أبومنير
14-10-2008, 01:20 PM
أحوال الناس بعد رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أمابعــد: فأوصيكم أيها المسلمون ونفسي بتقوى الله عزَّ وجلَّ، اتقوا الله وبادروا بالأعمال ، قبل انقطاع الأمل وحلول الآجال {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }.
عباد الله: بالأمس القريب كنا في شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، نصوم نهاره، ونقوم ليله، ونتقرب إلى الله بأنواع القربات، طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام الفاضلة، والليالي المباركة، وقطعنا بها مرحلةً من حياتنا، لن تعود إلينا أبداً، وإنما يبقى لنا ما أودعناه فيها، من خيرٍ أو شر{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ،وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } . وهكذا كل أيام العمر، مراحل تقطعونها يوماً بعد يوم، في طريقكم إلى الدار الآخرة، فهي تُنْقِصُ من أعماركم وتقربكم من آجالكم، وَيُحْفَظُ عليكم ما عملتموه فيها، لِتُجَازُوا عليه في الدار الآخرة { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً }.
أيها المسلمون: إنه وإن انقضى شهر رمضان المبارك، فإن عمل المسلم بطاعة ربه، واستقامته على شريعة الإسلام ،ليس له نهايةٌ إلا عند الموت، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }
قال الحسن البصري رحمه الله {لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } وقال عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.
فاحذروا عباد الله: من الرجوع إلى المعاصي بعد رمضان، فإن رب الشهور واحد، وبئس القوم مَنْ لا يعرفون الله إلا في رمضان، بئس القوم، من لا يعرفون الله إلا في شهر واحد، مع التقصير والتفريط، ويعرضون عنه في أحد عشر شهراً.
فاتقوا الله أيها المسلمون ،ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فإن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، وإن الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها، أعظم جرماً وأشد إثماً مما كان قبل ذلك، وإن أمامكم ميزاناً توزن فيه حسناتكم وسيئاتكم { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ }.
أيها الإخوة في الله: إن الناظر المتأمل في حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، بعد مضي شهر رمضان، يجد فرقاً شاسعاً، وتناقضا كبيراً بين حالهم في رمضان، وحالهم بعده، وذلك أن المسلمين اليوم ،منقسمون بعد رمضان إلى أصنافٍ متعددة، فمنهم من استمر على طاعة الله، وتلاوة كتابه الكريم، والمحافظة على الصلوات وسائر العبادات، والبعد عن المحرمات، فهنيئاً له بقبول عمله، وهنيئاً له التأسي بـالسلف الصالح ،الذين كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أخرى أن يتقبله منهم، فكل أوقاتهم عبادة.
ومن الناس ويا للأسف الشديد، من كان صيام رمضان أثقل عليه من الجبال الرواسي، ويتمنى بزوغ هلال شوال، لينطلق من وثاقه، تُسَيِّرُهُ شياطين الجن والإنس، ليعيث في الأرض فساداً، وينتقل من معصيةٍ إلى أخرى، بدون وازع من دينٍ أو خلق، وما أكثر هؤلاء اليوم، الذين أَشْرَبُوا في قلوبهم حب المعاصي والمنكرات، وبغض الطاعات والقربات، والعياذ بالله ،فلم يكن لشهر رمضان أثرٌ في نفوسهم وقلوبهم، هجروا المساجد والمصاحف، وأقبلوا على شهواتهم وغفلاتهم، وفسادهم ومجونهم ولهوهم، هذا هو واقع كثيرٍ من أبناء الأمة الإسلامية، والمحسوبين عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
إن هذا الواقع المؤلم ،لا يُرْضِي إلا أعداء الإسلام، الذين يتربصون بنا الدوائر، ويتمنون انسلاخ أبناء المسلمين من دينهم وعقيدتهم، بل ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ورخيص، ووالله إنه ليحزن من كان في قلبه، أدنى مثقال حبة خردلٍ من إيمان، فاتقوا الله أيها المسلمون، واستقيموا على شريعة ربكم، واستمروا على طاعته، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ووجهوا أبناءكم ومن تحت أيديكم إلى طريق الرشاد.
واتقوا الله يا شباب الإسلام، فحافظوا على أوقاتكم، واعمروها بطاعة ربكم ولا تلهيكم الملهيات، فهي كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً.
واتقين الله أيتها النساء المسلمات، فاستقمن على طاعة الله والبعد عن معاصيه، قال تعالى { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى }وليكن شهر الصيام ،ذا أثرٍ بالغ على نُفُوسِكُن، ولازمن الحياء والحشمة وغضّ البصر، واحذرنَ من مزالق الشيطان وإغراءاته ، وابتعدن عن التبرج والسفور وإظهار المفاتن، واقتدين بالصالحات السالفات من المؤمنات.
واتقوا الله يا أيها الرجال، وانتبهوا لبيوتكم ومارسوا دوركم وبقوة ، وتحملوا مسئولياتكم ،تجاه زوجاتكم وأبنائكم وبناتكم، أبعدوهم عن كل مايدمر الأخلاق ، ويثير الشهوات ، وعن كل الظواهر المشينة ،التي تدمر المجتمع وتفسد الأخلاق، ربوهم على طاعة الله والبعد عن معاصيه ، فأنتم مسئولون عنهم ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ،لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفقنا إلى مايحبه ويرضاه ، من صالح القول والعمل ، إنه سميع قريب مجيب .أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمةً للعالمين ،وقدوةً للخلائق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعــد: اتقوا الله عباد الله وتوبوا إليه، واشكروه على سوابغ نعمه وآلائه. ومن شكره المداومة على طاعته وعبادته.
معاشر المسلمين : إن مقابلة نعمة التوفيق لإكمال شهر الصيام بارتكاب المعاصي بعد خروجه، يعتبر من تبديل نعمة الله كفراً، فمن عزم على معاودة المعاصي بعد رمضان، فيخشى أن يرد عليه صيامه، فاتقوا الله وداوموا على طاعته واجتناب معصيته، فإن كل وقتٍ يُخْلِيهِ العبد من طاعة الله فقد خسره، وكل ساعةٍ يغفل فيها عن ذكر ربه تكون عليه يوم القيامة حسرةً وندامة، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ،وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }. أيها المسلمون: إن فضل الله عليكم متواصل، ومواسم المغفرة لا تزال متتالية، لمن وفقه الله لاغتنامها، فإنه لما انقضى شهر رمضان المبارك، دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، فكذلك من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق ،رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
فما يمضي من عمر المؤمن ساعةٌ من الساعات، إلا ولله فيها عليه وظيفةٌ من وظائف الطاعات،فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه، فاشكروا الله على هذه النعم، واغتنموها بطاعته ، ولا تضيعوها بالغفلة والإعراض عنه.!! اللهم وفقنا والمسلمين جميعا لما تحب وترضاه، اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك ، واجعلنا من المقبولين الفائزين ، واجعلنا من عبادك الصالحين ، الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ، اللهم جنبنا وإياهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن ،اللهم أصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأصلح قادتهم وأمراءهم، وعلماءهم وشبابهم ونساءهم يا رب العالمين.اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم يا رب العالمين، .رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أمابعــد: فأوصيكم أيها المسلمون ونفسي بتقوى الله عزَّ وجلَّ، اتقوا الله وبادروا بالأعمال ، قبل انقطاع الأمل وحلول الآجال {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }.
عباد الله: بالأمس القريب كنا في شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، نصوم نهاره، ونقوم ليله، ونتقرب إلى الله بأنواع القربات، طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام الفاضلة، والليالي المباركة، وقطعنا بها مرحلةً من حياتنا، لن تعود إلينا أبداً، وإنما يبقى لنا ما أودعناه فيها، من خيرٍ أو شر{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ،وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } . وهكذا كل أيام العمر، مراحل تقطعونها يوماً بعد يوم، في طريقكم إلى الدار الآخرة، فهي تُنْقِصُ من أعماركم وتقربكم من آجالكم، وَيُحْفَظُ عليكم ما عملتموه فيها، لِتُجَازُوا عليه في الدار الآخرة { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً }.
أيها المسلمون: إنه وإن انقضى شهر رمضان المبارك، فإن عمل المسلم بطاعة ربه، واستقامته على شريعة الإسلام ،ليس له نهايةٌ إلا عند الموت، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }
قال الحسن البصري رحمه الله {لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } وقال عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.
فاحذروا عباد الله: من الرجوع إلى المعاصي بعد رمضان، فإن رب الشهور واحد، وبئس القوم مَنْ لا يعرفون الله إلا في رمضان، بئس القوم، من لا يعرفون الله إلا في شهر واحد، مع التقصير والتفريط، ويعرضون عنه في أحد عشر شهراً.
فاتقوا الله أيها المسلمون ،ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فإن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، وإن الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها، أعظم جرماً وأشد إثماً مما كان قبل ذلك، وإن أمامكم ميزاناً توزن فيه حسناتكم وسيئاتكم { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ }.
أيها الإخوة في الله: إن الناظر المتأمل في حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، بعد مضي شهر رمضان، يجد فرقاً شاسعاً، وتناقضا كبيراً بين حالهم في رمضان، وحالهم بعده، وذلك أن المسلمين اليوم ،منقسمون بعد رمضان إلى أصنافٍ متعددة، فمنهم من استمر على طاعة الله، وتلاوة كتابه الكريم، والمحافظة على الصلوات وسائر العبادات، والبعد عن المحرمات، فهنيئاً له بقبول عمله، وهنيئاً له التأسي بـالسلف الصالح ،الذين كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أخرى أن يتقبله منهم، فكل أوقاتهم عبادة.
ومن الناس ويا للأسف الشديد، من كان صيام رمضان أثقل عليه من الجبال الرواسي، ويتمنى بزوغ هلال شوال، لينطلق من وثاقه، تُسَيِّرُهُ شياطين الجن والإنس، ليعيث في الأرض فساداً، وينتقل من معصيةٍ إلى أخرى، بدون وازع من دينٍ أو خلق، وما أكثر هؤلاء اليوم، الذين أَشْرَبُوا في قلوبهم حب المعاصي والمنكرات، وبغض الطاعات والقربات، والعياذ بالله ،فلم يكن لشهر رمضان أثرٌ في نفوسهم وقلوبهم، هجروا المساجد والمصاحف، وأقبلوا على شهواتهم وغفلاتهم، وفسادهم ومجونهم ولهوهم، هذا هو واقع كثيرٍ من أبناء الأمة الإسلامية، والمحسوبين عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
إن هذا الواقع المؤلم ،لا يُرْضِي إلا أعداء الإسلام، الذين يتربصون بنا الدوائر، ويتمنون انسلاخ أبناء المسلمين من دينهم وعقيدتهم، بل ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ورخيص، ووالله إنه ليحزن من كان في قلبه، أدنى مثقال حبة خردلٍ من إيمان، فاتقوا الله أيها المسلمون، واستقيموا على شريعة ربكم، واستمروا على طاعته، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ووجهوا أبناءكم ومن تحت أيديكم إلى طريق الرشاد.
واتقوا الله يا شباب الإسلام، فحافظوا على أوقاتكم، واعمروها بطاعة ربكم ولا تلهيكم الملهيات، فهي كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً.
واتقين الله أيتها النساء المسلمات، فاستقمن على طاعة الله والبعد عن معاصيه، قال تعالى { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى }وليكن شهر الصيام ،ذا أثرٍ بالغ على نُفُوسِكُن، ولازمن الحياء والحشمة وغضّ البصر، واحذرنَ من مزالق الشيطان وإغراءاته ، وابتعدن عن التبرج والسفور وإظهار المفاتن، واقتدين بالصالحات السالفات من المؤمنات.
واتقوا الله يا أيها الرجال، وانتبهوا لبيوتكم ومارسوا دوركم وبقوة ، وتحملوا مسئولياتكم ،تجاه زوجاتكم وأبنائكم وبناتكم، أبعدوهم عن كل مايدمر الأخلاق ، ويثير الشهوات ، وعن كل الظواهر المشينة ،التي تدمر المجتمع وتفسد الأخلاق، ربوهم على طاعة الله والبعد عن معاصيه ، فأنتم مسئولون عنهم ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ،لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفقنا إلى مايحبه ويرضاه ، من صالح القول والعمل ، إنه سميع قريب مجيب .أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمةً للعالمين ،وقدوةً للخلائق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعــد: اتقوا الله عباد الله وتوبوا إليه، واشكروه على سوابغ نعمه وآلائه. ومن شكره المداومة على طاعته وعبادته.
معاشر المسلمين : إن مقابلة نعمة التوفيق لإكمال شهر الصيام بارتكاب المعاصي بعد خروجه، يعتبر من تبديل نعمة الله كفراً، فمن عزم على معاودة المعاصي بعد رمضان، فيخشى أن يرد عليه صيامه، فاتقوا الله وداوموا على طاعته واجتناب معصيته، فإن كل وقتٍ يُخْلِيهِ العبد من طاعة الله فقد خسره، وكل ساعةٍ يغفل فيها عن ذكر ربه تكون عليه يوم القيامة حسرةً وندامة، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ،وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }. أيها المسلمون: إن فضل الله عليكم متواصل، ومواسم المغفرة لا تزال متتالية، لمن وفقه الله لاغتنامها، فإنه لما انقضى شهر رمضان المبارك، دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، فكذلك من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق ،رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
فما يمضي من عمر المؤمن ساعةٌ من الساعات، إلا ولله فيها عليه وظيفةٌ من وظائف الطاعات،فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه، فاشكروا الله على هذه النعم، واغتنموها بطاعته ، ولا تضيعوها بالغفلة والإعراض عنه.!! اللهم وفقنا والمسلمين جميعا لما تحب وترضاه، اللهم وفقنا لطاعتك ومرضاتك ، واجعلنا من المقبولين الفائزين ، واجعلنا من عبادك الصالحين ، الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ، اللهم جنبنا وإياهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن ،اللهم أصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأصلح قادتهم وأمراءهم، وعلماءهم وشبابهم ونساءهم يا رب العالمين.اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم يا رب العالمين، .رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.