أبومنير
23-10-2008, 12:40 PM
وقفات مع حديث الوصايا الخمس {2}
الحمد لله الذي جعل الشريعة محتوية على الهدى والشفا والنور ، وأوصل من استرشد بكلامه وكلام رسوله إلى كل خير وسرور ، أحمده سبحانه وأشكره ،على آلائه الباطنة والظاهرة، وهو الغفور الشكور ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،شهادة نرجوا بها الوصول إلى دار القرار والسرور ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صل الله وسلم وبارك عليه صلاة دائمة متصلة ما توالت الأيام والدهور ، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرض والنشور، أما بعد:فأوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة المذنبة بتقوى الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
معاشر المسلمين: لازال حديثنا متواصل ،مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، في الحديث الذي رواه أبوهريرة ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام « اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ».وقد تحدثنا في الجمعة الماضية، عن وصيتين من هذه الوصايا ، وهما قوله عليه الصلاة والسلام {اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ } ونكمل اليوم بقيت هذا الحديث وقد وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : {وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا} أي: مالم تحسن إلى جارك فلن تكون كامل الإيمان، فقد أمر الله سبحانه وتعالى ،بالإحسان إلى الجيران، فقال تعالى {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً، وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }.وقد كثرت الأحاديث أيضا في ذلك :فمنها قوله: صلى الله عليه وسلم « مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ ،حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ » .وقوله: صلى الله عليه وسلم « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ »وقوله: صلى الله عليه وسلم « خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ ». فإذا لم تقدر أخا الإسلام ،على الإحسان إلى جارك، فكف الأذى عنه ، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى، ولا يكفي احتمال الأذى فقط، بل لابد من الرفق وإسداء الخير والمعروف ،، وأما أذى الجار فَمُحَرَّمٌ، لأن الأذى بغير حق، مُحَرَّمٌ لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريما. ففي "الصحيحين" عن ابن مسعود، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ « أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ » . قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ ، قُلْتُ ثُمَّ أَىُّ قَالَ « وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » . قُلْتُ ثُمَّ أَىُّ قَالَ « أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ » . وفي سنن بن ماجة ،أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِى أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَنِّى قَدْ أَحْسَنْتُ، وَإِذَا أَسَأْتُ أَنِّى قَدْ أَسَأْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « إِذَا قَالَ جِيرَانُكَ إِنَّكَ قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ ،وَإِذَا قَالُوا إِنَّكَ قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ ».. ويقال إن الجار الفقير ، يتعلق بجاره الغني يوم القيامة، فيقول يارب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني ؟ .وقد روي أن محمد بن الجهم، قد عرض داره للبيع بخمسين ألف درهم ،فلما حضروا ليشتروا ،فقال بكم تشترون جوار سعيد بن العاص ؟ فقالوا والجوار يباع ، قال : وكيف لايباع جوار من إن سألته أعطاك ،وإن سكتَّ عنه ابتدأك، وإن أسأت إليه أحسن إليك ،وإن غبت عنه حفظك ، وإن نابتك حاجة فرج عنك ، فبلغ سعيدٌ ذلك فوجه إليه - أي لجاره - مائة ألف درهم وقال : أمسك دارك .وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ،يحث الجيران على التهادي والصلة، وكان ينهى عن احتقار ما يقدمه الجار لجاره، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم- قَالَ « تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ». وعن أبي ذر قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم« يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ » فأين نحن اليوم من هذا التعاهد وهذا الاحترام للجار ولحق الجوار ، الله المستعان..وأما قوله عليه الصلاة والسلام : {وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما} أي كامل الإسلام، وهو يفيد أنه على قدر نقصان هذا الحب ينقص الإسلام. وقد رتّب النبي على هذه الخصلة دخول الجنة، فقال: صلى الله عليه وسلم « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ ،فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَيَأْتِى إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ». وإنما يصل المرء إلى هذه الرتبة، بكمال سلامة صدره من الغش، والغل والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد، أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه ،فإن رأى في أخيه المسلم نقصا في دينه، اجتهد في إصلاحه، وإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه، فيتمنى لنفسه مثلها، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- قَالَ « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ ». فكن أخا الإسلام وفيا لإخوانك ،ومحبا لخلانك ، وإياك إياك أن تكون من إخوان السوء، الذين لا يحرصون إلا على مصالحهم، ولا يحبون إلا أنفسهم ،ولا يفكرون إلا في مشاكلهم ،وجلب منافعهم ،حتى ولو كان على حساب غيرهم ، وليكن أخا الإسلام نصب عينك، وفي ذاكرتك دائما وأبدا ،قول الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } حتى تتحقق الأخوة الصادقة ،والمحبة الخالصة، وحتى لا يحدث ما عناه الإمام الشافعي رضي الله عنه بقوله:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما بزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ونأكل بعضنا بعضا عيانا
