو ممنوع من ذلك (5) 0
ثانيـا : من المعقول : وبيان ذلك :
أن قرابة الأصول والفروع يغلب على الظن فيها أنها ربما تحمل القاضى على الميل والهوى والمحاباة إذا ماتخاصموا إليه ، فربما طغى الجانب العاطفى فيخرج القاضى عن حياده ، أو ربما تطرقت إليه الشبهات من الخصم الآخر واتهمه بالمحاباة ، فمنع من القضاء لأصوله أو فروعه لوجود التهمة (6) 0
___________
(1) مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 257 0
(2) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 383 0
(3) تبصرة الحكام جـ 1 ص 81 ، حاشية الدسوقى جـ 4 ص 152 0
(4) مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 257 0
(5) مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 257 0
(6) رد المحتار على الدر المختار جـ 4 ص 357 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 76 ، الحصانة القضائية فى الفقه الإسلامى د/ على محمد منصور عليوه - الطبعة الأولى سنة 1416 هـ سنة 1996م ص 64 0
- 203 -
أدلة الرأى الثانى :
استدل أصحاب الرأى الثانى القائل بجواز قضاء القاضى لأصوله أو فروعه لعدم وجود التهمة وبيان ذلك أن القاضى يحكم للخليفة وهو أقوى تهمة من تهمة من يشهد له لتوليته إياه (1) 0
الرأى الراجح :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء فى الفقه الإسلامى فى حكم قضاء القاضى لأصوله أو فروعه ، فإنى أرى ترجيح الرأى الأول - رأى الجمهور - القائل بعدم جواز قضاء القاضى لأصوله أو فروعه - كآبائه وأجداده وأبنائه وأحفاده - حماية للقاضى من نفسه وبعدا به عن الشبهات ، لقوة أدلة هذا الرأى ، فضلا عن أن القضاء أقوى من الشهادة ، والقاضى ممنوع من الشهادة لهم فمن باب أولى يمنع من القضاء لهم (2) ، أما التهمة القوية التى يستند إليها أصحاب الرأى الثانى عند القضاء للخليفة ، فهذه التهمة غير موجودة لأنه سبق وأن ذكرنا أن الخليفة لا يملك عزل القاضى الذى ولاه بدون مصلحة تبرر عزلــه حسب الرأى الراجح فى الفقه ، فلا تهمة إذن 0
الحالة الثالثة : وجود صلة مودة بين القاضى وأحد الخصوم 0
اعتبر الفقه الإسلامى أنه فــى حالة وجود صلة مودة بين القاضى وأحد الخصوم فيكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ويجوز للخصم الآخـر أن يرده عــن نظر الدعــوى (3) ويتحقـق
___________
(1) تبصرة الحكام جـ1 ص 81 ، حاشية الدسوقى جـ 4 ص 152 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 0
(2) أدب القاضى للماوردى جـ 2 ص 414 0
(3) 1- أ - يقصد بالرد لغــة :
يأتى الرد فى اللغة بمعنى الدفع أو المنع ، كما فى لقوله تعالى ( بل تأتيهم بغته فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ولاهم ينظرون ) أية رقم (40) سورة الأنبياء ، وقد يأتى بمعنى الوضع كما فى قوله تعالى ( جاءتهم رسلهم بالبيانات ، فردوا أيديهم فى أفواههم " الآية رقم (9) من سورة إبراهيم ، وقد يأتى بمعنى الرجوع كما فى قولــه تعالى - ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ) - الآية رقم (59) من سورة النساء ، وقد يأتى بمعــنى الإرتداد أو النكوص ، كمــا فــى قوله تعالى - ( قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ) الآية رقم (71) من سورة الأنعام 0
وعلى ذلك ، فالرد فى اللغة يستعمل فى عدة معان ، منها الدفع والمنع ، أو الوضع أو الرجوع أو الارتداد والنكوص ، يراجع فى ذلك مختار الصحاح للرازى ص 140 ، القاموس المحيط للفيروز أبادى جـ 1 ص 294 0 =
- 204 -
ذلك فى : حالتــين همــا :
1- ضيافة أحد الخصوم للقاضى سواء أكانت الضيافة عامة أم خاصة (1) لأنه يؤدى ذلك إلى الارتباب فى القاضى ، وقد نصت على ذلك " المادة (1797) من مجلة الأحكام العدلية بقولها ( لا يذهب القاضى إلى ضيافة أحد الخصمين ) 0
2- إهداء أحد الخصوم للقاضى ، لأن الهدية دليل المودة ، وبالتالى لا يحكم القاضى لمن تلقى منه هدية ، أيا كانت قيمتها ، وسواء أخذها القاضى أم أعطيت لولده (2) 0
الحالة الرابعة : وجود عداوة بين القاضى وأحد الخصوم :
اتفق الفقه الإسلامى ، على أنه لا يجوز للقاضى أن يحكم على من لا تقبل شهادته عليه ، أى على من تكون بينه وبين القاضى عداوة بشرط أن تقوم البينة على هذه العداوة (3) 0
______________
= ب - تعريف الرد فى الاصطلاح الشرعى :
لم يعرف فقهاء الإسلام الرد ، بالرغم من ذكرهم لحالاته ومعرفتهم لنظامه ، حيث كان يختص بالنظر فى دعاوى الرد ، قاض يطلق عليه ، صاحب الرد : وظيفته النظر فيما استرا به القضاه وردوه عن أنفسهم ، ويؤيد ذلك ما ورد فى كتاب تاريخ قصاة الأندلس " وللحكام الذين تجرى على أيديهم الأحكام ست خطط ، أولها القضاء ... وصاحب رد ، ويسمى صاحب رد ، بما رد عليه من الأحكام ... وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرا به الحكام ، وردوه عن أنفسهم ، يراجع فى ذلك تاريخ قضاة الأندلس - تأليف - أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن - النياهى المالقى الأندلسى ، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الخامسة سنة 1403 هـ سنة 1983 ص 5 0
(1) تبصرة الحكام جـ 1 ص 31 ، وسنتحدث عن الحكم حضور القاضى للولائم وقبوله للدعوات الخاصة والعامة تفصيلا وبيان موقف الفقه الإسلام منها فى الباب الثانى ضمن ضمانات نزاهة القاضى من هذا البحث 0
(2) المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 82 ، معين الحكام للطرابلسى ص 15 ، 16 ،آدب القضاء لابن ابى الدم ص 114 وستحدث عن موقف الفقه الإسلامى من أخذ القاضى للهدية فى الباب الثانى ضمن ضمانات نزاهة القاضى 0
(3) رد المحتار على الدر المختار جـ 5 ص 357 ، تبصرة الحكام جـ 1 ص 85 0
- 205 -
الحالة الخامسة : وجود صلة خاصة للقاضى مع أحد الخصوم :
كذلك من حالات عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى حالة وجود صلة خاصة بين القاضى وأحد الخصوم كما لو كان القاضى وكيلا لأحد الخصوم أو وصيا عليه أو قيميا عليه أو زوجا له أو شريكه فى المال الذى سيحكم به ، فلا يجوز للقاضى الجلوس للفصل فى الدعوى التى تربطه بأحد الخصوم صلة خاصة لأن القضاء لهؤلاء قضاء ، لنفسه (1) ولذلك نصت المادة (1808) من مجلة الأحكام العدلية على أنه ( يشترط أن لا يكون المحكوم له أحدا من أصول القاضى وفروعه ، وأن لا يكون زوجته وشريكه فى المال الذى سيحكم به وأجيره الخاص ومن يتعيش بنفقته بناء عليه ليس للقاضى أن يسمع دعوى أحد من هؤلاء ويحكم له ) (2) 0
الحالة السادسة : سبق إبداء القاضى لرأى فى الدعوى :
إذا كان القاضى قد أفتى فى القضية المطروحة عليه ، فإنها تكون سببا فى عدم صلاحية القاضى لنظر هذه القضية ، فليس للقاضى أن يفتى أحد الخصوم ، أو أن يبدى رأيه فى مسألة مرفوعه ، فإن أبدى رأيه فليس له أن يحكم فيها ، ولذلك عندما سئل شريح القاضى عن مسألة الحبس قال ( إنما أقضى ولست أفتى ) (3) 0
الأثر المترتب على توافر حالة من الحالات السابقة :
إذا توافرت حالة من الحالات السابقة أصبح القاضى غير صالح لنظر الدعوى وممنوعا من سماعها ، وإذا استمر القاضى رغم ذلك فى مباشرة الدعوى وأصدر حكما فيها كان حكمه باطـــلا (4) 0
___________
= وذهب بعض الفقه إلى جــواز قضاء القاضى لعدوه وعليه ، على خلاف الشهادة ، لأن أسباب الحكم ظاهره ، وأسباب الشهادة خافية ، فانتفت التهمة عنه فى الحكم ، وتوجهت إليه فى الشهادة . يراجع الأحكام السلطانية للماوردى ص 76 0
(1) رد المحتار عل الدر المختار جـ 4 ص 357 ، تبصرة الحكام جـ 8 ص 82 ، معين الحكام للطرابلسى ص 35 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 393 ، الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص 73 0
(2) يراجع مجلة الأحكام العدلية - الطبعة الأولى سنة 1999 - الناشر مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع - ص 226 0
(3) المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 85 0
(4) حاشية ابن عابديــن جـ 4 ص 357 ، السلطــة القضائية وشخصية القاضى د/ محمد عبد الرحمن البكر ص 238 0
- 206 -
وفضلا عن ذلك يجوز للخصوم طلب رد القاضى لأن الفقه الإسلامى لم يميز بين عدم الصلاحية والرد ، ورتب على مخالفة ذلك عدم نفاذ الحكم وبطلانه ، وذلك حرصا على مبدأ حياد القاضى وإبعادا له عن مجرد الشبهات (1) 0
المطلب الثانى
وجوب اعتدال حالة القاضى النفسية والظروف
المحيطة به أثناء نظر الدعوى
اهتم الفقه الإسلامى فى وضع ضمانات لحماية القاضى من نفسه ، ومن التأثيرات النفسية ، لأن الإنسان بفطرته وطبيعته تتأثر نفسه بالظروف المحيطة بها ، وبما يحزنها ويزعجها ، ويترتب على ذلك أن القاضى يقلق ويضجر ، فيغضب ، وثور فيختل فهمه وإداركه ، مما يترتب عليها انشغال قلب القاضى بهذه الظروف ، ويكون ذهنه غير خال لإقامة العدل بين الناس ، ولذلك اشترط الفقهاء فــى الفقه الإسلامى على القاضى أن يتجنب القضاء فى الظروف التى تعكر صفوه ، وتخل بسلامة إدراكه للقضية المطروحه عليه ولذلك قالوا ينبغى للقاضى إذا أراد الجلوس للقضاء أن يخرج وهو علــى أعدل الأحوال ، لا جائع ، ولا عطشان ، ولا وهو يدافع الأخبثين ، ولا كسلان ، ولا غضبان ، وأن يتجنب القضاء فى كل حال يسوء فيها خلقه (2) 0
وكتب عمر بــن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى (3) - رضى الله عنهما - فى هذا الشأن قوله
____________
(1) القضاء ونظام الإثبات فى القه الإسلامى والأنظمة الوضعية د/ محمود محمد هاشم طبعة سنة 1988 ص 303 ، يراجع أيضا بحث نظام رد القضاة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى - أستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى - منشور فى المجلة العلمية بكلية الشريعة والقانون بطنطا - العدد الرابع عشر سنة 1422 هـ سنة 2001م بند 9 ص 322 0
(2) بدائع الصنائع للكاسانى جـ 7 ص 13 ، تحفة الفقهاء للسمرقندى جـ 3 ص 372 ، المبسوط للسرخسيى جـ 16 ص 64 ، 78 ، تبصرة الحكام لابن فرحون جـ1 ص 35 ، منهاج الطالبين وعمدة المفيتين لأبى زكريا النووى - الطبعة الأولى سنة 1329 هـ مطبعة الجمالية حـ 1 ص 134 ، المحلى لابن حزم جـ 10 ص 241 ، المختصر النافع فــى فقه الإمامية تأليف الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلبى ص 280 0
(3) هو عبد الله بن قيس بن سليمان الأشعرى أبو موسى ، هاجر إلى الحبشة ، ولى الكوفة فى عهد عمر ، توفى سنة 42 هـ يراجع خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 178 0
- 207 -
( .............. وإياك والغضب والقلق والضجر ، والتأذى بالناس عند الخصومة والتنكر عند الخصومات .... ] وقال الشيخ أبو إسحاق فى فضل هذا الكتاب : هو أجل كتاب فإنه بين آداب القضاه وصفة الحكم ، وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس (1) 0
والأصل فى نهى الفقهاء القاضى عن القضاء فى حالة الغضب ما روى أن أبا بكره (2) كتب إلى ابنه - وكان بسجستان - بأن لا تقض بين اثنين وأنت غضبان ، فإنى سمعت رسول الله - r - يقول ( لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) (3) 0
ومع أن هذا النص وارد فى النهى عن القضاء فى حالة الغضب ، إلا أن الفقهاء ألحقوا به كل ما يشغل النفس من الهم والحزن ، والنعاس ، والعطش ، والجوع والشبع ، والمرض ، ومدافعة الأخبثين ، وقالوا أيضا لا ينبغى للقاضى أن يقضى وهو يمشى أو وهو راكب على الدابة ، لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال ، إذ يكون قلبه مشغولا بما هو فى المشى والسير ، فلا يتفرغ إلى النظر فى الأدلة ، ولأنه من الاستخفاف بالقضاء فلا يصح ، ولكنهم قالوا لا بأس أن يقضى وهو متكىء لأن التكاءه نوع من الجلسة ، وطباع الناس تختلف فى ذلك ، ومن الناس من يعتدل حالة بذلك ، فلا بأس لأن الرسول- r - كان ينظر فى الخصومة أحيانا وهو متكىء (4) 0
وقال ابن دقيق العبـد (5) ، فــى ذلك أن النص وارد فــى المنع مــن القضاء حالـة الغضب ،
______________
(2) سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 19 0
(2) هو نفيع بن الحارث بن كلده الثقفى ، وأبو بكرة كناه بها الرسول - r -، وروى عنه كثير من الأحاديث بعضها فى الصحيحين ، ومن روى عنه أولاده عبد الرحمن ، وعبد الله ومسلم وعبد العزيز ، ومات سنة 51 هـ ، يراجع خلاصة التهذيب ص 346 0
(3) انظر صحيح البخارى بفتح البارى – لابن حجر – جـ 13 حديث رقم 7158 ، 13 - باب هل يقضى القاضى أو يفتى وهو غضبان ؟ ص 146 0
(4) بدائع الصنائع جـ 7 ص 13 المبسوط للسرخسى جـ 16 ص 119 ، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للعلامة فخر الدين الزيلعى - الطبعة الأولى سنة 1314هـ المطبعة الكبرى الأميرية جـ 4 ص 178 ، مغنى المحتاج جـ 4 ص 391 ، نهاية المحتاج جـ 8 ص 254 0
(5) هو القاضى محمد بن على بن وهب أبو الفتح تقى الدين القشيرى ولد سنة 625هـ ، من أكابر العلماء بالأصول ، مجتهد ، وأصل أبيه من منفلوط ، من تصانيفه أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ، وشرح الأربعين النووية ، يراجع الأعلام - لخير الدين بن محمود بن محمد بن على الزركلى الدمشقى - الطبعة الثامنة سنة 1959م سنة 1378 هـ 0
- 208 -
وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر وعدم استيفاء الحكم على الوجه الصحيح ، وقال أيضا ، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغيير الفكر كالجوع والعطش المفرطين ، وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر ، وهو قياس مظنة على مظنة ، فإن كل واحد من الجوع والعطش مشوشا للفكر ، وكأن الغضب إنما خص لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره (1) 0
وعقب ابن حجر العسقلانى على قول ابن دقيق العبد سالف الذكر فقال ( وقول الشيخ وهو " قياس مظنة على مظنة " صحيح وهو استنباط معنى دل عليه النص ، فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه أن الحكم لا يكون إلا فى حالة استقامة الفكر ، فكانت علة النهى المعنى المشترك وهو تغير الفكر والوصف بالغضب ، يسمى علة ، بمعنى أنه مشتمل عليه ، فالحق به ما فى معناه كالجائع (2) 0
وإذا كان الفقه الإسلامى نهى القاضى عن الحكم فى حالة الغضب وفى كل حال يسوء فيها خلقــه كما سلف البيــان ، لكنهم اختلفــوا إذا قضى القاضى فى حالة الغضب هل ينفذ حكمه أم لا ؟ إلى رأيـن :
الرأى الأول : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القاضى لو حكم فى حالة الغضب صح حكمه وينفذ إن صادف الحق مع الكراهة وذلك لأنهم حملوا النهى فى الحديث على الكراهة لأن النهى ليس لذات الغضب ، وإنما لوصف قد يؤدى إليه وهو تشويش الفكر الذى قد يؤدى إلى الظلم ، فإن صادف الحكم الصواب تبين أن ذلك الوصف لم يتحقق (3) 0
واستدلوا أيضا على صحة القضاء حالة الغضب بمـــا روى أن رجــلا من الأنصار خاصم الزبير (4) رضـى الله عنه إلى الرسول- r - فى سقى نخل له ، وكانت أرض الزبير أقــــرب إلى الماء
_____________
(1) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 311 0
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر جـ 13 ص 147 0
(3) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 311 ، فتح البارى بشرح صحيح البخاري جـ 13 ص 146 0
(4) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدى ، حوارى رسول اللهr- - ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة توفــى سنة 36 هـ ، يراجـــع خلاصـــة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال ص 103 0
- 209 -
من أرض خصمه ، فقال رسول الله - r - للزبير ( اسق أرضك ، ثم أرسل الماء إلي جارك ) فقال الرجل : لأجل أنه ابن عمتك ، فتلون وجه الرسول- r - ، وقال للزبير ( اسق ثم إحبس الماء حتى يبلغ الجدر ) (1) 0
ووجه الدلالة من الحديث ظاهــره وهــى أن الرسول- r - قضى وهو غضبان فدل ذلك على الجواز 0
ويمكن أن يرد على ذلك : أن الرسول- r - وإن كان قضى وهو غضبان إلا أن الرسول- r - معصوم من الخطأ ، فعصمته - r - مانعة مــن إخراج الغضــب لـــه عن الحق بخلاف غيره من القضــاه (2) 0
الرأى الثانى : ذهب الصنعانى (3) والشوكانى (4) وبعض الحنابلة (5) إلى عدم نفوذ حكم القاضى فى حالة الغضب 0
لأنه منهى عنه بنص الحديث الصحيح ، ومقتضى النهى فساد المنهى عنه (6) 0
الرأى الراجح :
أرى أن ما ذهب إليه أصحاب الرأى الثانى - بعض الحنابلة ومن معهم - من تحريم الحكم الصادر من القاضى فى حالة الغضب وعدم نفاذه هو الراجح فى نظرى لأن فى ذلك ضمان لعدالة القضاء أكثر مما ذهب إليه الرأى الأول ، ولأن المنهى عند الإطلاق يقتضى التحريم ، ولم يوجد صارف يصرفه إلى الكراهــة ، فضــلا أن ذلك فيــه حمايـــة للقاضى مـن نفسه ومن نوازع الشرفيه فمنع القاضى من القضاء فى حالة الغضب وفى كل حالة يسوء فيها خلقه تعتبر حماية للقاضى حتى لا يشك أحد فى نزاهته 0
___________
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر 42 - كتاب المساقاه رقم الحديث 2359 - 2360 طبعة دار المعرفة بيروت - لبنان جـ 5 ص 34 0
(2) نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 312 0
(3) سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 120 0
(3) نيبل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 312 0
(5) المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 395 0
(6) نيــل الأوطــار للشوكانى جـ 8 ص 312 ، سبل السلام للصنعانى جـ 4 ص 120 ، المغنى لابن قدامة جـ 11 ص 395 0
توقيع : المستشار القانونى/ابراهيم خليل
المبحث الثانى
ضمانات حماية القاضى من نفسه
فى القانون الوضعى
إذا كان المشرع يحمى القاضى من تدخل الحكومة ومن الخصوم أنفسهم ، فإن القاضى فى حاجة أيضا إلى حماية المشرع من نفسه ، لأن القاضى مهما كان متحليا بالنزاهة والحيدة ، قد يتأثر بميوله ومصالحه الشخصية لدوافع يذعن لها عادة أغلب الناس ، لهذا يجب حمايته من التأثر بهذه الميول ، حتى نظمئن إلى أن قضائه بعيد ا عن الشبهات ، وهو ما يشيع الطمأنينة فى نفوس المتقاضين (1) 0
لهذا حرص المشرع على تقرير الضمانات التى تكفل حماية القاضى من نفسه ونزاهة ، وتحول دون تأثر القاضى فى قضائه بمصالحه الشخصية أو بعواطفه الخاصة (2) 0
ويهد نظام عدم الصلاحية ، والرد ، والتنحى ، من أهم الضمانات التى تكفل نزاهة القاضى ، وتبعده عن مجال التأثر بالاعتبارات الخاصة التى قد تنأى به مقتضيات العدالة (3) وسنتحدث فى هذا المبحث عن تلك الضمانات من خلال المطالب الآتية :
• المطلب الأول : حالات عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظـــر الدعــوى 0
• المطلب الثانى : حالات عدم صلاحية القاضى النسبية لنظــــر الدعوى 0
• المطلب الثالث : حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى 0
___________
(1) المرافعات المدنية والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 53 ص 63 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 113 ص 210 0
(3) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 36 0
- 211 -
المطلب الأول
حالات عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظر الدعوى (1)
يتمثل نظام عدم الصلاحية المطلقة فى النص على حالات معينة (2) ، إذا ما تحققت إحداها ، فقد القاضى صلاحيته لنظر الدعــوى ، ووجب عليه أن يتنحى عن نظرها ولو لم يرده أحد الخصوم ، فإذا استمر القاضى رغم ذلك فى نظر الدعوى ، كان حكمه باطلا ، وقابلا للطعن عليه ، حتى ولو كان صادرا من محكمة النقض (3) 0
وليس المقصود بعدم الصلاحية هنا عدم الصلاحية الفنية التى تجعل القاضى غير صالح للاستمرار فى وظيفته وتؤدى إلى عزله بواسطة مجلس تأديب خاص بالقاضى ، وإنما يقصد بها أن القاضى يكون غير صالح لنظر دعوى معينة افترض المشرع فيهـا أنه لن يكون محايدا عند نظرها ،
_____________
(1) انظر فى ذلك المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 299 ، بحث نظام رد القضاه بين الشريعة والقانون - لأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى ص 313 0
(2) انظر المادة (146) مرافعات والتى تنص على أنه ( يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ممنوعا من سماعها ولو لم يرده أحد الخصوم فى الأحوال الآتية :
1- إذا كان قريبا أو صهرا لأحد الخصوم إلى الدرجة الرابعة 0
2- إذا كان له أو لزوجته خصومه قائمة مع أحد الحصوم فى الدعوى أو مع زوجته 0
3- إذا كان وكيلا لأحد الخصوم فى أعماله الخصوصية أو وصيا عيه أو قيميا أو مظنونة وراثته له ، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة يوصى أحد الخصوم أو بالقيم عليه ، أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصة أو بأحد مديريها وكان بهذا العضو أو المدير مصلحة شخصية فى الدعوى 0
4- إذا كان له أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلا عنه أو وصيا أو قيميا عليه مصلحة فى الدعوى القائمة 0
5- إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم فى الدعوى ، أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق ل نظرها قاضيا أو خبيرا أو محكما ، أو كان قد أدى شهادة فيها " 0
(3) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 55 ص 65 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 مكرر ص 212 0
- 212 -
لكنه يكون صالحا لنظر ماعداها من الدعاوى (1) 0
ونظــام عــدم صلاحيـــة القاضـى لنظر الدعوى ، نظام استحدثه المشرع فى قانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 ، فالقوانين السابقــة لــم تكــن تعرف إلا نظام رد القاضى ، وأغلب أسباب عدم صلاحية القاضى فى القانون الملغى ، كانت فى القوانين السابقة عليه أسبابا للـرد ، ثم صدر قانون المرافعات الحالى ، فأخذ بهذا النظام الذى استحدثه القانون الملغــى (2) 0
وحالات عدم الصلاحية المطلقة وردت على سبيل الحصر فى القانون الوضعى ومن ثم لا يجوز التوسع فى تفسيرها ، ولا القياس عليها (3) 0
وهذه الحالات منها ما ورد فى قانون المرافعات ، ومنها ما ورد فى قوانين أخرى ، ونقوم يذكرها على النحو التالى من خلال الفروع التالية :
الفرع الأول
حالات عدم الصلاحية الواردة
فى قانون المرافعات (4)
أولا : حالات عدم الصلاحية المبنية على وجود صلة بين القاضى وأحد الخصــوم 0
الحالة الأولى : وجود قرابة أو مصاهرة إلى الدرجة الرابعة بين القاضى وأحد الخصوم (5) 0
____________
(1) قانون المرافعــات المدنيــة والتجاريــة د / أحمــد خليــل طبعــة 1996 دار الجامعــة الجديـــدة للنشـر ص 48 0
(2) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 53 ص 63 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 49 ص 72 0
(3) الوسيط د / فتحى والى بند 14 ص 212 ، الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 50 ص 99 0
(4) وهذه الحالات نصت عليها المادة (146) مرافعات ، وكذلك المادة (165) مرافعات ، والمادة (498) مرافعــات 0
(5) انظر المادة (146/1) مرافعات والتى سبق ذكرها ص211 من هذا البحث 0
- 213 -
ووجه عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى هذه الحالة ظاهر لأن القرابة أو المصاهرة بين القاضى وأحد الخصوم حتى الدرجة الرابعة يغلب على الظن فيها حمل القاضى إلى الميل الأحد الخصوم ، هذا يخل بما يجب أن يكون عليه القاضى من حيدة ونزاهة (1) 0
وتعتبر المصاهرة كسبب من أسباب عدم الصلاحية قائمة حتى ولو بعد انحلال الزواج الذى نتجت عنه المصاهرة بالطلاق أو الخلع أو بالوفاة (2) وذلك لأن روابط المصاهرة تمتد حتى بعد الوفاة ، ولأن النص الذى قرر المصاهرة جاء عاما ، ولم يخصص بشرط قيام المصاهرة فعلا (3) 0
ويــرى بعض الفقه أن رابطة المصاهرة تنتهى بالوفـاة أو بانحلال عقد الزواج بالطلاق أو بالخلع ، وذلك استنادا إلى حــالات عــدم الصلاحيــة وردت على سبيل الحصر ، والاستثناء لا يجوز التوسع فيه ، ك ما أن المشرع يقصد المصاهرة القائمة لا المنقضية (4) 0
وتنتج هذه الرابطة أثرها حتى ولو كان القاضى قريبا أو صهرا للخصمين معا ، إذ قد تكون علاقته بأحدهما علاقة عطف ومودة ، وبالآخر علاقة بغض وكراهية (5) 0
__________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 146 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد :
أن [ المصاهرة التى تجعل القاضى غير صالح لنظر الدعوى هى التى تكون فى النطاق الذى يتم بالنص إلى الدرجة الرابعة ، وكانت المصاهرة المدعى قيامها بين المطعون عليه ورئيس الدائرة التى أصدرت الحكم المطعون فيه تجوز هذه الدرجة ، فإنه لا يكون ممنوعا من نظرها ، وكان سبب النعى على الحكم المطعون فيه بالبطلان أنه علم بعد صدور الحكم أن رئيس الدائرة التى أصدرته هو أخ لزوجة عم المطعون عليه ) انظر الطعن رقم 90 س 30 ق نقض مدنى جلسة 20/2/1966 0
(2) الوسيط د / فتحى ولى بند 114 مكرر ص 213 ، تقنين المرافعات فى ضوء الفقه والقضاء للأستاذ/ محمد كمال عبد العزيز - الطبعة الثالثة سنة 1995 ص 878 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح ص 98 0
(4) انظر فى عرض هذا الرأى والنقد الموجه إليه . قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 252 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 146 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 69 ص 83 هامش 1 0
(5) الوسيط د/ فتحى والى بند 114م ص 213 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 878 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 0
- 214 -
الحالة الثانية : وجود صلة خاصة بين القاضى وأحد الخصوم :
وتتحقق هذه الحالة ، إذا كان القاضى وكيلا لأحد الخصوم فى أعماله الخصوصيه ، أو وصيا عليه أو قيميا أو مظنونة وراثته له ، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة يوصى أحد الخصوم أو بالقيم عليه ، أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصمة أو بأحد مديريها ، وكان لهذا العضو أو المدير مصلحة شخصه فى الدعوى (1) 0
والعلـة فى عدم الصلاحية فى هذه الحالة هي العناية والعاطفة اللتين يتصف بها الوكيل أو النائب عن عديم الأهلية ، وذات العلة متوفرة فى باقى صور هــذه الحالــة ، وهذا لا يتفق مع ما يجب أن يتصف به القاضى من النزاهة والحيدة وعدم التحيز لأحد الخصوم (2) 0
هذا ، ويجب أن تكون الوكالة أو الوصية أو القوامة قائمة عند نظر الدعوى ، فإذا كانت قد أنقضت قبل رفع الدعوى ، فإنها لا تمنع القاضى من نظر الدعوى (3) 0
ومن ناحية أخرى ، يقصد بمظنة الإرث ، أن يكون القاضى ممن يمتون لأحد الخصوم بسبب من أسباب الإرث ، ولو وجد من يحجبه عنه أو يحرمه منه ، إذ قد يزول سبب الحجب أو الحرمان قبل وفاة الخصم (4) . والحكمة من ذلك هو أن مظنة إرث القاضى لأحد الخصوم تجعل للقاضى مصلحة فى كسب مودة هذا القريب واسترضائه حتى لا يحرمه من الميراث (5) 0
ولذا إذا كان الإرث قد تحقق فعلا قبل رفع الدعوى فلا يصلح مانعا من نظر الدعوى ، كما أن مظنة إرث أحد الخصوم للقاضى فلا يعد مانعا من نظر الدعوى (6) 0
___________
(1) انظر المادة (146/3) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من هذا البحث هامش 2 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 147 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 114م ص 213 ، الوجيز فى المرافعات د / محمد محمود إبراهيم ص 111 ، وفى ذات المعنى حكم محكمة النقض مدنى فى الطعن رقم 243 س 32 قضائية جلسة 27/10/1966 - مجموعة أحكام النقض س 17 ص 1592 0
(4) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 214 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 99 0
(6) قانون المرافعات د / محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 255 ، قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 147 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 214 0
- 215 -
ويلاحظ أن الوكالة التى تجعل القاضى غير صالح لنظر الدعوى هى التى تكون عن أحد الخصوم ، فلا تتحقق عدم الصلاحية إذا كان محامى أحد الخصوم وكيلا عن القاضى ، لأن المحامى لا يعتبر طرفا فى الخصومة التى وكل فيها حيث أن طرف الخصومة هو الذى يمثله المحامى (1) 0
ثانيـا : حالات عدم الصلاحية المبنية على وجود كراهية بين القاضى وأحد الخصوم:
الحالة الأولى : إذا كان للقاضى أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم فى الدعوى أو مع زوجته (2) 0
والحكمة من جعل هذه الحالة سببا من أسباب عدم الصلاحية لنظر الدعوى أن الخصومات تثير الأحقاد ، وتحمل على التشفى مما يخشى معه انحراف القاضى عن طريق العدالة أو اتهامه بذلــك (3) 0
ويشترط لتحقق هذه الحالة ، أن تكون الخصومة قد نشأت بين القاضى أو زوجته مع أحد الخصوم أو زوجته قبل قيام الدعوى المعروضة على القاضى ، وأن تظل قائمة إلى حين عرض الدعوى على القاضى ، أما إذا نشأت الخصومة بعد عرض الدعوى على القاضى فإنها تكون سببا من أسباب الرد (4) وبالتالى إذا كانت الخصومة قد نشأت وانقضت قبل عرض الدعوى على القاضى ، فلا تكون سببا من أسباب عدم الصلاحية أو الرد (5) 0
____________
(1) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 880 ، وانظر فى ذات المعنى حكم محكمة النقض فى الطعن رقم 1447 سنة 50 قضائية جلسة 7/6/1984 - مجموعة أحكام سنة 50 قضائية جلسة 7/6/1984 - مجموعة أحكام النقض سنة 35 ص 1564 0
(2) انظر المادة (146/2) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من البحث هامش 2 0
(3) قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 50 0
(4) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، والمرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 54 ص 63 0
(5) المرافعات المدنية والتجارية د / أحمد أبو الوفا بند 54 ص 63 ، ويرى بعض الفقه عكس ذلك حيث يرى أن سبب عدم الصلاحية يكون قائما حتى ولو انتهت الخصومة فعلا قبل رفع الدعوى ، لأن العلة وهى الكراهية لا تزال قائمة ، انظر قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 99 0
- 216 -
وفضلا عما تقدم يشترط فى الخصومة القائمة حتى تكون سببا لعدم الصلاحية أن تكون خصومة قضائية ، لذا فالشكوى للجهة الإدارية أو النيابة العامة لا تكون سببا لعدم الصلاحية ولكنها تصلح سببا للرد ، لأنها تؤدى إلى العدواة التى تؤثر على حياد القاضى (1) 0
الحالة الثانية : رفع دعوى تعويض على طالب الرد (2) 0
إذا كان القاضى قد طلب رده ، فرفع دعوى تعويض على طالب الرد أو قدم ضده بلاغا إلى جهة الاختصاص ، فبمجرد رفع القاضى دعوى التعويض على طالب الرد ، زالت صلاحيته لنظر الدعوى التى قدم عنها طلب الرد (3) 0
والحكمة التى من أجلها ألحق المشرع هذه الحالة بحالات عدم الصلاحية وليس بأسباب الرد ، أن المشرع رأى أن القاضى باختصاصه طالب الرد يكون قد أصبح خصما له لأن وجود خصومة بين القاضى والخصم قد يخرجه عن حياده ومن ثم تضحى حالة مماثلة للحالة التى نص عليها المشرع فى الفقرة الثانية من المادة (146) مرافعات (4) 0
الحالة الثالثة:الحكم بجواز قبول دعوى المخاصمة المرفوعة ضد القاضى(5) 0
إذا رفعت على القاضى دعوى المخاصمة ، وحكــم بجـواز قبولها ، فإنه يكون غــير صالح لنظر
____________
(1) شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعم الشرقاوى المطبعة العالمية سنة 1956 جـ 1 ص 209 هامش (22) نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 221 هامش (1) ، قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 146 هامش (4) ، وذهب بعض الفقه إلى عكس ذلك حيث يرون أنه لا يقصد بالخصومة هنا الخصومة أمام القضاء فحسب ، بل يشمل الخصومات الناشئة عن المنازعات أمام الجهات أخرى كالنيابة العامة والشكاوى ، انظر فى ذلك تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 879 ، قواعد المرافعات د/ محمد العشماوى و د/ عبد الوهاب العشماوى جـ 1 بند 13 ص 148 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 99 0
(2) انظر المادة (165) مرافعات والتى تنص على أنه (إذا رفع القاضى دعوى تعويض على طالب الرد أو قدم ضده بلاغا لجهة الاختصاص زالت صلاحيته للحكم فى الدعوى وتعين عليه أن تنحى عن نظرها ) 0
(3) الوسيط د / أحمد السيد صاوى بند 50 ص 100 0
(4) التعليق على قانون المرافعات للديناصورى وعكاز ص 444 0
(5) انظر المادة (498 ) مرافعات والتى تنص على أنه ( يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى من تاريخ الحكم بجواز قبول المخاصمة ) 0
- 217 -
الدعوى التى حصلت المخاصمة بسببها ، وذلك من يوم الحكم بجواز قبول المخاصمة (1) 0
ثالثا : حالات عدم الصلاحية المتعلقة بموضوع النزاع :
الحالة الأولى : وجود مصلحة فى الدعوى القائمة للقاضى أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن هو وكيلا عنه أو قيما أو وصيا عليه (2) 0
والحكمة من جعل المشرع هذه الحالة من حالات عدم الصلاحية لكى تشمل ما قد تقصر سائر الحالات السابقة عن تناوله ، فقد تكون الدعوى المطروحة على القاضى مرفوعه من أو على غير ممن عددهم المشرع فى البنود الثلاثة الأولى من المادة (146) مرافعات ولكن توجد للقاضى أو لزوجته أو أحد أقاربه أو أصهاره مصلحة من ورائها ، كالدعوى التى تقام من أحد المساهمين فى شركة يساهم فيها القاضى ، أو أحد من أولئك ، ويكون من شأن موضوع الدعوى أن يحقق له أولهم مصلحة وإن كانت غير ظاهرة ، لذا نص المشرع على تلك الحالة قضاء على كل شبهة ودفعا لكل مظنة ولو بعدت (3) 0
هذا ويقصد بالأقارب والأصهار ، من ليسوا خصوما فى القضية المعروضة على القاضى لأن هذا الفرض قد عالجته المادة (146/1) مرافعات ، كما يقصد بالمصلحة ، أن يوجد أحد هؤلاء فى مركز قانونى ، بحيث يستفيد من الحكم الصادر فى الدعوى ، كما لو كانوا مساهمين فى الشركة المختصمة (4) 0
وعلى ذلك ، فوجود مصلحة للقاضى أو لزوجته أو لأحد الأشخاص السابق ذكرهم ، ولو لم يكونوا خصوما فى الدعوى القائمة ، من شأنه الإخلال بحيدة القاضى (5) 0
_______________
(1) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى - لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص301 ، بحث نظام رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد محمد الأزمازى ص 377 0
(2) انظر المادة (146/4) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من نفس البحث هامش 2 0
(3) تضنين المرافعات أ / محمــد كمــال عبــد العزيز ص 880 ، قواعد المرافعات د/ محمد العشماوى ، د/ عبد الوهاب العشماوى بند 15 ص 150 0
(4) قانون القضاء المدنى د / عزمــى عبد الفتاح جـ 1 ص 100 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 214 0
(5)قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 148 0
- 218 -
ويشترط لتحقيق عدم الصلاحية فى هذه الحالة أن يثبت أن القاضى كان عالما بذلك ، وأنه عندما يحكم فى القضية عل نحو معين ، فإن ذلك يفيد أحدا ممن ذكرتهم المادة ، وبالتالى إذا كان القاضى لا يعلم أن أحدا من هؤلاء سوف يستفيد ، فلا يمكن القول أنه فقد حياده ، وذلك لأن المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى قد ذكرت أن " المعنى الجامع فى هذه الأسباب هو كونها معلومة للقاضى ويبعد أن يجهلها " وتكون المصلحة سببا لعدم الصلاحية ، سواء أكانت موجودة قبل نظر القاضى للدعوى أو قامت بعد ذلك ، لأن القانون لم يشترط أن تكون قائمة وقت نظر الدعوى (1) 0
الحالة الثانية : سبق إبداء القاضى لرأى فى الدعوى 0
يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ، ممنوعا من سماعها ، ولو لم يرده أحد الخصوم ، إذا كان قد أفتى أو ترافع عـــن أحــد الخصوم فىالدعوى ، أو كتب قيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق لــه نظرهــا قاضيا أو خبيرا أو محكما ، أو كان قد أدى شهادة فيها (2) 0
والحكمة من عدم الصلاحية فى هذه الحالة ترجع إلى أن الافتاء فى الدعوى أو الكتابة فيها أو المرافعة عن أحد الخصوم يدل دلالة واضحة على الميل إلى جانب من حصل الإفتاء أو الكتابة أو المرافعة لمصلحته ، فضلا عما فيه من معنى إظهار الرأى الذى يدعوا إلى التزامه مما يتنافى مع ما يجب أن يكون عليه القاضى من الحرية فى تكوين رأيه على ضوء ما يجرى فى مواجهة الخصوم من تحقيق وما يقدمونه من أدلة (3) 0
ولا يعتبر موجبا لعدم الصلاحية أن يكون القاضى قد أبدى رأيه فى موضوع قانونى يتفق مع موضوع الدعوى كأن يكون أدلى برأى علمى فى مؤلف أو بحث وإلا كان مؤدى ذلك منع القاضى من التأليف والبحث العلمى (4) 0
___________
(2) قانون القضاء المدنى د / عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 100 0
(2) انظر المادة (146/5) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من نفس البحث 0
(3) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 74 ، 75 0
(4) المرافعات المدنيــة والتجارية د/ أحمد أبو الوفا بند 54 ص 64 ، الوجيز فى المرافعات د / محمد إبراهيم ص 114
- 219 -
هذا ، ويشترط توافر إحدى هذه الأمور فى نفس الدعوى ، وبالتالى إذا كان فى دعوى أخرى ، فلا يصلح سببا لعدم الصلاحية ، حتى ولو كان هناك ارتباط ما يبين الدعويين ، ولذا فنظر القاضى للدعوى المستعجلة لا يعتبر سببا لعدم صلاحيته لنظر الدعوى الموضوعية (1) 0
وقد يسبق للقاضى نظر الدعوى ، ومع ذلك يكون صالحا لنظرها ، وذلك إذا نص المشرع على أن طريق طعن معين يمكن أن يقدم إلى نفس القاضى الذى أصدر الحكم المطعون فيه ، كما هو الحال بالنسبة لالتماس إعادة النظر ، فإن القاضى يكون صالحا لنظر الدعوى بالرغم من سبقه نظرها (2) 0
ويلاحظ أنه ليس من الضرورى لقيام عـــدم الصلاحية فى هذه الحالة بسبب سبق أداء الشهادة ، أن تكون شهادة القاضى قد وردت على ذات الخصومة المطروحة إمامة ، وإنما يكفى أن يكون قد شهد فى خصومة أخرى تعتبر الخصومة الحالية استمرار لها أو تكون مرتبطة بها ارتباطا وثيقا ، ولكن لا يكفى أن يكون القاضى قد اكتفى فى شهادته بأنه لا يعرف شيئا ، أو إذا كان قد أعلن للشهادة بقصد منعة مــن نظر الدعوى أو إذا كان أحد الخصوم نوى دعوته للشهــادة (3) 0
الفرع الثانى
حالات عدم الصلاحية الواردة فى قانون السلطة القضائية
الحالة الأولى : وجود صلة قرابة بين القضاة أعضاء الدائرة الواحدة :
نص المشرع على هذه الحالة فى المادة (75/1) من قانون السلطة القضائية والتى تنص على أنه ( لا يجوز أن يجلس فى دائرة واحدة ، قضاة بينهم قرابة أو مصاهرة ، حتى الدرجة الرابعة بدخول الغايــة .... "
____________
(1) الوسيط د / فتحى والى بند 14م ص 215 ، وانظر حكم نقضى فى ذات المعنى نقض مدنى جلسة 14/12/1966 - مجموعة أحكام النقض س 17 ص 1900 -
(2) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص76، المرافعــات المدنيــة والتجاريـــة د / أحمــد أبو الوفا بند 54 ص 64 0
(3) قتنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 886 ، 887 ، قواعد المرافعات د / محمد العشماوى ، د/ عبد الوهاب العشماوى جـ 1 ص 152 0
- 220 -
وهذا المانع ورد على سبيل الاستثناء ، فلا يقاس عيه ، ولذا لا يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ، لمجرد كون القاضى قريبا لقاضى التحقيق الذى ندبته النيابة لتنفيذ ما أمرت به غرفة الاتهام بإجرائه من استجواب المتهمين (1) 0
ويكفى لقيام هذه الحالة ، أن تتحقق القرابة أو المصاهرة بين عضوين من أعضاء الدائرة ، ولو كانا معا أقلية ، وذلك لضمان استقلال القاضى فى رأيه وعدم تأثره بآراء قريبة أو صهره (2) . وكذلك لضمان خلوه من المؤثرات الذاتية التى يمكن أن تؤثر فى رأيه نتيجة صلة القربى أو المصاهرة فتخرجه عن تجرده وموضوعية وهما أساس حياده (3) 0
الحالة الثانية : وجود صلة قرابة بين القاضى وممثل النيابة أو الممثل القانونى لأحد الخصوم حتى الدرجة الرابعة :
نص المشرع على هذه الحالة فى المادة (75/2) من قانون السلطة القضائية والتى تنص على أنه ( لا يجوز أن يكون ممثل النيابة أو ممثل أحد الخصوم أو المدافع عنه ممن تربطهم الصلة المذكورة بأحد القضاه الذين ينظرون الدعوى ، ولا يعتد بتوكيل المحامى الذى تربطة بالقاضى الصلة المذكورة إذا كانت الوكالة لاحقة لقيام القاضى بنظر الدعوى " 0
والحكمة من عدم الصلاحية فى هذه الحالة ما تؤدى إليه هذه الصلة من التأثير على حياد القاضى (4) 0
ويشترط لتحقيق هذه الحالة ، أن تكون وكالة المحامى سابقة على رفع الدعوى أو معاصرة لها وأن يكون المحامى قد شرع فعــلا فــى مباشـــرة أعمال وظيفته ، وبالتالى لا يكفى فى توافر عدم
________________
(1) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 887 ، وانظر فى ذات المغنى نقض جنائى جلسة 26/6/1956 - مجموعة أحكام النقض الجنائى س 7 ص 910 0
(2) الوسيط د / فتحى والى بند 114م ص 213 0
(3) الموجز فى أصول وقواعد المرافعات د / أحمد ماهر زغلول طبعة سنة 1992 ، 1993 جـ 1 بند 80 ص 133 ، بحث نظام رد القضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى ص 383 بند 61 0
(4) الوسيط د / فتحى والى بند 14 م ص 213 0
- 221 -
الصلاحية ، مجرد قيام الصلة بين المحامى الموكل عن الخصم والقاضى (1) أو تكون الوكالة لاحقه لقيام القاضى بنظر الدعوى ، وذلك لمنع التحايل الذى يعمد إليه بعض الخصوم بقصد تنحية القاضى عن نظر الدعوى وذلك بأن يعمد الخصم الراغب التنحية أثناء نظر الدعوى إلى توكيل محام له صلة بالقاضى (2) 0
الفرع الثالث
الأثر المترتب على توافر إحدى حالات عدم الصلاحية
متى تحققت إحدى حالات عدم الصلاحية السالف بيانها أصبح القاضى بقوة القانون غير صالح لنظر الدعوى التى توافرت فيها إحدى هذه الحالات وممنوعا من سماعها ، ولو لم يرده أحد الخصوم عن نظرها ، ويجب على القاضى أن يتنحى من تلقاء نفسه عن نظرها ، فلو نظرها القاضى رغم ذلك كان حكمه باطلا ولو اتفق الخصوم على نظر القاضى لهذه الدعوى ويجوز الطعن فى هذا الحكم بطرق الطعن المقررة (3) وزيادة فى الاطمئنان والتحوط لسمعة القضاء نص المشرع على أنه إذا وقع هذا البطلان فى حكم صدر من محكمة النقض جاز للخصم أمامها سحب الحكم وإعادة نظر الطعن ، وهذا استثناء من الأصل العام الذى يجعل أحكام محكمة النقض بمنأى عن الطعن (4) 0
هذا ، ويلاحظ أن بطلان حكم النقض لعدم الصلاحية هو الحالة الوحيدة التى أجاز فيها المشرع سحب حكــم محكمة النقض ، ومن ثم لا يجوز العدول عن حكم النقض إلا فى هذه الحالــة (5) 0
______________
(1) الموجز فى أصول وقواعد المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 132 هامش (2) ، بحث رد القضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 63 ص 384 0
(2) الوسيط د / رمزى سيف بند 50 ص 73 ، الوسيط د / فتحى والى بند 114 م ص 213 0
(3) انظر المادة (147) مرافعات والتى تنص على أنه ( يقع باطلا عمل القاضى أو قضاؤه فى الأحوال المتقدمة الذكر ولو تم باتفاق الخصوم ، وإذا وقع هذا البطلان فى حكم صدر من محكمة النقض جاز للخصم أن يطلب منها إلغاء الحكم وإعادة نظر الطعن أمام دائرة أخرى ) 0
(4) انظر المذكرة الإيضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 887 0
- 222 -
المطلب الثانى
حالات عدم صلاحية القاضى النسبية لنظر الدعوى
والمعروفة " بنظام رد القاضى "
سبق وأن ذكرنا أن من أهم الضمانات التى تكفل حماية القاضى من نفسه ونزاهته ، وتبعده عن مجال التأثر بالاعتبارات الخاصة التى قد تنأى به عن مقتضيات العدالة ، نظام عدم صلاحية القاضى المطلقة لنظر بعض الدعاوى ، والرد ، والتنحى (1) . وقد تحدثنا فى المطلب الأول عن نظام عــدم الصلاحيــة المطلقـــة وحالاتها ، وفـى هذا المطلب سنتحدث عن نظام رد القاضى وما يتعلق به من أحكام من خلال الفروع الآتية :
• الفرع الأول : التعريف بنظام رد القاضى ، والتميز بينه وبين نظام عدم الصلاحية المطلقة 0
• الفرع الثانى : نطاق نظام رد القاضى 0
• الفرع الثالث : حالات رد القاضى ، وميعاده وإجراءاته 0
• الفرع الرابع : الأثر المترتب على تقديم طلب الرد 0
• الفرع الخامس : الخكم فى طلب الرد والطعن فيه 0
الفرع الأول
التعريف بنظام رد القاضى فى القانون الوضعى
والتميز بينه وبيـن نظام عدم الصلاحية المطلقة
أولا : تعريف الرد والهدف منـه :
( أ ) يقصد بـرد القاضى عن الحكم لدى فقهاء القانون الوضعى، منع القاضى من نظر الدعوى ، كلما قام سبب يدعوا إلى الشك فى قضائه فيها بغير ميل أو تحيز ، إذا لم يمتنع القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى (2) 0
____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 36 0
(2) شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعــم الشرقـــاوى جـ 1 بند 111 ص 213 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 49 ص 71 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 225 0
- 223 -
وعرفه البعض بأنه يقصد به وجود أسباب يترتب على توافر إحداها ، أن يكون للخصم الحق فى طلب رد القاضى (1) 0
( ب ) الهدف من نظام رد القاضى :
يهدف نظام رد القاضى ، إلى حسن قيام القاضى بوظيفته ، إذ قد تحيط بالدعوى المطروحة على القاضى ظروف وملابسات تثير الشك لدى الخصوم فى انحياز القاضى لصالح أحد الخصوم ، ورغبة من المشرع فى بث الاطمثنان فى نفوس المتقاضين ، وحرصا منه على حسن قيام القاضى بوظيفته ومن التأثر بهذه الظروف فقد نص على حالات معينة يجوز فيها للخصوم أن يطلبوا رد القاضى عن نظر الدعوى (2)
ثانيـا : التميز بين نظام الرد وعدم الصلاحية :
1- يتميز نظام رد القاضى عن عدم الصلاحية فى أن حالاته أقل خطورة وتأثيرا على حياد القاضى من حالات عدم الصلاحية ، ولذلك جعل المشرع عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى حالة توافر إحدى حالات الرد يتوقف على طلب الخصوم أو أحدهم (3) 0
2- أنه يترتب على توافر إحدى حالات الرد يلتزم القاضى بأن يخبر المحكمة بذلك ، لكى تأذن له بالتنحى عن نظر الدعوى ، ويكون للخصوم الحق فى طلب تنحى القاضى عن نظر الدعوى ومع ذلك إذا لم تنحى القاضى عن نظر الدعوى من تلقاء نفسه ولم يطلب أحد الخصوم تنحيه عن نظر الدعوى وأصدر حكمه كان حكما صحيحا (4) ، على عكس ما لو توافرت إحدى حالات عدم الصلاحية المطلقة سالفة الذكر حيث يترتب عليها عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى بقوة القانون ، حتى ولو اتفق الخصوم على نظره لدعوى ، فلو استمر القاضى فى نظر الدعوى رغم توافر إحدى حالات عدم الصلاحية وأصــدر حكمه فى الدعوى كان حكمه باطلا
_______________
(1) المبادىء الأساسية للتنظيم القضائى د/ عبد الحكم شرف ص 301 0
(2) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر بند 27 ص 38 0
(3) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 51 ص 101 0
(4) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 ، الوسيط د / رمزى سيف بند 49 ص 72 0
- 224 -
ويجوز الطعن عليه بطرق الطعن المقررة ، حتى ولو كان صادرا من محكمة النقض ، فيجوز للخصم أن يطعن على هذا الحكم الصادر من محكمة النقض أمام دائرة أخرى (1) 0
الفرع الثانى
نطاق نظام رد القاضى
أولا : قضاة المحاكم العاديـة :
يجوز تقديم طلب الرد ضد أى قاضى يتبع أى محكمة من محاكم القضاء العادى ، مهما كانت درجته ، أى سواء كان قاضيا فى المحكمة الابتدائية ، أم محكمة الاستئناف ، أم محكمة النقض ، وكذلك يجوز رد القاضى ولو كان منتدبا من محكمة أخرى (2) 0
على أنه يلاحظ أنه لا يجوز طلب رد جميــع قضاة أو مستشــارى المحكمــة أو بعضهم ، بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى ، الأصلية أو طلب الرد (3) 0
كذلك يسرى نظام الرد على أعضاء هيئة مفوضى الدولة وذلك بالرغم من أنهم لا يتولون الفصل فى الدعوى الإدارية ، لأن لهم دورا فى تحضير الدعوى الإدارية ، وللـرأى الذى يبدونه فى التقرير أثر فى تكوين اقتناع المحكمة (4) 0
ويرى بعض الفقه ، أن المفوض يعتبر بالنسبة للقاضى الإدارى ، كعضو النيابة العامة بالنسبة للقاضى العادى ، وبالتالى إذا كـان المفوض طرفا منضما فى الدعوى ، جاز رده قياسا على ما هو
_____________
(1) مبادىء المرافعات د/ عبد المنعم جبره ص 85 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 114م ص 212 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 107 0
(3) انظر المادة (164) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (23) لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( لا يجوز طلب رد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة أو بعضهم بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى الأصلية أو طلب الرد ، هذا ، وجاء بالمذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 23 لسنة 1992 أنه ( حظر المشروع فى المادة (164) طلب رد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة أو بعضهم بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى الأصلية أو طلب الرد ، إذ من غير المستساغ أو المتصور أن تتوافر فــى جميع قضاة أو مستشارى المحكمة سببا من أسباب الرد التى وردت فى القانون على سبيل الحصر .... " 0
(4) انظر بحث رد القضاه بين الشريعة والقانون لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 25 ص 340 وقد أشار سيادته إلى حكم المحكمة الإدارية العليا فى 17/12/1955 س 1 ص 312 0
- 225 -
مطبق بالنسبة لأعضاء النيابة العامة ، وما عدا ذلك فلا يجوز رد أعضاء هيئة المفوضين ، رغم أن طبيعة الذى يقومون به من عمل قد يؤثر فى عمل القاضى الإدارى (1) 0
ثانيـا : قضاة المحاكم الإداريـة :
كذلك يسرى نظام الرد على أعضاء مجلس الدولة ، ويعتبر فى هذا الصدد ، قضاة المحاكم الإدارية ، كقضاة المحاكم الابتدائية ، أما مستشارى محكمة القضاء الإدارى فتطبق عليهم ذات القواعد الخاصة برد مستشارى محكمة الاستئناف ، أما مستشارى المحكمة الإدارية العليا (2) وأعضاء المحكمة الدستورية العليا فتطبق فىشأنهم القواعد الخاصة بمستشارى محكمة النقض (3) .
ثالثا : أعضاء النيابة العامــة :
كذلك يطبق نظام الرد على أعضاء النيابة العامة بجميع درجاتهم وذلك فى الحالات التى تتدخل فيها فى الدعوى كطرف منضم سواء أكان انضمامها جوازيا أم وجوبيا ، وهذا ما نص عليه المشرع فى المادة (163) من قانون المرافعات الحالى والتى جرى نصها على أنه ( تتبع القواعد والإجراءات المتقدمة عند رد عضو النيابة إذا كان طرفا منضما لسبب من الأسباب المننصوص عليها فى المادتين 146 ، 148) 0
____________
(1) رد مخاصمـة أعضـاء الهيئات القضائيــة د / علـــى عــوض حسن طبعة سنة 1999 دار الفكر بند 130 ص 235 0
(2) انظر المادة (53) من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 والتى تنص على أنه ( تسرى فى شأن رد مستشارى المحكمة الإدارية العليا القواعد المقررة لرد مستشارى محكمة النقض ، وتسرى فى شأن رد مستشارى محكمة القضاء الادارى والمحاكم التأديبية للعاملين من مستوى الإدارة العليا ، القواعد المقررة لرد مستشارى محاكم الاستئناف . وتسرى فى شأن رد أعضاء المحكم الإدارية والمحاكم التأديبية الأخرى القواعد المقررة لرد القضاه " 0
(3) انظر المادة (15) من القانون رقم (48) لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا والتى نصت على أنه ( تسرى بشأن عدم صلاحية عضو المحكمة وتنحيته ورده ومخاصمته ، وتفصل المحكمة الدستورية العليا فى طلب الرد ودعوى المخاصمة بكامل أعضائها عدا العضو المشار إليه ومن يقوم لديه عذر ويراعى أن يكون عدد الأعضاء الحاضرين وترا ، بحيث يبعد أحدث الأعضاء ، ولا يقبل رد أى مخاصمة جميع أعضاء المحكمة أو بعضهم بحيث يقل عدد الباقين منهم عن سبعة ، ويسرى فى شأن رد أعضاء المحكمة الدستورية العليا القواعد النصوص عليها فى قانون المرافعات ... ) 0
والحكمة من ذلك يرجع إلى أن النيابة العامة باعتبارها طرفا منضما فى تلك القضايا مطالبة بتمام الحيدة فى إبداء رأيها ، ومهما قيل أن رأى النيابة غير ملزم للمحكمة إلا أنه لا جدال فى أن هذا الرأى كثيرا ما يكون له تأثير فى وجهة النظــر عند الحكم ، وهذا الضرر يكفى لتبرير ردها ، إذا كان ثمة من الأسباب ما يسنده (1) 0
رابعا : المحكمـون :
لما كان التحكيم يعتبر قضاء ، وحكم المحكمين يعتبر عملا قضائيا (2) لذا يسرى نظام الرد على المحكم (3) ، وذلك حتى يتمتع بثقة الخصوم فيطمئنوا إلى قضائه (4) 0
غير أنه يلاحظ أنه لا يجوز طلب رد المحكم إلا إذا كان سبب الرد قد قام بعد الاتفاق على اختياره أو كان الخصم طالب الرد لا يعلم بسبب الرد إلا بعد هذا الاتفاق (5) وذلك لأنه إذا كان سبب الرد قائما قبل الاتفاق على التحكيم وكان الخصم يعلم به عند ذلك ، فإنه باختياره هذا الشخص محكما يكون تنازل عن حقه فى طلب رده (6) 0
ويقدم طلب رد المحكم إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر الدعوى وليس إلى هيئة المحكمين ويجب تقديم هذا الطلب خلال خمسة أيام على الأكثر من قيام سبب الرد أو من علم الخصم طالب الرد بهذا السبب (7) 0
ومع ذلك سواء قدم طلب الرد المحكم أو لم يقدم فإن للمحكم - شأنه شأن القاضى - أن يتنحى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى مع ملاحظة عدم جواز تنحيه إلا لسبب معقول (8) 0
____________
(1) انظر المذكرة الايضاحية لقانون المرافعات الملغى رقم 77 لسنة 1949 عن المادة (333) والمقابلة للمادة (163) من قانون المرافعات الحالى ، وانظر أيضا تقنين المرافعات د/ محمد كمال عبد العزيز ص 941 0
(2) الوسيط د/ فتحى والى بند 24 ص 56 0
(3) قانون التحكيم الكويتى د / عزمى عبد الفتاح طبعة سنة 1990 ص 216 0
(4) إجراءات التنفيذ د/ أحمد أبو الوفا بند 60 ص 83 0
(5) انظر المادة (503/3) مرافعات 0
(6) الوسيط د/ فتحى والى بند 415 ص 936 0
(7) المادة (503/3) مرافعات 0
(8) الوسيط د/ فتحى والى بند 415 ص 936 0
- 227-
الفرع الثالث
حالات رد القاضى ، وميعاده وإجراءاته
أولا : حالات رد القاضى :
بادىء ذى بد اختلف الفقه القانونى حول ذكر المشرع لحالات الرد هل وردت على سبيل الحصر أم لا؟
فذهب بعض الفقه إلى أن المشرع قد أورد حالات رد القاضى على سبيل الحصر ولا يجوز القياس عليها (1) 0
وذهب بعض الفقه إلى أن المشرع وإن كان قد نص على حالات الرد على سبيل الحصر ، إلا أن إحدى هذه الحالات قد وردت بصيغة عامة جعلت الحصر غير جامد ، وهى الحالة الأخيرة من نص المادة (148/4) مرافعات (2) ، وبذلك يكون المشرع قد اتخذ طريقا وسطا فى النص على حالات رد القاضى (3) 0
وسنتناول هذه الحالات على النحو التالى :
الحالة الأولى : إذ كان للقاضى أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التى ينظرها (4) 0
يشترط لتحقق هذه الحالة حتى تكون سببا من أسباب الرد ما يلـى :
1- أن تكون هناك دعوى مماثلة للقاضى أو لزوجته للدعوى التى ينظرها ، ويقصد بالتماثل هنا أن يكون موضوع وسبب الدعويين واحد ، وأن تثير دعوى القاضى أو زوجته نفس المسألـــة
_____________
(1) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 0
(2) انظــر المـــادة (148/4) مرافعـــات والتى تنص علـــى أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- ............... 2- ................. 3- .......................
4- إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عــداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل ) 0
(3) الوسيط د / فتحى والى بند 115 ص 216 0
(4) انظر المادة (148/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية :
1- إذا كان له أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التى ينظرها .... " 0
- 228 -
القانونية التى تثيرها الدعوى المطلوب رده عن نظرها (1) 0
ويرجع ذلك إلى أن القاضى سيميل إلى القضاء فى الاتجاه الذى يتفق مع مصلحته مدفوعا فى ذلك بشعوره الطبيعى وبالرغبة فى إنشاء سابقة قضائية يستند إليها فى دعواه (2) 0
2- أن تكون دعوى القاضى أو زوجته قائمة بالفعل أمام القضاء (3) 0
ويكفى فى هذا الصدد ، أن تكون صحيفة الدعوى قد أودعت قلم كتاب المحكمة ولو انقضت ثلاثة أشهر دون إعلانها ، طالما لم يتم الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن (4) 0
وعلى هذا ، لا يكفى النزاع الذى لم يرفع بعد إلى القضاء ولو كان النزاع جديا (5) 0
ومما هو جدير بالذكر أن الأمر يقتصر فى هذه الحالة هنا على القاضى وزوجته فحسب ، فلا يمتد سبب الرد ليشمل الأقارب والأصهار ، ويتحقق سبب الرد ، متى وجدت دعوى مماثلة ، سواء أكان للقاضى مصلحة أم لا (6) 0
وفى الواقع كما يرى بعض الفقه - بحق - أنه يصعب على الخصوم معرفة هذا السبب من أسباب الرد ، بل قد يستحيل ذلك ، لذلك تبدو فائدة التنحى الوجوبى من القاضى الذى نصت
_______________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 ، المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 ، وانظر حكم محكمة النقض فى هذا الشأن أن [ دعوى النفقة تختلف فى موضوعها وسببها عن دعوى التطليق ، لاختلاف المناط فى كل منهما ، فبينما تقوم الأولى على سند من احتباس الزوجة لزوجها ، وقصرها عليه لحقه ومنفعته بحيث لا يحق لها أن تنشز عن طاعته إلا بحق ، أما الثانية تؤسس على ادعاء الإساءة واستحكام النفور والفرقة بين الزوجين ) [ نقض مدنى رقم 2 لسنة 45 قضائية جلسة 28/4/1976 ( أحوال شخصيــة ) 0
(2) الوسيط د / رمزى سيف بند 51 ص 77 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 154 0
(3) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ث 891 0
(4) قوانين المرافعات د/ أمينة النمر جـ 1 ص 110 هامش (51) بحث رد القصاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 47 ص 364 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 891 ، التعليق على قانون المرافعات - للديناصورى وعكاز ص 249 التعليق على المادة (148) مرافعات 0
(4) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 106 0
- 229 -
عليه المادة (149) مرافعات ، ولذا كان يحسن اعتبار هذه الحالة ضمن الواجبات المهنية ، وأن ينص عليها فى قانون السلطة القضائية ، كحالة عدم جواز جلوس قضاة بينهم قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة بدخول الغاية (1) 0
الحالة الثانية : وجود خصومة لاحقه على رفع الدعوى بين القاضى أو زوجته وبين أحد الخصوم أو زوجته (2) 0
يشترط لتحقق هذه الحالة حتى تكون سببا من أسباب الرد ما يلى :
1- أن تكون الخصومة قد نشأت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضى ، لأنه إذا كانت الخصومة سابقة علــى رفع الدعوى ، فإنها تعتبر من أسباب عدم الصلاحية المطلقة (3) طبقا للمادة (146/2) (4) 0
2- ألا يكون المقصود مــن رفــع هـــذه الدعوى رد القاضى عن نظر الدعوى ، وذلك حتى لا يتخذ الخصوم مـــن هــذا السبب وسيلــة للمشاكسة والتحايل بقصد الوصول إلى رد القاضــى (5) 0
ويقصد بالخصومة فى هذه الحالة ما ينشأ عن رفع الدعوى أمام القضاء ، وما ينشأ عن تقديم الشكاوى الادارية والخلافات الاجتماعية ، لأن المشرع لم يقل خصومة أمام القضاء كما نص المشرع فى المادة (148/2) مرافعات . فالمقصود هو الخصومة بالمدلول الاجتماعى وليس المدلول الاجرائى (6) 0
____________
(2) د/ عزمى عبد الفتاح - المرجع السابق - جـ 1 ص 106 0
(2) انظر المادة (148/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- ….. ، أو إذا حدث لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم أو زوجته بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضى مالم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه ) 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 147 0
(4) انظر المادة (146/2) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 211 من نفس البحث 0
(5) المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 ، الوسيط د / فتحى والى بند 115/ 13) 0
(5) قانون القضاء المدنى المصرى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 0
- 230 -
الحالة الثالثة : وجود خصومة بين مطلقة القاضى التى له منها ولد أو أحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب وبين أحد الخصوم أو زوجتـه (1) 0
والعلة من ذلك أن وجود خصومة بين هؤلاء الأشخاص الذين تربطهم بالقاضى رابطة قوية وبين أحد الخصوم من الممكن أن تؤثر على حياد القاضى (2) 0
ويشترط لتحقق هذه الحالة ما يلـى :
1- أن يكون طرف الخصومة من أقارب القاضى المحددين فى النص على سبيل الحصر ، ولذلك يعتبر قريبا للقاضى – كما يقرر النص – مطلقته التى له منها ولد ، ويستوى فى ذلك أن يكون الطلاق رجعيا أم بائنا ، كما يستوى فى الولد أن يكون ذكرا أم أنثى ، وبالتالى يخرج عن نطاق القرابة مطلقة القاضى التى ليس له منها ولد (3) 0
ويلاحظ أنه وإن كانت المصاهرة تشمل كل من ترطبه بصلة القرابة غير أن المشرع قصر المصاهرة فى هذا الخصوص على تلك التى تقوم على عمود النسب ، وهى ما كانت القرابة فيه منسوبة إلى الأب وإن علا والابن وإن نزل (4) 0
2- ويشترط كذلك أن تتخذ الخصومة شكل دعوى أمام القضاء لأن المشرع فى المادة (148/2) مرافعات حدد المقصود بالخصومة ووصفها بأنها الخصومة أمام القضاء دون غيرها من الخصومات أمام الجهات الإدارية وذلك خلافا لنص المادة (147/2) مرافعات (5) 0
ويستوى فى الخصومة أن تكون سابقة على الدعوى المذكورة ، أو لاحقة عليها ، على أنه يجب فى هذه الحالة الأخيرة ألا تكون الخصومة قد أقيمت بعد الدعوى المنظورة بقصـــد رد القاضى عن
____________
(1) انظر المادة (148/2) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- .....
2- إذا كان لمطلفته التى له منها ولد أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم فى الدعوى أو مع زوجته ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضى بقصد رده ) 0
(2) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 223 0
(3) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 طبعة سنة 1992 - 1993 ص 86 0
(4) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 وأشار سيادته إلى حكم محكمة القضاء الإدارى فى جلسة 2/4/1953 - مجموعة القضاء الادارى س 7 ص 821 0
(5)قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 ، و انظر المادة (147/2) مرافعات والتى سبق زكرها صـ224 من نفس البحث هامش 3 0
- 231 -
نظرها ، منعا للتحايل والمشاكسة من جانب الخصوم (1) 0
الحالة الرابعة : وجود صلة مودة بين القاضى وأحد الخصوم (2) 0
وبتحقق وجود صلة قوية بين القاضى وأحد الخصوم بإحدى الأمور التى حددها المشرع على سبيل الحصر ولا يترك الأمر فيها لتقدير المحكمة (3) 0
وتتمثل تلك الأمور فـى :
1- إذا كان أحد الخصوم خادما للقاضى 2- اعتياد القاضى مؤاكلة أحد الخصوم 0
3- اعتياد القاضى ومساكنة أحد الخصوم 4- قبول القاضى هدية من أحد الخصوم (4) 0
والفكرة المشتركة بين هذه الأمور وجعلها سببا من أسباب الرد هى أن وجود علاقة شخصية بين القاضى وأحد الخصوم ، أو مؤاكلته أو مساكنته أو تلقى الهدايا منه ، يعتبر دليل على الصداقة والمودة مما يخشى معه ميل القاصى فى الحكم لصالحه (5) 0
ويقصد بالخادم كل من تربطه بالقاضى رابطة تبعية كالوكيل والكاتب والسكرتير والعامل ، ولكن لا يمتد إلى المزارع أو المستأجر (6) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 ، قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 154 ، المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 0
(2) انظر المادة (148/3) مرافعات والتى تنص على أنه :
( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : 1- ............... 2- .................
3- إذا كان أحد الخصوم خادما له ، أو كان هو قد اعتاد مؤاكلة أحد الخصوم أو مساكنته ، أو كان تقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده ... ) 0
(3) النظام القضاءين والاختصاص د/ أمينة النمر طبعة سنة 1984 ص 66 0
(4) انظر المادة (148/3) مرافعات سالفة الذكر 0
(5) مبادىء القضاء المدنى د/ وجـــدى راغـــب - طبعة دار الفكر العربى الطبعة الأولى سنة 1986 ص 199 0
(6) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
- 232 -
ويقصد باعتياد مؤاكلة القاضى لأحد الخصوم ، تكرار دعوة كل منهما صاحبه للطعام وإجابة كل منهما الدعوى مـرات ولو كانت المشاركة فى الطعام على مائدة الغير (1) فلا يتحقق الاعتياد إذا أكل القاضى مع أحد الخصوم مرة أو أكثر فى حفل عام دعا إليه غيرهما ولا يصلح سببا للرد (2) 0
وبالتالى فالاجتماع العارض بــين القاضى وأحــد الخصــوم علــى مائدة الغير ، لا يعد سببا للــــرد (3) 0
ويقصد باعتياد المساكنة أن يسكن كل من القاضى وأحد الخصوم معا فى مسكن واحد على سبيل الاعتياد (4) فلا يكفى أن ينزلا ليلة فى فندق ولو فى حجرة واحدة ، أو يسكنا معها فى مبنى واحد وكل منهما فى شقة مستقلة (5) ويرى بعض الفقه أنه يقصد بالمساكنة الجوار ، لأنه إذ سكن القاضى مدة طويلة بجوار الخصم فإنه قد توجد صلة مودة قد تكون أشد قوة من صلة القربى ، أما مجر السكن فى بناية واحدة دون جوار ، فلا يتحقق به معنى المساكنة الذى يقصده المشرع (6) 0
وكذلك يعد قبول القاضى الهدية من أحد الخصوم سببا من أسباب الرد حتى ولو لم تتوافر أركان جريمة الارتشاء (7) ولا يشترط أن يقدم الهدية لشخص القاضى وإنما يكفى أن يكون هو المقصود بتقديمها كأن تقدم الهدية إلى زوجته أو ابنه أو أحد أقاربه أو أصهاره أو أصدقائه لأن الهدف من تقديم الهدية لهؤلاء توصيلها للقاضى فى النهاية (8) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 0
(3) الوسيط د/ رمزى سيف بند 51 ص 78 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
(4) الوسيط د/ فتحى والى بند 125 ص 217 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 105 0
(7) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 51 ص 77 0
(8) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 ، قانون المرافعــات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 265 0
- 233 -
ويشترط فى الهدية حتى يكون فى قبولها سببا من أسباب الرد أن تكون ذات قيمة حقيقية ، وبالتالى لا تعتبر هدايا فى هذا الخصوص ، لعب الأطفال التى تقدم لأولاد القاضى إذ كانت تافهة القيمـــة (1) 0
كما يشترط أن يكــون القاضى قد قبل الهدية ، فإذا كان قد رفضها ، فإن هذه الواقعة بذاتها لا تصلح سببا للرد (2) 0
الحالة الخامسة : وجود بين القاضى وأحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل (3) 0
والحكمة من جعل المشرع هذه الحالة من حالات الرد ، لكى تشمل كل الأحوال التى يثور فيها الشك حول قدرة القاضى على الحكم بغير ميل أو تحيز إلى أحد طرفى الخصومة ، ومن ثم يجوز رد القاضى لعداوة شخصية ولو لم تنشأ عنها قضية ، أو لمودة وثيقة ولو لم تنشأ من الزوجية أو القرابة أو المصاهرة ، أو المؤاكلة (4) 0
___________
(1) قانون القضاء المدنى د/ عزمــى عبد الفتاح جـ 1 ص 104 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 264 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
ويرى بعض الفقه عكس ذلك ، حيـث يرون أن الهدية تعتبر سببا للرد ، أيا كانت قيمتها . وهذا ما يراه المشرع المصرى ، حيث جعل قبول القاضى آية هدية سببا للرد ، وذلك نظرا لما لسمعه القاضي من حاسية بالغة ، ولذلك حرص على أن ينأى به عن مواطن الشبهات ، انظر فى ذلك نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 227 ، شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعم الشرقاوى جـ 1 بند 112 ص 214 ، بحث رد القضاه لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 38 ص 355 هامش (2) 0
(2) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 155 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 264 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 892 0
(3) انظر المادة (148/4) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجوز رد القاضى لأحد الأسباب الآتية : ....
4- إذا كان بينه وين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعة الحكم بغير ميل ) 0
(4) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 67 0
- 234 -
ويشترط فى العداوة ، أو المودة حتى تكون سببا من أسباب الرد أن تكون شخصية ، فلا يكفى اتفاق القاضى ، أو اختلافه مع الخصم فى آرائه الفكرية أو السياسية (1) 0
كما يشترط أن تكون العداوة أو لمودة سابقة على رفع الدعوى ، ولا يعتد بهما إذا افتعلهما الخصم بعد رفع الدعوى ، لتنشأ سببا للرد (2) 0
كذلك يجب أ ن تكون المودة أو العدواة من القوة بحيث يستنتج منها أنه لا يمكن للقاضى أن يحكم بغير ميل ، أى أن يكون من شأنها أن تدفعه إلى القضاء بغير حق (3) 0
وعلى ذلك لا تصلح سببا لرد القاضى ، الكراهية التى قد يتصورها الخصم بينه وبين أحد قضاه الهيئة التى تنظر الدعوى ، وذلك من أسلوبه فى السير فى الدعوى ، وكذلك بالنسبة للمودة التى لا يستخلصها الخصم إلا من أسلوب القاضى فى معاملة خصمه (4) 0
وتقدير المودة والعدواة متروك للمحكمة حسب ظروف وملابسات الدعوى (5) 0
ثانيـا : الأثر المرتب على توافر إحدى حالات الرد :
إذا توافرت إحدى حالات الرد سالفة الذكر أوجب المشرع على القاضى التزام بأن يخبر المحكمة بذلك لكى تأذن له بالتنحى عن نظر الدعوى (6) 0
____________
(1) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 217 0
(2) قانون القضــاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 107 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 265 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 218 0
(4) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 62 ص 86 ، بحث رد القضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 49 ص 367 0
(5) الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 218 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ تقدير وجود عداوة بين القاضى وأحد الخصوم يراجح معها عدم استطاعته بغير ميل مما يميز طلب رده طبقا لما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (148) مرافعات ، أو نفى ذلك من المسائل التى تستقل بتقديرها محكمة الموضوع بلا معقب عليها لمحكمة النقض فى ذلك متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة تستند إلى أصل ثابت فى الأوراق .... [ نقض مدنى جلسة 18/1/1990 ، الطعن رقم 2335 لسنة 0 قضائية 0
(6) انظر المادة (149) مرافعات والتى تنص على أنه :
- 235 -
بالإضاقة إلى حق الخصوم فى طلب تنحية القاضى عن نظر الدعوى ، إلا أن المشرع لم ينص على بطلان عمل القاضى إذا لم يتنح من تلقاء نفسه ، ولم يرده أحد الخصوم ، وبالتالى يعد الحكم الصادر فى الدعوى صحيحا ، ولا يجوز التمسك ببطلانه (1) 0
وذلك لأن حالات الرد أقل خطورة من حالات عدم الصلاحية المطلقة على حياد القاضى ، ولذلك جعل المشرع عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى حالة توافر إحدى حالات الرد نسبية تتوقف على طلب الخصم (2) 0
ثالثا : ميعاد الرد وإجراءاته :
( أ ) ميعاد تقديم طلب الرد :
لم يضع القانون ميعادا زمنيا لتقديم طلب الرد ، ومن ثم فالأصل أن يقدم طلب الرد فى أى وقت ولكن المشرع وضع قيد إجرائيا (3) 0
وهو أنه يجب أن يتم تقديم طلب الرد ، قبل إبداء أى دفع شكلى أو موضوعى ، أو أى دفاع آخر فى الدعوى ، وإلا سقط الحق فيه (4) ، وذلك لأن التكلم فى الموضوع ، أو إبداء أى دفع شكلى يتنافى حتما مع طلب الرد لأنه يعتبر رضاء منهم يتولى القاضى الفصل فى الدعوى (5) 0
____________
= ( على القاضى فى الأحوال المذكورة فى المادة السابقة أن يخبر المحكمة فى غرفة المشورة أو رئيس المحكمة الابتدائية - على حسب الأحوال - بسبب الرد القائم به وذلك للإذن له بالتنحى ، ويثبت هذا كله فى محضر خاص يحفظ بالمحكمة ) 0
(1) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 56 ص 66 ، الوسيط د/ فتحى والى بند 115 ص 216 ، الوسيط د/ رمزى سيف بند 41 ص 72 0
(2) الوسيط د/ أحمد السيد صاوى بند 51 ص 101 ، الوجيز فى المرافعات د/ محمد إبراهيم ص 116 ، بحث رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 11 ص 326 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 109 0
(4) انظر المادة (151/1) مرافعات والتى تنص على أنه ( يجب تقديم طلب الرد قبل تقديم أى دفع أو دفاع وإلا سقط الحق فيه ) 0
(5) المرافعات د / أحمد أبو الوفــا بند 57 ص 67 ، التعليق على قانون المرافعات للديناصورى وعكاز ص442 0
- 236 -
أما إذا كان طلب الرد موجها إلى قاض منتدب بالمحكمة ، لإجراء من إجراءات الإثبات ، فإنه يجب تقديم طلب الرد خلال ثلاثة أيام من ندبه ، إذا كان الندب صادرا فى حضور طالب الرد ، أو فى خلال ثلاثة أيام من تاريخ إعلان الندب إليه إذا كان صادرا فى غيبته (1) 0
غير أنه يلاحظ أنه يجوز تقديم طلب الرد بعد هذه المواعيد فى حالتين هما ، إذا كان حدوث سبب الرد فى تاريخ لاحق على إنتهاء هذه المواعيد ، وإذا أثبت طالب الرد أنه لم يعلم بسبب الرد إلا بعد إنتهاء تلك المواعيد (2) 0
(ب) الجزاء المترتب على عدم تقديم طلب الرد فى الميعاد :
يترتب على عدم تقديم طلب الرد فى الميعاد سالف الذكر ، سقوط حق الخصم فى طلب رد القاضى ، باعتبار أن السقوط هو الجزاء المقرر لمخالفة الميعاد الإجرائى المحدد قانونا للخصم ، ويستثنى من ذلك حالتان هما ، إذا حدث سبب الرد بعد الميعاد المتقدم ، وإذا أثبت الخصم أنه لم يعلم بسبب الرد إلا بعد مضى الميعاد (3) 0
هـذا ، ويلاحظ أن ميعاد التمسك برد القاضى ، وكذلك سقوط الحق فى الرد يتعلقان بالنظام العام ، وذلك على الرغم من كون نظام الرد ذاته مقرر لمصلحة الأشخاص لأن الفرض منهما تعجيل الفصل فى الدعوى ، وتفادى تعطيلها ، وهى اعتبارات تمس الصالح العام ، ومن ثم تقضى المحكمة بعدم قبول طلب الرد المقدم بعد الميعاد ، وبسقوط حق الرد من تلقاء نفسها ، ويجوز التمسك بهما فى أية مرحلة تكون عليها الإجراءات (4) 0
_____________
(1)انظر المادة (151/2) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( ... فإذا كان الرد فى حق قاضى منتدب فيقدم الطلب خلال ثلاثة أيام من يوم ندبه إذا كان قرار الندب صادر فى حضور طالب الرد ، فإن كان صادرا فى غيبته تبدأ الأيام الثلاثة من يوم إعلانه .... ) 0
(2) انظر المادة (151/3) مرافعات والتى تنص على أنه ( ... ويجوز طلب الرد إذا حدثت أسبابه بعد المواعيد المقررة ، أو إذا أثبت طالب أنه لم يعلم بها إلا بعد مضى تلك المواعيد ... " 0
(3) النظام القضائى والاختصاص د/ أمينة النمر بند 38 ص 69 ، بحث رد القضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 83 ص 406 0
(4) د/ أمينة النمر - المرجع السابق بند 38 ص 69 0
- 237 -
( جـ ) طريقة تقديم طلب الـرد :
يقدم طلب الرد بموجب تقرير فى قلم كتاب المحكمة التى يتبعها القاضى المطلوب رده ، يوقعه طالب الرد بنفسه أو وكيله المفوض فى ذلك بتوكيل خاص يرفق بالتقرير ، ويجب على طالب الرد عند التقرير بالرد أن يرفق به كافة المستندات والأوراق المؤيدة له ويجب عليه أن يودع عند التقرير مبلغ ثلاثمائة جنيه سبيل الكفالة وذلك ضمانا لجدية طلب الرد (1) 0وعلى هذا لا يجوز إبداء طلب الرد شفويا فى الجلسة (2) 0
وإذا كان الرد واقعا فى حق قاض جلس أول مرة لسماع الدعوى بحضور الخصوم جاز الرد بموجب مذكرة تسلم لكاتب الجلسة ، وعلى طالب الرد تأييد الطلب . بقلم الكتاب فى اليوم نفسه أو فى اليوم التالى وإلا سقط الحق فيه (3) 0
وإذا لم يبد طالب الرد طلبه بتقرير فى قلم كتاب المحكمة فإن الرد لا يكون قد تحقق ، ويكون للمحكمة المضى فى نظر الدعوى (4) 0
( د ) المحكمة المختصة ينظر طلب الـرد :
تختلف المحكمة المختصة بنظر طلب الرد والفصل فيه ، بحسب ما إذا كان المطلوب رده قاضيا بالمحاكم الجزئيــة ، والابتدائية ، وما إذا كــان قاضيا بمحاكم الاستئناف ومحكمة النقض على النحو التالى :
1- بالنسبة للقضاة بالمحاكم الجزئية والابتدائية ، فإن الاختصاص بنظر طلب الرد والفصل فيه ، ينعقد لإحدى دوائر محكمة الاستئناف التى تقع فى دائرة اختصاصها المحكمة الابتدائية التى يتبعها
_______________
(1) انظر المادة (153) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (18) لسنة 1999 والتى نصت على أنه ( يحصل الرد بتقرير يكتب بقلم كتاب المحكمة التى يتبعها القاضى المطلوب رده ، يوقعه الطالب نفسه أو وكيله المفوض فيه بتوكيل خاص يرفق بالتقرير ، ويجب أن يشتمل الرد على أسبابه وأن يرفق به ما قد يوجد من أوراق ومستندات مؤيدة له.وعلى طالب الرد أن يودع عند التقرير بالرد ثلاثمائة جنيه على سبيل الكفالة ... ) 0
(2) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 269 0
(3) انظر المادة (154) مرافعات 0
(4) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 619 وأشار سيادته إلى حكم نقض جلسة 26/3/1951 - م ق ج - 23 - 903 ] 0
- 238 -
القاضى المطلــوب رده (1) 0
فإذا كان القاضى المطلوب رده منتدبا من محكمة أخرى ، فإن الاختصاص بنظر طلب الرد يظل منعقدا لمحكمة الاستئناف التى تقع فى دائرة اختصاصها المحكمة المنتدب للعمل بها ، دون محكمة الاستئناف التى تقع بدائرة اختصاصها المحكمة المنتدب منها (2) 0
2- وبالنسبة للمستشارين بمحاكم الاستئناف ومحكمة النقض ، فتختص كل محكمة برد قضاتها عن طريق دائرة أخرى غير الدائرة التى يكون القاضى المطلوب رده عضوا فيها (3) حتى لا يكون القاضى خصما وحكما فى وقت واحد (4) 0
غير أنه يلاحظ أنه لا يجوز طلب رد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة أو بعضهم بحيث لا يبقى من عددهم من يكفى للحكم فى الدعوى الأصلية (5) 0
وعلى هذا ، إذ شمل طلب الرد جميع قضاة أو مستشارى المحكمة بحيث لا يبقى منهم عدد كاف لنظر الدعوى الأصلية أو طلب الرد ، قام رئيس المحكمة بحفظ الأوراق لاستحالة اتخاذ الإجراءات التى يتطلبها القانون فى شأن طلب الرد (6) 0
___________
(1) انظر المادة (153/3) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( ويختص بنظر طلب رد أحد قضاة المحاكم الجزئية أو الابتدائية بإحدى دوائر محاكم الاستئناف التى تقع فى دائرة اختصاصها المحكمة الابتدائية التى يتبعها القاضى المطلوب رده ... ) 0
(2) انظر المادة (158)( مرافعات والتى تنص على أنه ( إذا كان القاضى المطلوب رده منتدبا من محكمة أخرى أمر رئيس المحكمة بإرسال تقرير الرد ومستنداته إلى المحكمة التابع هو لها لتطلعه عليها وتتلقى جوابه عنها ثم تعيدها إلى المحكمة الأولى لتتبع فى شأنه الأحكام المقررة فى المواد السابقة ) 0
(3) انظر المادة (153/4) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (23) لسنة 1992 والتى تنص على أنه ( تختص بنظر طلب رد المستشار بمحكمة الاستئناف أو بمحكمة النقض ، دائرة بمحكمة الاستئناف أو بمحكمة النقض حسب الأحوال غير الدائرة التى يكون المطلوب دره عضوا فيها " 0
(4) قانون القضاء المدنى د / محمود هاشم جـ 1 ص 157 0
(5) انظر المادة (164) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (23 لسنة 1992 ) والتى سبق ذكرها ص 324 من نفس البحث هامش (2) 0
(6) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 943 0
- 239 -
(هـ ) كيفية إجابة القاضى على وقائع الرد وأسبابه :
أوجب المشرع على قلم كتاب المحكمة المختصة ، بعد تقديم طلب الرد إليه ، أن يرفع تقرير الرد إلى رئيس المحكمة ، خلال أربع وعشرين ساعة مرفقا به بيان بما قدم من طلبات رد فى الدعوى ، ويجب على رئيس المحكمة أن يطلع القاضى المطلوب رده على التقربر فورا ، وأن يرسل صورة منه إلى النيابة العامة (1) 0
وإذا كان القاضى المطلوب رده منتدبا من محكمة أخرى أمر رئيس المحكمة بإرسال تقرير الرد ومستنداته إلى المحكمة التابع لها هذا القاضى لتطلعه عليها وتتلقى جوابه عنها ، ثم تعيدها إلى المحكمة الأولى لاتخاذ التصرف المناسب ، وفقــا للقواعـــد التى نص عليهــا القانون فى هذا الصــدد (2) 0
ويجب على القاضى المطلوب رده ، أن يجيب كتابه على وقائع الرد وأسبابه خلال الأربعة أيام التالية لاطلاعه على التقرير ، فإذا كانت الأسباب تصلح قانونا للرد ، ولم يجب عليها القاضى المطلوب رده فى الميعاد المحدد ، أو اعترف بها فى إجابته ، واقتنع بها رئيس المحكمة فإنه يصدر أمر بتنحى القاضى (3) 0
____________
(1) انظر المادة (155) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( يجب على قلم كتاب المحكمة رفع تقرير الرد إلى رئيسها مرفقا به بيان بما قدم من طلبات الرد فى الدعوى وما تم فيها ، وذلك كله خلال أربع وعشرين ساعة وعلى الرئيس أن يطلع القاضى المطلوب رده على التقرير فورا ، وأن يرسل صورة منه إلى النيابة " 0
هذا ، والميعاد المنصوص عليه فى الفقرة الأولى هو ميعاد تنظيمى لا يترتب على مخالفته البطلان ، انظر تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز / ص 920 ، قانون المرافعــات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 269 0
(2) انظر المادة (158) مرافعات والتى سبق ذكر ص 238 من هذا البحث 0
(3) انظر المادة (156) مرافعات والتى نصت على أنه (على القاضى المطلوب رده أن يجيب بالكتابة على وقائع الرد وأسبابه خلال أربعة الأيام التالية لاطلاعه 0
وإذا كانت الأسباب تصلح قانونا للرد ولم يجب عليها القاضى المطلوب رده فى الميعاد المحدد ، أو اعترف بها فى إجابته أصدر رئيس المحكمة أمرا بتنحيه ) 0
- 240 -
أما إذا كانت أسباب الرد غير قانونية ، أو لم يقتنع بها رئيس المحكمة أو أجاب القاضى خلال الميعاد وأنكر أسباب الرد ، ورفض الاعتراف بوجود أى سبب منها ، فإن إجراءات الفصل فى الطلب تستمر وفقا لما رسمه القانون (1) 0
وتقوم الدائرة التى تنظر طلــب الرد بتحقيقــه فـــى غرفــة المشورة ، وتحكم فيه فى موعد لا يتجاوز شهرين من تاريخ التقرير ، وذلك بعد سماع أقوال طالب الرد وملاحظات القاضى عند الاقتضاء ، وكذلك سماع أقوال ممثل النيابة إذا تدخلت فى الدعوى ، ويمتنع على المحكمة التى تنظر طلب الرد استجواب القاضى أو توجيه اليمين إليه (2) صونا لكرامة القاضى واحترامه وذلك بهدف إحاطته بالضمانات التى تكفل له الاحترام لأن فى كثير من الأحيان يؤدى ذلك إلى تجريح القاضى وإحراجـه (3)
و - مدى جواز التنازل عن دعوى الـرد :
بداية اختلف الفقه القانوني حول مدى جواز تنازل طالب الرد عن دعوى الرد بعد التقرير بها على النحو التالى :
___________
(1) انظر المادة (157) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( فى غير الأحوال المنصوص عليها فى المادة السابقة تتخذ الإجراءات التالية :
أ - إذ كان المطلوب رده أحد قضاة المحاكم الجزئية أو الابتدائية ، قام رئيس المحكمة الابتدائية بإرسال الأوراق إلى رئيس محكمة الاستئناف المختصة فى اليوم التالى لانقضاء الميعاد 0
ويتولى رئيس المحكمة المختصة بنظر طلب الرد وفقا لأحكام المادة (153) تعيين الدائرة التى تنظر الطلب وتحديد الجلسة التى ينظر فيها 0
ب - يقوم قلم الكتاب المختص بإخطار باقى الخصوم فى الدعوى الأصلية بالجلسة المحدده لنظر طلب الرد ، وذلك لتقديم ما قد يكون لديهم من طلبات رد طبقا لنص الفقرة الأخيرة من المادة (152) .... " 0
(2) انظر المادة (157 / جـ ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( .... (جـ) تقوم الدائرة التى تنظر طلب الرد بتحقيق الطلب فى غرفة المشورة ثم تحكم فيه ، فى موعد لا يجاوز شهرين من تاريخ التقرير وذلك بعد سماع أقوال طالب الرد ، وملاحظات القاضى عند الاقتضاء ، أو إذا طلب ذلك ، وممثل النيابة إذا تدخلــت فــى الدعوى ولا يجوز فى تحقيق طلب الرد استجواب القاضى ، ولا توجيه يمين إليه ) 0
(3) انظر المذكرة الإيضاحية للقانون رقــم 95 لسنة 1976 ، قانون القضاء المدنى د / محمـود هاشم جـ 1 ص 162 0
- 241 -
1- الرأى الأول : ذهب بعض الفقه إلى القول بعدم جواز تنازل طالب الرد عن دعواه بعد التقرير بها ، وذلك لأن دعوى الرد ليست من الدعاوى التى يجوز لرافعها أن يتنازل عنها فى أية حالة تكون عليها ، بل هى نوع خاص ، وهى شبيهة بالدعوى العمومية ، فإذا ما رفعت تعلق بها حق القضاء ، وحق القاضى المطلوب رده ، ومــن ثم يتعين السير فى إجراءاتها حتى يفصل فيها ، ولو قرر المدعى تنازله عنها ، بل ولو قبل القاضى المطلوب رده التنازل وذلك لأن المصلحة العامة تقتضى أن يحكم فى موضوعها صيانة للقضاء من الريب والشبهات وحرصا على دوام احترامه ، فضلا عن أن الحكم فيها يبعد القاضى عن الشك المحيط به (1) 0
وتفريعا على ذلك ، يرى البعض أن غياب الخصوم فى دعوى مخاصمة القاضى ، لا يؤدى إلى شطب الدعوى بل يجب على المحكمة نظرها ، إذ القول بغير ذلك يؤدى إلى قيام الخصوم بالتحايل على مقتضيات النظام العام ، فيتخلفوا عن الحضور ، ثم تشطب الدعوى ، ولا يتم تعجيلها ، فتعتبر كأن لم تكن (2) 0
الرأى الثانى : وذهب بعض الفقه إلى أنه يجوز التنازل عن طلب الرد ، وذلك لأن رد القاضى حق مقرر شرع لمصلحة الخصم له أن يتمسك به أو يتنازل عنه (3) 0
كما أن النزول عن الطلب الرد ، قد يكون أحيانا ، أصون لهيبة القاضى وكرامته (4) 0
والواقع أن هذا الخلاف قد حسم بصدور القانون رقم 95 لسنة 1976 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 ، بمقتضاه أضيفت فقرة جديدة للمادة (159) يفهم منها جواز تنازل طالب الرد عن دعوى الرد حيث نصت المادة (159/3) منه على أنه فى حالة التنازل عن طلب الرد تحكــم المحكمـــة بمصــادرة الكفالــة ) (5) ، كما أضاف المشرع فى
___________
(1) المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 59 ص 71 0
(2) بحث رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 109 ص 429 وقد أشار سيادته فى الهامش إلى حكم نقض مدنى جلسة 29/1/ 1985 فى الطعن رقم 21 لسنة 41 ق 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 160 ، تقــنين المرافعـــات أ / محمــد كمال عبد العزيز ص 930 0
(4) الوسيط د/ رمزى سيف بند 64 ص 83 0
(5) هذا ، وقد استبدلت بالقانون رقم (23) لسنة 1992 ، ثم عدلت بالقانون رقم 18 لسنة 1999 وقد نصت على أنه ( تحكم المحكمة عند رفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو إثبات التنازل عنه علبى طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه ومصادرة الكفالة ..... " 0
- 242 -
القانون رقم 95 لسنة 1976 سالف الذكر مادة جديدة وهى المادة (162) مكرر تفيد نفس المعنى السابق والتى تنص على أنه ( إذا قضى برفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، لا يترتب على تقديم أى طلب آخر وقف الدعوى الأصلية ) 0
إذن المشرع أخذ بالرأى الثانى وهو جواز التنازل عن دعوى الـرد 0
الفرع الرابع
الأثر المترتب على تقديم طلب الرد
فرق المشرع فى الأثر المترتب على تقديم طلب الرد بين طلب الرد الأول ، وطلب الرد التالى للطلب الأول :
أولا : الأثر المرتب على تقديم طلب الرد الأول :
يترتب على تقديم طلب الرد فى الميعاد القانونى ، وقف الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه نهائيا ، ويتم الوقف بقوة القانون دون حاجة إلى صدور حكم بذلمك ، وقطعا لأساليب التلاعب بحق رد القاضى ، أجاز المشرع لرئيس المحكمة التى يتبعها القاضى أن يندب قاضيا ليحل محل القاضى الذى طلب رده ، وأن يستمر نظر الدعوى الأصلية فى طريقها المعتاد ، كما يأخذ طلب الرد طريقة للفصل فيه دون أن يؤثر على استمرار الدعوى الأصلية ، باعتبار أن القاضى المطلوب رده قد أصبح بعيدا عنها ، وبذلك لا يؤثر طلب الرد على سير الدعوى ، ومن ثم لا يتخذ وسيلة للتعطيل وإطالة أمد التقاضى (1) 0
_______________
(1) انظر المادة (162) مرافعات ، والمعدلة بالقانون رقم (23) لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( يترتب على تقديم طلب الرد ، وقف الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه ، ومع ذلك يجوز لرئيس المحكمة ندب قاضى بدلا من طلب رده " ، وأنظر المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 23 لسنة 1992 0
هذا ، وكانت هذه المادة قبل تعديلها تنص على أنه ( يترتب على تقديم طلب الرد وقف الدعوى الأصلية إلى أن يحكم فيه نهائيا ، ومع ذلك يجوز للمحكمة فى حالة الاستعجال ، وبناء على طلب الخصم الآخر ، ندب قاضى بدلا ممن طلب رده 0
كذلك يجوز طلب الندب إذا صدر الحكم الابتدائى برفض طلب الرد وطعن فيه بالاستئناف " 0
وطبقا للتعديل الجديد أصبح لا يشترط لانتهاء حالة الوقف أن يصير الحكم الصادر فى طلب الرد نهائيا ، كما أنه يجوز طبقا للتعديل الجديد لرئيس المحكمة أن يندب قاضى ليفصل فى الدعوى الأصلية ، فى أى =
- 243 -
وبناء على ما تقدم ، إذا لم تندب المحكمة التى يتبعها القاضى المطلوب رده ، قاضيا للفصل فى الدعوى الأصلية ، ولم يصدر قرار بتنحية القاضى المطلوب رده، فإن السير فى هذه الدعوى ، لا يكون بعد الحكم فى طلب الرد (1) 0
ثانيـا : الأثر المترتب على تقديم طلبات الرد التالية للطلب الأول :
فيما يتعلق بالأثر المترتب على تقديم طلبات الرد التالية فقد نص المشرع على أنه إذا قضى برفض طلب الرد الأول ، أو سقوط الحق فيه ، أو عدم قبوله ، أو بإثبات التنازل عنه ، لا يترتب على تقديم أى طلب رد آخر ، وقف الدعوى الأصلية (2) وذلك منعا لتحايل الخصوم الذين يتعمدون تعطيل الفصل فى الدعوى الأصلية ، عن طريق طلبات الرد المتعاقبة (3) 0
وعلى هذا لا يترتب على تقديم طلب الرد التالى وقــف الدعوى الأصلية متى قدم هذا الطلب بعد القضاء فى الطلب الأول برفضه ، أو بعدم سماعه ، أو بعدم قبوله ، أو بإثبات التنازل عنه ، حتى ولو كان الطلب الأول مقدما من خصم آخر ضــد قــاض آخر ، لأن النص جاء عاما مطلقا بقصد الحد من تكرار وقف الدعوى بسبب تكرار طلبات الرد ، وذلك بقصر الأثر الواقف المترتب على مجرد التقرير بالرد على طلب الرد الأول دون الطلبــات الأخـرى التى تقدم
_____________
= حالة ولو لم تتوافر حالة الاستعجال ، ودون حاجة لتقديم طلب بذلك ، كما هو الحال قبل التعديل ، انظر فى ذلك قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 61 هامش (1) ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 937 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 270 0
ويرى بعض الفقه أنه كان الأولى بالمشرع أن يبقى على شرط الاستعجال أى وجود حالة ضرورة تقتضى الفصل فى الطلب الأصلى بسرعة ، انظر فى ذلك : قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 110 ، وانظر فى عرض ذلك دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، وأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 77 ص 98 هامش (1 ، 3 ) 0
(1) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر جـ 1 ص 34 ص 44 0
(2) انظر المادة (162) مكرر مرافعات والمضافة بالقانون رقم 95 لسنة 1976 والت نصت على أنه ( إذا قضى برفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، لا يترتب على تقديم أى طلب رد آخر وقف الدعوى الأصلية ..... " 0
(3) انظر المذكرة الإيضاحية للقانون المرافعات رقم 95 لسنة 1976 0
- 244 -
بعـــد الفصــل فيـــه (1) 0
ويشترط لعدم وقف الدعوى الأصلية بسبب تقديم طلب الرد التالى لسبق تقديم طلب رد آخر فى الدعوى نفسها من خصم آخر ، أن يكون الطلب السابق ( الأول ) قد حكم فيه قبل تقديم طلب الرد التالى برفضه ، أو بسقوط الحق فيه أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، أما إذا قدم قبل صدور حكم فى طلب الرد الأول ، فإنه يترتب عليه وقف الدعوى الأصلية عملا بالمادة (162) مرافعات ، ولذلك فإنه إذا قضى بشىء من ذلك فى طلب الرد الأول بعد تقديم طلب الرد الثانى وقبل الفصل فيه ، فإن وقف نظر الدعوى يستمر حتى يقضى فى طلب الرد التالى ، كما يشترط أيضا - أن يكون طلب الرد السابق قد حكم فيه - قبل التقرير بطلب الرد التالى - برفضه أو بسقوط الحق فيه ، أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، أما إذا كان قد قضى فيه بغير ذلك كما لو حكم ببطلان طلب الرد أو بعدم الاختصاص بنظره ، فإن تقديم طلب رد من غير الخصم طالب الرد الأول يترتب عليه وقف نظر الدعوى الأصلية (2) 0
____________
(1) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 940 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن [ نص المادة (162) مرافعات والمادة (162) مكررا المضافة بالقانون رقم 95 لسنة 1976 يدل - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - على أن المشرع قصد من استحداث النص الأخير - وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية - علاج الحالات التى قد يعمد فيها الخصوم إلى تعطيل سير الدعوى الأصلية عن طريق طلبات الرد المتعاقبة وذلك بأن جعل وقف السير فيها يقع بقوة القانون كأثر لأول طلب رد موجه إلى قاضى ينظرها ، فإذا قضى فى هذا الطلب يرفضــه أو بسقـوط الحق فيه أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، فإن أى طلب آخر بالرد من أى من الخصوم ولو كان موجها إلى قاضى آخر لا يترتب على مجرد تقديمه وقف السير فيها وإنما يكون وقفها فى هذه الحالة جوازيا للمحكمة ...] الطعن رقم 489 لسنة 55 قضائية جلسة 14/1/1987 - م نقض م - 38 - 102 مشار إليه فى تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 940 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 940 0
- 245 -
الفرع الخامس
الحكم فى طلب الرد والطعن فيـه
يجب على الدائرة التى يعهد إليها بنظر طلب الرد ، أن تحكم فيه فى موعد لا يجاوز شهرين من تاريخ التقرير بالرد (1) ويعتبر هذا الميعاد من قبل المواعيد التنظيمية التى لا يترتب على مخالفتها البطلان ، وإنما يقصد به حث القضاة الذين ينظرون طلبات الرد على سرعة الفصل فيها ، حتى لا يطول أمد النظر فى القضايا الأصلية التى أثيرت فى شأنها طلبات الرد (2) 0
أولا : الحكم الصادر فى طلب الرد لا يخرج عن أحد فرضـين :
1- الفرض الأول : القضاء بالـرد :
إذا قضت المحكمة برد القاضى ، ترتب على ذلك استبعاد القاضى الذى صدر الحكم برده عن نظر الدعوى (3) ويسترد طالب الرد فى هذه الحالة الكفالة التى سبق وأن أودعها فى قلم كتاب المحكمة عند التقرير بالرد (4) وأصبح القاضى غير صالح لنظر الدعوى (5) 0
أما بالنسبة للمصروفات فقد اختلف الفقه القانونى بصددها على النحو التالى :
1- الرأى الأول : ذهب بعض الفقه إلى أنه إذا حكم بقبول طلب الرد ، فإن المصروفات يتحملها القاضى الذى حكم برده ، وذلك إعمالا للقواعد العامة (6) 0
____________
(1) انظر المادة (157/ جـ ) والتى سبق ذكرها ص 240 من هذا البحث هامش 2 .
(2) دروس فــى المرافعــات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 طبعة سنة 1992 ، 1993 ص 99 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 920 ، بحث رد القضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 111 ص 436 0
(3) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 113 0
(4) د/ عزمى عبد الفتاح - المرجع السابق جـ 1 ص 113 0
(5) قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 63 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 162 ، قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 112 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 934 0
- 246 -
2- الرأى الثانى : وذهب بعض الفقه إلى أنه إذا حكم بقبول طلب الرد ، فإن المصروفات فى هذه الحالة يتحملها طالب الرد ، ولا يحكم بها على القاضى، لأنه لم يرتكب خطأ بمعنى الصحيح (1) كما لا يحكــم بهــا علـى الخصم الآخر، لأنه لا شأن له بخصومة الرد (2) 0
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا رأى الفقــه القانونى فيمن يتحمل المصروفات فى حالة الحكم بقبول رد القاضى ، فإنى أرى ترجيح ما ذهب إليه الرأى الأول من تحمل القاضى مصروفات طلب الرد وذلك لأن القاضى فى هذه الحالة يعتبر خاسر الدعوى والقواعد العامة تقتضى بأن الذى يتحمل مصروفات الدعوى هو خاسر الدعوى والخصم المحكوم عليها فيها وذلك طبقا لنص المادة (184) مرافعات (3) 0
2- الفرض الثانى : القضاء برفض طلب الرد :
إذا قضت المحكمة برفض طلب الرد ، أو بعدم قبوله أو بإثبات التنازل عنه ، ففى هذه الحالة تحكم المحكمة على طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه ، ومصادرة الكفالة التى سبق وأن أودعها فى قلم كتاب المحكمة عند التقرير بالرد ، إلا إذا كان طلب الرد مبنيا على قيام عداوة أو مودة بين القاضى وأحد الخصوم يرجح معها عدم استطاعة القاضى الحكم بغير ميل ، ويحكم برفض طلب الرد ، فعندئذ يجوز زيــادة مبلغ الغرامة إلى ثلاثة آلاف جنيــه (4) 0
________________
(1) قانون المرافعات د/ نبيل إسماعيل عمر - منشأة المعارف بالإسكندرية سنة 1994 ص 23 0
(2) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا طبعة سنة 1990 بند 64 ص 90 هامش (2) ، وانظر فى عرض ذلك بالتفصيل بحث رد البقضاة لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 113 ص 437 0
(3) انظر المادة (184) مرافعات والتى نصت على أنه ( يجب على المحكمة عند إصدار الحكم الذى تنتهى به الخصومة أمامها أن تحكم من تلقاء نفسها فى مصاريف الدعوى ويحكم بمصاريف الدعوى على الخصم المحكوم عليه فيها .......... " 0
(4) انظر المادة (159/1) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم (18) لسنة 1999 والتى نصت على أنه ( تحكم المحكمة عند رفض طلب الرد أو سقوط الحق فيه أو عدم قبوله أو إثبات التنازل عنه ، على طالب الرد بغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه ومصادرة الكفالة ، وفى حالة ما إذا كان الرد مبنيا على الوجه الرابع من المادة (148) من هذا القانون ، يجوز إبلاغ الغرامة إلى ثلاثة آلاف جنيه " 0
- 247 -
وذلك منعا للخصوم من إساءة استعمال الحق المخول لهم فى هذه الحالة من حالات الرد وقد يتخذونها وسيلة للتجنى على القضاة واتهامهم بغير الحق (1) 0
هذا ، وتتعدد الغرامة الواجب الحكم بها ، بتعدد القضاه المطلوب ردهم (2) ومع ذلك يعفى طالب الرد من الغرامة إذا ثبت تنازله عن طلب الرد فى الجلسة الأولى ، أو إذا كان التنازل بسبب تنحى القاضى المطلوب رده ، أو نقله ، أو انتهاء خدمته (3) وذلك تشجيعا لطالب الرد على التنازل عنه (4) 0
وقد أضاف المشرع ، حالة التنازل عن طلب الرد إلى حالات الحكم بالغرامة ، لأن بعض الخصوم بعد أن يصلوا إلى غرضهم فى تعطيل الفصل فى الدعوى الأصلية بطلب الرد يعمدون إلى التنازل عن الطلب ، ومن هنا رأى المشرع أن لا يعفى طالب الرد من الغرامة إلا إذا قرر بتنازله عن الطلب فى الجلسة الأولى ، حثا منه على إنهاء نزاع يعلم من آثاره أنه لا ظل له من الحقيقـــة (5) 0
كما أن للقاضــى بالإضافة إلى ما تقدم المطالبة بالتعويض ، إذا سبب له طلب الرد ضررا أدبيــا (6) 0
هذا ، ويخضع طلب التعويض المرفوع من القاضى ضد طالب الرد للقواعد العامة فى المسئولية التقصيرية فــى ضوء الضوابط التى تحكم إساءة استعمال حـق التقاضى ، فيتعين أن يثبت فى حق
_____________
(1) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 58 ص 70 ، نظرية الاختصاص د/ عبد الباسط جميعى ص 32 0
(2) انظر المادة (159/2) مرافعات والتى نصت على أنه ( ... وفى كل الأحوال تتعدد الغرامة بتعدد القضاه المطلوب ردهم " 0
(3) انظر المادة (159/3) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى نصت على أنه ( ... ويعفى طالب الرد من الغرامة فى حالة التنازل عن الطلب فى الجلسة الأولى ، أو إذا كان التنازل بسبب تنحى القاضى المطلوب رده ، أو نقله ، أو انتهاء خدمته ) 0
(4) قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 273 0
(5) المذكــرة الإيضاحيــة للقانون رقــــم 23 لسنة 1992 ، تقنين المرافعـــات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 929 0
(5) قانون القضاء المدنى د/ عزمى عبد الفتاح جـ 1 ص 113
طالب الرد ما يشكل خطأ وفقا لهذه الضوابط بأن يكون طلب الرد بما حواه أو أبدى فيه من دفاع ، قد انطوى على ما ينال من نزاهة القاضى أو حيدته ، أو سمعته وذلك حتى يتحقق المقصود بإساءة استعمال حق التقاضى من استعماله استعمالا كيديا بغية الأضرار بالقاضى ، فإن لم يتوافر الخطأ بهذا المفهوم فى جانب طالب الرد انهار أساس دعوى التعويض ، كما يتعين أن ثبت أن القاضى قد لحقه ضرر من جراء تقديم طلب الرد بالضوابط التى تحكم المقصود بالضرر فى نطاق المسئولية التقصيرية ، ثم يتعين أن تقوم رابطة السببية بين ذلك الخطأ وهذا الضرر ، ويقع على عاتق القاضى طالب التعويض عبء إثبات توافر هذه الأركان الثلاثة (1) 0
هـذا ، ويترتب على الحكم برفض طلب الرد ، أو عدم قبوله ، أو سقوط الحق فيه ، أو بطلانه ، أن تعود الخصومة الأصلية - التى أوقفت عند تقديم طلب الرد - إلى سيرها الطبيعى أمام نفس القاضى ، لأن طلب رد القاضى عن نظر الدعوى ، لا يعتبر خصومة حقيقية تجعل القاضى غير صالح لنظر الدعوى (2) إلا إذا كان القاضى الذى طلب رده قد رفع دعوى تعويض على طالب الرد ، أو قدم ضده بلاغا لجهة الاختصاص ، فإن هذا يزيل صلاحيته لنظر الدعوى والحكم فيها ، ويتعين عليه أن يتنحى عن نظـر الدعوى (3) 0
وإذا استمر القاضى رغم ذلك فى نظر الدعوى ، فإن عمله يقع باطلا ، طبقا لنص المادة (147) مرافعات ، وهذا البطلان ينصب على ما أصدره القاضى من قرارات أو أحكام سابقة على الفصل فى الموضوع ، أو أحكام نهائية تالية لرفعــه دعــواه بالتعويض ، أو تقديمه بلاغا لجهة
____________
(1) التقنين المدنى فى ضوء القضاء والفقه أ / محمد كمال عبد العزيز مكتبة نادى القضاه الجزء الأول فى الالتزامات - التعليق على المادة (163) مدنى ص 552 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 944 ، وقضت محكمة النقض فى هذا الصدد أن : [ من حق القاضى الذى تقرر برده أن يلجأ إلى القضاء للحكم على طالب الرد بالتعويض إعمالا للقواعد العامة التى تقضى بمساءلة من انحرف عن استعمال حق التقاضى عن الأضرار التى نجمت عن ذلك ] [ الطعن رقم 183 لسنة 55 قضائية جلسة 5/1/1981] المرجع السابق ص 943 0
(2) قانون المرافعات د/ أحمد خليل ص 63 ، قواعد المرافعات د/ محدد العشماوى ، د/ عبد الوهاب العشماوى جـ 1 ص 273 0
(3) انظر المادة (165) مرافعات والتى سبق ذكرها ص من نفس البحث 0
- 249 -
الاختصاص ، أما أعمال القاضى السابقة على ذلك فإنها تكون صحيحة ، لأن سبب عدم الصلاحية لم ينشأ بعـد (1) 0
ثانيـا : الطعن فى الحكم الصادر فى طلب الـرد :
بعد أن ألغى المشرع بالقانون رقم 23 لسنة 1992 المعمول به اعتبارا من 1/10/1992 المادتان (160 ، 161) من قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 (2) . أصبح الطعن فى الحكم الصادر فى طلب الرد يخضع للقواعد العامة للطعن باعتبارها هى الأصل ما لم يرد ما يدل على خلافها (3) 0
وبناء على ما تقدم يلاحظ الآتى :
1- لا يجوز الطعن بالاستئناف فى الحكم الصادر فى طلب رد القاضى بالمحاكم الجزئية والابتدائية ، والمستشارين بمحاكم الاستئناف ، لأن هذه الأحكام تصدر من محكمة الاستئناف ، فلا تقبل الطعن فيها بالاستئناف (4) . لصيرورة الحكم نهائى (5) 0
2- كذلك لا يجوز الطعن بالمعارضة فى الحكم الصادر فى طلب الرد ، لأن الحكم يصدر بدون مرافعة ، وبالتالى ليس لحضور الخصوم أو غيابهم أى تأثير فيه ، كما أن المادة (325) من قانون المرافعات الملغى ، كانت تنص على أن الفصل فى طلب الرد يكون علـى وجــه السرعـة ،
_____________
(1) التعليق على قانون المرافعات للديناصورى وعكاز ص 444 التعليق على المادة (165) 0
(2) وفى هذا الصدد ، كانت المادة (160) مرافعات قبل إلغائها تنص على أنه ( يجوز لطالب الرد استئناف الحكم الصادر فى طلبه برد قاضى محكمة المواد الجزئية ، أو قضاة المحكمة الابتدائية ، ولو كان موضوع الدعوى مما يحكم فيه نهائيا . ويكون الاستئناف بتقرير يكتب تعلم كتاب المحكمة التى أصدرت الحكم وذلك خلال خمسة الأيام التالية ليوم صدوره " 0
وتنص المادة (161) مرافعات قبل إلغائها على أنها ( على قلم كتاب محكمة الاستئناف عرض الأوراق على رئيس المحكمة لاحالتها إلى إحدى دوائرها لتنظرها وتصدر حكمها فيها على الوجه المبين بالمادة (157) .... " 0
(3) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 102 0
(4) د/ أحمد ماهر زغلول - المرجع السابق جـ 1 ص 102 0
(5) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 925 0
- 250 -
وهذا يقتضى أن يكون الحكم الصادر ، غير قابل للطعن فيه بالمعارضة (1) 0
3- أيضا لا يجوز الطعن بأى طريق فى الأحكام الصادرة فى طلبات رد المستشارين بمحكمة النقض ، لأن هذه الأحكام تصدر من محكمة النقض ، وهى أحكام باته لا يجوز الطعن فيها بأى طريــق (2) 0
4- يحوز الطعن بالنقض فى الأحكام الصادر من محكمة الاستئناف فى طلبات رد القضاه بالمحاكم الجزئية والابتدائية ، والمستشارين بمحاكم الاستئناف (3) 0
ويسرى على الطعن الأحكام المقــررة فى الطعن بالنقض سواء من حيث المواعيد أو الإجــراءات (4) 0
ثالثا : من لـه حق الطعن فى الحكـم :
لما كان المشرع فى المادة (157/ د ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 جعل عدم جواز الطعن بالنقض فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى الأصلية مما يعنى أن المشرع خول لطالب الرد الحق فى الطعن فى الحكم الصادر فى طلب الــرد (5) 0
_____________
(1) شرح قانون المرافعات د/ عبد المنعم الشرقاوى جـ 1 بند 118 ص 219 ، بحث رد القضاه - لأستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 119 ص 443 0
هذا ويلاحظ أن نظام المعارضة قد ألغى فى المواد المدنية والتجارية بمقتضى القانون رقم (100) لسنة 1962 ، وكذلك ألغى فى مواد الأحوال الشخصية بموجب القانون رقم (1) لسنة 2000 الخاص بتنظيم بعض أوضاع إجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية 0
(2) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 102 ، وانظر نص المادة (272) مرافعات والتى نصت على أنه ( لا يجوز الطعن فى أحكام محكمة النقض بأى طريق من طرق الطعن ) 0
(3) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 102 0
(4) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 926 0
(5) انظر المادة (157/ د ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 والتى تنص على ( .... وفى جميع الأحوال لا يجوز الطعن فى الحكم الصادر برفض طلب الرد إلا مع الطعن فى الحكم الصادر فى الدعوى الأصليــة ) 0
- 251 -
ولكن الفقه القانونى قد اختلف حول مدى أحقية القاضى فى الطعن فى الحكم الصادر برده على النحو التالى :
الرأى الأول : ذهب بعض الفقه إلى عــدم أحقية القاضى فى الطعن على الحكم الصادر بــرده ، (1) لأن المشرع قد قصر الحق فى الطعن على طالب الرد وحده ، إذا ما قضى برفض طلبه عملا بالمادة (157/ د) مرافعات ، ولأنه ليس خصمــا حقيقيا فــى طلــب الرد (2) ولأنه لا يتفق مع كرامته أن يصر على نظر دعوى معينة ولو كانت الوقائع المنسوبة إليـه غير صحيحة ، وحسبه فى ذلك أن يرفع دعوى تعويض على طالب الرد (3) 0
الرأى الثانى : وذهب بعض الفقه إلى أحقية القاضى فى الطعن على الحكم الصادر برده وذلك لأن القاضى يعتبر خصما حقيقيا فى خصومة الرد ، وبالتالى من حقه الطعن فى الحكم الصادر برد طبقا للقواعد العامة ، وذلك بالرغم من عدم النص على ذلك صراحة (4) فضلا عن أن نظام الرد لا يهدف فقط إلى كفالة حق المتقاضين فى أن تنظر دعاويهم دون تحيز أو هوى ، وإنما يهدف أيضا إلى حماية القاضى من إتهامات متسرعة لا أساس لها من الحقيقة وبالتالى لا ينبغى مصادرة حق القاضى فى الدفاع عن نفسه بإنكار حقه فى الطعن فى الحكم الصادر برده (5) 0
كما أن طعن القاضى على الحكم الصادر برده لا يتنافى مع كرامته لأن الغرض من ذلك ليس هو التشبث والتمسك بالحكم فى الدعوى ، وإنما دفع ما قد يترتب على الحكم الصادر بالرد من مساس بسمعته خاصة إذا كان مبنى الرد قبول هدية من أحد الخصوم (6) 0
_____________
(1) المرافعات المدنيــة والتجاريــة د/ عبد الحميد أبو هيف بند 997 ص 706 ، قانون المرافعات د/ محمد عبد الخالق عمر جـ 1 ص 274 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 925 ، دراسات فى قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ، أستاذنا الدكتور / السعيد الأزمازى بند 8 ص 103 0
(3) المرافعات د/ أحمد أبو الوفا بند 60 ص 71 0
(4) الوسيط د/ رمزى سيف بند 65 ص 83 0
(5) دروس فى المرافعات د/ أحمد ماهر زغلول جـ 1 ص 103 0
(6) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم دـ 1 ص 164 0
- 252 -
الرأى الراجـح :
بعد أن عرضنا رأى الفقه القانونى فى مدى أحقية القاضى فى الطعن على الحكم الصادر برده - فإنى أرى ترجيح الرأى الثانى القائل بأحقية القاضى فى الطعن وذلك لأن نظام الرد يقوم فى بعض جوانبه على حماية القاضى والحفاظ على هيبته وتوفير الضمانات له ، وإتاحة الفرصة له بالطعن ضمانة من هذه الضمانات 0
المطلب الثالث
حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى
نظم المشرع حالات تنحى القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى ولو لم يطلب ذلك أحد الخصوم وهذه الحالات تتمثل فى حالتين على النحو التالى :
الحالة الأولى : حالة توافر حالة من حالات الرد:
سبق وأن ذكرنا فــى المطلب السابق أنه إذا توافرت فى حق القاضى إحدى حالات الرد سالفة الذكر ، ولم يطلب أحد من الخصوم رد القاضى عن نظر الدعوى ، يجوز للقاضى فى هذه الحالة أن يتنحى عن نظر الدعوى والتنحى هنا جوازى للقاضى ومتروك لضميره ، وآية ذلك أنه إذا لم يتنحى عن نظر الدعوى ولم يطلب أحد الخصوم رده ، وأصدر القاضى حكمه فى الدعوى فإن هذا الحكم يكون صحيحا لا بطلان فيه ، بعكس حالات عدم الصلاحية المطلقة (1) 0
وعلى القاضى فى حالة توافر إحدى حالات الرد أن يخبر المحكمة فى غرفة المشورة أو رئيس المحكمة الابتدائية - على حسب الأحوال - بسبب الرد القائم به لكى تأذن له بالتنحى ، ويثبت هذا فى محضر خاص يحفظ بالمحكمة (2) 0
الحالة الثانية : حالة عدم توافر إحدى حالات الـرد :
أجاز المشرع للقاضى التنحى عن نظر الدعوى من تلقاء نفسه فى حالة عدم توافر إحدى حالات الرد آنفة البيان ، وذلك إذا استشعر الحرج مـن نظر الدعــوى لأى سبب من الأسباب ،
_____________
(1) قانون القضاء المدنى د/ محمود هاشم جـ 1 ص 166 ، الوجيز قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 48 ، تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز ص 894 0
(2) انظر المادة (149) مرافعات والتى سبق ذكرها ص 234من نفس البحث هامش (6) 0
- 253 -
وإذا أراد القاضى التنحى فعليه أن يعرض أمر تنحيه على المحكمة فى غرفة المشورة ، وذلك عندما تكون الدائرة مشكلة من أكثر من قاض ، أو على رئيس المحكمة وذلك للنظر فى إقراره على التنحى (1) 0
هـذا ، ومن الأسباب التى قد تجعل القاضى يشعر بالحرج أن يكون القاضى قد أبدى رأيا علميا فى مؤلف ، أو بحث يخدم أحد طرفـــى الدعــوى ، أو أن يكون أحد الخصوم صديقا لقريب له (2) 0
والحكمة من تعليق المشرع تنحى القاضى عن نظر الدعوى على إقرار المحكمة أو رئيسها له بالتنحى رغبة منه حتى لا يكون هــذا التنحى وسيلـــة لعــدم أداء القاضى لواجبه فى نظر الدعوى (3)
هذا ، ويلاحظ أن القرار بتنحية القاضى هو قرار إدارى وليس حكما مما يخبر به الخصوم ، ولا يجوز الطعن فيه (4) 0
______________
(1) انظر المادة (150) مرافعات والتى نصت على أنه ( يجوز للقاضى فى غير أحوال الرد المذكورة ، إذا استشعر الحرج من نظر الدعوى لأى سبب ، أن يعرض أمر تنحيه على المحكمة فى غرفة المشورة ، أو على رئيس المحكمة للنظر فى إقراره على التنحى ) 0
(2) الوجيز فى المرافعات د/ محمد محمود إبراهيم ص 122 0
(3) الوسيط د/ فتحى والى بند 116 ص 218 0
(4) الوجيز فى قوانين المرافعات د/ أمينة النمر ص 48 بند 36 0
- 254 -
المبحث الثالث
الموازنة بيـن الشريعة والقانون
بخصوص حماية القاضى من نفـسه
منن خلال العرض السابق يتبين لنا الآتى :
أولا : اعتنى الفقــــه الإسلامى بالقاضى ووضع له الضمانات الكفيلة التى تحميه مــن نفســه وذلك يمنعــه من نظر الدعوى كلما قام سبب من أسباب عدم الصلاحية التى ذكرها الفقهاء سالفة الذكر ، بهدف إبعاده عن كل ما يؤدى إلى شبهة الاتهام أو التحيز ، فإذا توافرت إحدى حالات عدم الصلاحية فى حق القاضى أصبح القاضى غير صالح لنظر الدعوى وممنوعا من سماعها وإذا استمر القاضى رغم ذلك فى مباشرة الدعوى وأصدر حكما فيها ، كان حكمه باطلا ، مستحقا للفسخ ، وفضلا عن ذلك إذا لم يتنح القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى جاز للخصوم طلب رد القاضى ، حيث إن الفقه الإسلامى لم يميز بين حالات عدم الصلاحية والرد ، ورتب على مخالفة ذلك عدم نفاذ الحكم وبطلانه . وذلك على العكس من القانون الوضعى حيث تبين لنا من العرض السابق لضمانات حماية القاضى من نفسه فى القانون الوضعى وجدنا أن المشرع المصرى منع القاضى من نظر الدعوى كلما قام سبب يدعو إلى الشك فى قضائه فيها بغير ميل أو تحيز ، إلا أن المشرع المصرى فرق بين حالات عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى ، وذلك على أساس أن هناك حالات تضعف لها النفس عادة ولا يستطيع القاضى الحكم فيها بغير ميل أو تحيز ، وهناك حالات أخرى أقل تأثيرا على حياد القاضى ولذلك قسم المشرع المصرى حالات عدم الصلاحية إلى ما يلـى :
1- عدم الصلاحية المطلقة لنظر الدعوى 0
2- عدم الصلاحية النسبية لنظر الدعوى " والمعروفة بنظام رد القاضى " 0
وبناء على ذلك فرق فى الأثر المرتب على توافرها :
حيث يترتب على توافر إحدى حالات عــدم الصلاحيــة المطلقة ، جعل القاضى ممنوعا من سماع الدعوى بقوة القانون ، حتى ولو لم يرده أحد الخصوم ، بحيث إذا استمر القاضى فى نظر الدعوى ، رغــم تحقــق إحــدى هــذه الحــالات ، وأصدر حكمه ، فإن حكمه يكون باطلا ، ولا يصحح هذا البطلان اتفاق الخصــوم أو تراضيهم علــى استمــرار القاضى فــى نظر الدعوى وذلك لتعلق حالات عدم الصلاحية المطلقة بالنظام العام ، ويكون للخصوم الحق فى التمسك بهذا البطلان والطعن على الحكم 0
- 255 -
أما بالنسبة لحالات عدم الصلاحية النسبية أى ( حالات رد القاضى ) فيرتب على توافر إحداها التزام القاضى بأن يخبر المحكمة بتوافر إحدى حالات الرد لكى تأذن له المحكمة بالتنحى عن نظر الدعوى ، ويكون للخصوم الحق فى طلب تنحى القاضى عن نظر الدعوى ، ومع ذلك إذا لم يتنح القاضى من تلقاء نفسه عن نظر الدعوى ولم يطلب أحد الخصوم تنحيته عن نظر الدعوى ، وأصدر حكمه كان حكما صحيحا . وذلك لأن هذه الحالات أقل خطورة من حالات عدم الصلاحية المطلقة على حياد القاضى ، ولذلك جعل المشرع عدم صلاحية القاضى لنظر الدعوى فى تلك الحالات نسبية تتوقف على طلب الخصوم أو أحدهما ) وبناء على ما تقدم نجد أن كلا من عدم الصلاحية المطلقة والنسبية تعتبر سببا للـرد إلا أن الأثر بينهما يختلف فالأولى يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى بقوة القانون أما الثانية فتتوقف على طلب الخصم ، الأولى يترتب على مخالفتها بطلان الحكم ، أما الثانية فلا يترتب على مخالفتها البطلان 0
من هذا كله يتبين لنا أن الفقه الإسلامى جعل الأثر فى حالة توافر إحدى حالات عدم الصلاحية واحدا ، وهو بطلان الحكم ، إذا ما شابته شبهة من شأنها أن تطعن فى نزاهة القاضى وحيدته ، وأن حكمه فى هذه الحالة لايتمتع بالحماية التى تتمتع بها الأحكام القضائية ، فالفقه الإسلامى وحد بين أسباب الرد وعدم الصلاحية على العكس من المشرع المصرى الذى فرق بينهما ، وكان ينبغى علىالمشرع المصرى أن يوحد بينهما ، وذلك عملا على تبسيط الإجراءات وتوحيدها ، حتى يتفق مع الشريعة الإسلامية ، حيث إنها شريعة صالحة لكل زمان ومكــان 0
ثانيـا : أن الفقه الإسلامى لم يشترط دفع كفالة مالية عند طلب أحد الخصوم رد القاضى عن نظر الدعوى وذلك تحقيقا لمبدأ كفالة حق التقاضى للناس كافة ، وذلك بعكس القانون الوضعى حيث اشترط المشرع إذا أراد أحد الخصوم رد القاضى عن نظر الدعوى أن يدفع كفالة مالية معينة فى قلم الكتاب عند التقرير بالرد وذلك ضمانا لجدية دعوى الرد وحماية للقاضى من دعاوى الرد الكيدية 0
ثالثا : أن الفقه الإسلامى وضع ضمانات أخرى تحمى القاضى من نفسه ومن نوازع الشرفيه كإنسان حيث أوجب عليه عدم الجلوس لنظر الدعوى إلا إذا كان فى أحسن حال من التأثيرات النفسية،وأوجب عليه عدم القضاء فىالحالات التىيسوء فيها خلقه لأن ذلك يضمن وجود قضاء عادل يشيع الطمأنينة بين الناس،علىالعكس من القانون الوضعىالذى لم يتعرض لذلك وهذا يعتبر قصورا فى التشريع الوضعى ، إذ ينبغى عليه أن يتعرض لمثل هذه لحالات وينص صراحة على عدم القضاء فى الحالات التى يسوء فيها خلق القاضى لما لها من أثر على إصدار حكمه 0
- 256 -
الباب الثاني
( ضمانــات نزاهــــــة القاضـــي )
***********
تمهيــد :
لما كانت ضمانات نزاهة القاضي من المبادئ والأسس الهامة التي لابد من توافرها لقيام أي نظام قضائي عادل وذلك ضمانا لحسن سير القضاء ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه في هذا الباب عن ضمانات نزاهة القاضي وذلك من خلال الفصول الآتية :
الفصل الأول :
المبادىء التي تقوم عليها نزاهة القاضي 0
الفصل الثاني :
الأمور التي بها تتحقق نزاهة القاضي 0
الفصل الثالث :
الآداب التي يجب أن يتحلى بها القاضي 0
- 257 -
الفصل الأول
المبادئ التي تقوم عليها نزاهة القاضي
*****************
تمهيــد :
توجد مجموعة من المبادىء الهامة التي يجب أن تقوم عليها نزاهة القاضي وتتحقق بـها سنتحدث عنها بمشيئة الله وتوفيقه تفصيلا في هذا الفصل من خلال المباحث التالية :
المبحث الأول :
مبدأ علانية الجلسات في الفقـــــــــه الإسلامــــــــــــي
والقانون الوضعي
المبحث الثاني :
مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصـــــــــــــــوم
في الفقــــــه الإسلامي والقانون الوضعي 0
المبحث الثالث :
مبدأ حرية الدفاع والمناقشـــــــــــــــــة في الفقــــــــه
الإسلامــــــي والقانون الوضعي 0
المبحث الرابع :
مبدأ مجانية القضاء في الفقــــــــــــــه الإسلامـــــــي
والقانـــون الوضعي
المبحث الخامس :
مبدأ المســـــاواة بين المتقاضــــــــين في الفقـــــه
الإسلامــــي والقانون الوضعي 0
- 258 -
المبحث الأول
مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي
والقانـــون الوضعــي
*********
وسنتحدث في هذا المبحث عن مطلبين هما :
المطلب الأول : مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني : مبدأ علانية الجلسات في القانون الوضعي 0
المطلب الأول
مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي
****************
( 1 ) المقصود بمبدأ علانية الجلسات :
يقصد بعلانية الجلسات أن يتم نظر الدعوى والمرافعة فيها في جلسة علنية مفتوحة للجميع بحيث يكون لكل شخص الحق في حضورها وأن يتابع كل خطواتـها وأن يصدر الحكم في جلسة علنية ، ولذلك آستحب الفقهاء أن يحضر مجلس القضاء جماعة مـــن الفقهاء (1) 0
ونصت المادة ( 1815 ) من مجلة الأحكام العدلية على أنه ( يجرى القاضي المحاكمة علنا ولكن لا يفشى الوجه الذي سيحكم به قبل الحكم ) (2) 0
( 2 ) مدى تحقق مبدأ علانية الجلسات في الفقه الإسلامي :
الأصل في الفقه الإسلامي أن تكون جلسات المحاكمة علنية حتى يعلم الناس بالخصومات فيتدخل فيها من يجد أنـها تتعدى إليه (3) 0
فمبدأ علانية الجلسات من المبادىء الأساسية المستقرة في الفقه الإسلامي يؤكد ذلك الواقع العملي الذي كان عليه قضاء – رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير على الهداية 7 / 271 ، تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 37 0
(2) انظر مجلة الأحكام العدلية – مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى – الإصدار الأول سنة 1999 ص 226 0
(3) القضاء في الإسلام د / محمد سلام مدكور ، مرجع سابق ، ص 49 0
- 259 -
حيث كانوا يجلسون للقضاء في المسجد أو في مكان عام لا يمنع من دخوله أحد وهذا يدل على أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ علانية الجلسات ولذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقضي بين الخصوم في معتكفه وكان الخلفاء الراشدون – رضي الله عنهم – من بعده يجلسون في المساجد للفصل في الخصومات بين الناس (1) ، ومن الوقائع التي تدل على قضاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المسجد ما أخرجه الطبراني مسندا إلى الإمام ابن عباس قال ( بينما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطبنا يوم الجمعة إذ أتى رجل فتخطى رقاب الناس حتى قرب إليه فقال : يا رسول الله أقم علىَّ الحد، فقال : اجلس فجلس ، ثم قام الثانية : فقال يا رسول الله أقم علىَّ الحد ، فقال : اجلس فجلس ثم قام الثالثة فقال يا رسول الله أقم علىَّ الحد ، قال وما حدك قال أتيت امرأة حراما ، فقال – صلى الله عليه وسلم – لعلى وابن عباس وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان- رضي الله عنهم– انطلقوا به فاجلدوه ولم يكن قد تزوج فقيل يا رسول الله ألا تجلد التي خبث بـها ، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : من صاحبتك ؟ قال فلانه فدعاها ثم سألها ، فقالت : يا رسول الله كذب علىَّ والله إني لا أعرفه ، فقال – صلى الله عليه وسلم : من شاهدك ؟ فقال يا رسول الله مالي شاهد فأمر به فجلد حدّ الضربة ثمانين جلده " (2) 0
هذا ، ويقول الإمام السرخسي في المبسوط ( وأحب إلى أن يقضي حيث تقام جماعة الناس يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات لأن ذلك يكون أبعد عن التهمة ولأنه يتمكن كل واحد من أن يحضر مجلسه عند حاجته ولا يشتبه عليه موضعه ولا يحتاج إلى من يهديه إلى ذلك من الغرباء كان أو من أهل المصر " (3) 0
ويوضح علاء الدين الطرابلسي صاحب كتاب معين الحكام الحكمة من الجلوس للقضاء في المسجد وأنه يحقق مبدأ علانية الجلسات فيقول : ( ولأن القضاء في المسجد أنفى للتهمة عن القاضي وأسهل للناس للدخول عليه فأجدر أن لا يحجب عنه أحد 00" (4) 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير على الهداية للكمال ابن الهمام ، الجزء السابع ، ص 269 ، نظرية الدعـــوى د / محمد نعيم عبد السلام ياسين ص 401 0
(2) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام 7 / 269 0
(3) المبسوط للسرخسي جـ 16 المجلد الثامن ص 83 0
(4) معين الحكام للطرابلسي ص 18 0
- 260 -
ولا يعني هذا وجوب أن يكون مجلس القضاء في المسجد بل يجوز أن يكون في دار مستقلة تخصص لذلك وينبغي أن تكون واسعة حتى تسع الخصوم وغيرهم وفي وسط البلد حتى يعرفها كل الناس ولا يشق على أحد الذهاب إليها (1) 0
ومما يؤكد مبدأ علنية الجلسات في الفقه الإسلامي نص أئمة المذاهب على استحباب حضور الفقهاء مجلس القضاء ومشاورتـهم فيما أشكل عليه ولذلك قال الكمال بن الهمام في شرحه لقول صاحب الهداية ويجلس معه من كان يجالسه قبل ذلك لأن في جلوسه وحده تـهمة الرشوة والظلم ، قال وروي أن عثمان – رضي الله عنه – ما كان يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة ، ويستحب أن يحضر مجلسة جماعة من الفقهاء من كل مذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه ، وكان أبو بكر يحضر عمر وعثمان وعليا حتى قال أحمد : يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب ويشاروهم فيما يشكل عليه 000 " (2) 0
وقال بن فرحون في مقام ذكره لما ينبغي للقاضي أن يفعله في سيرته في الأحكام ما نصـه ( ومنها أنـهم قالوا لا يقضي القاضي إلا بحضرة أهل العلم ومشورتـهم لأن الله تعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ( وشاورهم في الأمر ) قال الحسن البصري كان - صلى الله عليه وسلم - مستغنيا عن مشاورتـهم ولكنه أراد أن تصير سنة للحكام (3) 0
وقال أبو اسحاق الشيرازي في المهذب (4) ، والمستحب أن يحضر مجلسه الفقهاء ليشاورهم فيما يشكل عليه ، لقوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر 0000 ) (5) 0
وقال ابن قدامة الحنبلي ( قال أصحابنا يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب حتى إذا حدثت حادثة يفتقر إلى أن يسألهم عنها سألهم ليذكروا أدلتهم فيها وجوابـهم عنها فإنه أسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه (6) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشيتا قليوبي وعميرة مرجع سابق الجزء الرابع ص 303 0
(2) شرح فتح القدير للكمال من الهمام 7 / 269 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 37 0
(4) المهذب للشيرازي مطبعة دار إحياء الكتب العربية الجزء الثاني ص 297 0
(5) سورة آل عمران الآية رقم ( 159 ) 0
(6) المغني لابن قدامة 11/ 398 0
- 261 -
وإذا كان الفقهاء قد استحبوا حضور أهل العلم والفقه في مجلس القضاء ليشاورهم القاضي في المسألة المعروضة عليه إلا أنه إذا دخل على القاضي حصر في جلوس أهل العلم عنده أو شغله عن شيء من أمور المسلمين جلس وحده لأن طباع الناس في ذلك تختلف فمنهم من يمنعه حشمة الفقهاء مما يريده من فصل القضاء ومنهم من يزداد قوة على ذلك ، فإذا كان القاضي ممن يدخله حضر بحضرة الفقهاء جلس وحده ولكن هذا في حق القاضي المعروف بالفقه ، والعدالة ، لأنه بالفقه يؤمن غلطه وبالعدالة يؤمن جوره (1) 0
أما إذا كان القاضي بليدا أو أشكل عليه الحكم في القضية تكون مشاورة أهل الفقه والعلم واجبة ولذلك نقل عن القاضي حسين قوله في مغني المحتاج : وإذا أشكل الحكم تكون المشاورة واجبة ، وإلا فمستحبة ) (2) 0
مما سبق يتضح لنا أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ علنية الجلسات وأن هذه العلانية تكفل حسن أداء القاضي لعمله وتؤكد نزاهته كما تثبت في نفوس المتقاضين الثقة والطمأنينة في عمل القاضي 0
( 3 ) حكم اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء وآراء الفقهاء في ذلك :
سبق وأن ذكرنا أن الفقه الإسلامي أخذ بمبدأ علنية الجلسات وذلك عن طريق جعل انعقاد جلسات القضاء في المسجد وذكرنا وقائع عملية للرسول – صلى الله عليه وسلم – وللصحابة - رضوان الله عليهم - من بعده تدل على جلوسهم للقضاء في المسجد ولذلك فقد رأيت اتـماما للفائدة إن نوضح رأي الفقه الإسلامي في حكم اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء حيث إن الفقه الإسلامي قد انقسم في بيان حكم تلك المسألة إلى آراء هي :
الرأي الأول :
ذهب جمهور الفقهاء الحنفية (3) والمالكية (4) والحنابلة (5) ، إلى جواز اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي 16 / 79 0
(2) مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4 / 391 0
(3) شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام 7 / 269 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون 1/ 34 0
(5) المغني لابن قدامة والشرح الكبير 11 / 397 0
- 262 -
أدلة الجمهور :
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالآتي :
( 1 ) أنه صح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفصل الخصومات بين الناس في معتكفه وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات والإقتداء بـهم واجب (1) ( 2 ) وقال ابن فرحون نقلا عن الإمام مالك في المدونة قوله ( القضاء في المسجد من الأمر القديم وهو الحق والصواب لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس وهو أقرب على الناس في شهودهم ويصل إليه الضعيف والمرأة (2) 0
( 3 ) ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس فلا يكره في المسجد (3) 0
الرأي الثاني :
ذهب الشافعية إلى أنه يكره اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء بصفة دائمة ولكن لا مانع من النظر في قضايا متفرقة في المسجد تحدث بالصدفة من غير أن يتخذ المسجد مجلسا للقضاء بصفة دائمة وكذلك إذا دعت الحاجة إلى الجلوس في المسجد كمالمطر ونحوه وإذا تم اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء مع الكراهة أو عدمها وجب الاحتياط بمنع الخصوم من الخوض فيه بالمشاتمة ونحوها (4) 0
أدلة الرأي الثاني :
استدل أصحاب الرأي الثاني على رأيهم بكراهة اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء أن اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء فيه تضييق على الناس لأن منهم الحائض والجنب وأهل الذمة وهؤلاء يحرم عليهم الدخول إلى المسجد والمكث فيه ، وفيه امتهان المسجد يكثرة اللغط واللجاج وما يقع بين الخصوم من اللجاج كما أن بعض العوام يدخل المسجد ورجله فيها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام 7 / 269 ، بدائع الصنائع للكاساني 7 / 19 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 34 0
(3) نظام القضاء في الشريعة الإسلامية د / عبد الكريم زيدان – الطبعة الثالثة سنة 1998 ، مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان ص 100 0
(4) نـهاية المحتاج للرملي 8 / 253 ، مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4 / 390 وما بعدها 0
- 263 -
بلل وربما كانت غير طاهرة والمساجد ينبغي أن تصان عن كل ذلك (1) ، لقوله تعالــى: ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ) (2) 0
واتخاذ المسجد مجلسا للقضاء فيه امتهان للمسجد إهانة والمساجد بنيت للصلاة والذكر والخصومات تقترن بالمعاصي كثيرا من اليمين الغموس والكذب في الدعاوى (3) 0
الرد على أدلة الشافعية :
رد ابن قدامة الحنبلي على أدلة الشافعية فيما ذهبوا إليه من كراهة اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء لأن فيه تضييقا على الناس لأن فيهم الحائض والجنب وأهل الذمة فقال بالنسبة للحائض إن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته في منزلة أو يخرج لها القاضي في رحاب المسجد ، وأما الجنب فيغتسل ويدخل المسجد ، وأما الذمي فنجاسته نجاسة معنوية وليست بدنية فضلا عن أنه يجوز دخوله المسجد بإذن المسلم (4) 0
الرأي الراجــح :
بعد أن عرضنا آراء الفقهاء في مسألة اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء وأدلة كل رأي ، فإني أرى ترجيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء إلى جواز اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء وذلك لقوة أدلتهم ، ولأن المسجد من أكثر الأماكن تحقيقا لما استحبوة من الخصائص والصفات لمجلس القضاء ، حيث تبنى المساجد عادة في أواسط البلدان ، ويتيسر دخولها للجميع ، وتبعث على الطمأنينة النفسية التي تتيح للقاضي تفكيرا سليما ، ويكفي أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قضى بنفسه بين الخصوم في المسجد وسار الصحابة - رضوان الله عليهم - من بعده على هذا النهج ولنا فيهم الأسوة الحسنة ، فضلا عن أن الحجج والبراهين التي يستند إليها الشافعية من كراهية اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء فقد تم الرد عليها كما سلف البيان ، ويضاف إلى ذلك أن اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء يحث القاضي على التواضع ويحث الخصوم على الرهبة والخشية والخوف من الله ورد الحق إلى صاحبه خشية عقابه 0
ــــــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 35 ، نـهاية المحتاج للرملي 8 / 253 ، مغني المحتـــاج 4 / 391 0
(2) سورة النور الآية رقم 36 0
(3) شرح فتح القدير على الهداية 7 / 269 0
(4) المغني لابن قدامة 11 / 397 0
- 264 -
المطلب الثاني
مبدأ علانية الجلسات في القانون الوضعي
***************************
أولا - المقصود بهذا المبدأ :
يقصد بمبدأ علانية الجلسات أن تحصل تحقيق الدعوى ونظرها والمرافعة فيها والنطق بالحكم في جلسات علنية أي مفتوحة يجوز لمن يشاء أن يحضرها وأن يسمح بنشر الأحكام التي يصدرها القاضي (1)
ومبدأ علانية الجلسات تضمن حق الجمهور في الاطلاع على ما يدور داخل المحاكم وتمكنهم من مراقبة أعمال القاضي وتبعث الثقة في نفوس المتقاضين والطمأنينة إلى عدالة القضاء وتحث القاضي على الاهتمام والعناية مما يؤكد نزاهته في أحكامه مما يزيد احترام الجمهور للقاضي ويبعث على الثقة فيه (2) 0
وعلانية الجلسات تكفل بطريق غير مباشر حقوق الدفاع ، إذ إنـها تمنع تحكم القاضي في الخصومة (3) 0
ثانيا – بما يتحقق مبدأ علانية الجلسات :
يتحقق مبدأ علانية الجلسات بوسيلتين هما :
الأولى : بالسماح لكل شخص دون تمييز بأن يشهد المحاكمة فلا يكفي مجرد حضور الخصوم أو محاميهم أو أقاربـهم ، فهم ليسوا مجرد حضور في المحاكمة وإنما هم أشخاصها والمشاركون في إجراءاتـها ، ولذلك فإن حضورهم في الجلسة لا يتصل بعلانيتها وإنما يتم بالتطبيق لمبدأ آخر سنتحدث عنه فيما بعد تفصيلا وهو ( مبدأ المواجهة بين الخصوم ، وأهمية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرافعات المدنية والتجارية د / عبد الحميد أبو هيف – بند 744 ص 540 ، الوجيز في قوانين المرافعات د / أمينة النمر ص 14 ، المرافعات د / احمد أبو الوفا بند 34 ص 44 0
(2) محاضرات في قانون المرافعات أستاذنا الدكتور / عبد الحكم شرف ص 22 ، المرافعات المدنيـة د / عبد الحميد أبو هيف بند 744 ص 540 0
(3) قواعد المرافعات للدكتور / محمد العشماوي – د ، عبد الوهاب العشماوي جـ 1 بند 75 ص 101 0
- 265 -
ذلك أن مبدأ المواجهة لا يقبل التقييد أو الاستثناء ، فإذا جاز للمحكمة أن تقرر سرية الجلسة استثناء – كما سنرى – فإنه لا يجوز للمحكمة أن تمنع بعض أطراف الدعــوى أو أحدهم من حضور الجلسة والمشاركة في إجراءاتـها على الوجه الذي يحــدده القانون (1) 0
الثانية : السماح بنشر ما يجرى داخل الجلسات من إجراءات بكافة طرق النشر ، وفي هذه الحالة فإن ما يجرى في جلسة علنية يكون من حق الجمهور وللصحف أن تنقله ، ويلاحظ أن علانية الجلسة لا تمتد إلى ما يجرى في المداولة فهي سرية بطبيعتها ولا يجوز للقضاء إفشاء أسرارها (2) 0
ثالثا – مدى تحقق مبدأ علانية الجلسات في القضاء المصري :
نظرا لأهمية مبدأ علانية الجلسات فقد اهتم المشرع المصري بـهذا المبدأ اهتماما واضحا ولذلك نص المشرع المصري على هذا المبدأ صراحة في الدستور المصري على أن ( جلسات المحاكم علنية ، إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية ، مراعاة للنظام العام أو الآداب ، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية (3) 0
وكذلك نص المشرع على هذا المبدأ في قانون السلطة القضائية فنص علــى أن ( تكون جلسات المحاكم علنية إلا إذا أمرت المحكمة بجعلها سرية مراعاة للآداب ، أو محافظة على النظام العام ويكون النطق بالحكم في جميع الأحوال في جلسة علنية ) (4) 0
كما نص المشرع المصري على هذا المبدأ في قانون المرافعات فنص على أنه ( تكون المرافعة علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سرا محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو لحرمة الأسرة ) (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح قانون الإجراءات الجنائية د / محمود نجيب حسني – دار النهضة العربية سنـة 1988 ص 805 0
(2) الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية د / أحمد فتحي سرور – دار النهضة العربية – سنـــة 1980 ص 976 0
(3) المادة ( 169 ) من الدستور المصري 0
(4) المادة ( 18 ) من قانون السلطة القضائية 0
(5) المادة ( 101 ) مرافعات 0
- 266 -
ويترتب على الإخلال بـهذا المبدأ بطلان الإجراءات بطلانا مطلقا لتعلقه بالنظام العام (1) 0
كما حرص المشرع على النص على هذا المبدأ صراحة في قانون الإجراءات الجنائية حيث نص على أنه ( يجب أن تكون الجلسة علنية ، ويجوز للمحكمة مع ذلك مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها ) (2) 0
ومع أن المشرع المصري قد نص صراحة على مبدأ علانية الجلسات إلا أن المشرع أجاز للمحكمة إذا اقتضت الضرورة أن تأمر بجعل الجلسة سرية وذلك لاعتبارات تتعلق بالمحافظة على النظام العام أو الآداب أو حماية لحرمة الأسرة وسمعتها أو إذا كانت المرافعة العلنية قد تكشف للجمهور عن وقائع تتأذى الآداب العامة من سماعها أو نشرها وعندئذ يؤمر بإخراج الجمهور من الجلسة إذا كانت قد بدأت علنية ، ولا يسمح بالحضور إلا للخصوم ومحاميهم على أنه يلاحظ أنه أياً كانت الاعتبارات تقتضي جعل الجلسة سرية فإن الحكم يجب أن يصدر دائما بصفة علنية وإلا كان الحكم باطلا (3) ويجب أن يصــدر قرار المحكمة بجعل الجلسة سرية مسببا بذلك سواء رأت المحكمة ذلك أو بناء على طلب الخصوم (4) 0
رابعا – الجزاء المترتب على تخلف مبدأ علانية الجلسات :
يتعين على المحكمة أن تثبت في محضر الجلسة بل وفي الحكم نفسه علانية الجلسة ، وإذا كانت الدعوى قد نظرت في عدة جلسات فيجب أن يتضمن محضر كل جلسة إثبات أن مباشرة الإجراءات الخاصة بنظر الدعوى تم في علانية (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرافعات د / محمد حامد فهمي بند 34 ص 34 0
(2) المادة ( 268 ) إجراءات جنائية 0
(3) تراجع المواد ( 169 ) من الدستور ، ( 18 ) من قانون السلطة القضائية ( 101 ) ، (174) مرافعات ، الوسيط د / فتحي والي بند 272 ص 523 0
(4) المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 29 ص 49 0
(5) الإجراءات الجنائية في التشريع المصري ، د / مأمون سلامة – طبعة دار النهضة العربية سنة 1996 ، 1997 ، جـ2 ص 97 0
- 267 -
هذا ، وقد اختلف الرأي القانوني حول الجزاء المترتب على تخلف إثبات علانية الجلسة في المحضر أو الحكم ) 0
والرأي الراجح في الفقه والقضاء المصري إلى أن إغفال هذا البيان لا يترتب عليه بطلان ، فالأصل في القانون المصري أن الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى ، وكل ما لصاحب الشأن أن يثبت وبكافة الطرق أن تلك الإجراءات قد أهملت أو خولفت ، وذلك إذا لم تكن مذكورة في محضر الجلسة أو الحكم (1) 0
" الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة
لمبدأ علانية الجلسات "
*****************
سبق وأن ذكرنا أن علانية الجلسات من المبادىء الأساسية المستقرة في الفقه الإسلامي وأن الذي يؤكد علانية الجلسات في الفقه الإسلامي هو الواقع العملي الذي كان عليه قضاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه من بعده حيث كانوا يجلسون للقضاء في المسجد أو في مكان عام لا يمنع من دخوله أحد ، كذلك ذكرنا من مظاهر علانية الجلسات في الفقه الإسلامي استحباب الفقهاء حضور العلماء مجلس القضاء ليشاورهم فيما أشكل عليه 0
وإذا ما قارنا ذلك بالقانون الوضعي نجد أن المشرع في القانون الوضعي أيضا يأخذ بمبدأ علانية الجلسات إلا إذا اقتضت الضرورة جعل الجلسة سرية ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبدأ علانية الجلسات ، ويكون الفقه الإسلامي لـه فضل السبق في الأخذ بـهذا المبدأ 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرجع السابق جـ 2 ص 98 ، شرح قانون الإجراءات الجنائية د / محمود نجيب حسني – ص 809 شرح قانون الإجراءات الجنائية د / محمود محمود مصطفى – مطبعة جامعة القاهرة سنة 1976 ص 384 ، هذا وقضت محكمة النقض في هذا الصدد : أن ( مجرد خلو محضر الجلسة أو الحكم من ذكر العلانية لا يصح أن يكون موجبا لنقض الحكم ما لم يثبت الطاعن أن الجلسة كانت سرية من غير مقتضى ، لأن الأصل في الإجراءات قد أهملت أو خولفت ) ( نقض جلسة 25/4/ 1929 ، مجموعة القواعد القانونية جـ 1 فقرة ( 241 ) ص 282 ) 0
- 268 -
المبحث الثاني
حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم
في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
***************************
تمهيــد :
مما لا شك فيه أن من المبادىء الهامة التي تقوم عليها ضمانات نزاهة القاضي مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم وذلك بأن يتم كل إجراء أو تعديل في الدعوى في مواجهة الخصم الآخر ولا يجوز أن يتم ذلك في غيبته حتى لا يتخذ ذلك وسيلة إلى الطعن في نزاهة القاضي وذلك بمحاباة أحد الخصوم وذلك في السماح له باتخاذ إجراءات الخصومة في غيبة الخصم الآخر ونظرا لأهمية هذا المبدأ فسوف نتحدث عنه تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه من خلال مطلبين هما :
المطلـــب الأول :
حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني :
حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في القانون الوضعي 0
- 269 -
المطلــب الأول
مبدأ حصول الإجراءات في مواجهه الخصوم
في الفقــــه الإسلامــي
************
أولا – المقصود بهذا المبدأ :
يقصد بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم أن يتم كل إجراء من إجراءات الخصومة التي يقوم بـها أحد الخصوم في مواجهة الخصم الآخر وأن يعلنه بـهذا الإجراء حتى يمكن من الرد على خصمه حماية لمصلحته (1) 0
وهذا المبدأ يعطي للخصم الفرصة للرد على كل طلب يوجهه إليه خصمه إن كان لديه رد كما يعطي للخصم الحق في مناقشة خصمه في دفاعه ومن ثم فلا يؤخذ خصم على غرة وهو أمام القضاء (2) 0
ويعتبر مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم من مقتضيات مبدأ المساواة بين الخصوم لأن في سماع الدعوى في غيبة أحد الخصوم تفضيلا له عليه وحرمانا للآخر من سماع أقوال خصمه والرد عليها والدفاع عن رأيه (3) 0
ثانيا – مدى تحقق مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في الفقه الإسلامي :
الأصل في الفقه الإسلامي أن تتخذ جميع الإجراءات في مواجهة الخصم الآخر ولا يجوز للقاضي أن يسير في إجراءات نظر الدعوى مع غيبة أحد الخصوم عن مجلس القضاء مع حضوره في البلد وعدم علمه بالدعوى ، فلا ينبغي للقاضي السماح لأحد الخصوم بالدخول عليه دون خصمه لا في مجلس قضائه ولا في خلوته ولا ينبغي أن يسمع بينه في غيبة الخصم الآخر (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح فتح القدير 7 / 293 ، تبصرة الحكام 1 / 42 0
(2) التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب ص 56 0
(3) نظرية الدعوى : أ0 د / محمد نعيم ياسين – مرجع سابق ص 406 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 42 ، شرح فتح القدير 7 / 274 .
- 270 -
وتحقيقا لمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم في الفقه الإسلامي ذهب جانب من الفقه الإسلامي إلى أنه لا يجوز للقاضي أن يقرأ كتاب قاض آخر يتضمن شهادة على مدعي عليه إلا بحضوره ، لأنه بمنزلة أداء الشهادة فلابد من حضوره (1) 0
بل ذهب جانب من الفقه الإسلامي إلى أبعد من ذلك فقالوا إذا سمعت البينة في حضور المدعي عليه ثم غاب المدعي عليه وزكيت البينة وطلب المدعي من القاضي الحكم له لا بحكم له بشيء وذهب إلى هذا الرأي محمد بن الحسن من الحنفية (2) 0
وإذا كان الأصل في الفقه الإسلامي حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم فإنه مع ذلك إذا امتنع المدعي عليه من الحضور أمام القضاء تعنتا ولددا في الخصومة جاز للقاضي النظر في الخصومة والسير في إجراءات الدعوى حتى وإن ظل المدعي عليه غائبا طالما تم إعلانه بالحضور أمام القاضي ليدفع دعوى خصمه وكان امتناعه دون مبرر إذ لا يجوز أن يكون هذا المبدأ سلاحا يستعمله أهل الباطل لأكل أموال الناس وحقوقهم (3) 0
ثالثا – حكم القضاء على الغائب :
سبق وأن ذكرنا أن الأصل في الفقه الإسلامي حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم ولا يجوز اتخاذ أية إجراء في غيبة الخصم الآخر وذلك حماية لمصلحته حتى يتمكن من الرد على خصمه فيما يدعيه عليه وذكرنا أيضا أن جانبا من الفقه الإسلامي ذهب إلى جواز الحكم على الغائب طالما تم إعلانه إعلانا صحيحا بالدعوى ولم يحضر دون مبرر فقد وجدت إتماما للفائدة أن نعرض إلى موقف الفقه الإسلامي من القضاء على الغائب تفصيلا وأدلة كل رأي مع الترجيح وذلك من خلال النقاط التالية :
أولا – المقصود بالغائب لغة واصطلاحا :
( أ ) يقصد بالغائب لغة :
هو اسم فاعل من الفعل الثلاثي " غاب " بمعنى بعد عن المكان ، وهو خلاف شهد وحضر ، والمصدر غيابا ، وغيبة وغيبـا ( بفتح وكسر الغين ) ، و ( غيابة الجب ) قعرة ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الهداية وشرح العناية عليها ضمن شرح فتح القدير 7 / 293 0
(2) روضة القضاة للسمناني 1 / 295 ، وما بعدها 0
(3) تبصرة الحكام 1 / 42 ، نظرية الدعوى أ 0 د / محمد نعيم ياسين 2 / 407 0
- 271 -
وغابت الشمس غيابة ( أي هبطت ، والمغايبة خلاف المخاطبة ، واغتابه اغتيابا وقع فيه والاسم ( الغيبة ) بالكسر وهي أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه فإذا كان صدقا سمى غيبة وإن كان كذبا سمى بـهتانا (1) 0
( ب ) يقصد بالغائب اصطلاحا :
يراد بالغائب في هذا الشأن الخصم المدعي عليه حال وجوده في بلد المحكمة لكنه ممتنع عن الحضور إليها ولا يقدر القاضي على إحضاره ، إما لسلطته وتعززه وإما لاختفائه وتستره ، ويراد به أيضا الخصم المدعي عليه إذا كان خارج بلد المحكمة (2) 0
أما إذا كان الخصم المدعي عليه في البلد التي يوجد بـها مجلس القضاء وامتنع عن الحضور إليها لغير تعزر ولا اختفاء ، فهو ليس بغائب باتفاق الفقهاء ، ولا يشمله موضوع القضاء على الغائب بل يجبره القاضي على الحضور لسماع الدعوى والبينة والإجابة عن ذلك إن كان عنده أجابه (3) 0
ثانيا – موقف الفقه الإسلامي من القضاء على الغائب :
يشترط جانب من الفقه الإسلامي لصحة الدعوى حضور الخصم المدعي عليه ، والخصم المدعي عليه إما أن يكون أصيلا ، أو وكيلا عن الأصيل أو وصيا ، أو وليا أو وارثا أو من بينه وبين الغائب اتصال في الحق المدعي به كما لو كفل شخص شخصا آخر بـه في دين فالخصم هنا هو المدين المكفول عنه ، وقد تاب عنه الكفيل لما بينهما من الاتصال في الدين المدعي به عليه بحكم الكفالة ، فلا يصح القضاء على الغائب عند هذا الجانب من الفقه (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح للرازي – مرجع سابق ص 265 ، باب الغين مادة غيب 0
(2) بحث القضاء على الغائب د / حسن عبد الغني أبو غدة – منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – السنة الخامسة عشرة – العدد الأربعون – ذو القعدة سنة 1420 هـ مارس 2000 ص 66 ، وقد أشار سيادته في الهامش رقم ( 6 ) إلى فتح القدير 2 / 400 ، نـهاية المحتاج 8 / 255 0
(3) معين الحكام للطرابلسي ص 59 ، 60 ، القوانين الفقهية لابن جزي ص 197 0
(4) القضاء في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور / محمد رأفت عثمان ص 107 0
- 272 -
ولذلك فقد اختلف الفقه الإسلامي في مسألة القضاء على الغائب إلى رأيين هما :
الرأي الأول :
ذهب جانب من الفقه الإسلامي إلى أنه لا يصح القضاء بشيء على الغائب وعلى رأس هذا الرأي الإمام أبو حنيفة حيث نقل عنه قوله ( ولا يقضي على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه كالوكيل والوصي ، أو يكون ما يدعي على الغائب سببا لما يدعي على الحاضر كمن ادعى عينا في يد غيره ( الحاضر ) أنه اشتراها من فلان الغائب ) (1) 0
وكذلك ذهب إلى هذا الرأي ابن شبرمه حيث نقل عنه قوله ( لا يقضي على غائــب ) (2) وبه قال ابن الماجشون من المالمكية (3) 0
أدلة هذا الرأي :
( 1 ) قول الله تبارك وتعالى } وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون { (4) 0
وجه الدلالة من الآية :
أن الآية الكريمة ذمتهم لإعراضهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ، فدل هذا على أنـهم يجب عليهم أن يحضروا للحكم ، ولو نفذا الحكم مع الغيبة لم يجب الحضور ولم يستحقوا الذم فدل هذا على عدم جواز الحكم على الغائب (5) 0
الرد على هذا الاستدلال :
ورد على هذا الاستدلال بأنه لا منافاة بين ذمهم على عدم الحضور لأنه واجب عليهم وبين نفوذ الحكم عليهم عند الغيبة ، فيمكن أن يجتمع الأمران : الذم على عدم الحضور ونفوذ الحكم مع الغيبة (6) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 4 / 191 ، الطبعة الأولى المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة 1314 هـ ، بدائع الصنائع للكاساني 7 / 12 0
(2) المحلى لابن حزم 10 / 241 مرجع سابق 0
(3) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 472 0
(4) الآية رقم 48 سورة النور 0
(5) القضاء في الإسلام أ 0 د / محمد رأفت عثمان ص 110 ، وقد أشار سيادته في الهامش رقـم (1) إلى أدب القاضي لابن أبي الدم القسم الدارس المحقق الكتاب 1 / 158 0
(6) القضاء في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور : محمد رأفت عثمان ص 110 0
- 273 -
الدليل الثاني :
حديث أم سلمة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال : ( إنما أنا بشر وانكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقصى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء ، فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار " (1) 0
وجه الدلالة من الحديث :
استدل القائلون بعدم صحة القضاء على الغائب بـهذا الحديث بقوله – صلى الله عليه وسلم – ( فأقضي له على نحو ما أسمع ) وهذا يدل على أن القاضي لا يحكم إلا بما يسمع من الخصمين من بينه أو إقرار أو إنكار بحسب ما أحكمته السنة ، فإذا حكم على الغائب خالف هذا لأنه لم يسمع كلامه (2) 0
وقال ابن رشد في كتابه المشهور بداية المجتهد ونـهاية المقتصد أن هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب (3) 0
الرد على الاستدلال بهذا الحديث :
يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث في ضوء ما ذكره الأمام الشوكاني عن هذا الحديث : أن الخصمين حضرا معا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – وحكم بحسب ما سمع منهما والتنصيص على السماع لا يمنع أن يكون غيره طريقا للحكم وبالتالي فليس في الحديث ما يدل على منع الحكم على الغائب بل هو مسكوت عنه (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري ( الجامع الصحيح ) دار التعاون بمكة المكرمة 9 / 32 ، صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي – الطبعة الأولى دار إحياء التراث العربي – بيروت سنة 1375 هـ -1950 م ص 31 0 جـ3
(2) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني – دار إحياء التراث العربي – بيروت – 24 / 2572 0
(3) بداية المجتهد لابن رشد – دار الكتب العلمية ، بيروت – الطبعة العاشرة سنة 1408 هـ - سنة 1988 ، 2 / 472 0
(4) نيل الأوطار للشوكاني 8 / 318 وما بعدها 0
- 274 -
كما رد ابن حزم الظاهري على الحنفية في استدلالهم بـهذا بقوله كيف تناقضون هذا الأصل في منع الحكم على الغائب وتجيزون الحكم بالنفقة على الغائب الذي لا يعرف مكانه وتقولون : يحكم بـها القاضي لمن ادعى استحقاقها كزوجته وأولاده الصغار وأبويه الفقيرين وبناته الأبكار ؟
بل كيف تحكمون على المرتد إذا لحق بدار الحرب بأنه ميت وهو حيَّ غائب وتجيزون قسمة ماله على ورثته (1) 0
الدليل الثالث :
حديث علي – كرم الله وجه – قال بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى اليمن قاضيا ، فقلت يا رسول الله ، ترسلني وأنا حديث السن ، ولا علم لي بالقضـاء ؟ فقال : إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر ، كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء قال : فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد " (2) 0
وجه الاستدلال بهذا الحديث :
أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – نـهى عليا – كرم الله وجهه –عن الحكم لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر ، والحكم على الغائب حالة هكذا : يقض للمدعي في غيبة المدعي عليه فهو قضاء لأحدهما قبل سماع كلام الآخر وهذا نـهى عنه الرسول – صلى الله عليه وسلم (3) 0
وكذلك قال ابن رشد إن هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 242 0
(2) مسند الإمام أحمد الطبعة الأولى المكتـــب الإسلامـي بيروت سنة 1389 – 1969 م ، 1 / 143 ، 150 ، سنن الترمذي ( الجامع الصحيح ) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي – الطبعة الثانية لمصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1388 هـ - 1968 م 3 / 609 0
(3) بدائع الصنائع للكاساني 6 / 340 ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجـــر 13 / 183 0
(4) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 472 0
- 275 -
الرد على الاستدلال بهذا الحديث :
( 1 ) أن هذا الحديث ضعيف وغير صالح للاحتجاج به لأن في سنده رجالا منهم المدلس ، والمجهول والمطرح كما بين ابن حزم ذلك مفصلا (1) 0
ولا ينبغي أن يسلم لابن حزم بـهذا نظرا لقول الترمذي عن هذا الحديــــث " هذا حديث حسن " (2) 0
بل إن ابن حجر أورد هذا الحديث – وهو يعرض لأدلة المانعين للقضاء على الغائب وقال عنه :" هو حديث حسن ، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما (3) 0
( 2 ) أن هذا الحديث يحمل على حالة ما إذا كان الخصمان حاضرين عند القاضي فلا ينبغي لـه حينئذ الحكم بمقتضى البينة (4) ، حتى يسمع من المدعي عليه وهذا بخلاف الحكم على الغائب فلم يمنعه هذا الحديث ولم يعرض له مطلقا ولذلك قال ابن حجر " قال ابن العربي : حديث على إنما هو مع إمكان السماع فأما مع تعذره بمغيب فلا يمنع الحكم كما لو تعذر – بإغماء أو جنون أو حجر ، أو صغر ) (5) الدليل الرابع :
ما أورده ابن حزم بسنده ، أنه أتى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – رجل قد فقأت عيناه فقال له عمر : تحضر خصمك ، فقال له : يا أمير المؤمنين أما بك من الغضب إلا ما أرى ؟ فقال لـه عمر : فعلك قد فقأت عيني خصمك معا ، فحضر خصمه ، قد فقئت عيناه معا ، فقال - عمر رضي الله عنه - إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء (6)0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(2) سنن الترمذي 3 / 609 0
(3) فتح الباري لابن حجر 13/ 183 0
(4) المراد بالبينة هي الشهادة ، وقيل هي اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ، ومن خصها بالشاهدين أو بالشهود لم يوف مسماها حقه ، ولم تأت البينة في القرآن الكريم مرادا بـها الشاهدان وإنما أتت مرادا بـها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة ، انظر في ذلك الطــرق الحكمية لابن القيم ص 15 0
(5) فتح الباري 13/ 183 0
(6) المحلى لابن حزم 10 / 242 0
- 276 -
ووجه الاستدلال واضح في امتناع عمر - رضي الله عنه - ، من الحكم على الغائب قبـل حضوره 0
الرد على الاستدلال بقصة عمر – رضي الله عنه - :
أجاب ابن حزم عن قصة عمر - رضي الله عنه - مع الرجل الذي فقئت عينه بأنـها قصة ضعيفة لوجود راويين مجهولين في سندها وهما محمد الغفاري وابن أبي ذئب الجهني ولا يدري من هما ، فضلا عن انقطاع السند في موضع آخر وبين ذلك مفصلا وأضاف قائلا : ولو صح هذه الخبر عن عمر – رضي الله عنه – فليس فيه إلا أن لا يقضي على غائب بمجرد دعوى خصمه وهذا أمر متفق عليه وهذا حق لا ننكره وليس هو محل النزاع (1) 0
الدليل الخامس :
يستند أصحاب الرأي القائل بعدم صحة القضاء على الغائب بمجموعة أخبار وآثار تناقلها بعض التابعين كقول شريح القاضي : ( لا يقضي على غائب ) وقوله أيضـــا : ( لا أغرى حاضرا بغائب ) ، وقول عمر بن عبد العزيز - قال لقمان : إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه في يده ، فلا تقض له حتى يأتي خصمه ) (2) 0
فهذه الأخبار وهذه الآثار التي تناقلها بعض التابعين تدل على منع القضاء على الغائب 0
الرد على هذا الاستدلال :
أجاب ابن حزم على هذا الاستدلال بأن ما نقل عن شريح في سنده راو ضعيف وهو مجالد ومع الضعف لا يصح الاحتجاج به ، ولو سلمنا جدلا بصحة هذا الخبر فليس قول أحد حجة إلا قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – وقد ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحة القضاء على الغائب كما سيأتي في أدلة الرأي الثاني القائل بصحة القضاء على الغائب (3) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(2) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(3) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
- 277 -
وأما ما ذكره عمر بن عبد العزيز عن لقمان ، فأين لقمان من أيام عمر ؟ ثم ليس فيه إلا أن لا يقضي على غائب بدعوى خصمه فقط (1) 0
الدليل الخامس : من المعقول :
( 1 ) لو جاز الحكم على الغائب ، لم يكن الحضور واجبا عليه (2) 0
الرد على ذلك :
معارضة هذا المعقول بمعقول آخر وهو ضرورة حفظ أموال الناس ، بعد قيام البينة العادلة على ثبوتـها ، وهذا ما يتضمنه الحكم على الغائب (3) 0
( 2 ) شرع القضاء لقطع المنازعة بين الخصمين ، ولا منازعة من المدعي عليه لكونه غائبا ، فإذا قضى عليه كان الحكم على واحد حاضر وهذا لا يجوز (4) 0
الرد على ذلك :
أن هذا لا يمنع الحكم على الغائب لأن حجته إذا – حضر – معتبرة وقائمة فتسمع ويعمل بمتقضاها ولو أدى ذلك إلى نقض الحكم السابق (5) 0
الرأي الثاني :
ذهب جمهور الفقهاء المالكية ما عدا بن الماجشون (6) والشافعية والحنابلة (7) والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه والاوزاعي وابن سيرين والليث (8) إلى صحة القضاء على الغائب 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 243 0
(2) فتح الباري لابن حجر 13/ 183 0
(3) حاشية الباجوري على شرح ابن القاسم مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1343 جـ 2 / 349 ، المبدع في شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي – المكتب الإسلامي – بيروت سنة 1400 هـ - 1980 م جـ 10 / 90 0
(4) القضاء في الفقه الإسلامي أ 0 د / محمد رأفت عثمان – ص 111 0
(5) فتح الباري لابن حجر 13 / 183 0
(6) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 472 ، القوانين الفقهية ص 196 0
(7) فتح الباري 13/ 183 ، حاشية الباجوري 2 / 349 ، المغني 11 / 484 0
(8) فتح الباري 13/ 183 0
- 278 -
قال القرافي المالكي ( فإن تعذر إحضاره أي المدعي عليه لكونه غائبا أو حاضرا فهرب ، وليس مع الطالب بينة لم تسمع دعواه ، لعدم الفائدة أو معه سمع البينة وحلفه على عدم الإبراء ونحوه وحكم " (1)
وقال ابن قدامة الحنبلي " من ادعى حقا على غائب في بلد آخر ، وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بـها عليه ، فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشرائط ، وبـهذا قال ابن شبرمه ، ومالك ، والأوزاعي ، والليث وسوار ، وأبو عبيد ، وإسحــــاق وابن المنذر (2) 0
قال الأسيوطي الشافعي (3) : ( إذا ادعى رجل على غائب عن مجلس الحكم بحق فإن لم يكن مع المدعي بينة بما ادعاه ، لم يسمع الحاكم دعواه ، لأنه لا فائدة في سماعها ، وإن كان معه بينة بما ادعاه نظر في المدعي عليه ، فإن كان غائبا عن البلد وجب على الحاكم أن يسمع الدعوى عليه والبينة ، وكذلك لو كان المدعي عليه حاضرا في البلد مستترا أو متعززا أو متواريا ، لا يصل المدعي إليه فإنه يجب على الحاكم أن يسمع الدعوى والبينة عليه ، وكذلك لو حضر المدعي عليه مجلس الحكم فلما ادعى عليه أنكر ، فلما أراد المدعي إقامة البينة عليه قام المدعي عليه وهرب فإن الحاكم يسمع البينة عليه ، وإذا كان المدعي عليه حاضرا في البلد غائبا عن مجلس الحكم غير ممتنع عن الحضور فلا يجوز سماع الدعوى عليه والبينة من غير حضوره وهو المذهب (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذخيرة للقرافي تحقيق محمد بوخبزه الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي – بيروت سنة 1994 جـ 10 / 113 0
(2) المغني لابن قدامة 11 / 484 0
(3) هو أبو بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان الخضري السيوطي – فاضل مصري – له علم بالعربية وفقه الشافعية – عرض عليه قضاء مكة فأبى ، وهو والد الإمام عبد الرحمن السيوطي ، ولد في أسيوط وتوفى بالقاهرة سنة 855 هـ سنة 1451 م ، ومن أهم مؤلفاته : حاشية على أدب القضاء للغزي ، وحاشية على شرح الألفية لابن المصنف لم يتم كتابـها – انظر كتاب الإعلام – لخير الدين الزركلي – المجلد الأول ص 79 مرجع سابق 0
(4) جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود للأسيوطي ( الشافعي ) الطبعة الأولى مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة 1374 هـ سنة 1955 م جـ 2 ص 360 0
- 279 -
أدلة الرأي الثاني :
استدل أصحاب الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بما يلي :
الدليل الأول :
قولـه تعالى:} يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله {(1) ، وقوله تعالى : } وأقيموا الشهادة لله { (2) 0
وجه الدلالة من الآيتين :
أن الله أمر المؤمنين بالحكم بالحق والقيام بالقسط والعمل بالشهادة لجميع الناس سواء الحاضرين منهم والغائبين ، ولذلك قال ابن حزم في هاتين الآيتين إن الله تعالى لم يخص حاضرا من غائب فصح وجوب الحكم على الغائب كما هو على الحاضر (3) 0
الرد على الاستدلال بهاتين الآيتين :
أن هاتين الآيتين عامتان وليستا في محل النزاع وهو القضاء على الغائب لذا لا يصح الاستدلال بـهما هنا (4) 0
الدليل الثاني :
ما روي عن عائشة -رضي الله عنها - أن هند بنت عتبة ( زوجة ) أبي سفيان - رضي الله عنه - قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن آخذ من ماله ، قال - صلى الله عليه وسلم- : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (5) 0
وجه الدلالة من الحديث :
أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قضى على الغائب وذلك حين أجاز لهند بنت عتبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الآية رقم 135 من سورة النساء 0
(2) الآية رقم 2 من سورة الطلاق 0
(3) المحلى لابن حزم 10 / 243 ، 244 ، مرجع سابق 0
(4) بحث في القضاء على الغائب د / حسن عبد الغني أبو غده – منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – السنة الخامسة عشرة – العدد الأربعون ذو القعدة سنة 1420 هـ مارس سنة 2000م ص 82 0
(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 / 183 0
- 280 -
زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف وهو غائب (1) ، وقال ابن المنذر وهذا حكم منه بالنفقة ، وأبو سفيان ليس بحاضر ولم ينظر حضوره (2) ، وقال ابن فرج القرطبي : فيه من الفقه : القضاء على الغائب (3) 0
الرد على الاستدلال بهذا الحديث :
رد الحنفية القائلون بعدم صحة القضاء على الغائب أن هذا الحديث ليس فيه قضاء على الغائب وذلك لوجود أبي سفيان – رضي الله عنه- حينئذ بمكة غير متوار ولا ممتنع وإنما هي فتوى وجوابـها ، فهند لم تدع الزوجية ولم تقم البينة ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم استحقاقها للنفقة فلا يكون قضاء على غائب بل هو فتوى (4) 0
الرد على المناقشة :
أجاب القائلون بصحة القضاء على الغائب والمستدلين بحديث هند سالف الذكر على رأيهم على هذه المناقشة أن إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تأخذ هند من مال زوجها ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف كان قضاء وليس إفتاء كما يزعم المخالفون بدليل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال بـها : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " ولو كانت فتوى لقال لها الرسول – صلى الله عليه وسلم – ( لك أن تأخذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) أو لا بأس عليك أن تأخذي ، أو نحو ذلك لأن المفتي لا يقطع ، فلما قطع الرسول –صلى الله عليه وسلم - يقوله " خذي " كان حكما وقضاء وليس إفتاء (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغني لابن قدامة 11 / 485 ، المحلى لابن حزم 10/ 244 ، أسنى المطالب شرح روضة الطالب للشيخ زكريا الأنصاري بـهامشة حاشية الرملي مطبعة المكتبة الإسلاميـــة – بيروت 4 / 315 0
(2) حاشية الرملي بـهامش أسنى المطالب المرجع السابق 4 / 315 0
(3) أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن فرج القرطبي المالكي – تحقيق قاسم الرفاعي الطبعة الأولى دار القلم بيروت – سنة 1408 هـ - 1987 ص 109 0
(4) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني 24/ 256 ، نظرية الدعوى د / محمد نعيم ياسين 2 / 391 ، القضاء في الفقه الإسلامي أ 0 د / محمد رأفت عثمان مرجع سابق ، ص 109 0
(5) نـهاية المحتاج للرملي 8 / 268 ، المغني لابن قدامة 11 / 484 ، الذخيرة للقــــرافي 10/ 113 0
- 281 -
الدليل الثالث : من الإجماع :
استدل أصحاب الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم بجواز القضاء على الغائب حيث صح عن عمر وعثمان رضي الله عنهما " القضاء على الغائب " 0
والدليل على ذلك أنه فقد رجل في عهد عمر - رضي الله عنه – فجاءت امرأته إليه فقضى لـها أن تتربص أربع سنوات وأربعة أشهر وعشرا ثم إذا شاءت تزوجت ، فهذا قضاء من عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – على الغائب ولم يعلم لـه مخالف من الصحابة -رضوان الله عليهم - فصار إجماعا (1) 0
الدليل الرابع :
استدل أصحاب هذا الرأي على رأيهم كذلك بأقضية وأحكام الصحابة ومشاهير التابعين حين رفعت إليهم قضايا لها بينات على غائبين فحكموا بـها عليهم ومن ذلك :
( 1 ) قضاء عمر على سعد – رضي الله عنهما - : حيث بلغ عمر أن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهما – اتخذ بابا وقال : انقطع الصوت ؟ ، فأرسل إليه عمر محمد بن مسلمة – رضي الله عنهما – فحرق الباب وأخرج سعدا فأجلسه للناس ، فاعتذر إليه سعد وحلف أنه ما تكلم بذلك 0
( 2 ) وكذلك قضاء عمر على أبي موسى -رضي الله عنهما – حيث روي أن كان هناك رجل في العراق ذو صوت ونكاية في العدو فلما غنم المسلمون أعطاه أبو موسى الأشعري وكان أميرا – بعض سهمه فأبى أن يأخذه إلا جميعا فضربه عشرين سوطا وحلق رأسه فجمع الرجل شعره ورحل إلى عمر فاشتكى ، فقضى عمر على أبي موسى أن يقصه من نفسه 0 ثم عفا الرجل 0
( 3 ) قضاء عثمان وعلى ابن طالب - رضي الله عنهما – لزوجة المفقود وأن تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا ثم إذا شاءت تزوجت (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحلى لابن حزم 10 / 245 ، الذخيرة للقرافي 10 / 114 ، حاشية الرملي بـهامش أسنى المطالب 4 / 315 0
(2) المحلى لابن حزم 10 / 25 0
- 282 -
الدليل الخامس :
من المعقول : وبيان ذلك أنـهم :
قالوا : القضاء على الغائب أولى بالجواز من القضاء على الصغير وعلى الميت – وهذا ما سلم به الحنفية – مع عجز الصغير والميت عن الدفع والطعن ، فإذا جاز الحكم عليهما ، فليجز على الغائب أيضا (1) ، لأن حقه في الطعن والدفع إذا جاء محفوظ وحجته قائمة ، فتسمع ويعمل بـها باتفاق العلماء – ولو أدى إلى نقض الحكم السابق (2) 0
الرأي الراجــح :
أرى مع جانب آخر من الفقه (3) ترجيح الرأي القائل بصحة القضاء على الغائب بعد محاولات إحضاره ما دامت البينة موجودة ، لكي لا تضيع حقوق الناس ، والعصر الذي نعيش فيه شاهد على حالات كثيرة يستولى فيها بعض الناس على أموال الآخرين لاستثمارها ظاهرا – في تجارة أو غيرها ، ثم يهرب ، فهل تضيع حقوق الناس بحجة عدم القضاء على الغائب أم ينظر القاضي في القضية ويطلب البينة ، فإذا قامت البينة حكم القاضي بمقتضاها 0
ولأننا لو منعنا القضاء على الغائب لفتحنا الباب واسعا أمام ضياع الحقوق والتهرب من أدائها ، مادام مجرد امتناع الخصم عن الحضور يعد مانعا من القضاء عليه سواء كانت لـه حجة مقبولة ، ودفع معتبر أو لم يكن لـه ، وهذا ما دعا الأحناف أنفسهم إلى الخروج على أصل المنع 0 والحكم على الغائب في بعض القضايا فهم يقولون : " من غاب بحيث لا يعرف مكانه فإنه ينفق من ماله على زوجته وأصاغر ولده ، وعلى أكابر ولده إن كانوا زمني ، وعلى بناته الأكابر إن كانوا غير زمنات ، وعلى أبويه الزمنيين من طعامه وثيابه ودراهمه ودنانيره ، وأيضا قضوا على المرتد إذا لحق بدار الحرب بأنه ميت وقسموا ما له على ورثته وهذا هو عين القضاء على الغائب (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نـهاية المحتاج للرملي 8 / 268 0
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 183 0
(3) القضاء في الفقه الإسلامي أ 0 د / محمد رأفت عثمان ص 111 0
(4) المحلى لابن حزم 10 / 242 0
- 283 -
فضلا عن أن مجمل ما تمسك به الأحناف هو أن القضاء على الغائب فيه إهدار لحجة الخصم وقد أشرنا قبل ذلك أن الغائب إذا حضر بعد الحكم وله دفع يقبله القاضي فإن ذلك يقبل منه ويعاد النظر في الدعوى من جديد 0
ثالثا – حكم نصب المسخر ( أي الوكيل ) عن الغائب :
لما كانت دعوى المدعي عند الفقهاء لابد لها من جواب ، إما بالإقرار أو بالإنكار من المدعي عليه ، فإن أقر المدعي عليه بالحق المدعي به ألزم بأدائه إلى المدعي ، وإن أنكر سمعت بينه المدعي ، ولما كانت الدعوى على الغائب لا يتوافر فيها الجواب من قبل المدعي عليه بالإقرار أو بالإنكار مما أدى إلى اختلاف الفقه الإسلامي في حكم نصب المسخر عن الغائب تكون مهمته إنكار المدعي به ، حيث ذهب بعض الحنفية إلى أن الخصم الموجود في بلد المحكمة إذا تواري ، أو امتنع وتعزز عن الحضور إلى مجلس القاضي لزم القاضي أن ينصب له وكيلا يمثله في المحكمة يقال له المسخر – بفتح الخاء – تكون مهمته إنكار المدعي به ، وقال آخرون : ليس هذا لازما بل يفوض إلى رأي القاضي ، إلا أن أكثر الحنفية منعوا نصب المسخر لأن الخصم الغائب قد يكون مقرا فيكون إنكار المسخر كذبا ، ولذلك قال الكاساني " لا يجوز القضاء عندنا على الغائب ، إذا لم يكن عنه خصم حاضر ، والخصم الحاضر : هو الوكيل ، والوصي والوارث ، ومن كان بينه وبين الغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى لأن الوكيل والوصي نائبان عنه بصريح النيابة ، والوارث نائب عنه شرعا وحضره النائب كحضرة المنوب عنه " (1) 0
وبـهذا يتضح أن نصب القاضي للمسخر غير جائز عند الحنفية لما فيه من تجاوز أخلاقي ، وتجاوز حقوقي عن الغير دون إذنه ، أما الشافعية فقد انقسموا في حكم نصب القاضي المسخر عن الغائب إلى رأيين :
الأول : وهو الأصح عندهم أن القاضي لا يلزمه نصب مسخر ينكــر عن الغائب لأنه قد يكون الغائب مقرا فيكون إنكار المسخر كذبا وهو ما عليه المحققون في المذهب 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الصنائع للكاساني 6 / 341 ، شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام 7 / 390 0
- 284 -
الثاني : يلزم القاضي نصب مسخر عن الغائب لتكون البينة على إنكار المنكر لأن الدعوى تستدعي جوابا ، وقد تعذر جواب الغائب ، فمن ينصبه القاضي يقوم مقامه منكرا إذ أسوأ أحوال الغائب الإنكار ، فإذا أجاب المسخر بالإنكار سمعت بينة المدعي بالحق المدعي به (1) 0
هذا ، ونصب المسخر – كما قال أحد الباحثين (2) – هو إغراق في الحرص على الشكليات يشبه المهزله ، وإلا فما الذي يمنع من سماع البينة ، حتى على تقدير أن الغائب في الواقع مقر ونحن لا نعلم ، وتكون حجة ضرورة – لمكان الغيبة والجهاله – واقعة موقع الاستثناء من الأصل العام الذي يقرر أن البينة لا تقام على مقر ، وأليس هذا أفضل ألف مرة من ذلك السخف الذي لا معنى له ( نصب المسخر؟
رابعا – ضابط الغياب الذي يعتد به في الحكم على الغائب عند القائلين بجواز الحكم على الغائب :
الغائب عن مجلس القضاء لا يخلو أن يكون في البلد أو ضواحيه ، أو يكون خارج البلد بعيدا عنه فإذا كان الغائب في نفس البلد التي بها مجلس القضاء أو بمقر به منه طلب القاضي منه الحضور أو يوكل غيره في الحضور ، ويبلغه ذلك خلال مدة مناسبة ويعلمه بموضوع الدعوى ولا يسمع القاضي البينة ولا يقضي عليه حتى يحضر ، فإن لم يحضر أعلنه مرة ثانية ، فإن تغيب رغم ذلك لغير عذر أحضره القاضي جبرا عنه فإن تواري واستتر أو امتنع وتعزز بسلطة ونحوها حكم القاضي عليه ببينة خصمه إن كانت بينة عادلة وهذا متفق عليه عند القائلين بجواز وصحة القضاء على الغائب (3) 0
أما إذا كان المدعي عليه ( الغائب ) خارج البلد التي يوجد بـها مجلس القضاء وبعيدا عنها فقد اختلف القائلون بصحة القضاء على الغائب في تحديد ضابط الغياب الذي يعتد به في الحكم على الغائب وذلك على النحو التالي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4/407 ، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 279 0
(2) نظام القضاء في الإسلام أ 0 د / إبراهيم عبد الحميد ص 253 0
(3) القوانين الفقهية لابن جزي ص 197 0
- 285 -
أولا – تحديد الغياب عند المالكية :
يقسم المالكية الغياب إلى ثلاثة أقسام :
( 1 ) غياب قريب : وهو الذي يكون الغائب في مكان بعيد عن مجلس القضاء مسيرة يوم ويومين وثلاثة فهذا الغائب يرسل القاضي إليه كتابا مرة أو مرتين يعلمه بالدعوى والمدعي ، فإما أن يحضر أو يوكل غيره فإن لم يفعل سمع القاضي الدعوى وحكم عليه بالبينة في العقارات والعروض والحيوان والديون وكذلك في النسب والطلاق وللقاضي أن يحكم ببيع ماله لوفاء ديونه ، فإذا جاء الغائب بعدئذ وطعن على الحكم لم يقبل منه ذلك لانتفاء عذره في عدم الحضــور (1) 0
( 2 ) غياب بعيد : وهو الذي يكون الغائب خلاله بعيدا عن مجلس القاضي مسيرة عشرة أيام فهذا الغائب لا يرسل إليه القاضي كتابا لطول المسافة بل يسمع القاضي الدعوى ويحكم عليه بالبينة في النسب والطلاق والديون والعروض ما عدا الدعوى التي يطلب فيها المدعي استحقاق عقار الغائب لكثرة مشاحة الناس فيه ، فإذا حضر الغائب بعد الحكم عليه في الدعوى وطعن في الحكم فله ذلك (2) 0
( 3 ) غياب بعيد جدا ( أي منقطع الغيبة ) :
ومثلوا لـه : بأن يكون مجلس القضاء في مكة أو المدينة ، والغائب في افريقيا أو الاندلس أو خراسان ، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض وذلك بعد سماع البينة العادلة فإذا جاء بعدئذ وطعن في الحكم وأتى بالحجة وما يعارض البينة قبل ذلك منه (3) 0
ثانيا – تحديد الغياب عند الشافعية :
انقسم الشافعية في تحديد الغائب إلى ثلاثة أقوال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 87 0
(2) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 87 ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( بـهامشها الشرح الكبير للدردير مطبعة عيسى البابي الحلبي 4 / 163 0
(3) تبصرة الحكام 1 / 87 ، الشرح الكبير للدردير 4 / 162 0
- 286 -
( 1 ) الغائب هو من يكون في موطن بعيد عن مجلس القاضي ، بحيث يترتب عليه لو حضر أن يعود إلى موطنه ليلا ، فهذا لا يجب عليه الحضور دفعا للمشقة ولكن تسمع عليه الدعوى والبينة ويحكم بموجبها 0
( 2 ) الغائب هو من كان خارج ولاية القاضي فهذا تسمع البينة عليه ويقضي بـها 0
( 3 ) الغائب من كان بعيدا عن مجلس القضاء مسافة القصر (1) 0
ثالثا – تحديد الغياب عند الحنابلة :
حدد الحنابلة مدة الغياب بمسافة القصر فإن كان دونـها لم تسمع الدعـــوى ولا البينة على الغائب ويجب حضوره إلا إذا امتنع واختفى أما إذا كان أبعد من مسافة القصر فتسمع البيئة ويحكم على الغائب (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية قليوبي وعميرة 4 / 313 0
(2) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي مطبعة دار عالم الكتب العلمية – بيروت 6 / 355 0
- 287 -
المطلب الثاني
حصول الإجراءات في مواجهه الخصوم
في القانـون الوضعـي
**************
من المبادئ المقررة في النظام القضائي المصري مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم بحيث يعلمون بها سواء عن طريق اتخاذها في حضورهم كإبداء الدفوع والدفاع والطلبات وتعديلها ، أو عن طريق إعلانـهم بـها إعلانا قضائيا صحيحا ، أو إطلاعهم عليها ، وأساس ذلك ضمان حق الدفاع للخصوم جميعا بإحاطتهم علما بما أتخذ من إجراءات حتى يستطعون الرد عليها بما يناسبها (1) 0
وتحقيقا لهذا المبدأ فقد أوجب القانون على المدعي إعلان المدعي عليه بالطلبات الموجهة إليه ، ومنع المدعي من إبداء طلبات جديدة أو تعديل الطلبات الواردة في صحيفة الدعوى في الجلسة التي يتخلف فيها خصمه ، وكذلك منع المدعي عليه من إبداء طلبــات في غيبة المدعي حيث نص المشرع على أنه ( 0000 ولا يجوز للمدعي أن يبدئ في الجلسة التي تخلف فيها خصمه طلبات جديدة أو أن يعدل أو يزيد أو ينقص في الطلبات الأولــى 000 ) (2) 0
كذلك تحقيقا لهذا المبدأ فقد أوجب القانون على كل خصم تمكين خصمه من الإطلاع على الأوراق التي يقدمها تأييدا لدعواه والرد عليها ، وكذلك على القاضي أن يمتنع بعد قفل باب المرافعة عن سماع أي أقوال من أحد طرفي الخصومة في غيبة الطرف الأخر ، ومن قبول آية ورقة لم يطلع عليها خصمه (3) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصول المرافعات د / محمد محمود إبراهيم – ص 11 ، المرافعات د / أحمد أبو الوفا بند 37 ص 47 0
(2) المادة ( 83 / 2 ) مرافعات 0
(3) المادة ( 168 ) مرافعات ، الوسيط د / فتحي والي ، بند 254 ، ص 482 ، مبادئ المرافعات د / عبد الباسط جميعي ص 189 0
- 288 -
وقضت محكمة النقض في هذا الصدد :
أنه ( لا يجوز للمحكمة – طبقا لنص المادة ( 168 ) مرافعات – أن تقبل أوراقا أو مذكرات من أحد الخصوم دون إطلاع الخصم الآخر عليها وإلا كان العمل باطلا ، وهذا – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أصل من أصول المرافعات ولا يسوغ الخروج على هذا الأصل أن يكون المحكمة التي أصدرت الحكم قد أذنت للطاعنه بإيداع ، مذكرتـها بملف الدعوى دون إعلان الخصم بـها ، إذ ليس من شأن هذا أن يغير من قواعد وضعت كفالة لعدالة التقاضي وعدم تجهيل الخصومة على من كان طرفا فيها ) (1) 0
ويعتبر إخلالا بمبدأ المواجهة بين الخصوم ويثير الشبهات حول نزاهة القاضي قبول المحكمة المذكرات أو المستندات بعد قفل باب المرافعة من أحد الخصوم دون تصريح من المحكمة والتعويل على هذه المذكرات أو المستندات عند إصدارها للحكم ويكون جزاء هذا الحكم هو البطلان (2) 0
وقضت محكمة النقض في هذا الصدد :
أن ( إذا بنى الحكم على ما قدمه الخصم بعد حجز الدعوى للحكم من أوراق دون إطلاع الخصم عليها فإنه يكون باطلا لتحقق إخلاله بحق الدفاع وبأصل من أصول المرافعات التي وضعت كفالة لعدالة التقاضي ولعدم تجهيل الخصومة على من طرفا فيها 00 ) (3) 0
أما إذا لم تأخذ المحكمة بالمذكرات والمستندات المقدمة بعد قفل باب المرافعة ولم تصرح المحكمة بتقديم هذه المذكرات أو المستندات فيكون هذا الحكم صحيح ولا بطـلان فيه 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطعن رقم 230 س 46 ق جلسة 20/ 4 / 1978 س 29 ص 1053 مشار إليه في محاضرات في قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب – الكتاب الأول – النظام القضائي سنة 1993 – 1994 ، ص 37 هامش رقم ( 1 ) 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز 1 / 957 0
(3) الطعن رقم 1637 س 49 ق – م نقض م – ص 34 ، مشار إليه بالمرجع السابــــق ص 957 0
- 289 -
يؤكد ذلك قضاء محكمة النقض : على أنه :
( إذا لم تعول المحكمة في قضائها على المستندات والمذكرات المقدمة بغير تصريح فإنه لا يترتب على مجرد قبولها لها بطلان الحكم ) (1) 0
وإذا كان المشرع المصري قد أخذ بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم إلا أن هذا لا يمنع القاضي عن السير في إجراءات نظر الدعوى إذا امتنع المدعي عليـــه عن الحضور بعد دعوته إلى مجلس القضاء بإعلان صحيح ويجب على القاضي إذا تغيب المدعي عليه ، أن يتحقق من صحة إعلانه بنظر الدعوى فإذا تبين للقاضي بطلان إعلان المدعي عليه وجب عليه تأجيل نظر الدعوى لجلسة أخرى لكي يعلنه المدعي بالجلسة إعلانا صحيحـا (2) 0
واستثناءا من هذا المبدأ فقد أجاز المشرع اتخاذ إجراءات في غير مواجهة الخصوم كأستصدار أمر على عريضة حيث نص المشرع على أنه ( في الأحوال التي يكون فيها للخصم وجه في استصدار أمر يقدم عريضة بطلبه إلى قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة المختصة أو إلى رئيس الهيئة التي تنظر الدعوى 0000 ) (3) 0
وكذلك نص المشرع على أنه استثناء من القواعد العامة في رفع الدعاوى ابتداء ، تتبع الإحكام الواردة في المواد التالية إذا كان حق الدائن ثابتا بالكتابة ، وحال الأداء وكان كل ما يطالب به ديننا من النقود ، معين المقدار ، أو منقولا معبثا بذاته أو بنوعه أو مقــداره 000 ) (4) 0
مما تقدم يتبين لنا أن أخذ المشرع المصري بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهه الخصوم يعتبر من الأسس الهامة التي يقوم عليها نزاهة القاضي لأن علم كل خصم بالإجراءات التي يتخذها الخصم الآخر وإتاحة الفرصة له بالرد عليها يقطع الشك في نزاهة القاضي وعدم محاباته لأحد الخصوم دون الآخر مما يبث ثقة المتقاضين في القاضي وحيدته ونزاهته 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطعن رقم 190 س 51 ق جلسة 2/10/ 1985 مشار إليه ، بالمرجع السابق ص 957 0
(2) المادة ( 85 ) مرافعات 0
(3) المادة ( 196 ) مرافعات ، الوسيط د / فتحي والي بند 254 ص 482 0
(4) المادة ( 201 ) مرافعات والمعدلة بالقانون رقم 23 لسنة 1992 0
- 290 -
الموازنة بين الشريعة والقانون فيما يتعلق بمبدأ
حصول الإجراءات في مواجهة الخصــوم
***********************
سبق وأن ذكرنا أن الأصل في الفقه الإسلامي أن تتخذ جميع الإجراءات في مواجهة الخصم ، ولا يجوز للقاضي أن يسير في إجراءات نظر الدعوى مع غيبة أحد الخصوم عن مجلس القضاء مع حضوره في البلد وعدم علمه بالدعوى ، كما أشرنا آنفا أنه لا ينبغي للقاضي في الفقه الإسلامي أن يسمح لأحد الخصوم بالدخول عليه دون خصمه لا في مجلس قضائه ، ولا في خلوته ولا ينبغي لـه أن يسمع بينة في غيبة الخصم الآخر ، وبذلك يكون مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي ، وإذا ما قارنا ذلك بالقانون الوضعي نجد أن المشرع المصري أخذ أيضا بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم ، ويعتبره من الأسس الهامة التي يقوم عليها القضاء المصري ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم ويكون للفقه الإسلامي فضل السبق في الأخذ به 0
- 291 -
المبحث الثالث
مبدأ حرية الدفاع والمناقشة في الفقه الإسلامي
والقانــون الوضعــــي
******************
يعتبر مبدأ حرية الدفاع والمناقشة أوسع وأشمل من مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم الذي تحدثنا عنه في المبحث السابق لأن مبدأ حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم يتطلب حضور المدعي عليه أو نائبه ليكون على علم بما يتخذ ضده من إجراءات أما مبدأ حرية الدفاع والمناقشة فيتطلب إعطاء الخصم بعد حضوره فرصة كافية لإبداء وجهة نظره وأسانيدها والرد على مزاعم خصمه مما يبث الثقة في نزاهة القاضي وحيدته ، ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه عن هذا المبدأ من خلال مطلبين هما :
المطلب الأول :
مبــدأ حرية الدفاع والمناقشة في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني :
مبدأ حرية الدفاع والمناقشة في القانون الوضعي 0
- 292 -
المطلب الأول
مبدأ حرية الدفاع في الفقه الإسلامي
*************************
أولا – المقصود بهذا المبدأ :
يقصد بـهذا المبدأ إعطاء فرصة كافية لكل خصم لإبداء وجهه نظره أمام القضاء فيما قدمه هو والرد على مزاعم خصمه وأدلته ودفوعه ، إمهاله المدة الكافية لتحضير دفاعه وأسانيده (1) وإعطائه الحق في توكيل من يدافع عنه ، قال تعالى : } واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري { (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام 1 / 47 0
(2) سورة طة الآيات أرقام ( 29 ، 30 ، 31 ، 32 ) وروي في تفسير قوله تعالى : } واجعلي لي وزيرا من أهلي { أي معاونا يحمل أعباء ما كلفته ، على أن اشتقاقه من الوزر بالكسر بمعنى الحمل الثقيل لأنه الأصل في ذلك ، وسمى القائم بأمر الملك بذلك لأنه يحمل عنه وزر الأمور وثقلها ، أو هو ملجأ يعتصم برأيه ، وسمى وزير الملك بذلك لأن الملك يعتصم برأيه ويلتجأ إليه في أمره ، فهو فعيل بمعنى مفعول على الحذف والإضافة أي ملجوء إليه ، وأيضا : قال الخليل وأبو عبيدة في تفسير قوله ( اشدد به أزري ) إن المراد بالأزر هو الظهر ، وروي ذلك عن ابن عطيه والمراد أحكم به قوتى وإجعله شريكا في أمر الرسالة حتى تتعاون على أدائها كما ينبغي واختار هارون لأنه كان أطول من موسى عليه السلام وأكثر منه لحما وأكبر سنا ، وقيل إنه كان يكبره بأربع سنين ، وقيل بثلاث وتوفى قبله بثلاث سنين ، وكان عليه السلام ذا تؤده وحلم عظيم ، وليس المراد بالأمر في قوله وأشركه في أمري الرسالة لأن ذلك ليس في يد موسى وإنما المراد أن يجعله معه للإرشاد والدعوى إلى الحق وهذا ما يجب أن يحمل عليه ، وفي الحديث ( إذا أراد الله بملك خيرا قيض لـه وزيرا صالحا إن نسى ذكره ، وإن نوى خيرا أعانه وإن نوى شرا كفه ) وقد كان لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وزراء كما قال ( إن لي وزيرين في الأرض أبو بكر وعمر ، ووزيرين في السماء جبريل وإسرافيل ) فكان من في السماء يمده بالروحانية ، ومن في الأرض يمده بالجسمانية فيكون بذلك قد تحقق قوله تعالى : ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) فنصر الله سماوي ونصر المؤمنين أرضي ، وبالكل يحصل الإمداد 0 انظر في ذلك روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – للعلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي المتوفى سنة 1270 هـ - مكتبة دار التـــراث =
- 293 -
ثانيا – مدى تحقق مبدأ حرية الدفاع في الفقه الإسلامي :
من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي مبدأ حرية الدفاع والمناقشة لأن من المقرر في الفقه الإسلامي أن لكل من أطراف الخصومة حق الإدلاء بحججه وأسانيده في مجلس القضاء والرد على مزاعم خصمه وأدلته ولذلك نص الفقهاء على أنه ينبغي على القاضي أن يعطي كلا من الخصوم الوقت الكافي لتحضير حججه أو دفوعه أو استكمالها ، فإذا ادعى المدعي أنه معه بينة ولكنها غير حاضرة ، فطلب المهلة لإحضارها وجب على القاضي إعطاؤه المهلة الكافية لإحضار بينته وكذلك المدعي عليه إذا طلب مهلة لإحضار البينة التي ترد علي بينة المدعي وجب كذلك على القاضي إعطاؤه المهلة الكافية لإحضار بينته وذلك إعمالا لحق الخصوم في حرية الدفاع (1) 0
وتحقيقا لمبدأ حرية الخصوم في الدفاع لم يجز الفقه الإسلامي للقاضي أن يفصل في الدعوى قبل استيفاء بيانات الخصوم فيها ، حتى ولو أدى ذلك إلى تأجيل إصدار الحكم ، ومن المقرر في الفقه الإسلامي أن على القاضي أن يمنح الخصوم بناء على طلبهم المهل اللازمة لاستعدادهم وتقديم دفاعهم وبياناتـهم وهذه المهلة ترجع إلى تقدير القاضي (2) 0
ولذلك قال ابن فرحون : " وضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد الحكام بحسب من النظر في أمر الخصمين ، وليس فيه حد محدود لا يجاوز إنما هو الاجتهاد " (3) 0
وقال السرخسي في شرحه لكتاب - عمر بن الخطاب - إلى أبي موسى الأشعري حيث قال - عمر بن الخطاب - : ( ومن ادعى حقا غائبا أو بينه ، فاضرب له أجلا ينتهي إليه فإن أحضر بينة ، أخذ حقه ، وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك أجلى للعمي وأبلغ في العذر " قال السرخسي في شرحه لهذا القول العظيم : ( وفيه دليل على أن القاضي عليه أن يمهل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= المركز الإسلامي للطباعة والنشر جـ 16 / 184 ، وانظر أيضا في تفسير تلك الآية تفسير روح المعاني للشيخ إسماعيل حقي البروسي – طبعة دار الفكر جـ 5 ص 379 ، وقيـــل ( واجعل لي وزيرا من أهلي ) أي عونا يستقيم به أمري فالأزر هو العون قال الشاعر :
شددت به أزري وأيقنست أنه : أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه انظر في ذلك أيضا الجامع لإحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت المجلد السادس ص 130 0
(1 ، 2 ) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 47 ، المبسوط للسرخسي 16 / 63 0
(3) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 171 0
- 294 -
كل واحد من الخصمين ، ويقدر ما يتمكن من إقامة الحجة فيه ، حتى إذا قال المدعي : بينتي حاضرة ، أمهله ليأتي بـها ، فربما لم يأت بـها في المجلس الأول ، بناء على أن الخصـم لا ينكر حقه ، لوضوحه ، فيحتاج إلى مدة ليأتي بـها ، وبعد ما أقام البينة إذا ادعى الخصم الدفع ، أمهله القاضي ليأتي بدفعه ، فإنه مأمور بالتسوية بينهما في عدله وليكن أمهاله على وجه لا يضر بخصمه فإن الاستعجال إضرار بمدعي الدفع ، وفي تطويل مدة إمهاله إضرار بمن أثبت حقه وخير الأمور أوسطها ، قال ، وقوله ( فإن ذلك أجلى للعمي ) أي لإزالة الاشتباه وقوله ( وأبلغ في العذر ) أي للقاضي عند من توجه القضاء عليه لأنه إذا وجه القضاء عليه بعد ما أمهله حتى يظهر عجزه عن الدفع انصرف من مجلسه شاكرا له ، ساكنا ، وإذا لم يمهله ،انصرف شاكيا منه بقول : مال إلى خصمي ولم يستمع حجتي ، ولم يمكني من إثبات الدفع عنده 000 ) (1) 0
يتضح لنا من شرح الإمام السرخسي لقول أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - في كتابه إلى أبي موسى الأشعري والذي يعتبر بحق دستورا للقضاة أن إخلال القاضي بمبدأ حرية الدفاع وعدم إعطاء الخصم الفرصة الكافية لإحضار بينته والرد على دفوع خصمه مما يؤدي إلى إثارة الشك حول نزاهة القاضي وعدم حيدته ويترتب على ذلك أن ينصرف الخصم شاكيا القاضي وذلك بقوله : مال إلى خصمي ولم يستمع حجتي ولم يمكني من إثبات الدفع عنده ، هذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أن مبدأ حرية الدفاع يعتبر من أهم المبادئ التي يقوم عليها نزاهة القاضي ، ومن المبادئ التي يقوم عليها أي نظام قضائي عادل يتحقق فيه مبدأ نزاهة القاضي 0
ومما هو جدير بالذكر أن مبدأ حرية الدفاع والمناقشة يقتصر على إتاحة الفرصة للخصم ليتكلم ويبدي وجهه نظره وأدلته ، فإن هو أصر على عدم الكلام أو قصر في إبداء أدلته ، أو كان خصمه ألحن بحجته منه قضى القاضي وفقا لما هو ثابت أمامه من الأدلة والمستندات لأن الخصم لم يستعمل حقه في الدفاع وحرية المناقشة (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي 16 / 63 0
(2) الشرح الكبير للدردير 4 / 151 ، التنظيم القضائي الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامــد أبو طالب ص 59 0
- 295 -
المطلب الثاني
حرية الدفاع والمناقشة في قانون المرافعات
**************************
يعتبر مبدأ حرية الدفاع والمناقشة من المبادئ الأساسية والمستقرة في القضاء المصري ولذلك نص عليه المشرع صراحة في الدستور المصري حيث نص على أن ( حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول ، ويكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم 0000 ) (1) 0
وحق الدفاع أمام القضاء حق مقرر لجميع أطراف الدعوى سواء كانوا مدعيين أو مدعي عليهم أو متدخلين في الدعوى طالما لهم صفة الخصم في الدعوى ، فللمدعي أن يبدي ما يشاء من أوجه الدفاع تأييداً لدعواه ، وللمدعي عليه وهو في مركز الخصم أن يبدي ما شاء من أوجه الدفاع والدفوع في الدعوى لتفادي الحكم للمدعي بطلباته (2) 0
وبناءا على مبدأ حرية الدفاع لا يستطيع القاضي أن يحكم في الدعوى إلا بعد سماع جميع إطراف الخصومة لأنه بغير سماعهم لا يمكنه معرفة الحقيقة (3) 0
وتأكيدا لأهمية مبدأ حرية الدفاع لم يكتف المشرع بالنص عليه في الدستور المصري بل نص عليه كذلك في قانون المرافعات حيث نص المشرع على أنه ( يجب الاستماع إلى أقوال الخصوم حال المرافعة ، ولا تجوز مقاطعتهم إلا إذا خرجوا عن موضوع الدعوى ، أو مقتضيات الدفاع فيها ، ويكون المدعي عليه آخر من يتكلم ) (4) 0
وبناءا على ذلك يجب على القاضي أن يستمع إلى أقوال الخصوم من حين رفع الدعوى إلى قفل باب المرافعة ولا يقاطعهم أثناء إبداء طلباتـهم أو دفوعهم ، إلا إذا خرجوا عن موضوع الدعوى ، أو تجاوزوا حدود الدفاع المقررة ، وإذا لم تمكن المحكمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المادة ( 69 ) من الدستور المصري الحالي سنة 1971 0
(2) النظام القضائي والاختصاص د / أمينة النمر ص 35 – طبعة سنة 1984 ، واجب القاضي في تحقيق مبدأ المواجهة باعتباره أهم تطبيق لحق الدفاع د / عزمي عبد الفتاح – طبعة دار النهضة سنة 1992 – 1993 ، بند 4 ص 10 0
(3) الوسيط د / فتحي والي بند 254 ص 482 0
(4) انظر المادة ( 102 ) مرافعات 0
- 296 -
الخصوم من إبداء دفاعهم يكون حكمها باطلا لأنـها قد أخلت بحق الدفاع (1) ، وحق الدفاع هو حق جوهري مفترض لا قيام للعدالة بغيره لأن غايته هي تحقيق المساواة في المراكز الإجرائية أمام الخصوم التي أن أختلت أختلت معها فكرة العدالة ذاتـها وهـــو ما يؤدي إلى أوخم العواقب على المجتمع لأنه يجعل قواعد القانون الموضوعي التي تنظم العلاقات بين الأفراد عبثا لا جدوى منه (2) 0
ومما هو جدير بالذكر أن حق الدفاع في القانون المصري يعتبر حقا عاما يتعلق بالنظام العام وهو من المبادئ الهامة في التقاضي ، والتي يكلفها الدستور نظرا لأهميتها ، وتمييزها من حيث التصاقها بجوهر العدالة في التقاضي (3) 0
الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة
لمبــدأ حريــــة الدفـاع
***************
من خلال ما سبق ذكره يتضح لنا أن مبدأ حرية الدفاع من المبادىء المستقرة في الفقه الإسلامي ، حيث إن لكل من أطراف الخصومة حق الإدلاء بحججه وأسانيده في مجلس القضاء والرد على مزاعم خصمه وأدلته ، كذلك المشرع المصري أخذ بـهذا المبدأ وجعله من المبادىء الأساسية التي يقوم عليها القضاء المصري ولذلك نص عليه صراحة في الدستور وجعله من الحقوق التي كفلها القانون للخصوم بالأصالة أو الوكالة ، كما نص عليه في كافة القوانين الوضعية ولا يوجد قانون أغفل النص على هذا المبدأ ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بـهذا المبدأ ويكون للفقه الإسلامي فضل السبق في تقرير هذا المبدأ 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التعليق على قانون المرافعات للديناصوري وعكاز ص 259 0
(2) تقنين المرافعات أ / محمد كمال عبد العزيز 1 / 610 0
(3) ضمانات التقاضي – دراسة تحليلة مقارنة – د / آمال الفزايري – توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية – مركز الدلتا للطباعة ص 74 0
- 297 -
المبحث الرابع
مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامي
والقانـون الوضعـي
**************
تمهيــد :
مما لاشك فيه أن مبدأ مجانية القضاء يعتبر من المبادىء الهامة التي تقـــوم عليها نزاهة القاضي وذلك لأن عدم أخذ القاضي أجرا من الخصوم مقابل قضـائه يجعل القاضي في مأمن من إثاره الشبهات حول نزاهته وذلك حتى لا يلجأ البعـض إلى القول بأن القاضي يميل إلى من يأخذ منه أجرا أكبر منه من الآخر ولكن هــذا لا يعني أن القاضي لا يأخذ أجرا مقابل قضائه حيث سبق وأن ذكرنا في الباب الأول عند الحديث عن التوسعة على القاضي في الرزق أن القاضي يعتبر عاملا من عمال المسلمين وأجل عمالهم وأنه يأخذ أجرا على قضاءه من بيت مال المسلمين ( الخزانة العامة ) 0
ونظرا لأهمية هذا المبدأ فسوف نتحدث تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه من خلال مطلبيـن :
المطلب الأول :
مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامــي 0
المطلب الثاني :
مبدأ مجانية القضاء في القانون الوضعي 0
- 298 -
المطلب الأول
مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامــي
********************************
أولا – المقصود بهذا المبـــدأ :
يقصد بـهذا المبدأ أن القاضي لا يأخذ أجرا من الخصوم مقابل قضائه وإنما يأخذ أجره من بيت مال المسلمين ( الخزانة العامة في الدولة ) شأنه في ذلك شأن سائر الموظفين في الدولــة (1) 0
ثانيا – مدي تحقق مبدأ مجانية القضاء في الفقه الإسلامي :
الأصل في الفقه الإسلامي الأخذ بمبدأ مجانية القضاء وأن القضاة لا يتناولون أجرا من المتقاضين لقاء الفصل بينهم وإنما يرزق القاضي وأعوانه من بيت مال المسلمين وكان أول راتب عين في الإسلام للقاضي هو ما خصصه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعتاب بن أسيد عندما عينه على مكة واليا وقاضيا ، فقد فرض له كل يوم درهمين ، وكان عتاب يقول ( لا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان ) (2) 0
وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدون فكان أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب- هو أول من فصل القضاء عن الولاية ولم ينشأ بيت مال المسلمين إلا في عهده فكان أول من ضبط الأعمال ودون الدواويين في الإسلام وأول من رتب أرزاق القضاة فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة الباهلي خمسمائة درهم في كل شهر ، وكذلك الإمام على بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو المعروف بالزهد والقناعة فقد قال لعامله على مصر في شأن القضــاة ( وأفسح لـه في البذل ما يزيل علته ونقل معه حاجته إلى الناس ) ورتب لشريح خمسمائة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الصنائع للكاساني 7 / 20، تبصرة الحكام 1 / 30، روضة القضاة للسمناني 1 / 87 ، التنظيم القضائي الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب ص 53 0
(2) المدخل في الفقه الإسلامي د /محمد سلام مدكور – الطبعة الرابعة سنة 1969 ص 337 ، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي وتطبيقه في المملكة العربية السعودية للدكتور : محمد مصطفي الزحيلي – مطبعة دار الفكر – دمشق سنة 1402 هـ – 1982 ، ص 94 0
- 299 -
درهم في كل شهر فيكون راتبه في العام ستة آلاف درهم بينما كان الإمام على يكتفي بقصعة ثريد في كل يوم من بيت المال ، وكان عبد الرحمن الخولاني قاضي مصر في زمن واليها عبد العزيز بن مروان جمع بين ولاية القضاء وبين ولاية بيت المال وكان يأخذ في العام ألف دينار 0
ويقول الشيخ محمود بن عرنوس نستخلص من مجموع ما رويناه أن التوسعة على القضاة في أرزاقهم كانت مبدأ عاما من يوم أن وجدت الأرزاق في الدواويين وأنـها كانت تصرف مقدما (1) 0
مما تقدم تبين لنا أن الأصل الذي ساد في النظام القضائي الإسلامي هو مجانية القضاء فالقضاة لا يتقاضون أجرا من الخصوم مقابل الفصل بينهم في المنازعات وذلك حفظا لكرامة وهيبة القضاة والارتقاء بـهم عن كل شبهة حول نزاهتهم وإنما يأخذ أجره من الخزانة العامة للدولة حتى لا يكون القاضي تحت رحمة الخصوم ، فالخصوم في الفقـــه الإسلامي لا يتحملون أي نفقات عند لجوئهم للقاضي للفصل بينهم في الخصومات ، فكل ما يحتاجه القاضي للنهوض بمهمته من أدوات كتابية أو غيرها ، فهي أو ثمنها من بيت مال المسلمين وذلك لكونـها لازمة للقيام بمصالحهم (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ القضاء في الإسلام للشيخ محمود بن عرنوس المطبعة المصرية الأهلية الحديثة بالقاهـرة سنة 1934 ص 29 0 ، وفي ذات المعنى ضمانات القاضي د / آمال الفزايري – مرجع سابق ص 48 0
(2) روضة القضاة للسمناني 1 / 87 ، التنظيم القضائي الإسلامي أ 0 د / حامد أبــو طالب ص 54 0
- 300 -
المطلب الثاني
مبدأ مجانية القضاء في قانون المرافعات المصري
***************************
أولا – مفهوم هذا المبدأ عند فقهاء القانون :
يقصد بـهذا المبدأ أن المتقاضين لا يدفعون لقضاتـهم أجرا على أعمالهم ، لأن القضاة كسائر موظفي الدولة يحصلون على مرتباتـهم وحوافزهم من خزانة الدولة وليس مـن الخصوم ، والالتجاء إلى القضاء يكلف المتقاضين رسوما تحصلها الخزانة العامة والمدعي هو الذي يدفع هذه الرسوم عند رفع الدعوى فإذا كسب دعواه حكم بـها على المدعي عليه ، وإذا خسرها تحملها هو ، وقد قصد بإلزام المدعي يدفع هذه الرسوم عند رفع الدعوى التقليل من الخصومات الكيدية ولكن الخصم الذي خسر الدعوى هو الذي يتحملها في النهاية لأنه هو الذي تسبب في الالتجاء إلى القضاء بما أنكر على خصمه مـن حــق (1) 0
ثانيا – الهدف من تقرير هذا المبدأ :
يهدف المشرع من وراء تقرير مبدأ مجانية القضاء إلى تحقيق عدة اعتبارات تتمثل فيما يلي :
الأول : كفالة نزاهة القضاة والبعد عن المساومة مع الخصوم التي تفسد القضاء وتخرجه عن مجال وظيفته وغايته ومن ثم يطمئن المتقاضين إلى حيدة ونزاهة القضاء 0
الثاني : كفالة سلطة الدولة على إقليمها وممارسة سيادتـها عليه (2) 0
الثالث : تحقيق مبدأ المساواة أمام القضاء وذلك لأن مبدأ مجانية القضاء يعتبر نتيجة حتمية لمبدأ المساواة أمام القضاء وذلك على أساس أن القضاء حق مكفول للناس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرافعات المدنية والتجارية د / أحمد أبو الوفا بند 32 ص 40 ، محاضرات في قانون المرافعات المدنية والتجارية لأستاذنا الدكتور : عبد الحكم شرف ص 4 0
(2) الوجيز في المرافعات د / محمد محمود إبراهيم ص 63 0
301 –
كافة دون تمييز بين مكانتهم أو امكانيهم يحتم تسيره وتوفيره للناس باعتباره خدمة عامة ، فلا يدفع المتقاضون أجر قضاتـهم وإنما تتحمل الدولة هذا الأجر ، حتى لا يحرم الفقير من الالتجاء إلى القضاء (1)
ثالثا – مدى تحقق مبدأ مجانية القضاء في القانون المصري :
من المبادئ المقررة في القانون المصري وفي النظم القضائية الحديثة مبدأ مجانية القضاء باعتبار أن القضاء خدمة عامة ، ويعني هذه المجانية فقط أن الذي يتحمل مرتبات القضاة خزانة الدولة وليس الخصوم ، فليس معنى مجانية القضاء عدم تحمل المتقاضين أي أعباء مالية عند التجائهم إلى القضاء لأن الدولة تفرض على مباشرة إجراءات التقاضي رسوما محددة يدفعها ابتداء من يلجأ إلى القضاء من الخصوم طالبا الحماية القضائية ويتحملها انتهاء الخصم الذي يخسر القضية والهدف من ذلك الحد من رفع الدعاوى الكيدية (2)
وتنظم أحكام الرسوم القضائية في مصر عدة قوانين أهمها :
( 1 ) قانون الرسوم القضائية في المواد المدنية والتجارية رقم 90 لسنة 1944 والمعدل بموجب القوانين رقم 66 لسنة 1964 ، والقانون رقم 96 لسنة 1980 والقانون رقم 8 لسنة 1985 ، 7 لسنة 1995 0
( 2 ) القانون رقم 91 لسنة 1944 وينظم الرسوم في المواد الأحوال الشخصية والمعدل بالقانون رقم 67 لسنة 1964 والقانون رقم 96 لسنة 1980 والقانون رقم 8 لسنة 1985 0
( 3 ) القانون رقم 1 لسنة 1948 والذي ينظم الرسوم المقررة في مسائل الولاية على المال (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسيط د / أحمد السيد صاوي بند 20 ، ص 40 0
(2) الوسيط في المرافعات د / أحمد السيد صاوي بند 22 ص 41 0
(3) قوانين الرسوم القضائية ومنازعاتها في ضوء قضاء النقض للمستشار عبد الرحيم على على محمد الطبعة الأولى سنة 1998 ص 3 0
- 302 -
رابعا – نظام المساعدة القضائية :
وأيا ما كان الحال ، فقد قصد المشرع بإلزام المدعين بدفع الرسوم ابتداء عند رفع دعاواهم هو التقليل من رفع الدعاوى الكيدية ، وأما الفقير الذي لا يملك مصاريف المطالبة بحقه فقد راعاه المشرع وقرر إعفاءه من الرسوم القضائية وقد نظم المشرع إعفاء الفقير الذي يعجز عن سداد الرسوم القضائية في المواد 23 حتى 29 من قانون الرسوم القضائية رقم 90 لسنة 1944 ويشمل هذا الإعفاء رسوم الدعوى والصور والشهادات والمخلصات وغير ذلك من الأوراق القضائية والإدارية ورسوم التنفيذ وأجر نشر الإعلانات القضائية والمصاريف الأخرى التي يتحملها الخصوم ، وحتى لا ينتهز الفقراء منحة الإعفاء ، ويكثرون من الدعاوى بحق وبدون حق اشترط المشرع للإعفاء من الرسوم للعجز تحقق شرطين هما :
( 1 ) أن يثبت عدم قدرة المدعي وعجزه عن سداد الرسوم 0
( 2 ) أن تكون الدعوى المراد رفعها من الطالب محتملة الكسب (1) 0
كيفية تقديم طلب الإعفاء من الرسوم :
يتم تقديم طلب الإعفاء إلى لجنة المساعدة القضائية المختصة بالمحكمة المراد رفع الدعوى أمامها وتشكل هذه اللجنة في محكمة النقض من اثنين من المستشارين ، وفي محكمة الاستئناف من اثنين من المستشارين وفي المحكمة الابتدائية من قاضين ، وفي المحكمة الجزئية ، من قاض وعضو نيابة ، وتفصل اللجنة في طلب الإعفاء بعد الإطلاع على الأوراق المقدمة من طالب الإعفاء إلى كاتب المحكمة ، وتسمع اللجنة من حضر من الخصوم بعد إخطارهم ومن يمثل قلم الكتاب ، والإعفاء من الرسوم شخصى ولا يتعدى أثره إلى ورثة المعفي أو من يحل محله بل يجب على هؤلاء الحصول على قرار جديد بالإعفاء إلا إذا رأت المحكمة استمرار الإعفاء بالنسبة للورثة وإذا زالت حالة العجز أثناء نظر الدعوى أو التنفيذ جاز للخصم أو لقلم الكتاب أن يطلب من اللجنة إبطال الإعفاء ، وإذا حكم على الخصم المعفي من الرسوم وجبت مطالبته بالرسوم أولا فإن تعذر تحصيلها جاز الرجوع بـها على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوانين الرسوم القضائية ومنازعاتها في ضوء قضاء النقض للمستشار عبد الرحيم على محمـد ص 49 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوي – مرجع سابق ص 44 0
- 303 -
الخصم المعفي من الرسوم والمحكوم عليه فيها إذا زالت حالة عجزه (1) 0
خامسا – المعونة القضائية :
لما كان الدستور المصري الصادر في 11 سبتمبر سنة 1971 ينص في المـــادة ( 69 / 2 ) على أن ( يكفل القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم ) وكان الفقير يعجز عن المطالبة بحقه لعدم قدرته على دفع رسوم التقاضي ، ولما كان ذلك يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي الأمر الذي دعا المشرع إلى مراعاة الفقير الذي لا يملك مصاريف المطالبة بحقه وذلك عن طريق تقرير نظام المساعدة القضائية التي تحدثنا عنها آنفا ، وكذلك عن طريق المعونة القضائية والتي سنتحدث عنها فيما يلي :
فالمعونة القضائية أساسها منصوص عليه في قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 حيث ورد فيه فصل رابع عن المساعدات القضائية ، حيث نصت المادة ( 93 ) منه على أن تقوم مجالس النقابات الفرعية بتشكيل مكاتب تابعة لها لتقديم المساعدات القضائية لغير القادرين من المواطنين في دائرة كل منها ، وتشمل هذه المساعدات القضائية رفع الدعاوى والحضور فيها وفي تحقيقات النيابة العامة وإعطاء المشوره القانونية وصياغة العقود ، ويصدر مجلس النقابة العامة نظاما لمكاتب المساعدات القضائية بين فيه كيفية ترتيب هذه المكاتب والمكافآت التي تدفع لهم وبشروط الدفاع عن المواطنين بخدماتـها ، وكذلك يجب على المحامي المنتدب أن يقوم بما يكلف به ولا يسوغ له أن يتنحى إلا لأسباب تقبلها الجهة التي تندبه (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوانين الرسوم القضائية ومنازعاتـها في ضوء قضاء النقض للمستشار / عبد الرحيم على على محمد ، مرجع سابق ص 49 ، 50 ، الوسيط د / أحمد السيد صاوي – مرجع سابق ص 44 ، 45 ، ويراجع كذلك المواد أرقام 24 ، 25 ، 26 ، 27 ، 28 من قانون الرسوم القضائية رقم 90 لسنة 1944 0
(2) يراجع نصوص المواد من ( 93 حتى 97 ) من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 0
- 304 -
الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة
لمبـدأ مجانيــة القضـاء
******************
من خلال العرض السابق يتضح لنا أن الفقه الإسلامـــي قـــد أخـذ بمبدأ مجانية القضاء على إطلاقه دون قيد أو شرط ، فلم يرد في الفقه الإسلامــي ولا في تاريخ القضاء في الإسلام ما يفيد تناول القاضي أجرا من الخصــوم نظير الفصل في دعاواهم ، وإنما يرزق القاضي وأعوانه من بيت مال المسلمين أي ( الخزانة العامة ) 0
وكذلك أخذ المشرع المصري بمبدأ مجانية القضاء ، فالقاضي في مصر لا يأخذ أجرة من الخصوم مقابل الفصل بينهم في منازعتهم وإنما يأخذ أجره من خزانة الدولة شأنه في ذلك شأن سائر موظفي الدولة ، ولا يفهم من فرض الدولة رسوما معينة على من يريد اللجوء إلى القضاء عدم الأخذ بمبدأ مجانية القضاء لأن هذه الرسوم تؤول إلى خزانة الدولة وتشكل موردا ذا قيمة من مواردها لتواجه به الأعباء الكثيرة الملقاة على عاتقها والهدف من تقرير المشرع لتلك الرسوم هو تفادي الدعاوى الكيدية التي ترفع من الخصم 0
فالمشرع المصري أخذ بمبدأ مجانية القضــاء حرصا منــــه علـى تحقيق نزاهة القاضي وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبـــدأ مجانية القضاء ويكون للفقه الإسلامي فضل السبق في الأخــذ بـهذا المبـــدأ 0
- 305 -
المبحث الخامس
مبدأ المساواة بين المتقاضين أمام القضاء
في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
***********************
تمهيــد :
المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي من أهم المبادىء الأساسية التي تقوم عليها نزاهة القاضي وبه تتحقق ثقة الناس في القضاء ويصبح موضع طمأنينتهم ولهذا المبدأ من أهمية بالغة في النظام القضائي 0
وسوف نتحـدث عن هذا المبدأ تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه مــن خلال مطلبين هما :
المطلب الأول :
مبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضــــــــــــي
في الفقه الإسلامي 0
المطلب الثاني :
مبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضــــــــــي
في القانون الوضعي 0
- 306 -
المطلب الأول
مبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي
في الفقــه الإسلامــي
***************
أولا – المقصود بهذا المبـــــدأ :
يقصد بمبدأ المساواة أمام القضاء المساواة بين جميع الناس في حماية حقوقهم المشروعة وإعطاء كل ذي حق حقه وإعطاء كل إنسان الحق في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي لحماية حقه ودفع ما يقع عليه من اعتداء ، ويكون هذا الحق مقررا لجميع المواطنين على السواء وطنيين كانوا أو أجانب بل ويكون مقررا لجميع الناس لا فرق في ذلك بين أبيض وأسود ولا بين عربي أو أعجمي ، فلا تمييز بين الناس في حق اللجوء إلى القضاء بسبب الجنس أو الدين أو اللون أو اللغة ، فالكل أمام القضاء سواء (1) 0
وكذلك يقصد بمبدأ المساواة عدم حرمان أحد من المطالبة بحقه ووجوب سماع الدعوى من أي مدعي على أي مدعي عليه سواء كان المدعي عليه جليلا أم حقيرا ، غنيا أم فقيرا ، فللسوقة العامي أن يدعي على السلطان القاهر (2) 0
ثانيا – مدى تحقق مبدأ المساواة أمام القضاء بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي
في الفقه الإسلامي :
لقد أخذ الفقه الإسلامي بمبدأ المساواة وكفالة حق التقاضي لجميع الناس وذلك لأن الحرمان من حق التقاضي ولو كان في نوع معين من القضايا يعتبر مخالفا :
( 1 ) لنصوص القرآن الكريم وهي :
أ – قولـه تعالى : } إن الله يأمركم أن تؤوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله نعما يعظكم به ، إن الله كان سميعا بصيرا { (3) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التنظيم القضائي الإسلامي لأستاذنا الدكتور / حامد أبو طالب ص 51 0
(2) نظرية الدعوى د / محمد نعيم ياسين ص 383، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 135 بند 83
(3) سورة النساء الآية رقم ( 58 ) 0
- 307 -
( ب ) قوله تعالى : } إن الله يأمر بالعدل والإحسان { (1) 0
( جـ ) وقوله تعالى : } لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط { (2) 0
( د ) وقوله تعالى : } يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب { (3) 0
( هـ ) وقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بـهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا { (4) 0
( و ) وقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون { (5) 0
( ز ) وقوله تعالى : } فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهــم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ، ويسلموا تسليما { (6) 0
فهذه الآيات تدل على وجوب إقامة العدل بين الناس وكفالة حق التقاضي للجميــع 0
( 2 ) وكذلك مخالفا لنصوص السنة النبوية الشريفة ومنها :
أ – أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - القاضي الأول كان يفصل في جميع الدعاوى التي ترفع إليه ويحكم بين جميع الخصوم بل ويحذر الخصوم وينبههم ويوقظ ضمائرهم ، فروي عن أم سلمة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لبعض الخصوم ( إنما أنا بشر وإنكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل الآية رقم ( 90 ) 0
(2) سورة الحديد الآية رقم ( 25 ) 0
(3) سورة ص الآية رقم ( 26 ) 0
(4) سورة النساء الآية رقم ( 135 ) 0
(5) سورة المائدة الآية رقم ( 8 ) 0
(6) سورة النساء الآية رقم ( 65 ) 0
- 308 -
تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ) 0 رواه مسلم (1) 0
ب – أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر القضاة بوجوب العدل بين جميع الناس دون تفرقه وأوصاهم بالعدل والعلم ونبههم أن الذي يقضي بغير الحق فجزاؤه النار حيث روي عن أبي بريدة عن أبيه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال ( القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار ، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ) (2 ) 0
( 3 ) وكذلك مخالفا لما ورد عن الصحابة والخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - ومكاتبتهم في شأن القضاء من ذلك :
( أ ) قول أبى بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته مؤكدا كفالة حق التقاضي لكل الأفراد ( ألا إن أقواكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه وأضعفكم عندي قوى حتى أخذ الحق له ) (3)
( ب ) وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة يوصيه بضرورة تحقيق مبدأ كفالة حق التقاضي لجميع الناس والمساواة بينهم في كل صغيرة وكبيرة لا فرق في ذلك بين أمير أو خفير صغير أو كبير شريف أو حقير فقال ( وآسى بين الناس في مجلسك وفي وجهك وفي قضائك ، حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك 000 المسلمون عدول بعضهم على بعض 000 ) (4) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الإمام مسلم باب الحكم بالظاهر من كتاب الأقضية 2 / 60 ، طبعة عيسى البابي الحلبي 0
(2) رواه ابن ماجه في سننه رقم 3215 جـ 2 / 776 طبعة عيسى البابي الحلبي 0
(3) سيرة ابن هشام ، لأبي محمد عبد الملك بن هشام طبعة مكتبة دار التراث – القاهــــرة جـ 4 / 341، الشيخان الصديق أبو بكر والفاروق عمر للدكتور طه حسين طبعة 1975 ، التربية والتعليم ص 47 0
(4) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ 1 / 28 ، السنن الكبرى أحمد بن الحسين بن على البيهقي الطبعة الأولى ، سنة 1355 هـ جـ 10 / 109 0
- 309 -
وقال ابن قيم في شرح ذلك : أنه متى خص القاضي أحد المتخاصمين بالدخول عليه أو القيام لـه أو بصدر المجلس أو الإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه ، كان ذلك عنوان حيفه وظلمه ، وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان :
أحدهما : طمعه أن يكون الحكم له فيقوى قلبه وجنانه 0
والثاني : أن الخصم الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته (1) 0
( جـ ) – وقول أمير المؤمنين على بن أبي طالب – رضي الله عنه – وكرم – الله – وجه. في كتابه إلى وإليه على مصر الأشتر النخعي بين فيه الصفات التي يجب توافرها في الشخص الذي يتولى القضاء قال فيه ( اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ، ممن لا يضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصوم ، وأصرهم على تكشف الأمور وأحرصهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ويستميله إغراء وأولئك قليل (2) 0
ولاشك أن صفات القاضي هذه لا تجعل أي فرد يتردد في اللجوء القضاء للحصول على حقه 0
مما سبق عرضه يتأكد لنا مبدأ كفالة حق التقاضي في الفقه الإسلامي ، أما وجوب تمتع الخصوم بمبدأ المساواة أمام القاضي فإضافة إلى ما سبق ذكره نجد الفقه الإسلامي يذخر بالمواقف والمشاهد الإسلامية التي تؤكد حرص الفقه الإسلامي على وجوب تحقق مبدأ المساواة بين الخصوم من ذلك :
( 1 ) روي أن في عهد خلافة أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - جاء مصري فشكا إليه واليها - عمرو بن العاص - ، وزعم أن الوالي أجرى الخيل ، فأقبلت فرس المصري فحسبها محمد بن - عمرو بن العاص - فرسه وصاح : فرس ورب الكعبة ، ثم إقتربت وعرفها صاحبها فغضب محمد بن عمرو ووثب على الرجل يضربه بالسوط ويقول لـه " خذها وأنا ابن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية طبعة سنة 1389 هـ - 1969 م جـ 1 / 92 0
(2) القضاء في الإسلام : علم وقيم – المستشار عثمان حسين عبد الله – دار الاعتصام ص 31 ، وقد أشار سيادته إلى القرآن والمنهج العلمي للمستشار عبد الحليم الجندي ص 303 0
- 310 -
الأكرمين ، وبلغ ذلك أباه فخشى أن يشكوه المصري إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فحبسه زمنا ، ومازال محبوسا حتى أفلت وقدم إلى الخليفة لا بلاغه شكواه 000 " 0
وقال أنس بن مالك راوي القصة : فوالله ما زاد - عمر بن الخطاب - على أن قال لـه إجلس 000 ومضت فترة إذا به قد استقدم عمرا وابنه محمد من مصر فقدما ومثلا في مجلس القصاص 0 فنادى عمر : أين المصري ؟ دونك الدرة فاضرب بـها ابن الأكرمين فضربه حتى أثخنه ونحن نشتهي أن يضربه ، فلم ينزع حتى أحببنا أن يتزع من كـــثرة ما ضربه ، وعمر يقول له اضرب ابن الأكرمين0 ثم قال : أجلسها على صلعة عمرو ، فوالله ما ضربك أبنه إلا بفضل سلطانه ، قال عمرو فزعا: يا أمير المؤمنين قد أستوفيت وأشتفيت ، وقال المصري معتذرا : يا أمير المؤمنين ضربت من ضربني ، فقال عمر أمـا والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه ، والتفت إلى عمــرو مغضبا يقول لـه تلك القوله الخالدة التي ما قالها حاكم قبله " أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتـهم أماتـهم أحرارا ؟ (1) 0
فهذا الموقف وإن دل على شيء فإنما يدل على أن سيدنا - عمر بن الخطاب - قام بتحقيق مبدأ المساواة بين الخصوم على أكمل وجه ولم يمتنع عن توقيع الجزاء على المخطأ حتى ولو كان ذا مكانة أو سلطة في الدولة وحتى ولو كان هو الوالي كما فعل مع - عمر وبن العاص -والى مصر في ذلك الوقت لأن أمير المؤمنين - عمر ابن الخطاب - كان لا يخشى أحد إلا الله ولذلك عندما أرسل إلى - عمرو بن العاص - بالحضور ليحقق في شكوى المصري وكلمه عمرو بن بالعاص فقال لـه مستفهما أتقتص من الوالي إذا أدب رجلا من رعيته ؟ قال عمر أجل ، وما لي لا أفعل وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقتص من نفسه ، وكان كثيرا ما يقول للرعية : أيما رجل مسه عامله بأذى ، فليرفع ذلك إلى أقصصه من واليه (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حياة الصحابة للعلامة الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي – المكتب الثقافي ودار الحديـث للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى سنة 1413 هـ - 1993 ، الجزء الثاني ، ص 245 ، عبقرية عمر تأليف عباس محمود العقاد – منشورات المكتبة العصرية – صيــدا – بيروت ص 118
(2) الشيخان الصديق أبو بكر والفاروق عمر – للدكتور طه حسين طبعة سنة 1975 التربية والتعليم طبعة مدرسية موجزة ص 184 0
- 311 -
( 2 ) ورود عن الشعبي أنه قال ( كان بين - عمر رضي الله - ، وأبي بن كعب رضي الله عنه حائطا يدعيانه جميعا ، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ، فأتياه فضربا الباب ، فسمع زيد صوت - عمر رضي الله عنه - ، فاستقبل فقال : ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين ، فقال في بيته يؤتي الحكم ، فوسع لـه زيد عن صدر فراشه ، فقال : ههنا يا أمير المؤمنين ، فقال لـه عمر : جرت في أول القضاء ، ولكن أجلس مع خصمي ، فجلسا ، فادعى أبي وأنكر عمر ، فقال زيد لأبي : أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره ، فحلف عمر ، ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرضي المسلمين عنده سواء (1) 0
( 3 ) روي البيهقي عن الشعبي قال : خرج أمير المؤمنين على بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرفها على ، فقال هذه درعي بيني وبينك قاضي المسلمين فأتيا شريحا ، فلما رأي القاضي عليا قام من مجلسه وأجلسه وجلس شريح أمامة إلى جنب النصراني ، فقال لـه على لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول ( لا تساووهم في المجالس ) أقض بيني وبينه يا شريح فقال شريح ما تقول يا أمير المؤمنين ، فقال هذه درعي ذهبت مني منذ زمان فقال شريح ما تقول يا نصراني ، فقال ما أكذب أمير المؤمنين ولكن الدرع درعي ؟ فقال شريح لأمير المؤمنين هل من بينة ؟ فقال له على صدق يا شريح ، مالي بينة ، فقضى بالدرع للنصراني ، فأخذه ومشى وأمير المؤمنين ينظر إليه –000 إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول إني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء ، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه فيقضي عليه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين فلمـا أسلم أعطاه على الدرع وحمله على فرس عتيق ، قال الشعبي : فقد رأيته يقاتل المشركين عليـه (2) 0
من الموقف السابق يتضح لنا أن الإمام على بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ، قد أعطى مثالا رائعا في تحقيق مبدأ المساواة أمام القضاء عمليا ، فرغم كونه أمير المؤمنين إلا أنه حين يختصم مع نصراني يجلس مع خصمه في ساحة القضاء وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المبسوط للسرخسي جـ 16 / 73 ، نظرية الدعوى د / محمد نعيم ياسين ص 386 0
(2) مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4 / 400 ، نـهاية المحتاج للرملي 8 / 261 0
- 312 -
لا تفرق بين الناس أمام القضاء بحسب الأصل أو النسب أو السلطة ، يؤكد ذلك أن القاضي شريح قد حكم للنصراني بالدرع رغم أنـها غير مملوكة له وذلك لأن أمير المؤمنين قد عجز عن الأيتان بالبينة وإزاء ذلك كله لا يسع النصراني إلا أن يعلن إسلامه اعترافا بالحق وإجلالا للمساواة والعدل 0
هذا ، وقد سار قضاة الإسلام على هذا النهج السديد ، نـهج التسوية بين الخصوم الذي أوصى به – عمر بن الخطاب – وغيره من الخلفاء الراشدين ، وقد حفظ لنا التاريخ نماذج ساطعة من أخذ القضاة بالتسوية بين الخصوم حتى ولو كان أحدهم هو أمير المؤمنين ، فقد روي أن بعض الناس أقاموا دعوى على الخليفة أبي جعفر المنصور عند قاضي المدينة محمد بن عمران ، عندما قدم أبو جعفر حاجا ، فاستدعاه القاضي وأجلسه مع خصومه وقضى عليه لهم وأمره بإنصافهم ، ولما انصرفوا قال له المنصور : جزاك الله عن دينك وعن بيتك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء (1) 0
وكذلك روي أن المهدي أمير المؤمنين ، محمد بن المنصور تقدم مع خصوم له ، وهو أمير المؤمنين إلى قاضي البصرة ، - عبد الله بن الحسن - العنبري فلما رآه القاضي مقبلا أطرق إلى الأرض حتى جلس المهدي مع خصومه مجلس المتحاكمين ، فلما انقضت الحكومة بينهم قام القاضي فوقف بين يديه ، فقال له المهدي : والله لو قمت حين دخلت عليك لعزلتك ، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك (2) 0
من كل ما تقدم وهو قليل من كثير يتضح لنا أن الإسلام ينظر إلى العدل كأساس للحياة الآمنة المستقرة وينظر إلى المساواة كأساس للعدل وعلى ذلك فمبدأ المساواة بين الخصوم في مجلس القضاء لم يكن مبدأ نظريا فحسب وإنما طبق على الكافة دون أدنى اعتبار لتفاوت منازل الخصوم حتى ولو كانوا من غير المسلمين ، ومن هنا أصبح القضاء الإسلامي بحق قضاء المساواة وذلك كله يترتب عليه تحقيق نزاهة القاضي وحيدته 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 130 ، هامش (1) ، نظام القضاء في الشريعة الإسلاميـــة د / عبد الكريم زيدان ص 116 بند 204 مرجع سابق 0
(2) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 129 0
- 313 -
المطلب الثاني
مبدأ المساواة وكفالة حق التقاضـــي
في قانون المرافعات المصري
********************
أولا – أهمية هذا المبدأ ومفهومة في الفقه القانوني :
يعتبر مبدأ المساواة أمام القضاء من أهم المبادىء التي يقوم عليها النظام القضائي وذلك لأنه به يتحقق ثقة الناس في القضاء ويصبح موضع طمأنينتهم ويعتر أول لبنة يقوم عليها أي صرح قضائي عادل لأن تحقيق المساواة أمام القضاء يستوجب كفالة حق المواطنين دون تمييز في الالتجاء إلى القضاء (1) 0
ويقصد بمبدأ المساواة وكفالة حق التقاضي أن للأشخاص حق المطالبة بالحماية القانونية أمام القضاء أيا كان مضمونـها أو ميعادها فالقضاء هو حصن الحريات في الدولة يلجأ إليه الأشخاص لاقتضاء مالهم من حقوق أو رد الاعتداء عليهــا أو التعويــض عن هذا الاعتداء ومن وسائل هذه الحماية مباشرة الدعوى بين الأفراد مهما تفاوتـت منازلهم (2) 0
ثانيا – مدى تحقق مبدأ المساواة وكفالة حق التقاضي في القانون المصري :
يعتبر مبدأ المساواة أمام القضاء من أهم المبادىء التي يؤسس عليها النظام القضائي في مصر ، ويتفق الفقه القانوني على أن تحقيق المساواة أمام القضاء يستوجب كفالة حق المواطنين دون تمييز في الالتجاء إلى القضاء ، ولذلك يرفض بعض الفقه القانوني وجود المحاكم الخاصة الموجودة في نظام القضاء المصري مثل محاكم أمن الدولة ( المؤقتة ) التي أنشئت تطبيقا لقانون الطوارىء رقم 162 لسنة 1958 ، والمحكمة الخاصة بمحاكمة رئيس الجمهورية ( المادة ( 58 من الدستور ) والمحكمة الخاصة بمحاكمة الوزراء
(1) الوسيط د / أحمد السيد صاوي ص 31 ، ضمانات التقاضي دراسة تحليله مقارنة د / آمال الفزايري بند 14 ص 45 0
(2) النظام القضائي والاختصاص د / أمينة النمر ص 33 0
- 314 -
( المادة 160 من الدستور ) لأن وجود مثل هذه المحاكم يعتبر خروجا على مبدأ المساواة (1) 0
ولقد نص المشرع صراحة على كفالة حق التقاضي والمساواة بين المواطنين في حق الالتجاء إلى القضاء وذلك في الدستور المصري الصادر في 11 سبتمبر سنة 1971 والمعدل سنة 1980 حيث نص المشرع على أنه ( التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة ، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي 000 ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء ) (2) 0
ويعتبر هذا النص تتوبجا لمرحلة طويلة من التطور الذي لحق بمبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي (3) 0
وكذلك نص الدستور المصري على مبدأ المساواة في موضع آخر فنص المشرع على أنه ( المواطنين لدى القانون سواء ، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ) (4) 0
مما تقدم يتبين لنا أن القانون المصري قد أخذ بمبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي فلجميع الأشخاص على السواء الحق في الحماية القانونية لا فرق في استعمـال هذا الحق بين شخص وآخر مهما تفاوتت منازلهم ، ولا يختلف اختصاص المحاكم إلا بسبب قيمة الدعوى أو نوع النزاع دون النظر لأشخاص المتقاضين وذلك لأن الأخــــذ بمبدأ المسـاواة أمام القضاء يحقق نزاهة القاضي باعتبار أن المساواة هي المظهر الملمـوس لمبدأ حياد القاضي (5) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسيط د / أحمد السيد صاوي بند 18 ص 35 ، ضمانات التقاضي د / آمال الفزايري بند 14 ص 45 0
(2) المادة ( 68 ) من الدستور المصري 0
(3) المساواة أمام القضاء وكفالة التقاضي ، عبد الغني بسيوني عبد الله – مطبعة منشأة دار المعارف بالإسكندرية سنة 1983 ص 135 0
(4) المادة ( 40 ) من الدستور المصري 0
(5) مبادئ المرافعات أ 0 د / عبد الباسط جميعي ص 181 ، 182 ، ضمانات التـقاضي د / آمال الفزايري بند 14 ص 45 ، محاضرات في قانون المرافعات لأستاذنا الدكتور : حامد أبو طالب الكتاب الأول – النظام القضائي ص 31 0
315 –
الموازنة بين الشريعة والقانون بالنسبة لمبدأ المساواة
بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي
************************
مما سبق ذكره يتأكد لنا أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي وقد ذكرنا آنفا كثيرا من المواقف للقضاة في الفقه الإسلامي ظهر منها أن الفقه الإسلامي قد أخذ بمبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي على إطلاقه وذلك لأن الفقه الإسلامي جعل العدل أساس لتحقيق الحياة الآمنة المستقرة وجعل المساواة أساسا لتحقيق العدل فمبدأ المساواة من المبادىء المستقرة في الفقه الإسلامي ولذلك يعتبر القضاء في الفقه الإسلامي بحق قضاء المساواة 0
كذلك أخذ المشرع المصري مبدأ المساواة أمام القضاء وجعله من أهم المبـادىء التي يؤسس عليها النظام القضائي المصري ، وبذلك يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الأخذ بمبدأ المساواة بين المتقاضين وكفالة حق التقاضي وذلك لما لهذا المبدأ من أهمية بالغة في تحقيق نزاهة القاضي وحيدته ولكون الفقه الإسلامي له فضل السبق في الأخذ بـهذا المبدأ 0
- 316 -
الفصـل الثانـي
كيفية تحقق ضمانات نزاهة القاضي
************************
تمهيــد :
لما كان القضاء من أجل المهن قدرا وأعزها مكانة وأشرفها مركزا لأن به تحفظ الحقوق والأنفس وبين الحلال والحرام وهو من وظائف الأنبياء والمرسلين ولذلك قال تعالى: ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) (1) 0
ولكي يقوم القاضي بـهذه الوظيفة على أكمل وجه يجب أن يتصف بالنزاهة وتتحقق هذه النزاهة من خلال المباحث الآتية :
المبحث الأول :
قطع ما يؤدي إلى المحابـــــاة في الفقـــــه الإسلامــــي
والقانـــــون الوضعـــي 0
المبحث الثاني :
عدم مباشرة القاضي للبيع والشــــراء بنفســـــــه
لنفسه ولغيره في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي 0
المبحث الثالث :
عدم قضاء القاضي بعلمه في الفقــــه الإسلامـــــــي
والقانـــــون الوضعـــــــي 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ( ص ) الآية رقم ( 26 ) 0
- 317 -
المبحث الأول
قطـع ما يؤدي إلى المحابــــاة
***********************
تمهيــد :
القاضي في محل ولايته يعتبر ممثل العدالة ، فحرى به أن يربأ بنفسه عن المحاباة في قضائه فلا يميل لخصم ولا يقضي لـه لقرابة ولا لرغبة ولا لرهبة لأن الحكم في الإسلام لا يعرف المجاملة ولا المحسوبية فيجب على القاضي أن ينأى بنفسه عن أخذ أي شيء من الخصوم تثير الشك حول نزاهته التي يجب أن يتمتع بـها وتدعوه إلى محاباة أحد الخصوم على غيره ولذلك سوف نتحدث بمشيئة الله وتوفيقه في هذا المبحث عن طرق قطع ما يؤدي إلى محاباة القاضي لأحد الخصوم وذلك من خلال المطالب الآتية :
المطلب الأول :
عدم قبول القاضي للرشوة وموقف الفقه الإسلامــــــــي
والقانون الوضعي من ذلك 0
المطلب الثاني :
عدم قبول القاضي للهدايــــــــــا من الخصــوم وموقف
الفقه الإسلامي والقانون الوضعي 0
المطلب الثالث :
عـــدم حضور القاضي للولائم وقبول الدعوات الخاصـــة
وموقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من ذلك 0
- 318 -
المطلب الأول
عدم قبول القاضي للرشوة
وموقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
*********************************
تمهيــد :
سبق وأن ذكرنا عند الحديث عن رزق القاضي أن الرأي الراجح في الفقه الإسلامي أنه يجوز للقاضي أخذ أجرا على عمله من بيت مال المسلمين ( خزانة الدولة ) لأنه عامل من عمال المسلمين بل من أجل عمالهم وأشرنا أيضا إلى أنه يجب التوسعة على القاضي في الرزق وأن يعطي من المال ما يكفيه هو وأسرته حتى لا يتطلع إلى ما عند الناس وحتى يتفرغ لأداء الواجب الملقي على عاتقه وهو الفصل بين الناس في الخصومات وهو هادىء البال وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء 0
لذلك سنتحدث بمشيئة الله في هذا المطلـــب عن موقف الفقـــه الإسلامي والقانون الوضعي من أخذ القاضي للرشوة وأثر ذلك على قضائــــه من خلال ما يلي :
الفــــرع الأول :
موقف الفقه الإسلامي من أخذ القاضي للرشوة وأثر ذلك 0
الفـرع الثاني :
موقف القانون المصري من أخذ القاضي للرشوة وأثر ذلك 0
- 319 -
الفـرع الأول
موقف الفقه الإسلامي من أخذ القاضي للرشوة
وأثــر ذلـك على قضائـــه
********************
أولا – تعريف الرشوة لغة وشرعا :
( أ ) تعريف الرشوة لغة :
مأخوذة من الرشاه وهو الحبل الذي يربط به الدلو لينزع الماء من البئر ، والرشوة بكسر الراء وضمها والجمع ( رشا ) ومنها رشا الفرخ إذا مد عنقه إلى أمه لتؤكلـــه ، و ( ارتشى ) أخذ الرشوة ، و ( استرشى ) في حكمه أي طلب الرشوة عليه ، و ( أرشاه ) أعطاه الرشوة ) (1) 0
( ب ) تعريف الرشوة شرعا :
هي : ما يبذل للقاضي من مال أو غيره ليحكم بغير الحق أو ليمتنع عن الحق ، وقيل هي إعطاء مال ونحوه إلى مسئول لقضاء مصلحة بعيدة المنال لمعطي المال ، ونحوه سواء أكانت موصلة إلى حق أو إلى باطل (2) 0
والمتأمل في التعريف اللغوي والشرعي للرشوة يجد أن بينهما مناسبة وهي أن المرتشي يمد عنقه إلى الراشي لينال منه الرشوة ، والرشوة حبل يمده الراشي لينزع به غير الحـق 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح للرازي – باب الراء ص 143 ، الروضة الندية شرح الدرر البهية ، لأبي الطبيب صديق بن حسن بن على الحسني البخاري – مكتبة دار التراث جـ 2 ص 251 ، نظام القضاء في الإسلام د / إبراهيم عبد الحميد ص 99 0
(2) مغني المحتاج للشربيني الخطيب جـ 4 / ص 392 ، نـهاية المحتاج للرملي جـ 8 ، ص 255 ، الروضة الندية شرح الدرر البهية لأبي الطبيب صديق بن على الحسني البخــاري – حقيقة وراجعه عبد الله بن إبراهيم الأنصاري – طبع على نفقة الشئون الدينيــــــة جـ 2 ص 362 0
- 320 -
ثانيا – موقف الفقه الإسلامي من أخذ القاضي للرشوة :
لا خلاف بين الفقهاء على أن الرشوة حرام مطلقا لا يجوز قبولها ويتأكد تحريمها بالنسبة للقاضي ، بل إن الرشوة تعتبر كبيرة من أكبر الكبائر التي تؤدي بمرتكبها إلى الفسق وعدم الصلاحية للولاية (1) والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والمعقـول : نذكر منها :
أ – من الكتــاب :
( 1 ) قوله تعالى :
} ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بـها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من
أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون { (2) 0
وجه الدلالة من الآية :
لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام أي لا تصانعوهم بـها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم (3) 0
( 2 ) روي في تفسير قوله تعالى : } أكالون للسحت { (4) 0
أي أكالون للرشوة ، حيث حكى ابن رسلان في شرح السنن عن الحسن وسعيد بن جبير أنـهما فسرا قوله تعالى : ( أكالون للسحت ) بالرشوة ، وحكى عن مسروق عن ابن مسعود أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة ؟ فقال : " لا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته فيهدي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة الندية شرح الدرر البهية لأبي الطيب صديق البخاري جـ 2 ص 363 ، القضاء في الإسلام أ 0 د / إبراهيم عبد الحميد ص 100 ، كتاب الكبائر للإمام أبي عبد الله محمد شمس الدين الذهبي الدمشقي – دار الوعي حلب ص 99 ، القضاء في الإسلام للمستشار محمود الشربيني ص 156 0
(2) سورة البقرة الآية رقم ( 188 ) 0
(3) كتاب الكبائر للإمام أبي عبد الله محمد شمس الدين الدمشقي ص 99 0
(4) سورة المائدة آية رقم ( 42 ) 0
- 321 -
لك فإن أهدى لك فلا تقبل ، وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد التابعين ( القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر (1) 0
( 3 ) قولـه تعالى : } يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكــــــــــــم رحيما { (2) 0
( 4 ) وقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين { (3) 0
فهذه الآيات وهي قليل من كثير توضح لنا أن من طرق الكسب الخبيثة والمحرمة الرشوة فهي أكل لأموال الناس بالباطل ، وأخذ الرشوة عنوان على خسة النفس وتجردها من الشرف والكمال لأنها خلل فى نظام المجتمع البشري وفساد في بنيانه ، وآخذ الرشوة مستهين بالقانون غير محرم له (4) 0
ب – ومن السنة النبوية الكريمة :
لقد وضح الرسول - صلى الله عليه وسلم- أن الإسلام قد حرَّم إعطاء الرشـــوة للحكام وأعوانـهم من القضاه خاصة كما حرَّم على القضاه أن يقبلوها إذا بذلت لهـــم ، وحذر على غيرهم أن يتوسط بين الآخذين والدافعين أي بين الراشي والمرتشي مــن ذلك ما يلي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار للشوكاني جـ 8 ، ص 306 ، الروضة الندية شرح الدرر البهيــة جـ 2 ، ص 363 0
(2) سورة النساء الآية رقم ( 29 ) 0
(3) سورة المائدة الآية رقم ( 87 ) 0
(4) انعزال وعزل القاضي د / رشدي شحاته أبو زيد – الطبعة الأولى – دار الفكــر العربي – ص 199 0
- 322 -
( 1 ) ما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم (1) 0
( 2 ) وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعنة الله على الراشي والمرتشي ) (2) 0
( 3 ) وعن ثوبان قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتش والرائشي يعني الذي يمشى بينهما ) (3) 0
فهذه الأحاديث تدل على أن أخذ القاضي للرشوة حرام في كل الأحوال سواء أخذها ليحكم لصاحبها بالحق أو ليمتنع من الحكم بالحق أو ليتوصل بها إلى أخذ حق غيره ، دون فرق بين هذه الحالات لأن الآخذ فاسق بـهذا الأخذ ومرتكب للإثم أما الراشي الذي يعطي الرشوة فهو مرتكب للحرام أيضا إذا أراد بـها التوصل إلى حق غيره أو منــع القاضي من الحكم بالحق ، وإما إذا كان الراشي لا يصل إلى حقه إلا بالرشوة فقد أجاز بعض الفقهاء ذلك والحرمة على الآخذ دون المعطي لأنه دفعها لاستيفاء حقه فهي كجعل الآبق ، وذهب بعض الفقهاء إلى الحرمة على المعطى أيضا لأنـها توقع الحاكم أو القاضـي في الإثم (4) 0
جـ : ومن المعقــول :
أن الأصل أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه وقد انضم إلى هذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الترمذي في سننه – 13 – كتاب الأحكام ، 9 – باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم – الجزء الثالث ص 613 ، رقم الحديث 1336 ، الطبعة الثالثة سنة 1396 هـ - 1976م ، وقال حديث حسن صحيح ولم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي ، تحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي 0
(2) سنن أبي داود – طبعة مصطفى الحلبي 2 / 192 0
(3) سنن إبن ماجه – طبعة عيسى الحلبي 2 / 775 رقم الحديث 2313 0
(4) سبل السلام للصنعاني 4 / 124 0
- 323 -
الأصل كون الدافع إنما دفعه لأحد أمرين : إما لينال به حكم الله إن كان محقا وذلك لا يحل لأن المدفوع في مقابله أمر واجب أوجب الله عز وجل على الحاكم الصدع به فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئا من الحطام ؟ وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلا فذلك أقبح لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور فهو أشد تحريما من المال المدفوع للبغي في مقابلة الزنا بـها لأن الرشوة يتوصل بـها إلى أكل مال الغير الموجب لإحراج صدره والإضرار به بخلاف المدفوع إلى البغي فالتوسل به إلى شيء محرم وهو الزنا لكنه مستلذ للفاعل والمفعول به وهو أيضا ذنب بين العبد وربه (1) 0
ثالثا – أثر الرشوة على قضاء القاضي :
إذا أخذ القاضي الرشوة بطل قضاؤه في القضية التي قضى فيها بالرشوة حتى وإن كان قضاؤه فيها موافقا للحق ، كما يبطل قضاؤه أيضا في غيرها من القضايا لأنه ينعزل في نفس اللحظة التي تناول فيها الرشوة ، حيث اختلت عدالته وأصبح كالأجير عند الراشي يعمل لحسابه لا لحساب المسلمين (2) 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار للشوكاني 8 / 306 0
(2) نظام القضاء في الإسلام أ د / إبراهيم عبد الحميد ص 101 ، 102 0
هذا الموضوع منقول من الاستاذ و المستشار القانوني إبراهيم خليل .. حسب القانون المصري