نسأل الله السلامة والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ،إنه سميع قريب مجيب، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله ، الإمام المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج واقتفى . أما بعد عباد الله، وأما قوله عليه الصلاة والسلام : {ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب} ففيه النهي الظاهر عن كثرة الضحك، وبيان علة النهي وهي: {أن كثرة الضحك تميت القلب} أي: تجعله مغمورا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها شيئا من مكروه، وفي الحديث إيذان بالإذن في قليل الضحك لا سيما للمصلحة، وهذا هو هدي النبيين وعباد الله الصالحين، قال تعالى عن سليمان عليه السلام لما سمع قول النمل {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } وفي صحيح مسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ، قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- قَالَ نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِى أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ -صلى الله عليه وسلم-.وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول الله يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. ولقد بلغ من سماحة الإسلام، أن جعل التبسم وطلاقة الوجه، عند لقاء الأخ لأخيه من الصدقات. فعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ». إن الإسلام دين واقعي، لا يحلق في أجواء الخيال والمثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع. ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة ، ولكنه يعاملهم بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. لذلك لم يفرض عليهم – ولم يفترض فيهم – أن يكون كل كلامهم ذكرا، وكل صمتهم فكرا، وكل فراغهم في المسجد، وإنما اعترف بهم وبفطرهم وغرائزهم ،التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون، ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون. فلا بأس على المسلم أن يتفكه ويمزح بما يشرح صدره، ولا حرج عليه أن يروّح عن نفسه ونفوس رفقائه، بلهو مباح: على ألا يجعل ذلك ديدنه وخلقه في كل أوقاته، ويملأ به صباحه ومساءه، فينشغل به عن الواجبات ويهزل في موضع الجد ولذا قيل: أعط الكلام من المزح ،بقدر ما يُعطي الطعام من الملح وأخيرا ..نضيف إلى معلوماتنا الفقهية هذه المعلومة :وهي أن القهقهة في الصلاة تبطلها دون الوضوء فعند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود والجمهور واستدلوا على ذلك بقول أَبِى سُفْيَانَ الواسطي : سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَضْحَكُ فِى الصَّلاَةِ قَالَ : يُعِيدُ الصَّلاَةَ وَلاَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ.رواه البيهقي اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ومن الذين يقولون سمعنا وأطعنا اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة اللهم اجعل لنا من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية
الحمد لله الذي جعل الشريعة محتوية على الهدى والشفا والنور ، وأوصل من استرشد بكلامه وكلام رسوله إلى كل خير وسرور ، أحمده سبحانه وأشكره ،على آلائه الباطنة والظاهرة، وهو الغفور الشكور ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،شهادة نرجوا بها الوصول إلى دار القرار والسرور ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صل الله وسلم وبارك عليه صلاة دائمة متصلة ما توالت الأيام والدهور ، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرض والنشور، أما بعد:فأوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة المذنبة بتقوى الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
معاشر المسلمين: لازال حديثنا متواصل ،مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، في الحديث الذي رواه أبوهريرة ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام « اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ».وقد تحدثنا في الجمعة الماضية، عن وصيتين من هذه الوصايا ، وهما قوله عليه الصلاة والسلام {اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ } ونكمل اليوم بقيت هذا الحديث وقد وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : {وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا} أي: مالم تحسن إلى جارك فلن تكون كامل الإيمان، فقد أمر الله سبحانه وتعالى ،بالإحسان إلى الجيران، فقال تعالى {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً، وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }.وقد كثرت الأحاديث أيضا في ذلك :فمنها قوله: صلى الله عليه وسلم « مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ ،حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ » .وقوله: صلى الله عليه وسلم « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ »وقوله: صلى الله عليه وسلم « خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ ». فإذا لم تقدر أخا الإسلام ،على الإحسان إلى جارك، فكف الأذى عنه ، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى، ولا يكفي احتمال الأذى فقط، بل لابد من الرفق وإسداء الخير والمعروف ،، وأما أذى الجار فَمُحَرَّمٌ، لأن الأذى بغير حق، مُحَرَّمٌ لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريما. ففي "الصحيحين" عن ابن مسعود، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ « أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ » . قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ ، قُلْتُ ثُمَّ أَىُّ قَالَ « وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » . قُلْتُ ثُمَّ أَىُّ قَالَ « أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ » . وفي سنن بن ماجة ،أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِى أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَنِّى قَدْ أَحْسَنْتُ، وَإِذَا أَسَأْتُ أَنِّى قَدْ أَسَأْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « إِذَا قَالَ جِيرَانُكَ إِنَّكَ قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ ،وَإِذَا قَالُوا إِنَّكَ قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ ».. ويقال إن الجار الفقير ، يتعلق بجاره الغني يوم القيامة، فيقول يارب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني ؟ .وقد روي أن محمد بن الجهم، قد عرض داره للبيع بخمسين ألف درهم ،فلما حضروا ليشتروا ،فقال بكم تشترون جوار سعيد بن العاص ؟ فقالوا والجوار يباع ، قال : وكيف لايباع جوار من إن سألته أعطاك ،وإن سكتَّ عنه ابتدأك، وإن أسأت إليه أحسن إليك ،وإن غبت عنه حفظك ، وإن نابتك حاجة فرج عنك ، فبلغ سعيدٌ ذلك فوجه إليه - أي لجاره - مائة ألف درهم وقال : أمسك دارك .وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ،يحث الجيران على التهادي والصلة، وكان ينهى عن احتقار ما يقدمه الجار لجاره، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم- قَالَ « تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ». وعن أبي ذر قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم« يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ » فأين نحن اليوم من هذا التعاهد وهذا الاحترام للجار ولحق الجوار ، الله المستعان..وأما قوله عليه الصلاة والسلام : {وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما} أي كامل الإسلام، وهو يفيد أنه على قدر نقصان هذا الحب ينقص الإسلام. وقد رتّب النبي على هذه الخصلة دخول الجنة، فقال: صلى الله عليه وسلم « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ ،فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَيَأْتِى إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ». وإنما يصل المرء إلى هذه الرتبة، بكمال سلامة صدره من الغش، والغل والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد، أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه ،فإن رأى في أخيه المسلم نقصا في دينه، اجتهد في إصلاحه، وإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه، فيتمنى لنفسه مثلها، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- قَالَ « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ ». فكن أخا الإسلام وفيا لإخوانك ،ومحبا لخلانك ، وإياك إياك أن تكون من إخوان السوء، الذين لا يحرصون إلا على مصالحهم، ولا يحبون إلا أنفسهم ،ولا يفكرون إلا في مشاكلهم ،وجلب منافعهم ،حتى ولو كان على حساب غيرهم ، وليكن أخا الإسلام نصب عينك، وفي ذاكرتك دائما وأبدا ،قول الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } حتى تتحقق الأخوة الصادقة ،والمحبة الخالصة، وحتى لا يحدث ما عناه الإمام الشافعي رضي الله عنه بقوله:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما بزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ونأكل بعضنا بعضا عيانا
نسأل الله السلامة والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ،إنه سميع قريب مجيب، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله ، الإمام المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج واقتفى . أما بعد عباد الله، وأما قوله عليه الصلاة والسلام : {ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب} ففيه النهي الظاهر عن كثرة الضحك، وبيان علة النهي وهي: {أن كثرة الضحك تميت القلب} أي: تجعله مغمورا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها شيئا من مكروه، وفي الحديث إيذان بالإذن في قليل الضحك لا سيما للمصلحة، وهذا هو هدي النبيين وعباد الله الصالحين، قال تعالى عن سليمان عليه السلام لما سمع قول النمل {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } وفي صحيح مسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ، قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- قَالَ نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِى أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ -صلى الله عليه وسلم-.وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول الله يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. ولقد بلغ من سماحة الإسلام، أن جعل التبسم وطلاقة الوجه، عند لقاء الأخ لأخيه من الصدقات. فعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ». إن الإسلام دين واقعي، لا يحلق في أجواء الخيال والمثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع. ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة ، ولكنه يعاملهم بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. لذلك لم يفرض عليهم – ولم يفترض فيهم – أن يكون كل كلامهم ذكرا، وكل صمتهم فكرا، وكل فراغهم في المسجد، وإنما اعترف بهم وبفطرهم وغرائزهم ،التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون، ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون. فلا بأس على المسلم أن يتفكه ويمزح بما يشرح صدره، ولا حرج عليه أن يروّح عن نفسه ونفوس رفقائه، بلهو مباح: على ألا يجعل ذلك ديدنه وخلقه في كل أوقاته، ويملأ به صباحه ومساءه، فينشغل به عن الواجبات ويهزل في موضع الجد ولذا قيل: أعط الكلام من المزح ،بقدر ما يُعطي الطعام من الملح وأخيرا ..نضيف إلى معلوماتنا الفقهية هذه المعلومة :وهي أن القهقهة في الصلاة تبطلها دون الوضوء فعند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود والجمهور واستدلوا على ذلك بقول أَبِى سُفْيَانَ الواسطي : سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَضْحَكُ فِى الصَّلاَةِ قَالَ : يُعِيدُ الصَّلاَةَ وَلاَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ.رواه البيهقي اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ومن الذين يقولون سمعنا وأطعنا اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة اللهم اجعل لنا من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية